الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المانع يراه غير مطابق للأسلوب العري الصحيح، فلا محيص للكافيجي وغيره من إقامة الدليل على صحة هذا التركيب.
*
القياس في العوامل:
من البين أن الرافع والناصب للكلمة هو الناطق بها، وما نسميه بالعامل؛ كالفعل والحرف إنما هو أداة يلاحظها المتكلم، وياخذها بمنزلة الوسيلة لتلك الآثار الخاصة من رفع ونصب وخفض وجزم.
ولما لم يكن تأثير هذه العوامل النحوية من قبيل تأثير الأسباب العقلية أو الحسية، وإنما هو بقصد المتكلم إلى جعلها وسيلة للعمل، جاز تأخيرها عن المعمول، واستقام لكل من اللفظين أن يكون عاملاً في صاحبه؛ كأسم الشرط والفعل المجزوم به؛ نحو:{أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 10]، ولا يتوجه الاعتراض عليهما بأن الأثر لا يوجد قبل علته الفاعلة. وساغ لهذا المعنى أيضاً أن يتوارد عاملان على معمول واحد، ولكنهم ضعفوا قول المبرد: إن الابتداء عامل في المبتدأ، وهما؛ أي: الابتداء والمبتدأ عاملان في الخبر، من جهة السماع، فقالوا: إن توجّه عاملين إلى معمول واحد لا يعهد له نظير في العربية، وبمثل هذا الوجه ضعفوا قول الفراء: إن زيداً في قولك: "قام وقعد زيد" مرفوع بالفعلين، واختاروا أن يكون فاعلاً للثاني، وهو قعد، وجعلوا الفاعل للأول ضميراً مقدراً.
وأكثر اختلافهم في تحقيق العامل لا يظهر له أثر في نظم الجملة، وقد ينبني عليه الحكم بصحة بعض التراكيب؛ كاختلاف الكوفيين والبصريين في الرافع لاسم "كان" الناسخة، فمقتضى قول الكوفيين: إن الاسم لم يزل مرفوعا بالابتداء، وإن "كان" إنما عملت في الخبر، امتناع نحو: كان زيد
كاتباً، وعمرو شاعراً؛ لأنك عطفت قولك:"عمرو شاعراً" على قولك: "زيد كاتباً"، فيكون التركيب من قبيل عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين، وهما - أي: العاملان: كان، والابتداء - ولكنه بمقتضى مذهب البصريين كلام عربي فصيح؛ لأن المعطوف عليهما، وهما "زيد كاتباً" معمولان لمعمول واحد هو لفظ كان، وعطف اسمين على معمولي عامل واحد - وإن اختلف إعرابهما - لا مرية في صحته.
وعوامل الإعراب ترجع إلى ستة أصناف:
أولها: الأفعال المتصرفة، ومصادرها، وما يشتق منها؛ نحو: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل.
ثانيها: الأفعال غير المتصرفة؛ نحو: عسى وليس ونعم وبئس.
ثالثها: الحروف؛ مثل: الحروف الخافضة للأسماء، والحروف الناصبة للأفعال، أو الجازمة لها.
رابعها: أسماء تعمل من جهة موقعها في الجملة؛ كالمضاف يعمل في الخبر، والمميز المفرد يعمل في التمييز.
خامسها: صفات تكتسبها الكلمة من حال استعمالها في الجملة؛ كالإبتداء، والإضافة في الأسماء، والتجرد من الناصب والجازم في الأفعال.
سادسها: كلمات ليست بأفعال، ولكنها تشبه الأفعال في المعنى؛ كاسم الإشارة وحرف التنبيه في رأي من يجعلهما عاملين في الحال؛ نحو: هذا زيد كاتباً، وكحروف النداء، وما النافية عند من يجيز تعلق الظرف أو الجار والمجرور بها.
ولا شبهة في أن الصنف الأول، وهو الأفعال والمصادر، وما يشتق
منها، أقوى من بقية أصناف العوامل، ولقوته في العمل صح لهم أن يسندوا إليه عملين مختلفين؛ كالفعل يرفع الفاعل، وينصب المفعول، أو ثلاثة آثار؛ كالفعل يرفع الفاعل، وينصب مفعولين، أو أربعة آثار؛ كالأفعال التي ترفع الفاعل، وتنصب ثلاثة مفاعيل.
ونبني على هذا: أنه متى أمكن أن يكون العامل من هذا الصنف الأقوى، لم يعدل عنه إلى جعل العامل من صنف غيره، وقد اختار سيبويه أن يكون العامل في المنادى فعلاً مقدراً، ورجحه على أن يكون العامل حرف النداء، وإن كان ملفوظاً به؛ حيث قال: إن العامل في المنادى فعل مضمر تقديره: "أدعو".
والتحقيق - فيما نرى - أن الموازنة بين الصنف الأول إذا كان مقدراً، وغيره إذا كان ملفوظاً به، يرجع إلى قوة النظر في المعنى، وسرعة انتقال الخاطر إلى المقدر، فإذا كان المدعى تقديره لا ينتقل إليه الذهن بسرعة، أو لا يلتئم بنظم الكلام عندما تصرح به، فالراجح نسبة العمل إلى الملفوظ به، ولو كان من الأصناف الضعيفة، وهذا ما دعا المبرد إلى أن قال: العامل في المنادى حرف النداء نفسه.
والرجوع في العوامل إلى ما يقتضيه المعنى ويتبادر إلى الأذهان، يريك أن قول سيبويه: إن العامل في عطف النسق هو العامل في المتبوع، أقوى من قول ابن جني في "سرِّ الصناعة": إن العامل مضمر، ويقدر من جنس العامل في المعطوف عليه.
وإذا وزنت بهذا الأصل قول الجمهور: ان المفعول لأجله في نحو: "قمت إجلالاً لك" منصوب بالفعل المذكور، رأيته أرجح من مذهب الزجاج؛
حيث أرجعه إلى المفعول المطلق، وقدر له فعلاً من نوعه، والتقدير: قمت وأجلك إجلالاً.
ومما يجري على هذا النسق: أن الجمهور يرون أن عامل الجزم في الفعل الواقع في جواب الطلب، شرط مقدر؛ والتقدير عندهم في نحو:"استقمْ يرفعِ الله قدرك": إن استقمت، يرفع الله قدرك، وذهب فريق إلى أن عامل الجزم هو الطلب نفسه، ومن أقام موازنة بين المذهبين، قد تدفعه قوة المعنى إلى ترجيح قول الجمهور، فإن رفعة القدر في المثال السابق معلقة على حصول الاستقامة، وهذا المعنى لا يستقل بافادته الأمر أو الاستفهام وحده، فلابد من ملاحظة شرط يستقيم به نظم الكلام، ويطابق به المعنى الذي أردت التعبير عنه.
وللفريق الذي جعل عامل الجزم في ذلك المثال فعلَ الطلب نفسه، أن يجيب بأن ترتب رفعة القدر على الاستقامة، ودلالة الجملة على أن أولاهما موقوفة على ثانيتهما، يؤخذ بقرينة الجزم، فيكون الجزم بمنزلة الفاء في مثل قولك: كن شريف الهمة، فيكبُر عملك، فكبُر العمل موقوف على شرف الهمة، ولا حاجة إلى تقدير شرط؛ فإن الفاء تنبئ عن هذا الارتباط الذي سميت من أجله فاء السببية.
والأصل في الحروف المشتركة بين الأسماء والأفعال: أن تكون معزولة عن العمل، وخرج عن هذا الأصل:"ما"، و"لا"، و"إن" النافيات؛ فإنها من قبيل ما يشترك فيه الأسماء والأفعال، وقد أعطاها بعض العرب عمل "ليس" الناسخة.
فإذا وقع نزاع في نسبة العمل إلى حرف مشترك بين الأسماء والأفعال،
فهذا الأصل ينصر من ينفي عنه العمل، فيمكنك أن تستدل به على ضعف مذهب من يقول: إن العامل في المعطوف هو حرف العطف، فان العاطف يتصل بنوعي الأسماء والأفعال.
وعلى هذا الأصل ينبني خلافهم في إن وأخواتها عندما تتصل بها "ما" الزائدة، فقد سمع إعمال "ليتما"، فاتفقوا على جواز إعمال هذا الحرف. واختلفوا في إعمال بقية الحروف، فمنعه سيبويه. وأجازه الزجاج، وابن سراج، والكسائي، ومذهب سييويه قائم على أن "ليتما" لم تزل على اختصاصها بالأسماء، فساغ إعمالها، ولا يسوغ قياس الأحرف الباقية عليها؛ لأن "ما" أزالت اختصاصها بالأسماء، وهيأتها للدخول على الأفعال.
ومن أصولهم: أن الحرف لا يعمل عملين مختلفين، وإنما يعمل عملاً واحداً؛ كالحروف الخافضة للأسماء، أو الناصبة للأفعال، أو عملين متماثلين؛ نحو: إن، وإذما الشرطيتين، يجزمان فعل الشرط وجوابه، وخرج عن هذا الأصل عند البصريين: إن وأخواتها؛ فإنها في مذهبهم ناصبة للاسم ورافعة للخبر، وحافظ عليه الكوفيون، فطردوه في كل موضع، وقالوا: إن الناسخ عمل في الاسم وحده، وأما الخبر، فإنه مرفوع بما ارتفع به قبل أن يرد عليه الناسخ، وهو المبتدأ.
ويشبه هذا قول سيبويه: إن "لا" النافية للجنس إنما عملت في الاسم، وأما الخبر، فإنه مرفوع بكونه خبر المبتدأ.
والأصل فيما يسند إليه العمل: أن لا يتخلف عنه أثره أينما وجد، فإذا احتمل وجه الاعراب أن ينسب إلى ما يدور معه العمل حيثما وجد، وأن ينسب إلى ما لا يطرد معه العمل في جميع مواقعه، ترجح جانب الاحتمال
الأول، ومن أمثلة هذا: أن بعض الكوفيين يقولون: إن الفعل الواقع بعد واو المعية المسبوقة بطلب (1) أو نهي منصوب بالخلاف المسمى عندهم بالصرف، وبيانه: أن ما بعد واو المعية مثل: "وتأتي" في قول الشاعر:
"لا تنه عن خلق وتأتيَ مثله"
خبر، وما قبله طلب، فلما اختلفا في المعنى، وقع الخلاف بينهما في الإعراب. وهذا المذهب مردود بأن نحو هذا الخلاف قد ثبت في مواضع لم يظهر له فيها عمل؛ مثل: الأسماء الواقعة بعد "لا"، أو "لكن" العاطفتين؛ نحو: ما كتب زيد، لكن بكر، وأحسن عمرو، لا خالد.
وإذا دلت الصيغة على المعنى، وتقرر لها عمل خاص، ثم جاءت صيغة أخرى توافقها في الدلالة على ذلك المعنى، أفنلحق الصفة الثانية بالأولى، ونعطيها ذلك العمل الخاص، أو لا نملك هذا الإلحاق، ونقف دونه حتى يرد في كلام العرب ما يشهد بأنهم أعطوا من العمل ما أعطوه للصيغة الأولى؟ ووجه الوقف: أنه لا يلزم من الاتحاد في المعنى التماثل في العمل؛ فإنك ترى كثيراَ من الكلم تتحد معنى، وهي تختلف في التعدي واللزوم؛ نحو: رحمه، وصلى عليه.
ومما يوضح هذا أن صيغة "مفعول" تعمل في الاسم الظاهر؛ نحو: محمود مُقامه، ومرفوع ذكْرُه؛ ويوافق صيغة مفعول في الدلالة على معناها صيغة فعيل، نحو قتيل وجريح، وقد أبى الجمهور أن يلحقوا فعيلاً بشبيهه، وهو مفعول، فيجيزوا رفعه للظاهر، وقالوا: لا يصح أن يقال: مررت برجل
(1) المراد من الطلب ما يشمل الأمر والنهي والاستفهام.