الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في الفصل بين ما كان الارتباط بينهما قوياً، ويدلك على أن لشدة الارتباط بين المعنيين أثراً في ضعف القياس: أن بعض النحاة منعوا من الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمجموع الأمور التي يجوز الفصل بكل واحد منها منفردًا؛ نحو: الظرف، والمفعول، ولما أجاز طائفة الفصل بمجموعها قياساً على الفصل بين "تقول" العاملة عمل ظن، وأداة الاستفهام بمجموع ما يجوز به الفصل بينهما، وهو الظرف والمعمول، وطعنوا في هذا القياس بن ما بين المضاف والمضاف إليه من الاتصال أشد مما بين أداة الاستفهام والفعل المستفهم عنه.
ويزيدك علما بن لشدة ارتباط الكلمة بالأخرى أثراً في أحكام النحو: أن كثيراً من علماء العربية منعوا الفصل بين الموصول الحرفي وصلته متى كان الموصول عاملاً؛ مثل: "أن" المصدرية، وأجازوا الفصل بين الموصول غير العامل وصلته؛ مثل:"ما" المصدرية، ذلك لأن الموصول العامل أشد اتصالًا بصلته من الموصول غير العامل؛ إذ الأول طالب للصلة من جهة المعنى والعمل، وأما الثاني، فطلبه لها من جهة واحدة، وهي الموصولية.
*
القياس في الحذف:
من الجليّ: أن حذف أحد أجزاء الجملة يغير أسلوبها، ويحدث فيها هيئة جديدة، والمحافظة على الأسلوب العربي تقضي أن لا يلفظ الإنسان بعبارة إلا أن تجيء مطابقة للهجة العربية.
وهذا الأصل هو الذي يتمسك به من لا يجيز حذف كلمة من الجملة حيث لم يقم عنده دليل على صحة حذف أمثالها. كما منع الجمهور حذف الفاعل، ومنع البصريون حذف الموصول، ومنع ابن ملكون حذف أحد
مفعولي ظننت، منعوا حذف هذه الأصناف من الكلم، وإن قامت القرائن، ودلت على الحذف بوضوح.
فإذا جرى خلاف في حذف إحدى الكلم، فالأصل بيد من يوجب ذكرها، والمجيز لحذفها هو المطالب بالدليل.
قد يقال: إن العرب أكثروا من حذف ما تقوم عليه القرينة، كالمبتدأ والخبر، والمفعول به، والمعطوف والمعطوف عليه، والحال والتمييز، وفعل الشرط وجوابه، وباستقراء هذه المواضع يتقرر أصل يمكن اطراده، وهو صحة الحذف لدليل.
والجواب: أن ورود السماع بالحذف في باب؛ كالنعت أو المنعوت، إنما يبيح القياس في ذلك الباب خاصة؛ إذ أقصى ما تدل عليه شواهده: أن الحذف هنالك غير مخالف لأسلوب اللغة، وإنما أجاز الكسائي حذف الفاعل، والكوفيون حذف الموصول، والجمهور حذف أحد مفعولي ظننت؛ اعتماداً على شواهد مبسوطة في كتب الفروع.
وإذا ورد السماع بحذف حرف في موضوع من التركيب على سبيل الاطراد، فهل يقاس عليه ما يرادفه من الحروف، فيسوغ حذفه، ولو لم ترد به الرواية؟ هذا من مواقع اختلاف علماء العربية أيضاً، ومن أمثلته: أنهم أجازوا حذف "لا" النافية في جواب القسم، كما ورد في قوله تعالى:{تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} [يوسف: 85]، وقول الشاعر:
آليتَ حبَّ العراق الدهرَ أطعمه
…
والحبُّ يأكله في القرية السوس
واختلفوا في حذف "ما" النافية في نحو هذا المقام، ومن أبى حذفها قد يتمسك بأن "لا" وضعت للدلالة على السلب، وحذفها يوهم إرادة الإثبات