الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفخر:
الفخر هو التغني بالأمجاد، ويكون عادة بادعاء أشياء للنفس أو للقبيلة ليست في متناول الجميع بيسر وسهولة، وهو في الشعر الجاهلي نوعان: شخصي وقبلي، ومن خير الأمثلة له: معلقة عمرو بن كلثوم ومعلقة الحارث بن حلزة وهما في الفخر القبلي، ومعلقة طرفة ومعلقة عنترة، وهما في الفخر الشخصي، والنوعان في معلقة لبيد، وقد ورد الفخر في كثير من القصائد للشعراء المذكورين من أصحاب المعلقات وغيرهم. مثل عامر بن الطفيل، وعبيد بن الأبرص، وسلامة بن جندل، والحصين بن الحمام، وفي أشعار كثير غير هؤلاء، بل إن كل شاعر جاهلي تقريبًا لا يخلو شعره من الفخر.
وكان الفخر عند الجاهليين يقوم عادة على التغني بالبطولة والشهامة، وكثرة الحروب، وشن الغارات، والنصر والغلبة، والقوة، والبأس، والعدد، والخيل، والإبل، والسلاح، وإثارة الفزع في نفوس الأعداء، ومنازلة الملوك والرؤساء، وكثرة الغنائم، والأسرى والسبايا، كما كانوا يتباهون بالأصل والنسب والحسب والآباء والأجداد، وما كان لهم من مفاخر وأمجاد، وبأصالة الرأي، وسداد القول، وبعد النظر، وكمال العقل، والوقار والرزانة والحلم والأناة، والمروءة، والوفاء، وبالمحبة والصفاء بين العشيرة، وسد حاجة المحتاج منهم، وتحمل الغني أعباء القبيلة، ورعاية للفقراء منها، والصفح فيما بينهم عن هفوات بعضهم، وعدم التفاخر فيما بينهم، وتضامنهم، وعظم المجالس، واحترامهم، وبعدهم عن الفحش، والصغار، وبشرب الخمر، والتفاني في شرابها وإسقائها للآخرين، والتضحية في سبيلها بأكرم الأموال، وأغلى الممتلكات، وبالطيب، وطول الثياب، ولعب الميسر، والقمار، وعقر النوق، والتباري في عقرها، وإكرام الضيفان، واتساع النادي، وكثرة الجفان وبرعاية الجار، والمحافظة على شرفه، وأمواله، وكذلك اللاجئ وإغاثة الملهوف، وتلبية النداء في غير ما توانٍ أو تلكؤ، كما تفاخروا بالفصاحة والبيان، وجيد القول، وروائع الشعر، والغلبة في المناقشة والجدال.
ومن أمثلة الفخر ما جاء في قصيدة لسويد بن أبي كاهل اليشكري، يتغنى بأمجاد قومه، إذ يقول114:
114 المفضليات، ص 194، ب: 32-44.
من أناس ليس من أخلاقهم
…
عاجل الفحش، ولا سوء الجزع115
عرف للحق، ما نعيا به
…
عند مر الأمر، ما فينا خرع116
وإذا هبت شمالًا أطعموا
…
في قدور مشبعات لم تجع117
وجفان كالجوابي ملئت
…
من سمينات الذرا فيها ترع 118
لا يخاف الغدر من جاورهم
…
أبدا منهم ولا يخشى الطبع119
ومساميح بها ضن به
…
حاسروا الأنفس عن سوء الطمع120
حسنو الأوجه بيض سادة
…
ومراجيح إذا جد الفزع121
وزن الأحلام إن هم وازنوا
…
صادقو البأس إذا البأس نصع122
وليوث تتقي عرتها
…
ساكنو الريح إذا طار القزع123
فيهم ينكى عدو وبهم
…
يرأب الشعب إذا الشعب انصدع124
115 لا يقصد الشاعر أن يقول إنهم لا يعجلون بالفحش كما يعجل غيرهم، وإنما يقصد أنهم لا فحش عندهم البتة، ولا يجزعون للمصيبة.
116 الخزع: اللين والضعف، أى لا يستثقلون الحق عند الشدائد؛ لأنهم شجعان، وليس فيهم ضعف ولا جبن.
117 شمالا: أى ريح الشمال، يقصد أوقات القحط والمجاعة، مشبعات: مملوءات. لم تجع: لا تخلو من الطعام أبدًا.
118 الجفان: جمع جفنة وهي إناء الطعام، الجوابي: جمع جابية، وهي الحياض الكبار التي يجمع فيها الماء. الذرا، جمع ذروة. والذروة من كل شيء أعلاه، ويريد بها أسنمة الإبل. ترع: امتلاء وشبع. يقصد تشبع الآكلين وترضيهن.
119 الطبع: تلطخ العرض، ويقصد بها هنا كل عيب، أي أن جارهم آمن مطمئن، في حفظ ورعاية واحترام.
120 مساميح: أجواد، حاسروا الأنفس: كاشفوها، أي يبعدون أنفسهم عن الطمع، أي هم كرام أجواد، يعطون ولا يأخذون.
121 حسنو الأوجه: أي كلهم طهارة وشرف، أو بشاشة وحسن لقاء. مراجيح: راجحو القلوب: أي ثابتون، لا يستخفهم الفزع، لأنهم ليسوا بجبناء.
122 الأحلام: العقول. أي هم ذوو رأي سديد، يقلبون الأمور على وجوهها، ثم يبدون آراءهم فتجيء محكمة سديدة لحسن عقولهم واتزان تفكيرهم. نصع: ظهر واتضح. أي هم الأقوياء أبطال صادقون في وقت الشدائد.
123 العرة: الأذى. ساكنو الريح: ثابتو الروع، رزينون. القزع: جمع قزعة، وهي القطع المتفرقة من السحاب، يشبه به خفاف القوم الذين ليست فيهم ركانة ولا رزانة.
124 نكيت العدو، ونكيت فيه: أي أصبت فيهم، فأكثرت الجراح والقتل ووهنوا لذلك. الشعب: الصدع والتفرق، وهو من الأضداد فيكون بمعنى الالتئام أيضا. يرأب: يصلح.
عادة كانت لهم معلومة
…
في قديم الدهر ليست بالبدع125
ومن أحسن ما ورد في الفخر القبلي ما قاله طرفة، وقد ذكر فيه يوم التحالق، وكان لبكر على تغلب، وكان الحارث بن عباد أشار عليهم قبل بدء القتال أن يحلقوا رءوسهم ليكون ذلك علامة لهم يعرف بها بعضهم بعضا126:
سائلوا عنا الذي يعرفنا
…
بقوانا يوم تحلاق اللمم127
يوم تبدي البيض عن أسؤقها
…
وتلف الخيل أعراج النعم128
ونكر الخيل في أدبارها
…
يوم لا يعطف إلا ذو كرم129
أجدر الناس برأس صلدم
…
حازم الأمر شجاع في الوغم130
كامل يجمع آلاء الفتي
…
نبه سيد سادات خضم131
125 البدع: الأمور المستحدثة.
126 ديوان طرفة، نشر الدكتور علي الجندي، قصيدة رقم 14.
127 قوانا: جمع قوة، وهي ضد الضعف. اللمم: جمع لمة، وهي الشعر الذي يلم بالمنكب ويلي شحمة الأذن، يوم تحلاق اللمم: وهو يوم قضة، وهي أول يوم انتصفت فيه بكر من تغلب في حرب البسوس، وكانت بنو بكر حلقت يوم تحلاق اللمم: وهو يوم قضة، وهي أول يوم انتصفت فيه بكر من تغلب في حرب البسوس، وكانت بنو بكر حلقت رءوسها ليعرف بعضهم بعضا، وخرجت معهم نساؤهم يحملن الماء، فكن إذا مررن بجريح من تغلب قتلنه، وإذا مررن بجريح من بني بكر عرفنه بحلق رأسه، فسقينه. وهنا ينتقل الشاعر إلى الفخر بقومه، فيتحدث عن بطولتهم في الحرب، فيقول للساميين: اسألوا من بلغته أنباؤنا، عن قوانا وبطولتنا المجيدة في موقعة قضة.
128 تبدي: تظهر وتكشف. البيض: النساء، يعنى أنهن يرفعن ذيولهن للهرب، يكشفن عن أسؤقهن. تلفت: تجمع. وأعراج: جمع عرج وهو القطيع من الإبل نحو الثمانين. أو منها إلى تسعين، أو مائة وخمسون وفويقها أو من خمسمائة إلى ألف، النعم: الإبل، والشاء، أو خاص بالإبل. يقول: لقد عم الفزع والرعب في هذا اليوم، حتى خرج النساء هاربات، وقد رفعن ذيولهن فكشفن عن سيقانهن، وولى العدو منهزمًا، فأخذت خيلنا أمواله كلها غنائم.
129 هذا البيت معناه: وكنا نعطف خيلنا على القتال، ونردها عن الكر والهجوم في ذلك اليوم العصيب، الذي ما كان ليجرؤ على الكر والهجوم فيه إلا بطل ذو أصل كريم.
130 أجدر الناس: أحقهم وأخلقهم. الرأس: الرئيس. صلدم: شديد. الوغم: القتال في الحرب. يقول: نحن أخلق الناس برئيس عظيم حازم شجاع أي هم الحي يقوم بنفسه، ولا يحتاج في معونة إلى غيره، فرئيسنا أعظم الرؤساء.
131 كامل: تام في الخلق، والخلق، والأداة. الآلاء: النعم، والصفات، والحالات، نبه: مرتفع الذكر. معروف. سيد سادات. رئيس الرؤساء. خضم: سيد، واسع العقل، حمول، معطاء. والمعنى: أن رئيسنا كامل في كل شيء، يجمع كل صفات الأبطال، ذائع الصيت، واسع العقل والتفكير، جواد، فهو سيد الرؤساء.
خير حي من معد علموا
…
لكفيّ ولجار وابن عم132
يجبر المحروب فينا ماله
…
ببناء وسوام وخدم133
نقل للشحم في مشتاتنا
…
نحر للنيب طراد القرم134
نزع الجاهل في مجلسنا
…
فترى المجلس فينا كالحرم135
وتفرعنا من ابني وائل
…
هامة المجد وخرطوم الكرم136
من بني بكر إذا ما نسبوا
…
وبني تغلب ضرابي البهم137
حين يحمي الناس نحمي سربنا
…
واضحي الأوجه معروفي الكرم138
بحسامات تراها رسبا
…
في الضريبات مترات العصم139
132 معد: فرع عدنان المشهور. علموا: عرفوا. الكفي: الكفء المماثل في النسب. يقول: نحن خير القبائل العدنانية، لا نحسد شريفًا؛ لأنا مثله أو أعلى منه، ونفضل على الجار وابن العم، وقد شهد لنا كل هؤلاء بذلك.
133 يجبر: يصلح، ويعوض. المحروب: الذي سلب ماله. السوام: المال الراعي. يقول: ونحن أكرم الناس وأعظمهم مواساة، من أخذ ماله يلجأ إلينا، فنبنيه بيتًا، ونعطيه سوامًا، وخدمًا.
134 المشتاة: موضع الإقامة وقت الشتاء. النيب: جمع ناب، وهي المسنة من الإبل: وتكون أكثر شحمًا من غيرها. القرم: شهوة اللحم، يقول: إذا جاء الشتاء، واشتد الزمان وقل الطعام، ننحر خير الإبل وأسمنها وننقل الشحم إلى الضيف والجار وجميع الناس، فيذهب القرم عن الناس جميعًا.
135 نزع الجاهل: نكفه وننهاه. الحرم: المكان الطاهر المقدس. يقول: مجلسنا شريف، نبيل، لا يوجد للجهل به، فلا يتكلم فيه بأذى، ولا يؤتى فيه بخنى.
136 تفرغنا: صعدنا وعلونا، يقال: فرعت الجبل إذا علوته، وأفرعت منه إذا انحدرت. ابني وائل: بكر وتغلب. هامة المجد: رأسه. والخرطوم: مقدم الشيء وأعلاه. يقول: نحن أشرف بني وائل، أعظمهم مجدًا. وأرفعهم منزلة.
137 ضرابي: جمع ضارب، البهم: جمع بهمة، وهو الشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى، لما يعلم من شجاعته، وللشجاعة مراتب، يقال: رجل شجاع، فإذا كان فوق الشجاع فهو نجد، فإذا كان فوق ذلك فهو بهمة، وما زاد على البهمة فهو أليس. يقول: فنحن ننسب إلى بكر وتغلب المشهورين بالبطولة والشجاعة وكرم المحتد.
138 السرب: المال الراعي. واضحي الأوجه: حسان الوجوه، لا تبدو عليها كآبة الجزع في الحروب، والواضح: هو الأبيض المنير. معروفي الكرم: مشهورين به. والمعنى: حين ينتشر الفزع، ويهب الناس للدفاع عن أموالهم، نحمى أموالنا بكل يسر وسهولة، ولا يبدو علينا أي أثر للهم أو الكآبة، لأننا مشهورون بالشجاعة والقوة والكرم.
139 بحسامات: جمع حسام: وهو السيف الذي يقطع اللحم والعظم. رسبًا: جمع راسب، وهو الذي يدخل في الضريبة ويغوص فيها. الضريبات: جمع ضريبة، وهي المضروبة. مترات: قاطعات مسقطات يقال: تر الشيء من يدي وأتررته. إذا أسقطته. العصم: المعاصم، جمع معصم، وهو موضع الأسورة. أي نحمي أموالنا بسيوف حادة، تقطع اللحم والعظم وتغوص في الضريبة وتبتر الأيدي بمجرد لمسها.
وقنا جرد وخيل ضمر
…
شزب من طول تعلاك اللجم140
هيكلات وفحول وقح
…
أعوجيات على الشأو أزم141
أدت الصنعة في أمتنها
…
فهي من تحت مشيحات الحزم142
تهص الأرض برح وقح
…
ورق يقعرن أنباك الأكم143
وتفرى اللحم من تعدائها
…
والتغالي فهي قب كالعجم144
خلج الشد ملحات إذا
…
شالت الأيدي عليها بالجذم145
140 القنا: جمع قناة، وهي الرمح جرداء، وهي الطويلة الملساء. شزب: جمع شازب، وهو الضامر. من طول تعلاك اللجم: يريد أن هذه الخيل تستعمل في الحروب كثيرًا، فلجمها لا تكاد تفارقها، فهي تعلكها أي تمضغها، فأضمرها ذلك، يقول: ومن أدوات قتالنا: الرماح الطويلة الملساء، والخيل الضامرة، المدربة في الحروب.
141 هيكلات: إناث طوال. وفحول: جمع فحل، وهو الحصان الكريم. وقح: جمع وقاح، وهو الصلب الحافر. أعوجيات: منسوبة إلى أعواج، وهو فحل من الخيل، معروف بالنجابة. وتنسب إليه الخيل العتاق. الشأو: السبق والغاية. أزم: جمع أزوم، وهو الذي يعض على فأس اللجام ويقبض عليه، وذلك إذا اعتمد الفرس في عدوه، عض على فأس لجامه. وقيل: الأزم: هي المكبة على الجري المعتمدة عليه، يقول: عندنا من الخيل جيادها: إناث ضخمة طويلة، وذكور قوية، صلبة الحوافر، كريمة الأصل، سريعة الجري، سباقة إلى الغايات.
142 الصنعة: القيام على الخيل بغير الطعام وحسن الرعاية، في أمتنها: أي ظهر أثر العناية بها إلى ظهورها: فاكتنز لحمها. من تحت: يعني من تحت أمتنها، فلما حذف المضاف إليه بني على الضم. مشيحات: جمع مشيحة، والمشيح هو الذي لحق بطنه بظهره ضمر وارتفع حزامه، وأصل الإشاحة: الجد والإنكماش. يقول: لقد كان لعناية القوم أثر كبير في أجسامها، فاكتنز لحمها. وضمرت حتى لحقت بطونها بظهورها.
143 تهص الأرض: تكسرها وتطؤها بشدة. برح: أي بحوافر رح أي واسعة منتفخة على هيئة القعب. وقح: صلبة الحوافر. ورق: جمع أورق. وهو ما يميل لونه إلى السواد. يقعون: يدخلن في الأرض لتقبب حوافرهن. أنباك: جمع نبك، وهي جمع نبكة. وهي أرض فيها صعود وهبوط، أو التل الصغير. الأكم: جمع أكمة، وهي الموضع الغليظ المرتفع. يقول: إن حوافر الخيل مقعبة قوية، تكسر الأرض، وتؤثر في الأماكن المرتفعة الغليظة.
144 تفرى: تذهب. التعداء: العدو. التغالي: التباري في العدو. قب: جمع أقب وقباء أي ضامرة. العجم: النوى. شبه الخيل به في صلابتها وضمرها. أي أن هذه الخيل من كثرة جريها، وتباريها في السباق أصبحت ضامرة، ليس فيها ترهل فهي صلبة الأجسام قوية.
145 خلج الشد: أي تجذب في الجري. والخليج: جذب الفرس رجليه في عدوه من السرعة والنشاط، وقيل معناه شديدات الشد. ملحات: مجتهدات. شالت: رفعت. بالجذم: الباء زائدة. والجذم: جمع جذمة وهي السوط. أي: وهذه الخيل نشيطة في الجري سريعة، وإذا رفعت عليها السياط أكثرت من الجري وداومت عليه.
قدما تنضو إلى الداعي إذا
…
خلل الداعي بدعوى ثم عم146
بشباب وكهول نهد
…
كليوث بين عريس الأجم147
نمسك الخيل على مكروهها
…
حين لا يمسك إلا ذو كرم148
تذر الأبطال صرعى بينها
…
تعكف العقبان فيها والرخم149
فطرفة هنا يفتخر بانتصار قومه في معركة يوم التحالق، وكان القتال فيها عنيفًا ثم يعدد أمجاد قومه: رئيسهم عظيم معطاء، حازم شجاع واسع العقل سيد الرؤساء، وهم خير القبائل العدنانية، وأكرم الناس وأكرمهم جودًا، وأعظمهم مجدًا، وأرفعهم منزلة، مشهورون بالبطولة والشهامة وكرم المحتد، عددهم خير الأسلحة وأمضاها، وخيلهم كريمة مدربة في الحروب قوية صلبة الأجسام، تحمل أبطالًا يحسنون قيادتها في وقت الشدة حين لا يستطيع ذلك إلا كل بطل كريم.
وقد سبق في معلقته فخر شخصي تباهى فيه بصفات الفتى القوي الشجاع والإنسان الكريم الطموح.
وكان الشاعر إذا تقدمت سنه وعلاه الشيب، تغنى بذكريات شبابه، وافتخر بما كان له
146 قدمًا: تتقدم الخيل. تنضو: تسرع وتتسلخ من الخيل. الداعي: المستصرخ المستغيث. خلل: خص بالدعوة. عم: جعل الدعوة عامة، للناس أجمعين. يقول: إن خيلنا إذا سمعت دعاء المستغيث أسرعت إليه على الفور، وتقدمت غيرها، سواء كانت دعوته للإغاثة خاصة أم عامة.
147 نهد جمع نهد، أو ناهد، وهو الذي ينهض لعدوه ويصمد له. الليوث: جمع ليث، وهو الأسد. والعريس والعريسة: موضع الأسد. والأجم: جمع أجمة. وهي الشجر الكثيف الملتف. شبههم بالليوث في جرأتهم، وخص ليوث الأجم. لأنها أشد إقدامًا وهجومًا لحمايتها. يقول: وخيلنا تسرع لنجدة المستغيث، وعليها شيب وشبان، كلهم أبطال شجعان، ذوو بأس وبطش.
148 على مكروهها: أي نمسك الخيل وتحس قيادتها على ما تكره من الطعن وقت القتال، أو نربطها ونحسن إليها على ما يكره من ارتباطها لشدة الزمان وصعوبته. ومعنى البيت: إننا نحسن العناية بالخيل، وقيادتها في وقت الشدة، حينما لا يستطيع ذلك إلا كل بطل كريم.
149 تذر: تترك. الأبطال: جمع بطل، وهو الشجاع، سمى بذلك لأن شجاعة غيره تبطل عنده. صرعى: جمع صريع، وهو القتيل. تعكف: تقيم. العقبان: جمع عقاب، وهو من سباع الطير. الرخم: جمع رخمة، وهي طائر معروف. يقول: إن فرساننا يقتلون الأبطال من الأعداء ولا يجرؤ على الاقتراب من الميدان لأخذ جثثهم ودفنها، بل تظل لحومهم هناك غذاء للوحوش.
ولقومه من أمجاد، من ذلك ما يقوله سلامة بن جندل السعدي150
أودى الشباب حميدًا ذو التعاجيب
…
أودى وذلك شأو غير مطلوب151
ولى حثيثا وهذا الشيب يطلبه
…
لو كان يدركه ركض اليعاقيب152
أودى الشباب الذي مجد عواقبه
…
فيه نلذ، ولا لذات للشيب153
يومان يوم مقامات وأندية
…
ويوم سير إلى الأعداد تأويب154
وكرنا خيلنا أدراجها رجعًا
…
كس السنابك من بدء وتعقيب155
والعاديات أسابيّ الدماء بها
…
كأن أعناقها أنصاب ترجيب156
من كل حت إذا ما ابتل ملبده
…
صافي الأديم أسيل الخد يعبوب157
في كل قائمة منه إذا اندفعت
…
منه أساو كفرع الدلو أثعوب 158
150 المفضلية22.
151 أودى: هلك، وأراد ذهب. ثم كررها على التفجيع والتوكيد. ذو التعاجيب: كثير العجب، يعجب الناظرين إليه ويروقهم، والتعاجيب جمع لا واحد له. الشأو: السبق، يقال شأوته إذا سبقته. يقول: وذلك الإبداء والذهاب شأو سابق، لا يدرك ولا يطلب.
152 حثيثًا: سريعًا. اليعاقيب: جمع يعقوب، وهو ذكر الحجل، وخصه لسرعته. يقول: لو كان ركض اليعاقيب يدركه لطلبته، ولكنه لا يدرك.
153 يقول: إذا تعقبت أمور الشباب وجد في عواقبه العز وإدراك الثأر والرحلة في المكارم، وليس في الشيب ما ينتفع به، إنما فيه الهرم والعلل.
154 يومان: أي لبنى سعد. المقامات: جمع مقامة، بفتح الميم، وهي المجلس، أو بضمها، وهي الإقامة. الأندية: الأفنية، والندي والنادي سواء، وهو ما حول الدار وإن لم يكن مجلسًا. يريد بيوم المقامات والأندية مواقف الخطابة ونحوها. التأويب: سير يوم إلى الليل.
155 الكر: الرجوع. أدراجها رجعًا: يقال رجع أدراجه وعلى أدراجه، أي في الطريق بدأ فيه. السنابك: مقادير الحوافر. والكسس: أصله تحات الأسنان، فاستعاره للسنابك، وأراد أنها تثلمت من كثرة السير لثلم الحجارة إياها وأكل الأرض لها. من بدء وتعقيب: من غزو ابتدأناه وغزو عقبناه به.
156 العاديات: الخيل. الأسابي: الطرائق، الواحدة إسباءة. ترجيب: تعظيم. أو الذبح على الأنصاب في رجب. شبه أعناقها لما عليها من الدم بالحجارة التي يذبح عليها.
157 الحت: السريع. ملبد الفرس: موضع اللبد منه. صافي الأديم: صفا جلده لحسن القيام عليه وقصر شعره. يعبوب: كثير الجري، وهو مشتق من عباب البحر، وهو ارتفاع أمواجه.
158 الأساوي: الدفعات من الجري. فرغ الدلو: مخرج الماء منها. أثعوب: سائل متشعب. شبه دفعات جريها بانصباب الماء من الدلو في السهولة.
كأنه يرفئيّ نام عن غنم
…
مستنفر في سواد الليل مذؤوب159
يحاضر الجون مخضرًّا جحافلها
…
ويسبق الألف عفوًا غير مضروب160
كم من فقير بإذن الله قد جبرت
…
وذي غنى بوأته دار محروب161
مما تقدم في الهيجا إذا كرهت
…
عند الطعان وتنجي كل مكروب162
همت معد بنا هما فنهنهها
…
عنا طعان وضرب غير تذبيب163
بالمشرفي ومصقول أسنتها
…
صم العوامل صدقات الأنابيب164
يجلو أسنتها فتيان عادية
…
لا مقرفين ولا سود جعابيب165
سوى الثقاف قناها فهي محكمة
…
قليلة الزيغ من سن وتركيب166
زرقًا أسنتها حمرًا مثقفة
…
أطرافهن مقيل لليعاسيب167
159 اليرفئيّ: راعي الغنم. مذؤوب: جاءه الذئب. قال الأنباري: "مذئوب يكون في هذا الموضع خفضًا ورفعًا، فمن رواه رفعا كان إقواء، فقد أقوت فحول الشعراء، ومن رواه خفضا جعله نعتا للغنم، ووحده والغنم جمع لأن الغنم على لفظ الواحد". وكذلك "مستنفر". شبه فرسه لحدته وطموح بصره بالراعي نام عن غنمه حتى وقعت فيها الذئاب، فقام من نومه مذعورًا.
160 الجون، بضم الجيم: جمع جون بفتحها، يقال للأبيض وللأسود. وأراد بها هنا الحمر الوحشية. يحاضرها: يطاولها الحضر، وهو شدة الجري. الجحافل للحمير بمنزلة الشفاه من الناس. واخضرارها من أكل الخضرة، وذلك أشد لها وأسرع. الألف: ألف فرس. عفوًا: على هينة.
161 جبرت: أغنت ولمت شعثه. بوأته: أنزلته. المحروب: الذي حرب ماله وسلب. يريد: كم أغنت من فقير وأفقرت من غني. دار محروب: أي جعلت دار هذا الغني دار فقير.
162 يقول: هذا الفرس من الخيل التي تقدم في الحرب، إن طلب أدرك، وإن طلب فات.
163 نهنهها: كفها. التذبيب: مبالغة في الذب وهو الدفع والمنع والطرد. أراد غير ضعيف كما تذب السباع، ولكن ضرب صادق.
164 العوامل: أعالي الرماح. صم: غير مجوفة. صدقات، بسكون الدال: صلبات. الأنابيب: ما بين الرمح
165 يجلو أسنتها: يصلحونها ويتعاهدونها. العادية: الحرب. المقرف: الذي دانى الهجنة، والهجين الذي ولدته الإماء الجعابيب: القصار الضعاف، الواحد جعبوب بضم الجيم.
166 الثقاف: خشبة في وسطها ثقب يقوم بها الرماح إذا اعوجت. الزيغ: الاعوجاج. السن: التحديد. التركيب: تركيب النصال.
167 جعل أسنتها زرقًا لشدة صفائه، وحمرًا لأنه إذا اشتد الصفاء خالطته شكلة، أي حمرة. اليعاسيب: الرؤساء. يريد أنهم يقتلون الرؤساء فيرفعون رءوسهم على أسنتها.
كأنها بأكف القوم إذ لحقوا
…
موانح البئر أو أشطان مطلوب168
كلا الفريقين أعلاهم وأسفلهم
…
يشقى بأرماحنا غير التكاذيب169
إني وجدت بني سعد يفضلهم
…
كل شهاب على الأعداء مشبوب170
إلى تميم حماة العز نسبتهم
…
وكل ذي حسب في الناس منسوب171
قوم إذا صرحت كحل بيوتهم
…
عز الذليل ومأوى كل قرضوب172
ينجيهم من دواهي الشر إن أزمت
…
صبر عليها وقبص غير محسوب173
كنا نحل إذا هبت شآمية
…
بكل واد حطيب الجو مجدوب174
شيب المبارك مدروس مدافعه
…
هابي المراغ قليل الودق موظوب175
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع
…
كان الصراخ له قرع الظنابيب176
وشد كور على وجناء ناجية
…
وشد سرج على جرداء سرحوب177
168 مواتح البئر: حبال يمتح بها، أي ينزع بها الماء. الأشطان: الحبال الطوال، واحدها شطن، بفتحتين. مطلوب: بئر بعيدة القعر بين المدينة والشام.
169 يعني فريقي معد. من كان منهم معاليًا بأرض نجد فهم عليا معد، ومن كان منهم متسافلًا فهم سفلى معد.
170 الشهاب: أصله الشعلة الساطعة من النار، وأراد به هنا الرجل الماضي في أمره. مشبوب: مقوى، من قولهم شببت النار إذا قويتها.
171 نسبتهم: نسبهم وأصلهم.
172 صرحت: خصلت فليس فيها شيء من الخصب. كحل: اسم للسنة الشديدة المجدبة. القرضوب والقرضاب: الفقير.
173 أزمت: عضت. القبص، بكسر القاف: العدد الكثير. غير محسوب: لا يعد من كثرته.
174 شآمية: من ناحية الشام، وهي ريح الشمال. حطيب الجوف: كثير الحطب. يقول: تنزل في ذلك الوقت، وهو الجدب، بالأودية الكثيرة الحطب، لنعقر ونطبخ، ولا نبالي أن يكون المنزل مجدوبًا، والمجدوب ههنا: المعيب المذموم.
175 المبارك: أراد بها الوادي كله، لا مبارك الإبل وحدها. وجعلها شيبًا لبياضها من الجدب والصقيع. المدافع: مجاري الماء. مدروس: درست آثارها وغطاها التراب لبعد عهدها بالماء. هابي المراغ: منتفخ لم يتمرغ عليه بعير مذ مدة. الودق: المطر. موظوب: واظبت عليه السنون والجدب، أي لازمته.
176 الصارخ: المستغيث. الصراخ: الإغاثة. الظنبوب: حرف عظم الساق. يقال قد قرع ظنبوبه لهذا الأمر، أي عزم عليه.
177 الكور: رحل الناقة بأداته. الوجناء: الناقة الغليظة. الناجية: السريعة. الجرداء: الفرس القصير الشعر. السرحوب: الفرس الطويلة.