الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذمة من ذلك، وإنهم يثقون تماما فى الحكم الذى سيصدره الملحس بعد أن يلحس المتهم السكين.
ولما كان سر هذه الخاصية انتقل إلى أحفاد وأولاد ذلك البدوى فالعربان يراجعون البدوى الملحس فى قضاياهم المعقدة الصعبة وبعد ما يستمع الملحس لادعاءات الطرفين يأخذ منهما عشر مادة الخلاف فإذا كانت الجناية قتلا يأخذ عشر الدية قبل أن يلحس السكين المدعى عليه.
وإذا ثبتت الحالة والتهمة على المتهم بالقتل يربط المدعى بكفيل قوى على أن يأخذ حقه من المتهم حيث يجده وألا يقتله بجانبه، ثم يجعل المتهم يلحس سكينة محمرة من شدة الحرارة فيأخذ حقه بناء على الحكم الذى ثبت من الجهة غير المحقة فى القضية ويرد نقود المحق، وإذا رضى المدعى بتسوية الموضوع فى القتل عن طريق دفع الدية، عندئذ يربط الموضوع على دفع الدية مقسطا حسب قدرة المتهم المالية وما تظهر من قضايا بعد ذلك يحلها وفق ما سبق بيانه.
الجرة:
الاسم الخاص لقانون تتبع الآثار. وفراسة العرب فى تتبع الآثار شئ مثير للتعجب.
وأكثر العربان يستطيعون أن يخبروا عن الوقت الذى مر فيه ومن أى مكان ما حيوان أو إنسان بالنظر للآثار التى تركتها قوائم الحيوان وأرجل الإنسان.
وقد جرب البدو الأحوال التى تحدثها الرياح على الأرض كما جربوا صلابة الأرض وليونتها، وجعلوها تحت ملاحظتهم. وبما تقرر بينهم من فن المقايسة والموازنة ودلالته الواضحة يدركون الوقت الذى مر فى هذا المكان صاحب الأثر وإن كان الوقت ليلا.
وإنهم يدركون ما تقع تحت أبصارهم من الآثار وهم سائرون ليلا، فيعرفون أن طائفة ما من العربان مرت من هناك قبل يوم أو يومين أو قبل ذلك كما يعرفون عدد جمالهم ومقر القبيلة التى تتجه إليه حتى إنهم يخبرون عن أفكار
تلك الطائفة قائلين بأنها كانت ذاهبة إلى القبيلة الفلانية للإغارة عليها والاستيلاء على أموالها، وإنهم يثبتون صدق مدعاهم بموافقة ما أخبروه للأحداث.
حتى إن قبيلة ما حينما تتجه إلى مقر قبيلة للإغارة عليها ليلا فإذا رأت آثار أقدام كثيرة، فهم بدلالة فن تتبع آثار الأقدام أن هذه الجماعة لا يمكنها أن تقاوم أعدادها لذلك تبدل طريقها وتغير جهة سيرها.
وإذا رأى العربان العائدون دون أن يوفقوا فى القبض على الجماعة التى كانوا يقصدونها آثار أقدام عربان أخرى فيتتبعونهم حتى يدركونها وينهبون أموالها، ويسلبونها ويطلق العربان على هذه المقاتلات بينهم للسلب والنهب اسم غزوة».
وبين العرب طائفة تعرف ب «القصاصون» ولما كان شغلهم الشاغل الاهتمام بتتبع الآثار، لذا فهم يتفوقون على سائر العربان فى هذا الخصوص.
وإذا ما قتل أحد البدو الآخر أو سرق ماله، أو ارتكب منكرا آخر فهرب من خوفه، فإذا لم يعرف أفراد القبيلة الهارب فإنهم يأتون برجل من طائفة القصاصين ليتتبع آثار الرجل، وهكذا يبدأ الرجل فى تتبع آثار الرجل بشم رائحة الحجارة ويتعقبه، وحس القصاص فى هذا الخصوص مصيب لأقصى درجة حتى إنه يستطيع أن يعرف إذا كان صاحب الأثر رجلا أو امرأة، وإذا كانت امرأة هل هى بكر أو ثيب وإذا كانت ثيب، هل هى حامل؟ أم لا؟ كما يعرف من آثار الإبل هل هى محملة أو غير محملة وذلك من تأثير قوائمها على الأرض.
ولما كانت آثار أكثر الناس قد ثبتت فى أذهان القصاصين فإذا ما رأوا آثارهم يخبرون قائلين: «هذا أثر قدم فلان بن فلان. ويؤكدون صحة أقوالهم بمطابقتها بالواقع.
وقد حدث مرارا وبعد التجارب أن قصاصا قد تعقب آثار أقدام حيث اختفى صاحبها فى مكان ما أو فى منزله وقبض عليه. وعندما يدل أحد القصاصين على أثر قدم فالقصاص يخبر بهوية هذا الرجل وأين ذهب وما القصد من ذهابه وما
أمله، كل ذلك بالنظر لآثار أقدامه. وبناء على هذا لا يتتبع آثار ذلك الرجل ويصدق ما قاله القصاص. ويعاقب صاحب الآثار الذى ارتكب الجرائم وفق قانون الجزاء والمؤاخذة بعد إجراء التحقيقات.
وإذا وجد قصاص مشهور فى قرية ما أو فى قبيلة ما فلا يتجرأ أحد من تلك القرية أو القبيلة على السرقة.
لما كان أحد القصاصين قد برع فى فن تتبع آثار الأقدام واكتسب مهارة عظيمة فكان اللصوص لا يتجرءون على السرقة ليس فى قرية ذلك القصاص فقط بل حتى فى القرى المجاورة لقريته. وأراد أحد البدو أن يجرب مدى علم هذا الرجل فحاصره فى ليلة حالكة الظلام وضربه بعصا حتى أغمى عليه ووقع على الأرض، ولما أفاق المضروب بعد ساعة نظر إلى آثار أقدام الضارب ولكنه لم يستطع أن يتبينها لشدة ظلام الليل، وظل فى مكانه حتى الصباح وفى الصباح عاين الآثار بدقة فى ضوء النهار وعلم أن صاحب الآثار قد عاد إلى منزله، ولما كان صاحب دكان شغل بعمله. ولكنه كان يزن كل من يمر من أمام دكانه بميزان الملاحظة والمقايسة.
وبعد هذه الحادثة بثلاث سنوات بينما كان جالسا فى دكانه وثب فجأة وضرب رأس أحد أبناء السبيل بعصا وأوقعه على الأرض. وقال للذين سألوا عن سبب ذلك: «كان هذا الرجل ضربنى قبل ثلاث سنوات فى المكان الفلانى على رأسى بعصا وأوقعنى على الأرض ليلا وفر. وإننى كنت نقشت أثر الرجل فى ذاكرتى.
وكان أثر قدم هذا الرجل مطابقا تماما للأثر الذى فى ذهنى لأجل ذلك ضربت الرجل بعصا مقتصا منه».
ولما سئل المضروب قال: «نعم كنت قد تجرأت قبل هذا بثلاث سنوات على ارتكاب هذا الفعل لأجربه فى مدى مهارته فى فن تتبع الآثار» .انتهى.
وفى الواقع أن فن تتبع الآثار قديم بين القبائل العربية، وقد ذكر فى كتب