الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واحد من جماعة البدو يبدأ أسئلته قائلا «إيش علومك» ويتطلع إلى مدى علمه بالأخبار فيجيبه المسافر قائلا «خص وأنا أقص» أى عين وحدد سؤالك بالضبط وأنا أجيب عليك.
وعندما يقول المسافر «خص وأنا أقص» يبدأ السائل فى الاستفسار عن الأشياء التى سبق ذكرها، ويعود بعد ما يتلقى الإجابة عنها. والمسافر مضطر للإجابة على أسئلة كل واحد منهم، فلا يستطيع أن يقول قد أجبت على أسئلة واحد منكم فاستفسروا منه».
وبما أن كل واحد من هؤلاء المستفسرين يبلغ قبيلته بما سمع وهؤلاء يبلغون الآخرين فحادثة ما إذا حدثت فى ركن من أركان الجزيرة العربية تنتشر على الألسنة وتذيع فى جميع أنحاء الجزيرة العربية.
سياسة الأمراء:
وسياسة أمراء العربان مرتبطة بقوانين معينة، إذ يستمع كل أمير إلى قضايا المدعين الذين يأتون لفض المشكلة. وكل من يخسر القضية يأخذ منه الأمير رأسا ما يجب عليه دفعه، ويسلمه لصاحب الحق سريعا ويأخذ ضعف ما يثبت عليه تنكيلا به وبعد ما يدفع نصفه للمدعى يضع النصف الثانى فى صندوق بيت المال الذى تحت إدارته.
إذا ما تعدى أحد العربان على الآخر يتحرى سبب المشكلة من قبل الأمير أولا فإذا كان هذا التعدى قد حدث قصاصا مقابل جناية وقعت لأحد خمسة الجانى منذ زمن بعيد فيعفو عنه.
أما إذا تبين ظلمه فإنه يسجن فى مكان مكشوف أمام دائرة الأمير، ويعاقب بحرارة النهار وبرودة الليل إلى أن يصلح ما بينه وما بين خصومه.
ويعين الأمير جواسيس بين القرى والمنازل التى يحكمها ليطلعوا على الأحداث، وبالتالى يطلع الأمير على ما يحدث فى الأماكن التى يحكمها. وإذا
ما عرف بوجود جياد أصيلة أو إبل كريمة عند أحد الناس فيأخذ إناث هذه الحيوانات من أصحابها لزيادة نسلها فإذا ما قدم له طلبه كهدية فيعطيه فى مقابل خلقه بعض النقود أو يخلع عليه خلعة، وهكذا يراعى جانب المهدى.
أما إذا تردد صاحب المال فى تقديمه فقد كان الأمير يجمع رجاله ويهاجم هذه القبيلة بغتة، وينهب كل ما لدى هذا الشخص من خيول وجمال وأغنام، بل كثيرا ما كان يصل الاعتداء على الأرواح أحيانا، وبعد السلب والغارة، كان الأمير ينتظر بعض الوقت للراحة فى مكان قريب من هذه القبيلة، فإذا وفد إليه بعض رجالها للاسترحام وعرض الولاء والطاعة والندم كان يرد إليها أموالها ومواشيها.
ولما كان الأعراب لا يسلمون من الغارة والهجوم، لذلك لم يكن أى منهم يهتم بالثروة الثابتة، بل كان كل ثرواتهم من الأشياء المنقولة، وكانوا لا يهتمون بالعمل بالزراعة والتجارة لأنها تتطلب الإقامة الدائمة، وهم يفضلون حياة التنقل والترحال، ولذلك استنوا لأنفسهم سنة فيما بينهم تقضى بأنه إذا تعرض البعض منهم إلى النهب والسلب وسلبت كل أمواله ومواشبه، كان كل منهم يقدم إلى المغبون عونا يتمثل فى بعض الأغنام أو الإبل حتى يتلافى ما ضاع منه. وكان الجميع ملزمين بهذا القانون.
ليس للحجاز مثل البلاد الأخرى أنهار ومياه جارية وآبار ولحكمة الله ينزل المطر هناك فى السنة عدة مرات. أو فى عدة سنين مرة واحدة، لذا لم يمل سكانها للمدنية والاستقرار وتنقلوا حيثما سمعوا أن هناك أمطارا وحيثما تشبع حيواناتهم انتقلوا هناك مفضلين البداوة على المدنية. ورأوا فى التسكع هنا وهناك فخرا ولم يجدوا فيه عارا، والغرابة تكمن فى هذه النقطة.
إذا أراد أمراء العربان فى غير الحجاز واليمن أن يحضر أحد الأشخاص للمنازعة والمناقشة أو أى مطلب كان فإنهم كانوا. يكتبون على ورقة صغيرة أمر استدعائهم له ويرسلونها إلى ذلك الشخص وعندما يصله هذا الاستدعاء فإنه كان لا يتأخرو يستعجل للحضور، وهذا من ضمن أحكام قوانينهم الموضوعة، وعند ما
يحضر المدعوون يضرب الأمراء على العصيان التى فى أيديهم بخناجرهم ثلاث مرات، ويعود المدعوون ويظهرون أثر ضربات الخناجر لخصومهم فيذهب هؤلاء بدورهم إلى حضور الأمراء والويل كل الويل لهم لو تأخروا.
والآثار والخطوط التى تحدث فوق العصيان يطلق عليها بين البدو «وقر» .
إذا أراد أحد أمراء العربان أن يحارب أميرا أو قبيلة فبما أنه ليس عنده جنود منظمة يبعث إلى شيوخ القبائل الذين يتبعونه مبينا عدد الأفراد الذين يريد إحضارهم والمكان والوقت الذى سيتلاقون فيه. ويحضر هؤلاء إلى المكان المعين وقد أعدوا لوازمهم الحربية ومؤنهم الغذائية.
ولما كانت قيادة هؤلاء الأشخاص الذين حشدوا فى يد الأمير الذى استدعاهم فيتولى الأمير قيادتهم ويتوجه بهم إلى مقر إقامة القبيلة التى يريد أن يغير عليها.
وقبل أن يتحرك يرسل عددا من الجواسيس ليطلع على أحوال القبيلة التى يريد أن يحمل عليها.
ولما كان استخدام الجواسيس من عادات أمراء العرب فإنهم كانوا يستخدمون فى هذا الأمر أناسا موثوقين فى كتمان الأسرار فالجواسيس الذين يذهبون لاستطلاع أحوال القبائل وكشفها لا يمدون أحدا بالأخبار إلا الأمراء.
وبعد ما يتعرف الأمير الذى يريد أن يخوض الحرب على أحوال القبيلة الداخلية معرفة جيدة بواسطة الجواسيس يلقى للأفراد الذين تلقى قيادتهم أشعارا مؤثرة وخطبا حماسية فيملأهم حماسا وشجاعة ويقطع المسافة التى تقطع فى يومين فى ليلة واحدة ويفاجئ القبيلة التى يريد أن يغير على مخيمها فجرا بالهجوم.
وفى مثل هذه الحملات يرسل الأمراء الذين تولوا القيادة، البدو فى مقدمة الجيش كالقناصة ويسوقونهم بينما هم يظلون فى المؤخرة كقوة احتياطية فى جهة ما منتظرين النتيجة. فإذا ما أحسوا آثار ضعف أو انهزام فى القناصين يهاجمون عامة وهذا من عادات العربان الجارية وقوانينهم المرعية.
وإذا ما قدر لهذه الحملة أن تنكل بالعدو وتغنم منه أغناما كثيرة، فقد كان الفرسان يحتفظون ببعض الغنائم لأنفسهم ويقدمون الباقى لقائدهم.
وإذا أعلنت إحدى القبائل الخاضعة لأحد الأمراء العصيان عليه وخالفت أوامره، كانت القبائل الأخرى تنصرف عنها، ولا تتعاون معها فى أى أمر من الأمور مالم تعد إلى طاعة أميرها. بل إن الأمر كان يبلغ أكثر من ذلك، فقد كانت تمتنع عن المشاركة فى القتال معها، إذا ما تعرضت لعدوان من قبائل أخرى .. وكان سبب ذلك بالطبع هو قوة الأمراء وظلمهم وتعسفهم.