الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل» .
بَابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ
(1794)
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ (يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ)، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ، وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ
ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَلَاتَهُ، رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ). فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ، ذَهَبَ عَنْهُمُ الضَّحِكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ (وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ)، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ.» قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غَلَطٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
= رسول الله بيده" (في سبيل الله) احتراز عمن يقتله في حد أو قصاص، وإنما اشتد غضب الله عليه لأنَّ من يقتله الرسول في سبيل الله كان ذلك الرجل قاصدًا لقتل رسول الله، ولا يخفى عظم هذا الذَّنْب والقصد.
107 -
قوله: (نحرت جزور) أي إبل (بالأمس) أي قبل ذلك بيوم (سلا) بفتح السين وتخفيف اللام مقصورًا، هو اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة وسائر الحيوان، وهي من الآدمية المشيمة (فانبعث) أي قام (أشقى القوم) وهو عقبة بن أبي معيط (لو كانت لي منعة) بفتح الميم والنون - وقيل بإسكانها، وهو ضعيف - مصدر مثل الأنفة والعظمة، أي عز وقوة وحفظ أدفع لأجلها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (طرحته) أي رميته وألقيته، (جويرية) تصغير جارية، وهي التي تكون بين الصبا والفتوة (تسبهّم) أي تشتمهم وتقول لهم سوءًا (عليك بقريش) أي خذهم على سوء صنيعهم (والوليد بن عقبة) بالقاف بعد العين، وهو خطأ من بعض الرواة، والصحيح عتبة بالتاء بعد العين. (وذكر السابع ولم أحفظه) سيأتي أن قائله أبو إسحاق، وقد صرح البخاري في طريق إسرائيل عن أبي إسحاق في الصلاة (ح 520) أنه عمارة بن الوليد فلعل أبا إسحاق ذكر مرّة ونسي مرّة (لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر
…
إلخ) صرعى بمعنى مصروعين، أي مقتولين، وهذا بالنسبة للأغلبية، فقد قتل عقبة بن أبي معيط في طريقه صلى الله عليه وسلم من بدر إلى المدينة، ويقال عن عمارة بن الوليد أنه مات بالحبشة (ثم سحبوا إلى القليب
…
إلخ) القليب هي البئر التي لَمْ تطو. ألقوا فيها مواراة لأجسادهم، ولئلا تنتشر الرائحة والنتن.
(000)
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، (وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:«بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَا جَزُورٍ فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ، أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ (شُعْبَةُ الشَّاكُّ). قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي بِئْرٍ، غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةَ أَوْ أُبَيًّا تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِئْرِ.»
(000)
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَزَادَ:«وَكَانَ يَسْتَحِبُّ ثَلَاثًا، يَقُولُ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، ثَلَاثًا» . وَذَكَرَ فِيهِمُ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَلَمْ يَشُكَّ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ:
وَنَسِيتُ السَّابِعَ.
(000)
وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ:«اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ فَدَعَا عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأُقْسِمُ بِاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى عَلَى بَدْرٍ قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا.»
(1795)
وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، (وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ)، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَتْهُ «أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا
108 - قوله: (فقذفه) أي طرحه وألقاه (اللهم عليك الملأ من قريش) أي خذهم وعذبهم، والملأ جماعة الكبار والأشراف سواء من ناحية الدين أو من ناحية الدنيا (تقطعت أوصاله) أي مفاصله؛ لأنه كان ضخمًا سمينًا.
109 -
قوله: (وكان يستحب ثلاثًا) أي كان يستحب أن يدعو ثلاث مرات. وذكر القاضي أنه روى بالموحدة وبالمثلثة: يستحث. قال: وهو الأظهر. ومعناه الإلحاح في الدعاء، قلت: أما كونه أظهر فليس بظاهر، بل الأول أولى.
110 -
قوله: (وكان يومًا حارًّا) أي حرارة معتدلة، إذ كانت غزوة بدر في أواسط شهر مارس، إلَّا أن حرارة هذا الشهر تؤثر في الجثث وأمثالها في الحجاز.
111 -
قوله: (وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة) فسر صلى الله عليه وسلم يوم العقبة بيوم عرضه صلى الله عليه وسلم منفسه على ابن عبد ياليل، وكان ابن عبد ياليل واسمه كنانة، من رؤساء الطائف، وعرض صلى الله عليه وسلم نفسه عليه في سفر الطائف، والحادث الذي أشار =
بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللهَ عز وجل قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.»
(1796)
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ: «دَمِيَتْ إِصْبَعُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَعْضِ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ فَقَالَ:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ
…
وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ.»
(000)
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَارٍ فَنُكِبَتْ إِصْبَعُهُ» .
= إليه وقع بأرض الطائف، فلا يراد بالعقبة هنا عقبة مني، وإنما يراد بها عقبة الطائف، وهي عند الموضع الذي يخرج منه من الطائف في الطريق القديم إلى مكة، والذي لقيه صلى الله عليه وسلم هناك هو أن أهل الطائف أغروا به صلى الله عليه وسلم سفهاءهم وعبيدهم حين أراد الخروج من الطائف، وكان قد مكث بها عشرة أيام، فاجتمعوا هناك، ووقفوا صفين، وأخذوا يسبونه، ويصيحون به، ويرمونه بالحجارة، ورجموا عراقيبه حتى اختضب نعلاه بالدماء (فانطلقت) من الطائف (وأنا مهموم) أصابني هم وحزن (على وجهي) أي على الجهة المواجهة لي (فلم استفق) استفعال من الإفاقة، أي فلم أفطن لشيء سوى الهم الذي لحقني، ولم أنتبه للحال ولا للمكان الذي أنا فيه أو ذاهب إليه (إلَّا بقرن الثعالب) هو قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد، وقيل: غيره، والصواب الأول، وهو على رأس السيل الكبير، يبعد عن مكة ثمانين كيلومترًا شرقًا، وعن الطائف ثلاثة وخمسين كيلومترًا شمالًا غربيًّا، والقرن بسكون الراء: كلّ جبل صغير منقطع عن جبل كبير (فما شئت) أي الذي تريده أفعل (إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين) شرط جزاؤه محذوف، أي أطبقت، والأخشبان جبلا مكة أبو قبيس والذي يقابله، وهو قعيقعان، وقال الصغاني: هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قعيقعان، سميا بالأخشبين لصلابتهما وغلظ حجارتهما، والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، وربما يتساءل الرجل لماذا سأل ملك الجبال تعذيب أهل مكة، والذين فعلوا به صلى الله عليه وسلم ما فعلوه هم أهل الطائف؟ والجواب أن أهل مكة هم الذين أوصلوه إلى هذا الحال، وهم الذين كانت قد بلغتهم الدعوة تمامًا، وأقيمت عليهم الحجة، أما أهل الطائف فلم تبلغ عامتهم الدعوة، ولم تكن قد أقيمت عليهم الحجة، فكان أهل مكة هم أولى بالعذاب لو قرر الله تعذيبهم.
112 -
قوله: (دميت) أي جرحت حتى خرج منها الدم (في بعض تلك المشاهد) أي الغزوات (ما لقيت) أي الذي لقيته من الجره.
113 -
قوله: (في غار) قيل: لعله تصحيف، وكان الأصل "في غزو" فيطابق الحديث السابق، وقيل: المراد بالغار الجيش، ومنه قول علي رضي الله عنه "ما ظنك بامرىء جمع بين هذين الغارين" أي العسكرين. قلت: ولا يستبعد أن يكون الغار على أصله، وأن إصبعه صلى الله عليه وسلم جرحت في بعض الغزوات حال كونه في غار (فنكبت) بالبناء =