الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومضى أبو أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو حبه إلى جوار ربه بعد أن عاش خمسين سنة قمرية، كان فيها منذ عقل إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم المولى والأخ والحبيب، فأدى ما عليه من واجبات جسام كأحسن ما يكون الأداء، فاستحق تقدير النبي صلى الله عليه وسلم وحبه ورضاه، وتقدير المسلمين وحبهم ورضاهم في الماضي والحاضر والمستقبل، وكان لا يزال وسيبقى أسوة حسنة للمؤمنين المخلصين الصادقين.
وقد ترك زيد آثاره الباقية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، كما ترك آثاره الباقية في خدمة الدين الحنيف داعيا ومجاهدا، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم في السراء والضراء وفي الإسلام والحرب، رضي الله عنه وأرضاه.
القائد:
بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع، أقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وصفر من السنة الحادية عشر الهجرية (632 م)، فأمر بتجهيز جيش كبير فيه أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، وجعل هذا الجيش بإمرة أسامة بن زيد، فتجهز الناس، وأوعب (1) مع أسامة المهاجرون الأولون (2)، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين.
وتأخر تجهيز هذا الجيش لمرض النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر، ثم قال:«"أيها الناس! انفذوا بعث أسامة، فلعمري لئن قلتم في إمارته، لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقا لها (3)» ، وفي رواية الإمام البخاري، «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمارته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل. وايم الله، إن كان لخليقا
(1) أوعبوا معه: أي خرجوا جميعهم للغزو
(2)
سيرة ابن هشام (4/ 319) وطبقات ابن سعد (2/ 190)
(3)
طبقات ابن سعد (4/ 68)
للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده (1)» وهذا تقويم لكفاية زيد القيادة وكفاية ابنه أسامة القيادية أيضا، يفوق كل تقويم؛ لأنه تقويم النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يعادله ولا يقاربه أي تقويم آخر.
وقد كانت عائشة أم المؤمنين أقرب المقربين للنبي صلى الله عليه وسلم وأعرفهم به تقول: «ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم ولو بقي بعده لاستخلفه (3)» .
ذلك هو مبلغ تقدير النبي صلى الله عليه وسلم لكفاية زيد القيادية وثقته الكاملة به واعتماده المطلق عليه، وهو تقدير عظيم وثقة بالغة واعتماد هائل، استحقه زيد بمزاياه القيادية أولا وقبل كل شيء، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم يولي ثقته الكاملة إلا لمن يستحقها بجدارة، وكان يبنى الإنسان المسلم بالعقيدة الراسخة، والأسوة الحسنة التي يضربها للمسلمين كافة بشخصه الكريم، وبتوليه الرجل المناسب للعمل المناسب ليقود الأمة أفضل رجالها عقيدة واقتدارا بالنسبة للواجبات والمسئوليات التي يتقلدونها.
فما الذي يستطيع القادة أن يتعلموه من سجايا زيد القيادية؟
كان من الرماة المعدودين المذكورين (4) من بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أي أنه كان السن، والاستمساك بعرى التفاضل بالأنساب والأحساب والعشائر والقبائل. . . إن التفاضل في الإسلام يخضع للتقوى وصالح الأعمال، بالإضافة إلى الكفايات المناسبة للعمل المناسب.
وقد رفعت مزايا زيد القيادية وإيمانه الراسخ العميق إلى الإمارة.
لقد كان لزيد قابلية فذة لإعطاء قرار سريع صحيح في الوقت والمكان المناسبين، وكانت كل سراياه بحاجة ماسة إلى إصدار قرارات سريعة
(1) فتح الباري بشرح البخاري (7/ 69)، وانظر الإصابة (3/ 26)، وتهذيب ابن عساكر (5/ 460).
(2)
طبقات ابن سعد (3/ 46)، وتهذيب ابن عساكر (5/ 461).
(3)
رواه النسائي، انظر فتح الباري بشرح البخاري (7/ 69). (2)
(4)
تهذيب الأسماء واللغات (1/ 202)، وتهذيب ابن عساكر (5/ 459)، وطبقات ابن سعد (3/ 45).
وصحيحة، وحين وجد العدو في سرية مؤتة قد حشد له ما لا قبل للمسلمين به، عزم أن يتريث في قبول المعركة غير المتكافئة ويستشير النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف الجديد، ولكن المتحمسين من المجاهدين الذين خرجوا للجهاد طلبا للشهادة وعلى رأسهم عبد الله بن رواحة، أرادوا لقاء العدو مهما تكن نتائج هذا اللقاء، فانصاع زيد لنداء العاطفة، ويبدو أن الأحداث تطورت بسرعة عظيمة فاضطرت المسلمين إلى قبول المعركة، فكان سرية مؤتة إخفاقا تعبويا ولكنها كانت نصرا سوقيا، جعلت الروم جيران المسلمين في الشمال، يلمسون عمليا بأن العرب بالإسلام أصبحوا خلقا جديدا، فأصبحت حربهم ليست حربا عابرة، بل هي حرب لها ما بعدها كأية حرب نظامية تتميز بإرادة القتال وبالنظام والتنظيم والاستمرارية.
وكان زيد ذا إرادة قوية ثابتة، استطاع أن يتغلب بسهولة ويسر على كثير من المصاعب والعقبات في سراياه، التي كان أكثرها يتسم بالمغامرة والمشاق، فنجح بفضل إرادة الله على ما صادفه من معضلات ومشاق.
وكان من أولئك القادة الذين يتحملون المسئولية ويتقبلونها قبولا حسنا، ولا يتملصون منها بإلقائها على عواتق الآخرين.
وكان ذا نفسية ثابتة لا تتبدل: لا يطربها النصر فيؤدي بها إلى مزالق الشطط، ولا يقلقها الانتصار فيحملها إلى مهاوي الانهيار، والشطط والانهيار تلحق الكوارث بالقائد ورجاله.
وما دام المرء لا يعمل لنفسه، بل يعمل للمصلحة العامة، وتكون نيته خالصة لوجه الله، فإن نفسيته تكون ثابتة لا تتغير.
وكان عارفا بنفسيات رجاله وقابلياتهم؛ لأنه نشأ بينهم وعمل معهم، وعايشهم طويلا في حالتي الحرب والسلام، إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المقربين وآل بيته الطاهرين، فكان يكلف كل فرد منهم بما يناسب نفسيته وقابليته.
وكان يثق برجاله ثقة مطلقة، ويثق به رجاله ثقة مطلقة، والثقة الأساس
القوي للتعاون بين القائد وجنوده، ولا تعاون بدون ثقة متبادلة.
وكان يحب رجاله حب الأخ لأخيه، ويحبه رجاله حبا لا مزيد عليه، والحب المتبادل هو العامل الحيوي لإرساء أسس التعاون الوثيق الذي يقود إلى النصر.
وكان يتمتع بشخصية قوية نافذة، جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يوليه السرايا التي فيها أمثال أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، ويوليه إمرة المدينة المنورة في بعض غزواته، مما يدل على شخصيته القوية النافذة.
وكانت له قابلية بدنية فائقة، ساعدته على قطع المسافات الشاسعة بسرعة، وتحمل أعباء السفر والقتال، دون كلل ولا ملل ولا تعب ولا إنهاك.
وكان له ماض ناصع مجيد في خدمة الإسلام والمسلمين، وخدمة النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان يساوي بينه وبين رجاله، لا يستأثر دونهم الخير، ويترك لهم المتاعب، بل يؤثرهم بالأمن والدعة والاطمئنان، ويستأثر دونهم بالأخطار والمصاعب والمشاق.
وكان يستشير أصحابه، وبخاصة ذوي الرأي منهم، ويأخذ بآرائهم ويضعها في حيز التطبيق العملي.
واستنادا إلى مبادئ الحرب، فقد كان زيد يختار مقصده ويديمه، ويفكر في أقوم وسيلة للوصول إليه، ثم يقرر الخطة المناسبة للحصول عليه.
وكانت سرايا زيد كلها تعرضية، تشيع فيها روح المباغتة، وكانت جميع سراياه عدا سرية مؤتة مباغتة كاملة لأعداء المسلمين، لذلك استطاع الانتصار عليهم بالرغم من قلة قواته بالنسبة إلى كثرة قواتهم، وبالرغم من وجودهم في بلادهم بينما كانت خطوط مواصلات زيد بعيدة عن المدينة قاعدة عمليات المسلمين الرئيسة.