الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الطور الثاني:
عصر الأمويين
- أو عصر صغار الصحابة رضي الله عنهم
أ- في هذا الدور الأول الذي يبدأ من ولاية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سنة 41 هـ إلى الوقت الذي عرضت فيه بوادر الضعف في الدولة الأموية وذلك في أوائل القرن الثاني الهجري، في هذا الدور سار الاجتهاد على نحو ما سبق في عصر الراشدين من حيث اعتماده على الكتاب والسنة، ثم الإجماع ثم الرأي إلا أنه قد جدت أحداث سياسية وأخرى غير سياسية كان لها أثر ظاهر في الحركة الاجتهادية.
فعلى الرغم من أن العام الحادي والأربعين يسمى بعام الجماعة إذ إن كلمة المسلمين قد اجتمعت على خلافة معاوية بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما له عن الخلافة حقنا للدماء وجمعا لشتات المسلمين، وحذرا من تفرق جمعهم إلا أن ذلك لم يمنع من وجود طوائف تضمر الكيد والخلاف لمعاوية كالخوارج والشيعة، فكان المسلمون بسبب هذا الخلاف ثلاث طوائف
1 -
خوارج. 2 - شيعة. 3 - وجمهور.
أما الخوارج: فهم الذين انشقوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين رضي بالتحكيم بينه وبين معاوية بحجة أنه جعل الحكم إلى الرجال ولا حكم إلا لله.
وقد تعددت فرق الخوارج حتى أحصاها بعضهم نحوا من عشرين إلا أن أشهرها خمس فرق:
1 -
الأزارقة: أتباع نافع بن الأزرق، ومذهب هذه الفرقة يقوم على تكفير المسلمين ما عداهم.
2 -
الصفرية: أتباع زياد بن الأصفر، وهي أشبه بالأزارقة في أكثر ما يختص بها.
3 -
النجدات: أتباع نجدة بن عطية بن عامر الحنفي، وأهم ما تنفرد به هذه الطائفة، أن الدين أمران معرفة الله ومعرفة رسوله.
4 -
البيهسية: أتباع أبي بيهس: هيجم بن جابر.
5 -
الإباضية: أتباع عبد الله بن إباض المري، ولا تزال منها بقايا إلى اليوم، أعني الإباضية في عمان من الخليج العربي والجزائر وشرقي أفريقية (1).
وأما الشيعة: فهم فرقة لا يرون الخلافة حقا إلا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وآل بيته؛ لما يرونه من أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالخلافة له من بعده، ومن ثم يكون من سلبهم هذا الحق ظالما، لا تصح ولايته، ونتيجة لذلك لم يعترفوا بخلافة الأمويين، وجوزوا الخروج عليهم إذا واتتهم الفرصة، وهم فرق أشهرها الإمامية والكيسانية والزيدية.
والزيدية: هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله عنه ولم يدع زيد الإمامية لنفسه، وإنما خرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن شيعة الكوفة لما رأوا رأيه في الثورة على الأمويين قالوا بإمامته (2)، وتتمركز
(1) الشريعة 65 - 66 نقله عن النظم الإسلامية للدكتور صبحي الصالح ص 123 وتاريخ التشريع 144 - 145.
(2)
الشريعة 66.
الآن في اليمن من جنوب شبه الجزيرة العربية.
ب- والذي يهمنا في هذا الفصل استبانة مدى أثر هذه الفرق على الاجتهاد في الفقه الإسلامي فنقول:
أولا: أثر الخوارج:
إن أهم ما يتميز به مذهب الخوارج: التكفير بالذنوب مطلقا، سواء أكانت مما يكفر بجنسه عند أهل السنة والجماعة (الجمهور) أم لا، ويقولون أي الخوارج بخلود صاحبها في النار أبد الآباد، إذ من دخل النار لا يخرج منها مطلقا.
وبهذا نرى أنهم ألغوا الكثير من نصوص الشريعة إذ لم يأخذوا إلا
بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد، وانهدم تبعا لذلك الجمع بين ما ظاهره التعارض من النصوص خاصة ما جاء في الوعد والوعيد.
والأصل في هذا عندهم أن نصوص الوعيد محمولة على الاستقلال بإفادة الحكم الذي تضمنه دون النظر إلى أدلة أخرى ثابتة مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (1).
فإنهم لا يقيدون الإطلاق في هذه الآية ونحوها من نصوص الوعيد بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (2).
فإنه ظاهر من مذهبهم أن المغفرة لما دون الشرك إنما تكون للمؤمن بعد
(1) سورة النساء الآية 93
(2)
سورة النساء الآية 48
التوبة، هذا هو الظاهر من كلام بهجة الأنوار المتقدم الذكر (1)؛ فإنه يلوح منه أن المحاسبة للمؤمن المقصر التائب، هي ثمرة فهمهم لآيات الوعد الكريم من الله الوارد في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم مع طعنهم في الأحاديث التي لا ترد عن طريق أهل ملتهم ولا يقبلون من الإجماع إلا الإجماع الحاصل قبل خلافهم مع علي رضي الله عنه، هذا أهم أصل خالفوا فيه أهل السنة في أمر التوحيد.
أما في الجانب الفقهي فإن لم اجتهاداتهم الخاصة، ومن ذلك أنهم لا يرجمون الزاني، ولا يقبلون في الجملة ما ورد من اجتهادات عن كبار الصحابة بعد الفرقة التي كانت زعامتها فيهم، نعوذ بالله من الفرقة عن الحق والتفرق عن أهله، ولهم مفاهيمهم الفقهية الخاصة بهم.
وأما الشيعة:
فكان لانفرادهم في نزعتهم سوء ظنهم بمن يخالفهم في التشيع الأثر العميق في الاجتهاد الفقهي، وذلك أن الفقه عندهم وإن كان يعتمد على كتاب السنة أصلا إلا أن منهجهم في الاستنباط يخالف مذهب أهل السنة والجماعة من وجوه:
أحدها: كونهم لا يقبلون من الأحاديث ولا من الأصول أو الفروع شيئا إلا ما كان عن طريق أئمتهم.
الثاني: أنهم ما كانوا يرون الأخذ بالإجماع أو استعمال الرأي في بعض كتبهم القول بالإجماع بشرط أن يكون فيهم المعصوم، وتلك خديعة حاذقة، ذلك أن مبنى هذا أن عدم وجود الإمام المعصوم مفسد للإجماع، فوجوده إذا هو المعتبر دون غيره، إذ لو أجمعت الأمة كلها على مر عصورها وتعاقب أجيالها ولا يكون في الأمة في أي جيل هذا المعصوم فلا عبرة بإجماعها.
(1) انظر حاشية ص27.
فاعتقادهم العصمة في أئمتهم وسوء الظن بغيرهم جعلهم لا يعتدون بخيار الأمة من الرعيل الأول في إجماع ولا في رأى ولا في نقل حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا كان مذهبهم أن الأخذ من الكتاب والسنة إنما يكون عن طريق أئمتهم فهما ونقلا.
الثالث: أنهم كانوا يفسرون القرآن الكريم تفسيرا يتفق ومبادئهم، ولا يأخذون بتفسير غيرهم ولا بما يعتمد على حديثه لغير أئمتهم (1).
ومن الواضح أن مسلكهم هذا أوجد مفاهيم شاذة عن الجادة التي عليها جمهور المسلمين، وحملهم على نبذ الكثير من الأحاديث القوية والآراء السديدة، وليس لذلك من سبب سوى أنها عن غير الشيعة.
ومخالفتهم فيما خالفوا فيه من أصول استتبع مخالفتهم أهل السنة في كثير من الأحكام منها:
نكاح المتعة فهم لا يرون فيه بأسا بل هو جائز إلى يوم القيامة، بل يرونه قربة إلى الله، ويستشهدون لذلك بظاهر قوله تعالى:{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} (2) ويقول بعض أئمتهم: ليس منا من لم يستحل المتعة، والآية عند كافة أهل السنة والجماعة على ما استقر الأمر أخيرا عليه فهي عندهم محمولة على النكاح المعروف (3) وما يجب للزوجة من المهر كاملا، وقد صحت السنة بالنهي عن نكاح المتعة، عن النبي صلى الله عليه وسلم وممن روى النهي عن نكاح المتعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حيث قال.
«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر (4)» ، وفي رواية:«نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن لحوم الحمر الإنسية (5)» . متفق عليه.
وهذا مثال على ما خالفوا فيه الجمهور، ولهم مخالفات عديدة ولهم
(1) تاريخ التشريع 162 - 163.
(2)
سورة النساء الآية 24
(3)
نيل الأوطار على منتقى الأخبار 6/ 115 ط / مصطفى الحلبي سنة 1347 هـ.
(4)
صحيح البخاري الحيل (6961)، صحيح مسلم النكاح (1407)، سنن الترمذي النكاح (1121)، سنن النسائي الصيد والذبائح (4334)، سنن ابن ماجه النكاح (1961)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 79)، موطأ مالك النكاح (1151)، سنن الدارمي النكاح (2197).
(5)
صحيح البخاري المغازي (4216)، صحيح مسلم النكاح (1407)، سنن الترمذي النكاح (1121)، سنن النسائي النكاح (3366)، سنن ابن ماجه النكاح (1961)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 142)، سنن الدارمي النكاح (2197).
كتبهم في الفروع والأصول تخدم مذهبهم، وهنالك يمكن لنا أن نطلع على العديد من الصور والمسائل التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة.
وما عدا الشيعة والخوارج ومن نهج سبيلهم من الفرق المخالفة لأهل السنة ما عدا هؤلاء هم الجمهور: أهل السنة والجماعة من المسلمين.
ومذهبهم قبول الأخذ بما صح من الأحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم حسب ضوابط وأصول وضعوها لمعرفة الصحيح من غيره.
هذا التفرق السياسي ووجود الفرق به هو السبب الأول للتأثير على الحركة الاجتهادية في هذا الدور على نحو ما أشرنا إليه.
أما السبب الثاني: فإنه يرجع إلى اتساع رقعة الخلافة وانتشار الصحابة في الأمصار والمدن، وذلك في عهد عثمان رضي الله عنه وقد صاحب هذا التوسع في الفتوحات إذن الخليفة عثمان رضي الله عنه للصحابة في الانتشار وسكنى البلاد المفتوحة، فتفرقوا في الأقطار واستوطنوها عمالا ومعلمين ومرابطين وكانت الأمصار متعطشة لمعرفة دين الإسلام والاستفادة من
علومه على أيدي تلامذة المعلم الأول صلى الله عليه وسلم فتدفق الناس على الصحابة كل في بلده ومدينته يستفتونهم ويروون عنهم مسموعاتهم من النبي صلى الله عليه وسلم ويتعلمون منهم العلم.
ومن المسلم به أن الصحابة لم يكونوا في المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا في الفهم سواء، كما أن الأمصار المفتوحة لم تكن متفقة عاداتها ولا أعرافها ولا نظمها الاجتماعية والاقتصادية، ولا طرقها في العيش والتعامل، فإذا انضاف إلى هذه الاعتبارات بعد الشقة بين عاصمة الخلافة والبلدان المفتوحة وصعوبة الاتصالات بين العلماء والصحابة في شتى هذه المدن والأمصار؛ ليستفيد بعضهم من بعض؛ فإنه من السهل أن ندرك أن ذلك سينتج عنه اختلاف الاجتهادات والفتاوى الفقهية في المسألة الواحدة بين المسائل الكثيرة، وأن كل أهل قطر سيتمسكون بفتاوى علمائهم وأحاديثهم ويعولون على ما جرى عليه عملهم، وحكم به قضاتهم لمبلغ ثقتهم بهم وخبرتهم بأحوالهم وسيرتهم، فكان للمصريين فتاوى وللشاميين أخرى ولليمنيين وسائر المدن غيرها وكان بعد ذلك أن شعر التابعون بأن في الأمصار الأخرى علما غير علمهم، فأكثروا من الرحلة وعملوا على توثيق الروابط العلمية بين الأمصار، فكان لذلك أثر لا ينكر في تقليل وجود الخلاف السبب الثالث: ظهور الوضع في الحديث:
وهذا السبب كان له الأثر السيئ في عرقلة تقدم الاجتهاد الفقهي وفي صعوبة مهمة الفقيه.
فلقد كان للإسلام أعداؤه المتربصون بأهله الدوائر من اليهود وغيرهم ممن تغلب عليهم المسلمون بقوة الإسلام وسلطانه، وربما ساعدهم على هذا الوهم كون المسلمين يعتمدون على حفظهم في الصدور ما يروونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سنته القولية أو الفعلية أو التقريرية طيلة بعثته في الثلاث والعشرين سنة، فما عليهم إلا أن يختلقوا من الأقاويل التي تخدم مآربهم ما
ينسبونه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم حديثا طمعا في استرداد ما ضاع منهم من مجد وجاه ودولة عن طريق تحذير المسلمين بما يضعونه من أحاديث.
فأما الكتاب العزيز فلحفظ الله إياه حفظا من مظاهر انتشاره بين المسلمين وتلقيه عن طريق الكواف من الأئمة كانوا على يقين أنهم لن يجدوا سبيلا لتضليل الناس فيه. فعمدوا إلى تكوين الجمعيات المخربة وكان أول جمعية سرية بقيادة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسلم ظاهرا؛ ليتمكن من الدس والتنكيل بالمسلمين فلما ظهر أمره اختفى وصار إلى تنظيم النشاط المخرب سرا.
ومما لا ريب فيه أن هذه الحملة الشريرة تمادت حتى استطاعت أن تروج لمفترياتها في كل باب من أبواب العلم في الإسلام.
فوجدت أحاديث في الأسماء والصفات للباري تبارك وتعالى تتضمن تشبيه الباري بالحوادث وتعطيله وفي باب العبادات أحاديث تتضمن من
البدع ما يحرف السالك عن الصراط السوي، وأحاديث في باب الحلال والحرام، حتى كثر الوضع كثرة مزعجة مروعة بتصدع الوحدة الإسلامية، وظهور الفرق الدينية، فاستباح الشيعة لأنفسهم أن يضعوا الأحاديث التي تؤيد مذاهبهم، وكذلك الخوارج، وكثرت بعد ذلك الأسباب الحاملة على الوضع، ومما يدل على مبلغ الوضع في هذا الدور، أن ابن عباس رضي الله عنهما وهو المعروف بالرغبة في جمع الحديث والجد في طلبه يقول فيما يرويه مسلم:" إنما كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه ".
وفي رواية عنه: إنما كنا نحفظ الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما إذا ركبتم كل صعب وذلول فهيهات (1).
وعن مجاهد قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ابن عباس لا يأذن (2) لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس: ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: " إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف ".
وعن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفى عني فقال: " ولد ناصح أنا اختار له الأمور اختيارا أو أخفي عنه ". قال: " فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل ".
(1) 1/ 67 صحيح مسلم بشرح النووي.
(2)
لا يأذن لحديثه أي لا يستمع إليه ولا يعيره سمعه
وقال طاوس: " أتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي رضي الله عنه فمحاه إلا قدر - وأشار سفيان بن عينة، (أحد رواة الخبر) - بذراعه "(1).
وعن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي رضي الله عنه قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله. أي علم أفسدوا.
وقال النووي على قوله: " قاتلهم الله، أي علم أفسدوا " أنه إشارة إلى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم علي رضي الله عنه وحديثه، وتقولوه عليه من الأباطيل وأضافوه إليه من الروايات والأقاويل المفتعلة والمختلفة وخلطوه بالحق فلم يتميز ما هو صحيح عنه مما اختلفوه (2).
وإذا كان الزنادقة والمتربصون بالإسلام من أهل سائر ملل الكفر قد طوع لهم كفرهم وأطماعهم وأحقادهم أن يختلقوا ما اختلقوا من أحاديث قذفوا
(1) مسلم 1/ 78 - 70.
(2)
النووي على مسلم ص70.
بها في نحور الأمة الإسلامية علهم يصيبون منها مقتلا؛ لتدور لهم الدائرة بعد أن هزموا بفكر الإسلام وسيفه، فإن هذا المنكر لم يقف عند حد هؤلاء بل قد سلك مسلكهم بعض الجهلة المتسمين بسمة الزهاد، فوضعوا أحاديث في أبواب الترغيب والترهيب، فقالوا: كذب للرسول صلى الله عليه وسلم ولا نكذب عليه. وما دروا أن هذه طامة الطوام ودويهية أصفر الأنامل، إذ يتضمن هذا - إلى جانب استحلال الكذب عليه صلى الله عليه وسلم وهو غاية الحرام - اتهامه بالتقصير في الإبلاغ حتى جاءوا يكملون ما به أخل، ويتممون ما نقص، ويكذبون قوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} (1).
فتلاقى على هذه المكيدة حقد ومكيدة الكافرين وجهل وغباوة الجاهلين، ومما لا شك ولا افتراء فيه أن ذلك الجهل في الأغبياء ثمرة من ثمرات أولئك الزنادقة.
(1) سورة المائدة الآية 3
وقد ظهر بما تقدم بعض الأسباب الحاملة على الوضع ويمكننا أن نجملها لك في سطور.
1 -
العداوة الدينية
لقد رأينا كيف أن ابن سبأ اليهودي وأضرابه تستروا بالإسلام، وأخفوا وراء التشيع أغراضهم الدنيئة، وتذرعوا بإظهار حب آل البيت؛ ليدسوا على المسلمين ما أرادوا به أن يطفئوا نور الله، ولكن الله عز وجل وعد بأن يخيب آمالهم، ويتم نوره مهما حولوا إطفاءه.
2 -
التعصب المذهبي:
وذلك أن بعض الفرق المنتمية إلى الإسلام كان يدفعها غلوها في تأييد
ما تشهد إليه إلى وضع أحاديث تشهد بصحة ما ترى، قال الحاكم أبو عبد الله:" كان محمد بن القاسم الطائكاني من رؤساء المرجئة يضع الحديث على مذهبهم ".
3 -
متابعة بعض ما يتسمون بسمة العلم لهؤلاء الأمراء والخلفاء، يضعون لهم ما يعجبهم رغبة فيما في أيديهم، كالذي حكى عن غياث بن إبراهيم، أنه دخل على المهدي بن المنصور، وكان يعجبه اللعب بالحمام فروى حديثا لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح. فزاد كذبا أو:" جناح ". فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم، فلما قام ليخرج قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال: "جناح " ولكنه أراد أن يتقرب إلينا.
4 -
تساهل بعضه في باب الفضائل والترغيب والترهيب كالذي روى في فضائل القرآن سورة سورة.
5 -
تغالي بعض الناس في أنهم لا يقبلون اجتهادات الصحابة وغيرهم، فدعا ذلك بعض الوضعة إلى أن يعمد في كلام الصحابة وغيرهم وحكم العرب والحكماء فينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
تكفل الله عز وجل بحفظ كتابه يشمل حفظه سنة رسوله صلى الله عليه وسلم
إذا كان أعداء الإسلام قد أدركوا ما يرومون بوضع المفتريات ونسبوها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المسلمين ضياع سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم بين المفتريات والأباطيل؛ فإن الله عز وجل قد تكفل بحفظ كتابه. والسنة تفسير الكتاب وبيانه، قال تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (1) ولا يتم بيان التنزيل بسنة ضائعة بين ركام الكذب، ومن أجل ذلك قيض الله من أذكياء العالم ما أهلهم لهذه المهمة فقاموا لله يذبون عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فبينوا بالتحميص والتنقيب ونبذ الزائف وتحقيق الحق ما تحقق به وعد ربنا؛ فإنه تعالى لا يخلف الميعاد.
(1) سورة النحل الآية 44
ومن ذلك الوقت تكون فرع من فروع الحديث هو علم الجرح والتعديل، وقد أجهد أئمة هذا العلم أنفسهم وترقبوا الوضاعين، وفضحوا عملهم، وحذروا من كل واحد باسمه، ولم يقبلوا مما حدثوا به شيئا، وبينوا أعيان الأحاديث التي وضعوها، والأغراض التي حملتهم على الوضع حتى سلم الله الشريعة بفضله ومنه من كيدهم.
وقد بدأ الكلام في الجرح والتعديل من عهد صغار الصحابة، فقد رويت أقوال من ذلك عن عبد الله بن عباس كما أسلفنا، وعن عبادة بن الصامت وأنس، وكثر القول في ذلك من التابعين ومن أقوالهم ما نذكر لبعضهم فيما يلي:
1 -
قال عبد الله بن المبارك الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقال أيضا: دعوا حديث عمرو بن ثابت؛ فإنه كان يسب السلف. 2 - وحدث أبو عقيل صاحب بهية قال: كنت جالسا عند القاسم بن عبد الله ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيم أن تسأل عن شيء من أمر هذا الدين فلا يوجد عندك منه علم ولا فرج أو علم ولا مخرج. فقال له القاسم: وعم ذاك؟ قال: لأنك ابن إمامي هدى ابن أبي بكر وعمر. قال يقول له القاسم: أقبح من ذلك عند من عقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة. قال: فسكت فما أجابه.
3 -
قال يحيى بن سعيد: سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكا وابن عيينة عن الرجل لا يكون ثبتا في الحديث فيأتيني الرجل فيسألني عنه قال: أخبر عنه أنه ليس ثبتا.
4 -
وقال شعبة: لقيت شهرا فلم أعتد به يعنى شهر بن حوشب أبا سعيد، ويقال أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن وأبو الجعد الأشعري الشامي الحمصي وقيل الدمشقي (1)
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 1/ 73 - 78.
وقد ذكر جلال الدين عبد الرحمن السيوطي في شرح تقريب النواوي المسمى بتدريب الراوي ضوابط في الوضع وأقسام الواضعين فذكر من الأول:
1 -
الإقرار بالوضع من الواضع وذكر خلاف الأصوليين في ذلك.
2 -
معنى إقراره كأن يحدث بحديث عن شيخ ويسأل مولده فيذكر تاريخا لعام وفاة ذلك قبله، ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده.
3 -
قرينة في الراوي أو المروي وذكر من ذلك طول الأحاديث مع ركة لفظها ومعانيها.
قال الربيع بن خثيم: إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه وظلمة كظلمة الليل تنكره. . . . إلى أن قال: أو يكون خبرا عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع، ثم لا ينقله منهم إلا واحد. ومنها الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير أو الوعد العظيم على الفعل الحقير، وهذا كثير في فعل القصاص، والأخير راجع إلى الركة. وقال: قلت: ومن القرائن كون الراوي رافضيا والحديث في فضائل أهل البيت. . . الخ (1) وذكر للوضع أقساما فقال: والواضعون أقسام بحسب الأمر الحامل لهم على الوضع أعظمهم ضررا قوم ينسبون إلى الزهد وضعوه احتسابا للأجر عند الله في زعمهم الفاسد فقبلت موضوعاتهم ثقة بهم وركونا إليهم؛ لما نسبوا إليه من الصلاح. وذكر كلاما ليحيى القطان هنا منه: ولكن الواضعون منهم وإن خفي حالهم على كثير من الناس فإنه لم يخف على جهابذة الحديث ونقاده، وقد قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (2).
ومن أمثلة ما وضع حسبة: ما رواه الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي، أنه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟
(1) 98 - 99 تدريب الراوي.
(2)
سورة الحجر الآية 9
فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة. وكان يقال لأبي عصمة هذا: نوح الجامع. قال ابن حيان: جمع كل شيء إلا الصدق. . . . . الخ.
الثاني: قوم كانوا يتكسبون بذلك ويرتزقون به في قصصهم كأبي سعيد المدائني.
الضرب الثالث: أرباب النحل والمذاهب البدعية؛ كالكرامية: نسبة إلى محمد بن كرام - بتشديد الراء - السجستاني المتكلم.
الرابع: وضع الزنادقة فقد وضعت جملا من الأحاديث؛ ليفسدوا بها الدين.
روى العقيلي بسنده إلى حماد بن زياد، قال: وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر ألف حديث؛ منهم عبد الكريم بن أبي العوجاء الذي قتل وصلب في زمن المهدي (1).
ومما تقدم يتضح أن الوضاعين وإن لم يبلغوا مأربهم من الدين؛ لمناهضة العلماء لهم ومقاومتهم إياهم إلا أنهم قبحهم الله - إلا من ثاب إلى رشده منهم - وضعوا في طريق المجتهدين ما عرقل سيرهم وجعله بطيئا وعسيرا، فبعد أن كان الفقيه لا يشغله شاغل بعد سماع الحديث عن النظر فيه والاستنتاج منه وهو واثق مطمئن، أصبح واجبا عليه أن يعنى قبل كل شيء ببحث الحديث متنا وإسنادا، والتثبت من صحتهما حتى إذا تبددت غياهب الشك حل له أن ينظر ويستنبط، فلا يبلغ ما يروم إلا بعد جهد ومشقة وطول عناء.
أما السبب الرابع: من الأسباب التي لها الأثر في الاجتهاد في هذه الفترة فهو انقسام العلماء:
شاء الله عز وجل أن ينقسم جمهور الأمة الذين سلمهم الله من بدعتي الخروج والتشيع إلى أهل حديث وأهل رأي.
(1) هذا باختصار عرض لبعض ما ذكر في تدريب الراوي عن أقسام الوضع وذويه 102 - 103.
وذلك نتيجة لما سلكوا في الفقه فجماعة: امتازت بشدة الاشتغال بالنصوص والآثار والتمسك بها. وآخرون: امتازوا بالتوسع في استعمال الرأي، ومن هنا نشأت تسمية الفريق الأول بأهل الحديث وتسمية الفريق الثاني بأهل الرأي.
وكان الفريق الأول بالحجاز، وزعيمه سعيد بن المسيب القرشي إذ رأى هو وأصحابه أن أهل الحرمين الشريفين أثبت الناس في الحديث والفقه وأعلمهم بفتاوى الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأكب على حفظ ما بأيديهم من الآثار، ورأى أنه بعد ذلك في غنية عن استعمال الرأي.
أما الفريق الثاني فكان مركزه العراق وعلى رأسهم: إبراهيم النخعي وطريقتهم مبنية على أن أحكام الشرع معقولة المعنى مشتملة على مصالح راجعة إلى العباد ذات أصول محكمة وعلل ضابطة لتك المعاني والحكم، فكانوا يبحثون عن هذه المعاني والعلل، ويستجلون الحكم التي شرعت الأحكام لأجلها حتى يستقر عندهم دوران الحكم معها.
وربما رد بعض هذا الفريق شيئا من الأحاديث إذا لم تتمش مع تلك الضوابط والأصول؛ لأن تلك الأصول والضوابط عنده تبلورت من جملة نصوص، والنص الواحد لا يقاوم العدد.
أما الفريق الأول فكان بحثه عن النصوص أكثر من بحثه عن العلل إلا فيما لم يجد فيه أثرا.