الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير والبيان:
{قالَتْ: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ، إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ} أي قالت بلقيس لأشراف قومها ومستشاريها وأركان دولتها ومملكتها: يا أشراف القوم، إني ألقي إلي كتاب كريم: لأن مرسلة نبي الله سليمان، وهو ملك كريم، ولحسن مضمونه وجمال عباراته، ولأنه كان مختوما،
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني: «كرامة الكتاب: ختمه» وكان صلى الله عليه وسلم يكتب إلى العجم، فقيل له: إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتم، فاتخذ لنفسه خاتما؛ كما أن فيه عجيب أمر حامله، وهو طائر ألقاه به إليها، ثم تولى عنها أدبا، وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك.
ومضمون الكتاب:
{إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ، وَإِنَّهُ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، أَلاّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} أي قرأت الكتاب على أشراف قومها، وكان في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة شاملا أمورا ثلاثة:
1 -
البسملة الدالة على إثبات الله ووحدانيته وقدرته ورحمته.
2 -
النهي عن الترفع الذي يحجب وصول الحق إلى النفوس، والنهي عن الانقياد للأهواء.
3 -
الأمر بالإسلام الجامع لأصول الفضائل، أو الأمر بالانقياد والطاعة لأمر سليمان.
قال العلماء: لم يكتب أحد: بسم الله الرحمن الرحيم قبل سليمان عليه السلام. وبه ثبت أن هذا الكتاب على وجازته جامع كل ما لا بد منه من أمور الدين والدنيا.
ثم استشارتهم في شأن الرد على الكتاب، وهذا من الحكمة والديمقراطية ونبذ الاستبداد:{قالَتْ: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ، أَفْتُونِي فِي أَمْرِي، ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتّى تَشْهَدُونِ} أي قالت بلقيس: يا أشراف القوم، أشيروا عليّ في شأن هذا الكتاب الذي أرسل إلي من نبي الله سليمان عليه السلام، ما كنت مبرمة أمرا ولا قاضية في شأن حاسم حتى يكون بحضوركم ومشاورتكم فيه.
وهذا دال على حسن سياستها ورشادها وحكمتها، فإنها استعطفتهم ليعينوها على اتخاذ الرأي الأفضل والأخلص والأصوب، فأجابوها بإظهار الاستعداد للقتال والحرب والدفاع عن المملكة:
{قالُوا: نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ} أي قال أشراف القوم: نحن أصحاب قوة جسدية وعددية، وذوو نجدة وشجاعة وشدة وثبات في الحروب. ثم فوضوا إليها أمر إعلان الحرب، قائلين: نحن على أتم الاستعداد من جانبنا للحرب، وبعد هذا فالأمر إليك، مري فينا رأيك نمتثله ونطيعه، ولا يمكن ذكر جواب أحسن من هذا، ففيه إظهار القوة الذاتية والعرضية، وإظهار الطاعة لها إن أرادت السلم والمصالحة.
فناقشتهم في ذلك، لعلمها بقوة سليمان وجنوده وجيوشه، وما سخر له من الجن والإنس والطير، فآثرت السلم على الحرب، وقالت: إني أخشى أن نحاربه، فيتغلب علينا، ويصيبنا جميعا الهلاك والدمار. فمالت إلى المصالحة، وتبين أنها أحزم رأيا منهم، وأعلم بأمر سليمان، ولهذا حكت لهم ما يفعله الملوك الأشداء:
{قالَتْ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً، وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ} أي قالت بلقيس لهم حين أظهروا استعدادهم لقتال سليمان:
إن الملوك إذا دخلوا بلدا عنوة، خرّبوه وأتلفوا الديار والأموال، وأذلوا أعزة
أهلها بالقتل أو الأسر، وأهانوهم غاية الهوان، لتتحقق لهم الغلبة والرهبة، ويفعلون هكذا.
وقوله: {وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ} الأقرب أنه من كلامها الذي أرادت به أن هذه عادتهم المستمرة الثابتة التي لا تتغير؛ لأنها كانت في بيت الملك القديم، فسمعت نحو ذلك ورأت.
وهذا تحذير لقومها من محاربة سليمان ومجيئه إليهم ودخوله بلادهم، وبعد أن استبعدت فكرة الحرب، لجأت إلى الوسائل الودية ومنها المسالمة والمصالحة، واقترحت إرسال هدية إليه، وكان ذلك هو الرأي السديد.
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ، فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} أي وإني ألجأ إلى هذه التجربة وهي بعث هدية إليه، تليق بمثله، وأختبر أمره، أهو نبي أم ملك؟ وأنظر ماذا يكون جوابه بعدئذ، فلعله يقبل ذلك منا ويكف عنا، أو يفرض علينا خراجا نرسله إليه في كل عام، فنأمن جانبه، ويترك قتالنا ومحاربتنا.
قال قتادة رحمه الله: ما كان أعقلها في إسلامها وشركها، علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس.
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عساكر عن أبي هريرة وهو حسن:
«تهادوا تحابوا، وتصافحوا يذهب الغل عنكم» .
وقال ابن عباس وغيره: قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك، فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.
وكانت الهدية عظيمة مشتملة على ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك، قال ابن كثير: والصحيح أنها أرسلت إليه بآنية من ذهب، فماذا كان موقف سليمان من الهدية؟: