الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التسبيح على الممآذن:
التسبيح على المآذن ليلا سنة تعود إلى عهد موسى عليه السلام فقد اعتاد نبى الله موسى عليه السلام أن يسبح الله بصوت عال من الثلث الأخير من الليل إلى طلوع الفجر بعد أن غرق فرعون وهلك ونجا بنو إسرائيل.
واتخذ بوقين من الفضة حتى يعلن حلول وقت التسبيح وعلم صورة استعمالهما من قومه. وكان ينفخ فى هذه الأبواق فى الثلث الأخير من الليل وعند الرحيل والنزول وأيام الأعياد، وكلما نفخ فى البوق كانت طائفة بنى (لاوى) من أسباط موسى عليه السلام تستيقظ من نومها وتقرأ بصوت عال التوراة الشريفة كما كان المؤمنون من بنى إسرائيل يشغلون بالتسبيح والذكر بصوت مرتفع.
وهذا النوع من العبادة استمر إلى عهد يوشع بن نون، ولما أخذ سيدنا داود عليه السلام يؤسس بيت المقدس عين بعض الموظفين من بنى لاوى للمحافظة على هذه السنة.
وكان بعض من هؤلاء الموظفين يذكرون الله حول بيت المقدس (بالعود والمزمار والسنتور والدف) حتى طلوع الفجر وكان الآخرون يقرءون فى داخل بيت المقدس (التوراة) و (الزبور).
وعدد هؤلاء الموظفين كثير وتفصيل الموضوع فى كتابى الزبور ولما كان اللاويون يبتدرون للعبادة فى داخل بيت المقدس وخارجه كما سبق ذكره، وكان سكان بيت المقدس حيثما وجدوا يشرعون فى التسبيح والذكر بصوت مرتفع.
وكان على هؤلاء أن يضربوا على الربابة فالعبادة بالربابة كانت خاصة فى داخل بيت المقدس أو خارجه بمؤذنى بنى لاوى الذين عينهم سيدنا داود. ولما كانت أصوات من يتعبدون حول بيت المقدس تصل وتنعكس على القرى المجاورة كان أهاليها يستيقظون ويأخذون فى التسبيح والذكر بأصوات عالية فتنتشر
الأصوات من قرية إلى أخرى، حتى إن جميع أهالى القرى والمدن يذكرون الله من الثلث الأخير من الليل حتى الفجر.
وقد استمر هذا النظام إلى أن خرب بختنصر البيت المقدس، وهدمه ونقل بنى إسرائيل إلى بابل وأجلاهم من البيت المقدس. ولم يتعبد على الطريقة المذكورة طول وجود بنى إسرائيل فى بابل، واستمرت تلك المدة سبعين عاما.
وبينما عاد بنو إسرائيل من بابل وأخذوا يسعون لتعمير وتجديد بيت المقدس أخذ أحفاد بنى لاوى يتعبدون على الطريقة التى وصفها داود-عليه السلام، واستمر ذلك إلى استشهاد يحيى بن زكريا-عليه السلام-وبعد استشهاد يحيى خرب بيت المقدس، وثار اليهود على عيسى-عليه السلام-وتركت العبادة فى البلاد الإسرائيلية وفق شرائع بنى إسرائيل وأبطلت عادة القيام ليلا للتسبيح والذكر.
وأجريت أصول التسبيح فى العهد الإسلامى فى مصر لأول مرة فى زمن مسلمة بن مخلد وإمارته فى سنة 59 الهجرية. وكان مسلمة بن مخلد بن الصامت بن نيار الأنصارى قد بنى لجامع عمرو بن العاص مئذنة كما ذكر آنفا، واعتاد أن يعتكف فى المسجد بجانب هذه المئذنة؛ ولكنه انزعج من أصوات نواقيس الكنائس التى كانت تدق، واستدعى رئيس مؤذنى ذلك الجامع شرحبيل بن عامر وقال له:«إننى أنزعج من أصوات نواقيس الكنائس صباحا!! ألا نجد لذلك حلا؟!» فقال له: «إذا ما وافقت على فكرتى فإن ذلك ممكن، إذ أبدأ فى الأذان من منتصف الليل وأمده إلى طلوع الفجر. فتأمروا ألا تدق النواقيس فى أثناء أذانى» ،ووافق مسلمة بن مخلد على هذه الفكرة واتخذ شرحبيل الأذان من منتصف الليل إلى الفجر عادة له، كما أن مسلمة أمر بألا تدق النواقيس فى أثناء الأذان وأخذ يتعبد فى سكينة وخشوع.
وفى سنة 254 الهجرية منع أبو العباس أحمد بن طولون إطالة الأذان بهذه الصورة ووضع نظام التكبير والتسبيح فى وقت قريب من الصباح، وعين لذلك
المكبرين الذين كانوا يكبرون ويسبحون على المآذن ويقرءون القصائد الخاصة بالزهد والأشعار. وأبقى ابنه أبو الجيش خمارويه المكبرين فى وظائفهم واستمر فى إعطائهم ما خصصه لهم والده من الأجور.
واستمر هذا النظام إلى سنة 568 الهجرية، وفى خلال تلك السنة قرر الملك (صلاح الدين) يوسف بن أيوب بناء على رأى وموافقة (صدر الدين) عبد الملك بن درباس الهدبانى المارانى الشافعى الذى عينه شيخا للإسلام أن تقرأ فوق المآذن بدل التسبيح والذكر، قصائد تمجد عقائد الأشعرية والأناشيد الدينية.
وفعلا نفذ ذلك القرار. وأبلغ الأمر إلى مؤذنى جوامع مصر والشام ونبههم بأن يسيروا وفق هذا الأمر وينفذوه.
ولما كان صلاح الدين وشيخ إسلامه صدر الدين على مذهب الشيخ أبى الحسن الأشعرى فى العقيدة، دعوا الناس إلى هذه العقيدة وتجرءوا أن يكفروا المخالفين.
وقد اتخذ قرار قراءة الصلاة على المآذن فى يوم الجمع لإعداد الناس لصلاة الجمعة، فى مصر فى خلال سنة 706 الهجرية، وبعد ذلك بخمسة وخمسين عاما نقل هذا النظام إلى دمشق الشام وحلب والبلاد الأخرى، ومازالت هذه العادة جارية فى جميع جوامع العالم الإسلامى إلى الآن.
(سلك الدرر)