الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي فلما أصروا على التكذيب واستمروا عليه، جوزوا بعذاب الظلة وهو أنهم أصيبوا بحر عظيم، أخذ بأنفاسهم، لا ينفعهم ظل ولا ماء، فاضطروا إلى الخروج إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا لها بردا ونسيما، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا، فاحترقوا جميعا. وهذا كما حكى الله تعالى بقوله:{وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا: سَحابٌ مَرْكُومٌ} [الطور 44/ 52].
إن ذلك العذاب عذاب شديد الهول، عظيم الوقع، أدى إلى الإفناء:
{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً، وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} أي في تلك القصة البليغة لعبرة وعظة يا أهل مكة وغيركم من الكفار، تلك العبرة الدالة بوضوح على صدق الرسل، ومجيء العذاب بتوقيت الله، وما كان أكثر قوم شعيب بمؤمنين.
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} أي وإن الله ربك يا محمد لهو القادر على الانتقام من الكافرين، الرحيم بعبادة المؤمنين.
وهذه هي الخاتمة بذاتها التي ختمت بها القصص السبع المذكورة في هذه السورة للدلالة على وجوب استنباط العظة والعبرة من كل قصة، وكلها دليل قاطع على أن القرآن كلام الله الذي يخبر وحده عن الغيب:{لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ} [يوسف 111/ 12].
فقه الحياة أو الأحكام:
تكرر في المناسبة والتفسير بيان الهدف العام من هذه القصة وغيرها من القصص السابقة، وكان مجموعها في هذه السورة سبعا، فإن الله تعالى أنزل في قرآنه هذه القصص تسلية لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وإزالة للحزن عن قلبه، بسبب صدود الناس عن دعوته، وهي تسرية دائمة لكل داعية مخلص، حتى لا ييأس
ولا يعجز، ولا يلين ولا يقف عن السير في دعوته، فيستمر ثابت الخطا، ماضي العزم، رافع الرأس معتزا بما يقوم به.
والخلاصة: أن السبب في تشابه بداية هذه القصص وآخرها: هو التأكيد وتقرير المعاني في النفوس وتثبيتها في الصدور.
وفهم من هذه القصص أن الله هو الذي أنزل العذاب على المكذبين لرسله، وأنه إنما أنزله عليهم جزاء وفاقا على كفرهم، لا ظلما ولا تشفيا ولا ثارا، وإنما لإرساء معالم الحق، وتوطيد صرح العدل بين الخلائق.
ويلاحظ أن جميع الأنبياء متفقون على أصول الرسالات من الدعوة إلى توحيد الله، واحترام الفضائل ومحاربة الرذائل، ثم يقوم كل واحد منهم بمعالجة الظواهر المرضية، والأوضاع الشاذة عند قومه، فهذا هود عليه السلام ينكر على قومه العبث بالبناء، والطمع في الدنيا كأنهم مخلدون، والبطش بطش الجبارين وغير ذلك من النزعات المعنوية المغالية؛ وهذا صالح عليه السلام ينكر على قومه إقامة البيوت في الجبال بطرين أشرين مستكبرين، حريصين على الملذات الحسية المادية؛ وهذا لوط عليه السلام يستنكر الفاحشة الشنيعة وهي إتيان الذكور في أدبارهم، وترك إتيان النساء الأزواج في أقبالهن؛ وهذا شعيب ينكر على قومه الظلم الاجتماعي بسرقة أموال الناس وإهدار حقوقهم بتطفيف الكيل والميزان، فيأمرهم بإيفاء الكيل والوزن كاملا غير زائد ولا ناقص، وبألا يبخسوا الناس أشياءهم، وألا يعثوا في الأرض فسادا، وأن يتقوا الله الذي خلقهم وخلق آباءهم العظام الأولين. ومن أنعم بهذه النعم كان هو المستحق للعبادة، لكنهم قوم ظالمون كافرون بالقيم والأخلاق الاجتماعية، مستصغرون وعيد الرسل، مستخفون بنصحهم ووعظهم.
وإنما كان جواب هؤلاء الرسل واحدا على صيغة واحدة: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ} لأنهم متفقون على الأمر بالتقوى، والطاعة والإخلاص في العبادة،
والامتناع عن أخذ الأجر على تبليغ الرسالة.
واتفق هؤلاء الرسل على الترفع عن مقابلة إساءة أقوامهم لهم واتهاماتهم الباطلة، والصبر على الدعوة، وتفويض الأمر الحازم الحاسم بإنزال العذاب وغيره إلى الله عز وجل، ليبقوا في مرتبة البشرية التي ظنها الكفرة نقصا، وهي في الحقيقة عنوان العبودية لله عز وجل.
وأما صفة عذاب قوم شعيب وإهلاكهم، فإن الله أبانها في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة، فأصبحوا في دارهم جاثمين؛ لأنهم قالوا:{لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا، أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا} [88] فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه، فأخذتهم الرجفة.
وفي سورة هود قال: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [67] ولأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم: {أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا، إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [87] قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم، فقال:{فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} الآية.
وهاهنا قالوا: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ} الآية على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه:{فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: إن الله سلّط عليهم الحر سبعة أيام، حتى ما يظلهم منه شيء، ثم إن الله تعالى أنشأ لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم، فاستظل بها، فأصاب تحتها بردا وراحة، فأعلم بذلك قومه، فأتوها جميعا، فاستظلوا تحتها، فأججت عليهم نارا
(1)
.
(1)
تفسير ابن كثير: 346/ 3.