الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترجيح:
بعد التأمل في القولين في المسألة، وأدلتهما، ظهر لي أن الراجح هو القول الأول، لقوة دليله، ولأن العقد لم يختل شرط من شروط صحته وإنما الخلل حصل في أمر خارج، ولأن الأصل في العقد الصحة، والله أعلم.
المسألة الرابعة:
شرط المبيع على صفة تالف، وتعداد جميع أو أغلب العيوب الممكنة في المبيع، هل هو شرط للبراءة من العيب
؟ لهذه المسألة صورتان:
الصورة الأولى: شرط البيع على صفة تالف.
يلجأ بعض الباعة، وخاصة في بيوع المزاد إلى طريقة غير صحيحة للخلاص من تبعة العيوب الموجودة أو المحتملة في المبيع وذلك بشرط المبيع على صفة تالف كأن يقول عن الدار:
كوم تراب، أو يقول عن الدابة: مكسرة محطمة، أو كوم لحم، أو يقول عن السيارة: كومة حديد، أو سكر في ماء، أو يقول عن الثوب ونحوه: حراق على الزناد، ونحو ذلك، ويريدون بذلك أنه مشتمل على العيوب.
الصورة الثانية: تعداد جميع أو أغلب العيوب الممكنة في المبيع:
ومثال ذلك: أن يقول في الدار مثلا: جدرانها متصدعة، وخشب سقفها مكسر، وأبوابها مكسرة. . . ويقول في السيارة:
الماكينة غير صالحة، وأجزائها متحللة، والسيارة سبق أن انقلبت، وسبق أن صدمت.
وأكثر من يلجأ إلى هاتين الطريقتين في وقتنا الحاضر أصحاب معارض بيع السيارات. وقد صرح بحكم الصورة الأولى ابن عابدين. في حاشية رد المحتار على الدر المختار حيث قال: " وصح البيع بشرط البراءة من كل عيب بأن قال: بعتك هذا العبد على أني بريء من كل عيب. . . ومنه ما تعورف في زمننا إذا باع دارا فيقول مثلا: بعتك هذه الدار على أنها كوم تراب، وفي بيع الدابة يقول: مكسرة محطمة، وفي نحو الثوب يقوله: حراق على الزناد، ويريدون ذلك أنه مشتمل على جميع العيوب، فإن رضيه المشتري لا خيار له، لأنه قبله بكل عيب يظهر فيه "(1). .
كما صرح به صاحب درر الحكام شرح مجلة الأحكام فقال مثل ما قال ابن عابدين (2). . وصرح بحكم الصورة الثانية السبكي في تكملة المجموع حيث قال: " شغف بعض الوراقين في هذا الزمان بأن يجعل بدل شرط البراءة إعلام البائع المشتري أن
(1) ينظر: حاشية رد المحتار 5/ 42
(2)
ينظر: درر الحكام شرح مجلة الأحكام 1/ 296
بالمبيع العيوب ورضي به، وظنوا أن ذلك يجوز منهم عن بطلان البيع والشرط، وهذا لا يجوز ولا يفيد " (1). ثم استدل لذلك فقال:" أما أنه لا يجوز فعله فلأنه كذب، لأنه لا يمكن اجتماع جميع العيوب في محل ومنها ما هو متضاد، وأما أنه لا يفيد فلما تقدم أن الصحيح عندنا أنه لا يكتفي بالتسمية فيما يمكن معاينته ولا يجوز للحاكم إلزام المشتري بمقتضى هذا الإقرار للعلم بكذبه وبطلانه "(2). .
ثم قال مبينا الحكم إذا وقع: " وإذا وقع ذلك يكون حكمه حكم ما لو شرط البراءة "(3). .
بهذا يتبين أن فعل ذلك في الصورتين محرم، لاعتماده على الكذب الصريح؛ لعدم وجود ما ذكر البائع أو جميعه.
وأما الحكم إذا حصل فصريح هذا الكلام في الصورتين، وظاهر كلام أصحاب المذاهب الأخرى أن الحكم فيهما حكم شرط البراءة من العيب فيجري فيهما الخلاف السابق في المسألة الأولى؛ لأن مقتضى الكلام فيهما أن البائع يريد التخلص من تبعة ما هو موجود أو محتمل الوجود من العيوب، وهو ما يقصده من يفعل ذلك في الغالب، فيكون الراجح فيها ما ترجح هناك، وهو
(1) ينظر: تكملة المجموع 12/ 374، ونقل ذلك وما بعده عنه الشربيني في مغني المحتاج 2/ 45
(2)
ينظر: تكملة المجموع 12/ 374
(3)
ينظر المرجع السابق
أن البائع يبرأ بالشرط مما لم يعلم به، ولا يبرأ مما علمه فكتمه. وقد وردت بعض الآثار عن التابعين تؤيد ذلك وتفيد بعدم البراءة بذلك حتى يعين عيبا موجودا ويسميه.
ومن ذلك:
1 -
ما روي عن الحسن أنه قيل له: أبيع السلعة وأتبرأ من القروح، والجروح، والباطن، والظاهر؟ فقال: لا تبرأ حتى تقول: في هذه العين كذا وكذا، وإلا رد عليك. .
2 -
ما روي عن ابن طاوس عن أبيه قال: لا يجوز إلا ما سميت، فأما أن تسمي داء تخلط معه غيره فلا. .
3 -
ما روي عن إبراهيم في الرجل يبيع السلعة ويبرأ من الداء، قال: هو بريء مما سمى، قيل لإبراهيم: الرجل يقول: أبيعك لحما على وضم، وبرئت مما أقلت الأرض منه، قال: لا، حتى يسمي، فإن سمى فقد برئ مما سمى (1). .
4 -
وروي عن محمد بن سيرين. في الرجل يبيع الدابة
(1) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في الكتاب والباب السابقين 8/ 162، الأثر رقم 14719
فيقول: أبرأ من كذا أبرأ من كذا، أبرأ من الجرد، قال: لا يبرأ إلا من شيء يسميه، ويقر به. .
وبهذا - أي القول بالبراءة مما لم يعلمه البائع وعدم البراءة مما علمه فكتمه - أفتى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله - في الصورة الثانية حيث سئل: " يلاحظ في الحراج على السيارات أن الدلال (1). يذكر عيوبا كثيرة في السيارة وهي ليست بصحيحة، ويهدف من وراء ذلك إلى إخفاء العيوب الحقيقية في السيارة تحت هذه العيوب الوهمية المعلن عنها، وليس للمشتري في عرفهم حق الرجوع ولو مع وجود البائع. . أفتونا عن هذه الطريقة التي تتبع في كل مزاد سيارات؟ جزاكم الله خيرا".
فأجاب فضيلته - حفظه الله - بقوله: " البائع إذا كان يعلم أن في السيارة عيبا بينا ولكنه يخفيه بذكر عيوب كثيرة وهمية فإن هذه الطريقة محرمة، لأنها غش ظاهر. . . وخلاصة الجواب أن من علم عيبا في سيارته أو غيرها مما يبيعه فإن الواجب تبيينه للمشتري، ولا يحل له أن يخفيه بأي أسلوب كان، وإذا تم البيع والبائع قد أخفى العيب فإن للمشتري حق الرجوع ولو أنه قد التزم
(1) ويعرف أيضا بالسمسار