الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} أي ما حسابهم على بواطنهم إلا على الله، فإنه المطلع عليها، لو تعلمون ذلك، ولكنكم تجهلون، فتقولون ما لا تعلمون. {إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ} أي ما أنا إلا بيّن الإنذار، وهذا كالعلة لما سبق، فما أنا إلا رجل مبعوث لإنذار المكلفين عن الكفر والمعاصي، سواء كانوا أعزاء أو أذلاء، فكيف يليق بي طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء؟! {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ} عما تقول لنا. {مِنَ الْمَرْجُومِينَ} المقتولين أو المضروبين بالحجارة، أو من المشتومين. {قالَ: رَبِّ، إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} قال نوح ذلك، إظهارا لسبب الدعاء عليهم وهو تكذيب الحق. {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً} أي فاحكم بيني وبينهم حكما. {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي نجني من شؤم عملهم. {الْفُلْكِ} يطلق على الواحد والجمع. {الْمَشْحُونِ} المملوء بالناس والحيوان. {ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ} أي بعد إنجائهم. {الْباقِينَ} من قومه. {لَآيَةً} عبرة شاعت وتواترت.
المناسبة:
لما قص الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم قصة موسى وإبراهيم، أتبعه بذكر قصة أبي البشر الثاني نوح عليه السلام، ثم خبر هود، وصالح، ولوط وشعيب فيما يأتي بعد، والهدف من كل ذلك واحد، وهو تسلية رسوله فيما يلقاه من قومه، وبيان لسنة الله في عقاب المكذبين، فإن أقوام هؤلاء جميعا كذبوا رسلهم، فعوقبوا، وقومك يا محمد كمن سبقهم، فلا تجزع ولا تحزن ولا تغتم. وقد تقدم تفصيل نبأ نوح في سورتي الأعراف وهود.
التفسير والبيان:
هذا قصص نوح عليه السلام مع قومه، فهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد أن عبدت الأصنام والأنداد، فنهاهم عن ذلك وحذرهم من وبيل عقاب ربهم، ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين، فكذبه قومه، واستمروا على ما هم عليه من الوثنية، ونزّل الله تكذيبهم له منزلة تكذيب جميع المرسلين، فقال:
{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ: أَلا تَتَّقُونَ؟} أي كذب قوم نوح رسل الله أي نوحا نفسه فيما جاءهم به من الهداية لتوحيد الله
وإنهاء عبادة الأصنام، حين قال لهم نوح أخوهم: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره؟ ألا تحذرون عقابه على كفركم به؟ وجعل تكذيب نوح تكذيبا للرسل جميعا؛ لأن من كذب رسولا، فقد كذب جميع الرسل. وإنما قال:{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ} لأن القوم مؤنث، وتصغيرها قويمة. وقال:{أَخُوهُمْ} لأنه كان منهم، كما تقول العرب: يا أخا بني تميم، أي يا واحدا منهم.
وبعد أن خوفهم نوح من سوء فعلهم، وصف نفسه بأمرين:
الأول- {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني الله به، أبلغكم رسالات ربي، دون زيادة ولا نقص.
{فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ} أي خافوا عذاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به من توحيد الله وعبادته وطاعته. وإنما قدم الأمر بتقوى الله تعالى على الأمر بطاعته؛ لأن تقوى الله علة لطاعته، وهي أساس الطاعة ومبعثها، فلولا الخوف من الله تعالى ما أطاعه الناس.
الثاني- {وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ} أي لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم، بل أدخر ثواب ذلك عند الله تعالى.
{فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ} أي فقد وضح لكم صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني الله به، وائتمنني عليه. وكرر ذلك للتأكيد عليهم، وتقريره في نفوسهم؛ لأن التقوى والطاعة أساس الدين، لكن جعل علة الأول كونه أمينا فيما بينهم، وعلة الثاني حسم طمعه عنهم.
ولما لم يجدوا سبيلا للتخلص من حجته وعدم إمكان الطعن بها، أوردوا شبهة واهية فقالوا:{قالُوا: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ؟} أي إنهم قالوا: لا نؤمن
لك ولا نتبعك، ونتأسى في ذلك بهؤلاء الأراذل السفلة في المجتمع، فإنهم أراذلنا، وضعاف الناس، وفقراء القوم، ونحن السادة أهل الجاه والثروة والنفوذ!! وهذه شبهة في نهاية السقوط والضعف، فإن نوحا عليه السلام بعث هاديا لجميع الناس، لا فرق بين غني وفقير، ووجيه ووضيع، وحسيب ومغمور، وسيد ومسود، ولا يبحث الرسول عادة عن هويات المؤمنين ومنازلهم، لذا قال:
{قالَ: وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ} أي قال نوح: لا علم لي بأعمال هؤلاء وحرفهم ومهنهم، ولا أنقب عنهم أو أبحث أو أفحص أمورهم الداخلية، وإنما ليس لي إلا الظاهر، فأقبل منهم تصديقهم إياي، وأترك سرائرهم إلى الله عز وجل، وحسابهم على ربهم، لا علي، كما قال:
{إِنْ حِسابُهُمْ إِلاّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} أي إن كان لهم عمل شيء، فما حسابهم علي، وإنما على ربي، فالله محاسبهم ومجازيهم عليه، وما أنا إلا منذر، لا محاسب ولا مجاز، لو تشعرون ذلك بأن كنتم ذوي شعور مرهف وحس صادق وعقل واع، ولكنكم تجهلون، فتنساقون مع الجهل حيث سيّركم ووجهكم.
والقصد من ذلك تبديد شبهتهم، وإنكار تسمية المؤمن رذلا، وإن كان أفقر الناس وأوضعهم نسبا، فإن الغنى غنى الدين، والنسب نسب التقوى.
ثم ردّ على ما فهم من مطلبهم بإبعاد هؤلاء وطردهم من مجلسه، فقال:
{وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ} أي ليس من شأني ولا من مبدئي ورسالتي طرد هؤلاء الذين آمنوا بربهم واتبعوني وصدقوني، إنما بعثت نذيرا، فمن أطاعني واتبعني وصدقني، كان مني وأنا منه، سواء كان شريفا أو وضيعا، جليلا أو حقيرا، وإني أخوّف من كذبني ولم يقبل مني، فمن قبل فهو القريب، ومن رد فهو البعيد.
فلما أفحمهم بجوابه، لم يجدوا بدا من اللجوء إلى التهديد:
{قالُوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} أي قال قوم نوح له:
لئن لم تنته عن دعوتك إيانا إلى دينك، لنرجمنك بالحجارة. وهذا تخويف منهم بالقتل بالحجارة، فعندئذ دعا عليهم بعد اليأس من إيمانهم دعوة استجاب الله منه، بعد أن أذن له، فقال:
{قالَ: رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ، فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً، وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي قال نوح: يا رب، إن قومي كذبوني في دعوتي إياهم إلى الإيمان بك، فاحكم بيني وبينهم حكما عدلا تنصر به أهل الحق، وتهلك أهل الباطل والضلال، ونجني من العذاب مع من آمن برسالتي وصدق بدعوتي، كما جاء في آية أخرى:{فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر 10/ 54].
ويلاحظ أنه ليس الغرض من هذا إخبار الله تعالى بالتكذيب، لعلمه أن الله عالم الغيب والشهادة أعلم، ولكنه أراد أني لا أدعوك عليهم لإيذائي، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك، ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك.
والمراد من هذا الحكم في قوله: {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً} إنزال العقوبة عليهم؛ لأنه قال عقبه: {وَنَجِّنِي} .
فأجاب الله دعاءه فقال:
{فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ} أي أنجينا نوحا ومن آمن بدعوته، فوحد الله وأطاعه، وهجر عبادة الأصنام، وأنقذناهم بسفينة مملوءة بالناس والأمتعة وأجناس الحيوان. ثم أغرقنا بعد إنجائهم قومه الآخرين الذين بقوا على كفرهم، وخالفوا أمره. روي أن الناجين كانوا ثمانين، أربعين رجلا وأربعين امرأة.
{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} أي إن في إنجاء المؤمنين