الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في التعلق به، ويجري فيه بغير عِنان، ولا يجد في نفسه حرجاً من أن يفقد الكلامُ صبغته العربية.
ووقف آخرون عند حد يقرب من موقف الجامد على الرواية في أوضاع الكلم ووجوه تأليفها.
والطريق الوسط بين هذين الطرفين، وهو ما يبقي على اللغة شعارها، ويبسط في نطاقها بمقدار ما يتسوَّغه الذوق العربي، وتقتضيه العلوم على اتساع دائرتها، والمدنية على اختلاف أطو اراها، وتجددِ مرافقها.
ولا تجد عالماً أو علماء بلد اطَّردوا في هذه الجادة، ولم يحيدوا عنها، فكانت جميع أقوالهم في محل الاعتدال؛ بل ترى القول الحق والقياس الوسط يدور بين مذاهبهم، فيصيبه هذا تارة، ويصبيه مخالفهُ تارة أخرى، وذلك شأن العلوم التي يكتفى في تقرير قوانينها بالدلائل الظنية، إذا لم يتيسر إقامتها على قرارة اليقين.
*
الحاجة إلى القياس في اللغة:
وضعت اللغة ليعبر بها الإنسان عما يبدو له من المآرب، ويتردد في نفسه من المعاني. ومن البين جلياً أن المعاني تبلغ في الكثرة أن تضيق عليها دائرة الحصر، وتنتهي دونها أرقام الحاسبين، فلم يكن من حكمة الواضع سوى أن وضع لجانب كبير من المعاني ألفاظاً عيَّنها؛ كالسماء، والمطر، والنبات، والعلم، والعقل، وتوسل للدلالة على يقينها بمقاييس قدَّرها. والكلم التي تصاغ على مثال هذه المقاييس معدودة في جملة ما هو عربي فصيح.
ولولا هذه المقاييس، لضاقت اللغة على الناطق بها، فيقع في نقيصة
العي والفهاهة، ويُكثر من الإشارات التي تخرج به عن حسن السمت والرزانة، ويرتكب التشابيه محاولاً بها إفادة أصل المعنى، لا كما يستعملها اليوم حليةً للمنطق، ومظهراً من مظاهر البلاغة.
ولو صح أن يضع الواضع لكل معنى لفظاً يختص به، لكان الحرج الذي تقع فيه اللغة أن تضيق المجلدات الضخمة عن تدوينها، ويتعذر على البشر حفظ ما يكفي للمحاورات على اختلاف فنونها، وتباين وجوهها. فالقياس طريق يسهل به القيام على اللغة، ووسيلة تمكِّن الإنسان من النطق بآلاف من الكلم والجمل دون أن تقرع سمعه من قبل، أو يحتاج في الوثوق من صحة عربيتها إلى مطالعة كتب اللغة، أو الدواوين الجامعة لمنثور العرب ومنظومها.
وقد يخطر على بالك أن في اللغة العربية ألفاظاً مترادفات بالغات في الكثرة أن يكون للمعنى الواحد عشرات أو مئات من الأسماء (1)، وتودَّ لو صرف الواضع هذه المترادفات إلى جانب من المعاني التي تركها لحكم القياس.
وجواب هذا: أن للمترادفات في بلاغة القول، ورصانة تأليف الكلم، وإقامة وزن الشعر، وتمكين القافية؛ فضلاً لا يغني غيرها فيه غَناءها، فهى من مفاخر اللغة، ودلائل سعة بيانها؛ فالمترادفات تسد وجوهًا من الحاجة غير الوجوه التي يسدها القياس، ولا ننسى أن الكثير من هذه المترادفات قد نشأ من تعدد اللغات، أو من ملاحظة اختلاف دقيق في الأحوال والصفات.
(1) ذكر صاحب "القاموس"، في مادة (سيف): أن للسيف أسماء تنيف على ألف اسم، قال: وذكرتها في "الروض المسوف".