الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالنسبة أو بالإضافة إلى عرش أبناء جنسها من الملوك، ووصف عرش الله بالعظم بالنسبة إلى ما خلق من السموات والأرض.
فأجاب سليمان عليه السلام طير الهدهد عن دفاعه عن نفسه لتبرئة ساحته، حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم فقال:
{قالَ: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ} أي قال سليمان:
سنتعرف على مدى صحة قولك، أصادق في إخبارك هذا، أم أنك كاذب في مقالتك، لتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك به؟.
والمغايرة بين الجملتين الفعلية والاسمية في هذه الآية، وجعل الثانية اسمية للمبالغة كما بينا، وإفادة ثبات صفة الكذب عليه، وأنه مداوم على الكذب لا ينفك عنه. ووسيلة الاختبار هي:
{اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ، فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ} أي إن سليمان عليه السلام كتب كتابا إلى بلقيس وقومها، يدعوها فيه إلى الإيمان والإسلام لله عز وجل، وأعطاه ذلك الهدهد، وأمره أن يلقيه إليهم، ثم يبتعد عنهم قريبا، ويتأمل رد الفعل، وما يراجع بعضهم بعضا القول، ويناقش فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -
القائد يتفقد عادة جيشه وجنوده، وقد فعل ذلك سليمان عليه السلام أثناء مسيره ومروره بوادي النمل، فتفقد جنس الطير وجماعتها التي كانت تصحبه في سفره، وتظله بأجنحتها. وكان سبب تفقده ما تقتضيه عادة العناية بأمر الملك، والاهتمام بعناصر الجيش وبكل جزء منها، كما دل ظاهر الآية. وقال
عبد الله بن سلام: إنما طلب الهدهد؛ لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض، لأنه كان نزل في مفازة عدم فيها الماء، وأن الهدهد كان يرى باطن الأرض وظاهرها؛ فكان يخبر سليمان بموضع الماء، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة؛ تسلخ عنه وجه الأرض كما تسلخ الشاة.
قال القرطبي: في هذه الآية دليل على تفقد الإمام أحوال رعيته، والمحافظة عليهم، فانظر إلى الهدهد مع صغره كيف لم يخف على سليمان حاله، فكيف بعظام الملك. ويرحم الله عمر بن الخطاب، فإنه كان على سيرته؛ قال: لو أن سخلة على شاطئ الفرات أخذها الذئب، ليسأل عنها عمر
(1)
. والخلاصة:
استنبط العلماء من الآية استحباب تفقد الحاكم أحوال الرعية، وكذلك تفقد الأصدقاء والأقارب.
2 -
قوله تعالى: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً} دليل على أن الحدّ أي العقوبة على قدر الذنب، لا على قدر الجسد، ولكن يرفق بالمحدود في الزمان والصفة.
وأما ذبحه فدليل على أن الله أباح له ذلك، كما أباح ذبح البهائم والطير للأكل وغيره من المنافع.
3 -
قوله تعالى: {أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ} أي علمت ما لم تعلمه من الأمر، دليل على من قال: إن الأنبياء تعلم الغيب، ودليل على أن الصغير يقول للكبير، والمتعلم للعالم: عندي ما ليس عندك إذا تحقق ذلك وتيقنه.
4 -
الاعتذار الصحيح مقبول عند أهل الحق والإيمان، فقول الهدهد:
{وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} دفع فيه عن نفسه ما توعده من العذاب والذبح.
5 -
كانت بلقيس ملكة سبأ، وكان هذا عرفا معمولا به عند القدماء، وعند المعاصرين غير المسلمين. أما في شرعنا
فقد روى البخاري من حديث ابن عباس
(1)
تفسير القرطبي: 178/ 13.
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس قد ملّكوا بنت كسرى قال: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة، ولا خلاف فيه. ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله نقل عنه كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق؛ ولا بأن يكتب لها منشور (أو مسطور) بأن فلانة مقدمة على الحكم، وإنما سبيل ذلك التحكيم والاستنابة في القضية الواحدة، بدليل
قوله صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»
(1)
. وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير. وما روي عن عمر أنه قدّم امرأة على حسبة السوق لم يصح، فلا يلتفت إليه، وإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث.
6 -
كانت أمة بلقيس ممن يعبد الشمس؛ لأنهم كانوا زنادقة فيما يروى، وقيل: كانوا مجوسا يعبدون الأنوار، وقد زين لهم الشيطان أعمالهم أي ما هم فيه من الكفر، وصدهم عن طريق التوحيد، فهم لا يهتدون إلى الله وتوحيده، وزين لهم ألا يسجدوا لله، أو فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله، وعلى هذا تكون (لا) زائدة، مثل:{ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ} [الأعراف 12/ 7] أي أن تسجد.
وهذا دليل على أن ما ليس بسبيل التوحيد فليس بسبيل ينتفع به قطعا.
ثم آمنت تلك الأمة واهتدت إلى الإقرار بنبوة سليمان ودعوته إلى التوحيد، كما سيأتي بيانه.
7 -
إن الله الذي خلق فسوى، وأخرج المخبوء في السموات والأرض كالمطر من السماء والنبات والكنوز من الأرض، هو الذي تجب عبادته، وهو الذي يستحق العبادة. والآية دلت على وصف الله تعالى بالقدرة والعلم، أما القدرة:
(1)
أحكام القرآن لابن العربي: 183/ 3.
فقوله: {يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} وهو يتناول جميع أنواع الأرزاق والأموال وإخراجه من السماء بالغيث، ومن الأرض بالنبات. وأما العلم فقوله:
{وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ} .
8 -
قول الهدهد {أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ} وقوله {اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} دليل على أنه داع إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له، لذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله، كما
روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب:
النملة والنحلة والهدهد والصرد».
9 -
قوله تعالى: {أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ} دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم، بباطن أعذارهم؛ لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه. وإنما صار صدق الهدهد عذرا؛ لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان عليه السلام حبب إليه الجهاد.
وفي الصحيح: «ليس أحد أحبّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل» . وقد قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عذر النعمان بن عدي ولم يعاقبه.
لكن للإمام أن يمتحن المعتذر إذا تعلق بالأمر حكم من أحكام الشريعة، كما فعل سليمان بالتثبت من صدق الهدهد.
10 -
دلت آية: {اِذْهَبْ بِكِتابِي هذا..} . على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة، ودعوتهم إلى الإسلام، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، وإلى كل جبار، كما دلت الآية على سرعة الهدهد في تبليغ الكتاب إليهم، وعلى إيتائه قوة المعرفة وفهم كلامهم، وأن الملكة فهمت الكتاب فورا بواسطة مترجم، وعلى حسن آداب الرسل أن يتنحوا عن المرسل إليهم بعد أداء الرسالة، للتشاور فيها.