الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلى رأس هؤلاء الذين تأثر بهم ابن خلدون، بل نقل عنهم واعتمد عليهم، وإن لم يذكر ذلك صراحة (ابن حزم الأندلسي).
بل إن الأمثلة التاريخية التي قدمها ابن خلدون، ليبين بها:" ما يعرض للمؤرخين من المغالط والأوهام، وذكر شيء من أسباب ذلك " قد اقتبس بعضها من موسوعة "الفصل" لابن حزم. وليس هذا فحسب، بل إن ابن خلدون قد اقتبس نقد ابن حزم لهذه الأغلاط والأوهام.
وإن أوفى مقارنة لما كتبه ابن حزم، وهو ينقد التوراة، في كتابه العالمي "الفصل في الملل والأهواء والنحل" ومقدمة ابن خلدون ستوضح لنا مدى اقتباس ابن خلدون عن ابن حزم. حتى في الشواهد والأمثلة، وقد بسطنا ذلك بسطا كافيا في كتابنا عن ابن حزم الأندلسي وجهوده في البحث التاريخي والحضاري (1).
ولعل ابن خلدون قد أفاد أيضا من الطرطوشي صاحب سراج الملوك، والحق أن ابن خلدون كان قفزة كبرى، ومنعطفا جديدا وخطيرا في مسيرة المنهج التاريخي.
(1) نشر دار الاعتصام بالقاهرة ص169 وما بعدها
ابن خلدون رائد عصر جديد في فقه التاريخ:
لقد كانت النظرة التقليدية إلى التأريخ تهتم غاية ما تهتم بجمع الوقائع العسكرية والتحولات السياسية التي تتخذ صور المعاهدات أو التنازلات أو ما إلى ذلك من أمور تتصل بطريق أو بآخر بالخط السياسي والعسكري.
وقلما كان قارئ التاريخ يجد في ثنايا الكتابات الموضوعية أو الحولية البالغة حد المجلدات سطورا أو صفحات تتناول ناحية فكرية أو اعتقادية، أو تحولا اجتماعيا أو اقتصاديا، أو رؤية نفسية، أو نظرة شبه شاملة - فضلا عن النظرة الشاملة- ترصد سائر العوامل المحركة والمهمة في صنع الحدث التاريخي، وهو أمر بسطنا القول فيه من قبل.
وقد يكون بإمكاننا في هذا البحث أن نقول:
إن ذلك المنهج -بصفة عامة- قد سيطر على حركة التاريخ البشري في سائر كتابات المؤرخين- باستثناء النظرات العارضة التي تناولناها آنفا -حتى ظهر ذلك العملاق العبقري المغربي الأندلسي المسلم عبد الرحمن بن خلدون.
إلا أننا -خضوعا للموضوعية- نضطر إلى القول بأن مؤرخنا المسلم العظيم قد استطاع أن يضع فعلا رؤية تنظيرية لتفسير التأريخ بعوامل مختلفة، سماها طورا العصبية الدينية أو القبلية، وسماها طورا البيئة (أي الأثر الجغرافي) كما ألمع إلى العوامل البيولوجية والاقتصادية. . .
إلا أن المؤرخ الكبير لم يقدم لنا دراسة تاريخية تطبيقية نستطيع أن نتكئ عليها لكي نقول: إنه قد فتح عصرا جديدا في نهج التأليف التاريخي، كما أنه من سوء حظ مؤرخنا الكبير، أن إشعاعاته القوية واجهت أمة نائمة، كانت تعيش فترة اضطراب حضاري، فلم تستطع إيقاعاته بالتالي أن تقوم بدورها في تحريك المجتمع الإسلامي الفوار بالاضطرابات والشرور خلال القرون التي سبقت عصر اليقظة في أوربا. . أي الثامن والتاسع والعاشر للهجرة، (الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر للميلاد).
ومع صخب الصراعات الصغيرة الطائفية في المجتمع الإسلامي العريض ضاعت إيقاعات ابن خلدون. . فلم تظهر إلا بعد أن اكتشف أصداءها أوربيون كانوا يصغون بانتباه حضاري كبير لكل الإيقاعات المنبعثة من أركان العالم الإسلامي المتحضر. وهذا حق لا يمكن إنكاره؛ فإن ابن خلدون كان خميرة قوية، وإن لم نستطع نحن المسلمين الإفادة منها، فإن الأوربيين قد أفادوا منها أي إفادة، ويعتبر ابن خلدون من القلائل الذين ترجمت أعمالهم في وقت مبكر إلى كل لغات العالم الحية تقريبا، وقد كتب الأوربيون حول مقدمته الشهيرة (وهي الجزء الأول من كتابه الكبير " العبر في أخبار العرب والعجم والبربر ومن جاورهم من ذوي السلطان الأكبر) مئات الدراسات، بحيث لا يجد المؤرخ المسلم أي حرج في أن يصرح بأن تأثير فكر ابن خلدون (بمقدمته في تفسير التأريخ وعلم العمران البشري) كان تأثيرا مباشرا وقويا وحاسما في
يقظة الحضارة الأوروبية. وتعتبر القائمة التي أوردها الدكتور (عبد الرحمن بدوي) حول الدراسات الأوربية عن ابن خلدون (في كتابه عنه) من الأدلة الواضحة على عمق هذا التأثير ووضوحه.
وقد تيقظ الأوربيون منذ بداية عصر النهضة، وبرعوا في النظر إلى التاريخ نظرة أقرب إلى الشمول والتكاملية، فلم يعد التاريخ مجرد حروب ومعاهدات، بل أصبح في رأي أكثرهم:
"الأرض التي يجب أن تقف الفلسفة عليها وهي تنسج سائر ألوان المعرفة في نسيج واحد لينير طريق الحياة الإنسانية ".
ويروج الأوربيون أن " فولتير " هو الذي بدأ هذه النظرة الشاملة للتأريخ، إذ إنه صاحب أول كتاب ذائع الصيت في تطبيق النظرة الجديدة للتأريخ، وهو كتاب:(رسالة في أخلاق الشعوب وروحها ووقائع التاريخ الرئيسية منذ شركمان وحتى لويس الثالث عشر).
لكن الحقيقة أن فولتير مسبوق بكثيرين، لعل من أهمهم " الراهب بوسيه " الذي كان يرى أن التاريخ " دراما إلهية مقدسة، وكل حادثة فيه هي درس من السماء تعلمه للإنسان"، كما سبقه أيضا المؤرخ المشهور " جيوفانو باتستافيكو " الذي كان يعترف بوجود العناية الإلهية، (مثل الراهب بوسيه) ولكنه في الوقت نفسه كان يفسر أحداث التاريخ تفسيرا أرضيا وبشريا خاضعا لقوانين شبه كلية، سواء كانت مسيرة التاريخ في اتجاه صحيح أو اتجاه فاسد.
وقد توصل فيكو إلى تقسيم ثلاثي للتاريخ على أساس أنه ثلاث مراحل (مرحلة الهمجية، ومرحلة البربرية، ومرحلة الحضارة)، وهو تقسيم يذكرنا بتقسيم هيجل، وتقسيم أوجست كونت، وإن كانت ثمة فروق كثيرة بينهم.
وعلى أية حال فإن النظرة الأوربية تعتبر " فولتير " بداية عصر جديد في
النظرة إلى التأريخ ووظيفته وتفسيره، لدرجة أن " أناتول فرانس " يبالغ فيسمي الفترة التي ظهر فيها " فولتير ""عصر فولتير "، ويبالغ أكثر فيقسم تاريخ الفلسفة إلى عصور أربعة هي: عصر سقراط، وعصر هوراس، وعصر رابلين، وعصر فولتير!!
والحق أن ابن خلدون هو المفتاح الكبير الواضح القسمات والمعالم، والمتكامل الرؤية والمنهج في قضية تفسير التأريخ.
بل إننا نستطيع أن نقول مطمئنين: إن الكتابة التاريخية ينتظمها عصران:
- عصر ما قبل ابن خلدون.
- عصر ما بعد ابن خلدون.
ومهما وجدت نظرات متناثرة في تفسير التأريخ قبل ابن خلدون، أو وجدت كتابات سردية تقليدية بعد ابن خلدون، فإنه من الناحية الرسمية - على الأقل- يعتبر ابن خلدون مفرق طريق بين مرحلتين، وليس ذلك في الفكر التأريخي الإسلامي فحسب، بل في الفكر التأريخي الإنساني كله.
وليست هذه المكانة التي نعطيها لابن خلدون رأيا عنصريا، أو عاطفيا، بل هي حقيقة اعترف بها كبار فلاسفة التاريخ الأوربيين وسجلوها في شهادات صريحة واضحة. فإن أكبر مفسر أوربي للتأريخ في العصر الحديث، وهو الأستاذ " أرنولد توينبي " يتحدث عن ابن خلدون في مواضع كثيرة من كتابه (دراسة للتأريخ)، ويفرد له في المجلد الثالث سبع صفحات (321 - 327)، وفي المجلد العاشر أربع صفحات (84 - 87). وهو يقرر أن ابن خلدون " قد تصور في مقدمته، ووضع فلسفة للتاريخ هي بلا مراء أعظم عمل من نوعه ابتدعه عقل في أي مكان أو زمان "" المجلد الثالث ص 322 "(1) وهو يقول عن ابن خلدون في الفقرة نفسها: " إنه لم يستلهم أحداث السابقين، ولا يدانيه أحد من معاصريه، بل لم يثر قبس الإلهام لدى تابعيه، مع أنه في مقدمته للتأريخ العالمي قد تصور وصاغ فلسفة للتاريخ تعد بلا شك أعظم عمل من نوعه ".