الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشريعة الإسلامية منهاج رباني
مصون عن التزوير، غني عن التطوير
للشيخ سعد بن إبراهيم الخرعان
[كلمة تعقيب للباحث العلمي بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء سعد بن إبراهيم الخرعان ردا على ما ادعاه المدعو: عبد الله أحمد النعيم من احتياج التشريع الإسلامي للتطوير.]
الحمد لله القائل لنبيه في محكم التنزيل: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (1){إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} (2)، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه نبينا محمد القائل:«إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (3)» . وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد كتب المدعو عبد الله أحمد النعيم مقالا في مجلة يصدرها المعهد البابوي، ونشر مضمونه في مجلة المنهل للسنة 49 - المجلد 45 - جمادى الأولى والآخرة سنة 1403 هـ، وقد احتوى المقال على عبارات ملتوية، وتساؤلات مشبوهة وراءها ما ظاهره يستوجب الرد نصيحة لله ولكتابه ولرسوله
(1) سورة الجاثية الآية 18
(2)
سورة الجاثية الآية 19
(3)
رواه الترمذي وأبو داود والإمام أحمد وابن ماجه.
وللأئمة المسلمين وعامتهم؛ إذ هو مقتضى المصلحة الشرعية، وواجب الأمانة العلمية.
فإلى القراء الكرام نسوق نص بعض عبارات المقال للوقوف عليه مع التعقيب، إذ قال:(حقوق الإنسان في الإسلام) ضرورة تطوير التشريع الإسلامي.
هذه أول عبارة عنون بها المقال، فالمتوقع أن يتحدث بكل أمانة عن حقوق مسمى الإنسان جملة وتفصيلا، ليضيف شيئا جديدا مما كرم الله به الإنسان في شرعته الحقة الخالدة، أو يذكر القراء بما علم إشادة بعدالة الإسلام، ولا سيما الأنظمة الوضعية التي ما ثمرتها إلا مثل ما قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (1) لكن الكاتب نكص على عقبيه، فإذا به يحصر مسمى الإنسان تحت عنوانه في المرأة وغير المسلمين فحسب (وإن حقوقهما في الإسلام التميز ضدهما). والرد على هذا الزعم نقول: لا شك أن التشريع الإسلامي متميز، لكن ليس متحيزا ضد أحد، وإنما إنزال لكل منزلته، وإيتاء كل ذي حق حقه؛ لأنه تشريع من رب العباد للعباد منهج رشد وحكم وعدل.
ولست أدري مكمن الضدية في جانب المرأة في نظر الكاتب، أهو جعلها على النصف من الرجل في بعض المسائل كبعض مسائل الميراث كميراث الأخت مع أخيها عند اتحاد ملتهما وكمال حريتهما، وجعل دينها وشهادتها فيما يشتركان فيه على النصف، أو لكونها لا تملك حق الطلاق وعقد النكاح، أو أنها كلفت بالاحتشام وتجنب التبرج والاختلاط مع من ليس بمحرم، أو الخلوة به في الأعمال الوظيفية أو غيرها مما به صيانة دينها وحفظ كرامتها وعرضها لتكون المرأة الصالحة لوظيفتها الشرعية بالمعنى الأوسع. إن هذه المسائل وأمثالها مما استقر حكمها بنصوص القرآن والسنة هي عين
(1) سورة النور الآية 39
الحكمة ومقتضى الفطرة، فلا تميز وتحيز، إذ هي في الإسلام أم أو أخت ذات قربى لها حق البر والصلة، أو زوجة لها فيه حق الرعاية وواجب القوامة بالمعروف، وهو في التشريع واضح جلي لا ينكره إلا متفلسف ذو هوى يريد إيهام المرأة لإقحامها في بؤرة الغواية ومنعطفات الانحراف باسم الحرية والمساواة الإنسانية دونما قيد شرعي أو وازع عقلي.
وما واقع المرأة في غير الإسلام إلا ما هو مشاهد مما يحزن القلوب ويندى الجبين.
أما ما تطرق إليه الكاتب بعبارة مجملة في جانب حقوق غير المسلمين في الإسلام بالضدية، فهو كزعمه الإجحاف نحو النساء دعوى مجردة من الصحة وتجاهل سافر لواقع التشريع الإسلامي تجاههما، بل تحامل لا مبرر له؛ إذ ذكر ما اعتبره مساوئ مجحفة وتعامى عن محاسن التشريع، وكله محاسن، ولا يقدح في الشريعة سوء الفقه فيها أو التطبيق لها من جاهل أو ذي هوى يهدف إلى إثارة ضغائن غير المسلمين على الإسلام وأهله، فماذا يريد منه تجاه غير المسلمين، وهم ما بين مشرك وثني، أو ملحد دهري، أو كتابي يهودي متعصب، أو نصراني ضال، حين قال الكاتب: ولكن إنسانية اليوم تطالب بأن يستلهم التشريع أكبر قدر ممكن من التوازن، فتصبح المساواة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية حقا قانونا تفرضه وتنفذه الشريعة الإسلامية.
أرأيت أيها القارئ الكريم رأي الكاتب ومطلبه من أن تكون الشريعة الإسلامية شرطي حراسة وأداة تنفيذ لرغبة علمانية في هذه القضايا الحيوية الثلاث، ومن ثم فالكل سواء في تركة مالية، ميراث الأخت كأخيها سواء بسواء، اتحدت الملة أو اختلفت، وكذا غيرها، ومثل هذه التسوية في مقادير الديات وغيرها، وإلغاء حكم الجزية لمساواة غير المسلم بالمسلم، وكذلك الشأن في الأمور السياسية إسقاط التميز في استحقاق منصب الزعامة وزمام القيادة وولاية القضاء وغير هذا بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم، أيا كانت ملته ونحلته؛ لجامع مسمى الإنسانية في هاتين القضيتين، وثالثتهما الناحية الاجتماعية، فمن لازم ذلك المطلب عدم اعتبار قوامة الرجل وما ميزته به الشريعة الإسلامية من كونه المستحق لعقد النكاح أو حل عقدته بالطلاق دون المرأة، ومن كون
غير المسلم لا يحل له أن ينكح مسلمة أو تبقى في عصمته إن كان مؤمنا فارتد بعد الإيمان، ونحو هذه الميزات الشرعية؛ لعلو وشرف مرتبة الإيمان على مرتبة مسمى الإنسانية شرعا وعقلا ومنطقا وواقعا، قال تعالى:{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (1)، وقال:{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} (2){أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} (3){مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (4). وقال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ} (5) هذا نص بأن لا تسوية في الثواب والمنزلة في الآخرة، فكذلك في الدنيا. وهذا التميز الحق هو من آثار حكمة الله وعدله بين عباده، كما أنه من آثار رحمته بهم؛ إذ هو في حقيقته حافز المزيد من الهدى والترفع عن أسباب الردى والوصول بالإنسانية إلى شاطئ النجاة وأسباب السعادة في الدارين تحت مظلة الأخوة الإيمانية وترابطها كالجسد الواحد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصف المؤمنين:«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (6)» .
فأين واقع العلمانية المتناحرة من واقع الأخوة الإيمانية والإنسانية الإسلامية المتراحمة؟ وليس معنى ما تقدم من فوارق شرعية بين الرجل والمرأة، وبين المسلم وغير المسلم أنه فارق مطرد في أحكام الدنيا وجوانب شئون الحياة تجاه هذين الصنفين من البشر: المرأة وغير المسلمين. كلا، بل هناك مساواة في أمور جوهرية لا يتسع المقام لتفصيلها في عجالة مقال مثل هذا، لكن على سبيل المثال: المساواة في نظرة الإحسان ومقام العدل في الأحكام وعدم التعدي في النفس والعرض والمال والمعارف ما استقام غير المسلم على عهده ووفى بعقده ذكرا كان أو أنثى، سلما وحربا ثابتة معلومة، كما أن باب الاجتهاد
(1) سورة ص الآية 28
(2)
سورة القلم الآية 34
(3)
سورة القلم الآية 35
(4)
سورة القلم الآية 36
(5)
سورة السجدة الآية 18
(6)
رواه البخاري في كتاب الأدب باب رحمة الناس والبهائم، ومسلم في كتاب البر والصلة، واللفظ له ج 16 ص 140 بشرح النووي.
مفتوح فيما لا نص فيه، أما ما استقر حكمه بنص قطعي فلا.
فإلى معشر القراء سيق بيان ما سلف من واقع النصيحة، للوقوف على مثل هذا التنقص للتشريع الإسلامي من الكاتب، إما جهلا بحقائق التشريع ومقاصده وإما غير ذلك، مما أمر باطنه فيه إلى الله تعالى، هداه الله ليعرف حقائق التشريع بعين البصيرة كما رآها علماء الإسلام والفقه فيه، وتلقتها الأمة المسلمة الواعية بالقبول جيلا بعد جيل، دونما طعن ولا اتهام، ودونما تزوير أو تغيير، وما ذاك إلا أنها إطار لشريعة متكاملة خالدة إلى أن يرث الله- مشرعها- الأرض ومن عليها، لا كما زعمه الكاتب حيث قال:(وإذا كان التشريع لا يفي بحاجات اليوم فهو على أي حال مرحلي، ولم يكن مقصودا ليبقى في جميع صوره وأحكامه العامة إلى الأبد).
وإذ حررنا هذا لنضرع إلى الله أن يمنح الجميع الفقه في الدين، وأن لا يجعلنا وإخواننا المسلمين فتنة للقوم الظالمين، كما نسأله تعالى أن يحقق لنا ما وعد به حيث قال:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (1).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1) سورة الصف الآية 9