الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أحدها:
أنه ليس هو من بغيتهم ولا من مطلبهم؛ لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وفي القرآن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو هدى ونور وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة، وتغاير شديد.
الثاني:
أنّه لو انبغى لهم لما استطاعوا تحمله، كما قال تعالى:{لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} [الحشر 21/ 59].
الثالث:
أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله، وتأديته لما وصلوا إليه؛ لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، في مدة إنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه، لئلا يشتبه الأمر.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
1 -
القرآن الكريم: كلام الله القديم المنزل بواسطة جبريل الأمين على قلب النبي صلى الله عليه وسلم باللسان العربي المبين، والذي أعلنت عن نزوله كتب الأنبياء المتقدمين. نزل به جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتلاه عليه، ووعاه قلبه منه، ورسخ في عقله رسوخا كالنقش في الحجر، قال تعالى:{قُلْ: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ.} . [البقرة 97/ 2]، وقال سبحانه:
{لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ} [القيامة 16/ 75 - 19].
ونزوله بلغة العرب لئلا يقولوا: لسنا نفهم ما تقول. وبشّرت بنزوله كتب الأنبياء المتقدمين، كما بشّرت ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم.
2 -
أثبتت الآيات نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه مع كونه أميّا بهر العالم ببلاغة القرآن وفصاحته، وإخباره عن المغيبات، وإثرائه الحياة بأنظمة سديدة رصينة لا تقبل الطعن ولا النقد، وهذا العطاء الإلهي دليل قاطع على النبوة. كما أن من الأدلة على النبوة علم أهل الكتاب بأوصاف النبي صلى الله عليه وسلم ونعوته، سواء من أسلموا أو لم يسلموا.
وإنما صحت شهادة أهل الكتاب وصارت حجة على المشركين؛ لأنهم كانوا يرجعون إليهم في شؤون الدين، يسألونهم عن مدى تطابق القرآن مع ما أخبرت به كتبهم الدينية.
3 -
إن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء هي الإنذار {لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} ويدخل في الإنذار الدعوة إلى كل واجب من علم وعمل، والمنع من كل قبيح.
4 -
إن كفر المشركين من أهل مكة بالقرآن مجرد عناد واستكبار، دون دليل ولا برهان، وإنما على العكس علموا بأنه الحق ثم جحدوه، وكان تحدي القرآن لهم بالإتيان بمثل سورة منه حجة عليهم، فهو منزل بلغتهم، فسمعوه وفهموه وعرفوا فصاحته، وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله، وانضم إلى ذلك بشارة كتب الله السالفة به، فلم يؤمنوا به وجحدوه عنادا وأنفة ومكابرة، وسموه -زورا وبهتانا-شعرا تارة، وسحرا أخرى.
ولو نزل هذا القرآن على رجل ليس بعربي اللسان (أعجمي) فقرأه على كفار قريش بغير لغة العرب، لما آمنوا ولقالوا: لا نفقه ما نسمع. فهذا إلزام
لهم، وإنكار عليهم، وفضح لأحوالهم؛ لأن القرآن نزل بلغتهم فهم أولى الناس بالإيمان به.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا الموقف المتعنت بقوله تعالى: {كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} أي إن الذي منعهم من الإيمان، وإعلان الكفر بالقرآن والتكذيب به هو الإصرار على ما هم عليه والحفاظ على رياساتهم ومصالحهم المادية، حتى أصبح ذلك مدخلا سالكا في قلوبهم، خلقا غير قابل للتغيير والتبديل، بمنزلة أمر جبلوا عليه وفطروا، كما يقال: فلان مجبول على الشّح، والمراد تمكن الشّح فيه.
ولا يتصور إيمانهم بالقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم إلا حين مشاهدة العذاب المؤلم ومعاينته، ومجيئه فجأة دون أن يشعروا به، وهو إما عذاب الدنيا، وإما عذاب الساعة (القيامة) وحينئذ يقولون: هل نحن مؤخرون وممهلون، إنهم يطلبون الرجعة إلى الدنيا فلا يجابون إليها.
ومعنى التعقيب في قوله تعالى: {فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً،}
…
{فَيَقُولُوا} كما ذكر الزمخشري: ليس ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال التأخير فيه في الوجود، وإنما المعنى ترتبها في الشدة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب، فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم فجأة، فما هو أشد منه، وهو سؤالهم التأخير. ومثال ذلك: أن تقول لمن تعظه: إن أسأت مقتك الصالحون، فمقتك الله، فإنك لا تقصد بهذا الترتيب: أن مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين، إنما قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسيء، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين، فما هو أشد من مقتهم، وهو مقت الله
(1)
.
5 -
كان جزاء هذا الموقف المتعنت لكفار قريش تبكيتهم بالإنكار عليهم
(1)
الكشاف: 437/ 2
والتهكم على أمر آخر، وهو: كيف يستعجل العذاب المعرّضون للعذاب؟ ثم يشنع القرآن عليهم ويوبخهم على حبهم إطالة الاستمتاع بالدنيا، فذلك العذاب المنتظر والهلاك كائن لا محالة، ولا يغني عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه.
عن الزهري: إن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح، أمسك بلحيته، ثم قرأ:{أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ، ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ} .
6 -
اقتضت عدالة الله ورحمته ألا يهلك قوما أو يعذب أهل قرية إلا بعد إرسال الرسل المنذرين لهم بأس الله وعذابه، فإذا جاء العذاب أو العقاب، لم يكن الله ظالما في تعذيبهم، حيث قدم الحجة عليهم وأعذر إليهم.
7 -
القرآن-كما تقدم-نزل به الروح الأمين من عند الله تعالى، ولم تنزل به الشياطين، فإنه لا يتيسر لهم إنزاله، ولا يستطيعون تحمله وتأديته، ولا يتمكنون من اختلاسه واستراقه؛ لأنهم معزولون عن سمع ملائكة السماء برمي الشهب عليهم فتحرقهم.
8 -
محل العقل: ورد في الآية أن القرآن منزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم فهل المراد بالقلب العضو المعروف في الجانب الأيسر من الإنسان أم العقل الكائن في الدماغ؟ المعروف لدى علماء الطب والتشريح المعاصر أن محل العقل الدماغ.
أما العلماء القدماء فانقسموا فريقين: فريق يرى أن محل العقل القلب، وفريق آخر يرى أن محل العقل الدماغ
(1)
.
واستدل الفريق الأول بالأدلة التالية:
الأول-قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها} ؟ [الحج 46/ 22]،
(1)
تفسير الرازي: 167/ 24.
، وقوله:{لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها} [الأعراف 179/ 7]، وقوله:{إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ، وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق 37/ 50] أي عقل، أطلق عليه اسم القلب؛ لأنه محله.
الثاني-أنه تعالى أضاف أضداد العلم إلى القلب، وقال:{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [البقرة 10/ 2]{خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ} [البقرة 7/ 2]{قُلُوبُنا غُلْفٌ، بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ} [النساء 155/ 4]{يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ} [التوبة 64/ 9]{يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح 11/ 48]{كَلاّ، بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ} [المطففين 14/ 83]{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها} [محمد 24/ 47]، {فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج 46/ 22] دلت هذه الآيات على أن موضع الجهل والغفلة هو القلب، فوجب أن يكون موضع العقل والفهم أيضا هو القلب.
الثالث-إذا أمعن الإنسان في الفكر وغيره أحس من قلبه ضيقا وضجرا حتى كأنه يتألم بذلك، مما يدل على أن موضع العقل هو القلب، فوجب أن يكون المكلف هو القلب؛ لأن التكليف مشروط بالعقل والفهم.
الرابع-أن القلب أول الأعضاء تكونا، وآخرها موتا.
واحتج الفريق الثاني القائل بأن العقل في الدماغ بما يأتي:
الأول-أن الحواس التي هي آلات الإدراك نافذة إلى الدماغ دون القلب، أي إن الدماغ محل الإحساس.
الثاني-أن الأعصاب آلات الحركات الاختيارية نافذة من الدماغ دون القلب، أي إن الدماغ مركز التنبيه العصبي.
الثالث-أن الآفة إذا حلت في الدماغ اختل العقل، مثل الجنون والنزف الدماغي.
الرابع-جرى العرف على أن من أريد وصفه بقلة العقل، قيل: إنه خفيف الدماغ، خفيف الرأس.
الخامس-أن العقل أشرف أجزاء الإنسان، فيكون مكانه أشرف، والأعلى هو الأشرف، وذلك في الدماغ، لا القلب.
ورأيي هو ترجيح الرأي الثاني؛ لأن العلم الحديث أجري مئات التجارب على الدماغ وما فيه من مخ ومخيخ، فوجد أنه محل العقل والإحساس والتنبيه والذاكرة وغير ذلك من وظائف الدماغ، فدل على أنه هو محل العقل. أما الآيات القرآنية المتقدمة التي يفهم منها كون العقل في القلب، فذلك من قبيل الإطلاق العرفي السائد في الكلام، والذي يراد به العقل، فيقال: لا قلب عنده، أي لا عقل.
أما القيم الأدبية أو الأخلاقية: فمحلها القلب باعتباره المعبر عن النفس الإنسانية التي لا حياة فيها إلا بالقلب.
ثم إن المعاني المتقدمة التي تختص بالقلوب، ويراد بها المعاني العقلية كالنية والمعلومات والمعارف، قد تنسب إلى الصدر تارة، وإلى الفؤاد أخرى. أما الصدر: فلقوله تعالى: {وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ} [العاديات 10/ 100]، وقوله:
{وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ} [آل عمران 154/ 3]، وقوله:{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ} [الملك 13/ 67]، {إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ} [آل عمران 29/ 3].
وأما الفؤاد فقوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ} [الأنعام 110/ 6].