الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[خُطْبَةُ الْكِتَاب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَيَّدَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
هَذِهِ حَوَاشٍ مُفِيدَةٌ جَلِيلَةٌ وَفَوَائِدُ جَمَّةٌ جَمِيلَةٌ، وَتَحْقِيقَاتٌ وَتَحْرِيرَاتٌ، وَأَبْحَاثٌ وَتَدْقِيقَاتٌ، أَفَادَهَا عَلَّامَةُ الْأَنَامِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الضِّيَاءِ وَالنُّورِ، نُورُ أَئِمَّةِ الدِّينِ شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، وَإِمَامُ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ فِي عَصْرِهِ وَأَوَانِهِ، مَنْ إلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ، وَاسْتِخْرَاجُ نَتَائِجِ الْأَفْكَارِ الصَّحِيحَةِ بِقَرِيحَتِهِ الْمُتَلَأْلِئَةِ الْمُضِيئَةِ، أُسْتَاذُ الْأُسْتَاذِينَ، نُورُ أَئِمَّةِ الدِّينِ، الْأُسْتَاذُ أَبُو الضِّيَاءِ وَالنُّورِ [عَلِيٌّ الشبراملسي] أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِهِ وَبِعُلُومِهِ الْبَاهِرَةِ، فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.
أَمْلَاهَا عَلَى شَرْحِ مِنْهَاجِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ لِلْعَلَّامَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، مُحَمَّدٍ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالدِّينِ ابْنِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَحْمَدَ شِهَابِ الدِّينِ الرَّمْلِيِّ تَغَمَّدَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ بِرَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ آمِينَ، ثُمَّ أَشَارَ بِتَجْرِيدِهَا مِنْ هَوَامِشِ نُسْخَةِ مُسْتَمْلِيهِ الْعُمْدَةِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الدَّمَنْهُورِيِّ، بَعْدَ أَنْ كَتَبَهَا مِنْ لَفْظِهِ، وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْأُخْرَى عِنْدَ مُطَالَعَةِ دُرُوسِهِ وَتَقَاسِيمِهِ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ، نَفَعَ اللَّهُ بِهَا بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ آمِينَ.
(قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَيَّدَ) أَيْ رَفَعَ، وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ شَبَّهَ إظْهَارَ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامُ الْمُتَّقِينَ، الْقَائِلُ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْأَمِينُ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.
[أَمَّا بَعْدُ] فَيَقُولُ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ " أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَغْرِبِيُّ ثُمَّ الرَّشِيدِيُّ ": هَذِهِ بَنَاتُ أَفْكَارٍ وَخَرَائِدُ أَبْكَارٍ تَتَعَلَّقُ بِنِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ إلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ، لِسَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَعُمْدَةِ النَّاسِ فِي هَذَا الْحِينِ شَمْسِ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ مَوْلَانَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِلَا نِزَاعٍ، وَخَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ بِلَا دِفَاعٍ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْزَةَ الرَّمْلِيِّ، تَغَمَّدَهُمَا اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَأَسْكَنَهُمَا فَسِيحَ جَنَّتِهِ، مِمَّا أَجْرَاهُ قَلَمُ التَّقْدِيرِ عَلَى يَدِ الْعَبْدِ الْفَقِيرِ، غَالِبُهَا مُلْتَقَطٌ مِنْ دَرْسِ شَيْخِي وَأُسْتَاذِي وَقُدْوَتِي وَمَلَاذِي الْبَدْرِ السَّارِي وَالْكَوْكَبِ النَّهَارِيِّ مُحَقِّقِ الزَّمَانِ وَمُدَقِّقِ الْوَقْتِ وَالْأَوَانِ مَوْلَانَا وَسَيِّدِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَلِيِّ الدِّينِ الْبُرُلُّسِيِّ، أَمْتَعَ اللَّهُ الْوُجُودَ بِعُلُومِهِ، وَأَقَرَّ
بِمِنْهَاجِ دِينِهِ أَرْكَانَ الشَّرِيعَةِ الْغَرَّاءِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الْإِسْلَامُ بِرَفْعِ الْبِنَاءِ وَتَقْوِيَتِهِ بِالشِّيدِ رَفْعًا تَامًّا، وَاسْتَعَارَ لَهُ اسْمَهُ وَهُوَ التَّشْيِيدُ. وَفِي الْمُخْتَارِ: الشِّيدُ بِالْكَسْرِ كُلُّ شَيْءٍ طُلِيَتْ بِهِ الْحَائِطُ مِنْ جِصٍّ وَبَلَاطٍ، وَشَادَهُ جَصَّصَهُ مِنْ بَابِ بَاعَ، وَالْمَشِيدُ بِالتَّخْفِيفِ الْمَعْمُولُ بِالشِّيدِ، وَالْمُشَيَّدُ بِالتَّشْدِيدِ الْمُطَوَّلُ اهـ.
وَمِنْهُ يُعْلَمُ صِحَّةُ كَوْنِهِ اسْتِعَارَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ شَبَّهَ إظْهَارَهُ بِتَشْيِيدِ الْبِنَاءِ الَّذِي هُوَ تَطْوِيلُهُ، هَذَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَهُوَ التَّشْيِيدُ وَإِرَادَةٌ لَازِمَةٌ وَهُوَ التَّقْوِيَةُ (قَوْلُهُ: بِمِنْهَاجِ دِينِهِ) أَيْ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى دِينِهِ وَهُوَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَالْمُرَادُ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالْأَئِمَّةُ الَّذِينَ قَامُوا بِإِظْهَارِ ذَلِكَ وَتَحْرِيرِهِ وَنَقْلِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بِالشَّرِيعَةِ مُضَافَةً لِلْأَرْكَانِ هُوَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَهُوَ عَيْنُ الدِّينِ الْمُفَسَّرِ بِمَا مَرَّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ الَّذِي أَظْهَرَ بِالطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ أَرْكَانَ ذَلِكَ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا أَقَامَ الظَّاهِرَ الَّذِي مَرْجِعُهُ الدِّينِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ وَهُوَ لَفْظُ الشَّرِيعَةِ لِيَصِفَهُ بِالْغَرَّاءِ.
وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بِالْأَرْكَانِ: الْأَجْزَاءُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ الْأَحْكَامُ الْمَشْرُوعَةُ عَلَيْهَا كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ أَوْ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا، وَيَكُونُ إطْلَاقُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا مَجَازًا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْكَسْرِ عَلَى اسْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْفَتْحِ (قَوْلُهُ: الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ) هِيَ فِي الْأَصْلِ تَأْنِيثُ الْأَغَرِّ وَهُوَ اسْمٌ لِلْفَرَسِ الَّذِي فِي جَبْهَتِهِ بَيَاضٌ
ــ
[حاشية الرشيدي]
أَعْيُنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِوَافِرِ فُهُومِهِ عِنْدَ قِرَاءَتِهِ لِلْكِتَابِ الْمَرْقُومِ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ، مَعَ مُذَاكَرَةِ إخْوَانِ الصَّفَاء وَخِلَّانِ الْوَفَاءِ مِمَّنْ عَادَتْ عَلَيْهِ بَرَكَةُ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ السَّعِيدِ بِثَغْرِ رَشِيدٍ، جَعَلَهُ اللَّهُ وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ دَارَ إسْلَامٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَمَاهُ مِمَّنْ قَصَدَهُ بِسُوءٍ وَرَامَهُ، دَوَّنْتهَا لِتُسْتَفَادَ وَيَعُمُّ نَفْعُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْعِبَادِ، أَقْتَصِرُ فِيهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِأَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَأُوجِزُ الْكَلَامَ حَسْبَ الطَّاقَةِ إلَّا حَيْثُ اقْتَضَى الْمَقَامُ، لَا أَتَعَرَّضُ فِيهَا لِمَا تَكَلَّمَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا بَرَكَةُ الْوُجُودِ وَمَحَطُّ رِحَالِ الْوُفُودِ، الْمُجْمَعُ عَلَى أَنَّهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ وَالْإِمَامُ الْأَوْحَدُ، قَامُوسُ الْعُلُومِ وَقَابُوسُ الْفُهُومِ، الْبَصِيرُ بِقَلْبِهِ مَوْلَانَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ نُورُ الدِّينِ عَلِيٌّ الشبراملسي، أَمْتَعَ اللَّهُ الْوُجُودَ بِحَيَاتِهِ، وَعَادَ عَلَيَّ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَرَكَاتِهِ وَلَحَظَاتِهِ فِيمَا أَمْلَاهُ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، وَالْغَرَضُ تَجْدِيدُ الْفَائِدَةِ لِلطُّلَّابِ إلَّا حَيْثُ سَنَحَ لِلْخَاطِرِ مَا تَظْهَرُ نُكْتَتُهُ لِلنَّاظِرِ. وَأَنَا أَقُولُ بَذْلًا لِلنَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ وَإِرْشَادُ الْمُسْتَرْشِدِينَ، لَا تَبَجُّحًا وَافْتِخَارًا؛ لِأَنِّي دُونَ ذَلِكَ رُتْبَةً وَمِقْدَارًا: إنَّ هَذِهِ الْفَوَائِدَ وَالصِّلَاتِ وَالْعَوَائِدَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ مُرَاجَعَتُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ النَّاسِ فِي هَذَا الْحِينِ مِنْ الْمُسْتَفِيدِينَ وَالْحُكَّامِ وَالْمُفْتِينَ، فَإِنَّهَا مُتَكَفِّلَةٌ حَسْبَ الطَّاقَةِ بِتَتَبُّعِ مَوَادِّ الْكِتَابِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا عَدَلَ فِيهِ عَنْ صَوْبِ الصَّوَابِ كَمَا سَتَرَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاطِنِهِ مِنْ الدُّرِّ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ مَعَادِنِهِ.
وَاعْلَمْ أَنِّي حَيْثُ أَنْسُبُ إلَى التُّحْفَةِ فَمُرَادِي تُحْفَةُ الْمُحْتَاجِ الَّذِي هُوَ شَرْحُ خَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ الشِّهَابِ " ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ " سَقَى اللَّهُ ثَرَاهُ، وَاَللَّهُ الْمَأْمُولُ وَالْمَسْئُولُ فِي التَّفَضُّلِ بِالْإِثَابَةِ وَالْقَبُولِ.
(قَوْلُهُ: رحمه الله وَنَفَعَنَا بِهِ: بِمِنْهَاجِ دِينِهِ) أَيْ طَرِيقِهِ بِمَعْنَى دَلَائِلِهِ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ بِالْأَحْكَامِ فِي الْفِقْرَةِ الثَّانِيَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا جَمْعُ حُكْمٍ، فَالْمَعْنَى شَيَّدَ دِينَهُ بِدَلَائِلِهِ إذْ الشَّرِيعَةُ هِيَ الدِّينُ مَاصَدَقًا، وَهُوَ احْتِرَاسٌ إذْ الْمُشَيِّدُ لِأَرْكَانِ الشَّيْءِ بِغَيْرِ طَرِيقِهِ لَا يَأْمَنُ الْخَطَأَ، وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ، شَبَّهَ الشَّرِيعَةَ بِالْبِنَاءِ، وَأَثْبَتَ لَهُ الْأَرْكَانَ تَخْيِيلًا وَالتَّشْيِيدَ تَرْشِيحًا، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي نَظَائِرِهِ الْآتِيَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَعْلِ شَيْخِنَا لَهُ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ الْمُصَرِّحَةِ التَّبَعِيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ
وَسَدَّدَ بِأَحْكَامِهِ فُرُوعَ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ مَنْ عَمِلَ بِهِ فَقَدْ اتَّبَعَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ خَرَجَ عَنْهُ خَرَجَ عَنْ مَسَالِكِ الْمُعْتَبِرِينَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا عَلَّمَ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى مَا هَدَى وَقَوَّمَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْمَالِكُ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَنُورًا لِسَائِرِ الْخَلَائِقِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَرْسَلَهُ حِينَ دَرَسَتْ أَعْلَامُ الْهُدَى وَظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى، وَانْطَمَسَ مَنْهَجُ الْحَقِّ وَعَفَا، وَأَشْرَفَ مِصْبَاحُ الصِّدْقِ عَلَى الأنطفا، فَأَعْلَى مِنْ الدِّينِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فَوْقَ الدِّرْهَمِ لَكِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْخِيَارِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا (قَوْلُهُ: وَسَدَّدَ بِأَحْكَامِهِ) أَيْ اللَّهِ أَوْ الدِّينِ، وَعَلَى الثَّانِي فَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّينَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الشَّارِحُ فِيمَا يَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الدِّينِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فُرُوعَ الْحَنِيفِيَّةِ) أَيْ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ وَالْحَنِيفُ الْمَائِلُ عَنْ الْبَاطِلِ إلَى الْحَقِّ (قَوْلُهُ: السَّمْحَاءِ) أَيْ السَّهْلَةِ (قَوْلُهُ: فَقَدْ اتَّبَعَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ) أَيْ طَرِيقَهُمْ الْمُوَصِّلَةِ إلَى الْحَقِّ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ خَرَجَ عَنْهُ) وَفِي نُسْخَةٍ وَقَفَ: أَيْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَنْهُ بِأَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا عَلَّمَ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى عَلَى تَعْلِيمِهِ أَوْ عَلَى الَّذِي عَلَّمَهُ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا هَدَى) مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَقَوَّمَ) أَيْ أَصْلَحَ، وَهَذَانِ الْفِعْلَانِ مُنَزَّلَانِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ كَمَا فِي فُلَانٍ يُعْطِي، وَالْمَعْنَى عَلَى هِدَايَتِهِ وَتَقْوِيمِهِ.
(قَوْلُهُ: الْمَالِكُ) مِنْ الْمِلْكِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ التَّعَلُّقُ بِالْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ، وَالْمَلِكُ مِنْ الْمُلْكِ بِالضَّمِّ وَهُوَ التَّصَرُّفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهَا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ (قَوْلُهُ: وَنُورًا لِسَائِرِ الْخَلَائِقِ) عَطْفٌ مُغَايِرٌ لِلرَّحْمَةِ مَفْهُومًا، فَإِنَّ النُّورَ فِي الْأَصْلِ كَيْفِيَّةٌ تُدْرِكُهَا الْبَاصِرَةُ أَوَّلًا، وَبِوَاسِطَتِهَا تُدْرَكُ سَائِرُ الْمُبْصِرَاتِ، وَهُوَ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَى مُنَوِّرٌ، فَهُوَ مُسَاوٍ لِلرَّحْمَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَاصَدَقَ أَوْ هُوَ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا (قَوْلُهُ: حِينَ دَرَسَتْ) أَيْ عَفَتْ، يُقَالُ دَرَسَ الرَّسْمُ عَفَا وَبَابُهُ دَخَلَ، وَدَرَسَهُ الرِّيحُ وَبَابُهُ نَصَرَ يَتَعَدَّى وَيَلْزَمُ اهـ مُخْتَارٌ.
فَعَلَى اللُّزُومِ هُوَ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ وَعَلَى التَّعَدِّي لِلْمَفْعُولِ (قَوْلُهُ: أَعْلَامُ الْهُدَى) أَيْ آثَارُهُ، وَفِي الْمُخْتَارِ الْعَلَمُ بِفَتْحَتَيْنِ الْعَلَامَةُ، وَهُوَ أَيْضًا الْجَبَلُ وَعَلَمُ الثَّوْبِ وَالرَّايَةُ (قَوْلُهُ وَظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى) بِالْقَصْرِ، يُقَالُ رَدِيَ بِالْكَسْرِ كَصَدِيَ: أَيْ هَلَكَ انْتَهَى مُخْتَارٌ. وَفِي الْقَامُوسِ: رَدَى كَرَمَى (قَوْلُهُ: وَانْطَمَسَ مَنْهَجُ الْحَقِّ) أَيْ خَفِيَ (قَوْلُهُ: وَعَفَا) أَيْ ذَهَبَ (قَوْلُهُ وَأَشْرَفَ) أَيْ قَارَبَ (قَوْلُهُ: فَأَعْلَى مِنْ الدِّينِ) أَيْ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى أَرْسَلَ عَطْفُ مُسَبَّبٍ عَلَى سَبَبٍ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بِأَحْكَامِهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ حُكْمٍ فَالضَّمِيرُ فِيهِ لِلدِّينِ أَوْ لِلَّهِ أَوْ بِكَسْرِهَا مَصْدَرُ أَحْكَمَ: أَيْ أَتْقَنَ، فَالضَّمِيرُ فِيهِ لِأَحَدِ ذَيْنِك، أَوْ لِلتَّشْيِيدِ الْمَفْهُومِ مِنْ شَيَّدَ، وَهَذَا هُوَ الْأَنْسَبُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَعَلَى الْفَتْحِ فَالْمُرَادُ بِالْفُرُوعِ مَوْضُوعَاتُ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ، وَعَلَى الْكَسْرِ فَالْمُرَادُ بِهَا نَفْسُ الْأَحْكَامِ (قَوْلُهُ: مَنْ عَمِلَ بِهِ) أَيْ بِالدِّينِ أَوْ بِالْمِنْهَاجِ، وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ بِمَا فُسِّرَتْ بِهِ آيَةُ {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115] مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِسَبِيلِهِمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ (قَوْلُهُ: وَنُورًا) أَيْ رَحْمَةً بِقَرِينَةِ نِسْبَتِهِ إلَى سَائِرِ الْخَلَائِقِ الشَّامِلِ لِلدَّوَابِّ وَالْجَمَادَاتِ وَغَيْرِهِمَا، الْمُسْتَحِيلُ فِي حَقِّهَا مَعْنَى الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ: حِينَ دُرِسَتْ أَعْلَامُ الْهُدَى) أَيْ الدِّينِ بِمَعْنَى الْأَحْكَامِ، وَقَوْلُهُ وَانْطَمَسَ مَنْهَجُ الْحَقِّ: أَيْ طَرِيقُهُ بِمَعْنَى دَلَائِلِهِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ فَأَعْلَى مِنْ الدِّينِ مَعَالِمَهُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَانْطَمَسَ مَنْهَجُ الْحَقِّ إلَخْ عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ، وَقَوْلُهُ فَانْشَرَحَ بِهِ: أَيْ بِالدِّينِ، وَقَوْلُهُ وَانْزَاحَتْ بِهِ: أَيْ بِإِعْلَاءِ دَلَائِلِ حُكْمِ الشَّرْعِ إذْ الشُّبَهُ إنَّمَا تَنْزَاحُ بِالدَّلَائِلِ، فَفِيهِ أَيْضًا لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَأَشْرَفَ مِصْبَاحُ الصِّدْقِ عَلَى الِانْطِفَاءِ، وَلَمْ يَقُلْ وَانْطَفَأَ كَسَوَابِقِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَحْرِصُونَ عَلَى الصِّدْقِ وَعَدَمِ الْكَذِبِ، فَالصِّدْقُ كَانَ مَوْجُودًا بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ: فَأَعْلَى مِنْ الدِّينِ) الْمُرَادُ مِنْهُ مَا مَرْجِعُهُ الْعَقَائِدُ، فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَرَّرَ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَهُ، وَهُوَ
مَعَالِمَهُ، وَسَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ دَلَائِلَهُ، فَانْشَرَحَ بِهِ صُدُورُ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَانْزَاحَتْ بِهِ شُبُهَاتُ أَهْلِ الطُّغْيَانِ.
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ خُلَفَاءِ الدِّينِ وَحُلَفَاءِ الْيَقِينِ، مَصَابِيحِ الْأُمَمِ وَمَفَاتِيحِ الْكَرَمِ، وَكُنُوزِ الْعِلْمِ وَرُمُوزِ الْحِكَمِ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ بِدَوَامِ النَّعَمِ وَالْكَرَمِ.
(وَبَعْدُ) فَإِنَّ الْعُلُومَ وَإِنْ كَانَتْ تَتَعَاظَمُ شَرَفًا وَتَطْلُعُ فِي سَمَاءِ كَوْكَبِهَا شُرَفًا، وَيُنْفِقُ الْعَالِمُ مِنْ خَزَائِنِهَا وَكُلَّمَا زَادَ ازْدَادَ رُشْدًا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: مَعَالِمُهُ) أَيْ عَلَامَاتُهُ وَفِي الْمُخْتَارِ الْمَعْلَمُ الْأَثَرُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الطَّرِيقِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: فَانْشَرَحَ بِهِ) أَيْ بِالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَطْفُ مُسَبَّبٍ عَلَى سَبَبٍ (قَوْلُهُ: وَانْزَاحَتْ بِهِ) أَيْ انْدَفَعَتْ وَهُوَ مُطَاوِعُ زَاحَ، تَقُولُ زُحْتُهُ فَانْزَاحَ بِمَعْنَى نَحَّيْته.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: زَاحَ الشَّيْءَ عَنْ مَوْضِعِهِ يَزُوحُ زَوْحًا مِنْ بَابِ قَالَ، وَيُزِيحُ زَيْحًا مِنْ بَابِ سَارَ تَنَحَّى، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ فَيُقَالُ زُحْته، وَالْأَكْثَرُ أَنْ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ فَيُقَالُ أَزَحْته إزَاحَةً اهـ.
(قَوْلُهُ: خُلَفَاءِ الدِّينِ) أَيْ الَّذِينَ صَارُوا خُلَفَاءَ عَلَى الدِّينِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ الَّذِينَ اسْتَخْلَفَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَوْ اللَّهُ،
وَفِي الْمِصْبَاحِ: خَلَفْت فُلَانًا عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ خِلَافَةً صِرْت خَلِيفَتَهُ، وَخَلَفْته جِئْت بَعْدَهُ، وَالْخِلْفَةُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْهُ كَالْقَعْدَةِ لِهَيْئَةِ الْقُعُودِ، وَاسْتَخْلَفْته جَعَلْته خَلِيفَةً، فَخَلِيفَةٌ يَكُونُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَبِمَعْنَى مَفْعُولٍ (قَوْلُهُ: وَحُلَفَاءِ الْيَقِينِ) يَحْتَمِلُ أَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا عَاهَدُوهُ وَوَفَّوْهُ بِعُهُودِهِمْ كَانُوا كَالْمُقْسِمِينَ بِأَيْمَانٍ وَوَفَّوْا بِهَا فَجَعَلَهُمْ حُلَفَاءَ وَأَضَافَهُمْ إلَى الْيَقِينِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَبَّهَهُمْ فِي انْقِيَادِهِمْ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَعَدَمِ مُخَالَفَتِهِمْ لَهُ بِالْمُتَحَالَفِينَ عَلَى أَمْرٍ مُتَيَقَّنٍ لَا يَتَخَلَّفُونَ عَنْهُ، فَتَكُونُ اسْتِعَارَةً تَصْرِيحِيَّةً تَبَعِيَّةً.
(قَوْلُهُ: وَكُنُوزِ الْعِلْمِ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَكُنُوزِ أَهْلِ الْحِكَمِ، وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُرَادُ بِالْكَنْزِ هُنَا الْمَحَلُّ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الْعِلْمُ وَفِي الْأَصْلِ الْمَالُ الْمَكْنُوزُ، فَهُوَ مَجَازٌ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَحَلِّ بِاسْمِ الْحَالِّ فِيهِ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْمَعَادِنِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهَا جَمْعُ مَعْدَنٍ وَهُوَ الْمَكَانُ (قَوْلُهُ: وَرُمُوزِ الْحِكَمِ) أَيْ هُمْ رُمُوزٌ لِلْحِكَمِ لِاسْتِفَادَتِهَا وَأَخْذِهَا مِنْهُمْ، وَسَمَّاهُمْ رُمُوزًا؛ لِأَنَّهُمْ يُشِيرُونَ إلَيْهَا بِبَيَانِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَصَدَّوْا لِتَدْوِينِهَا، بَلْ كَانُوا يُجِيبُونَ عَمَّا سُئِلُوا عَنْهُ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ، وَالرَّمْزُ: الْإِشَارَةُ وَالْإِيمَاءُ بِالشَّفَتَيْنِ وَالْحَاجِبِ (قَوْلُهُ: تَتَعَاظَمُ شَرَفًا) أَيْ فِي الْمِقْدَارِ: أَيْ لَا يَعْظُمُ عِنْدَهَا شَيْءٌ، لَكِنَّ الْفِقْهَ أَشْرَفُهَا كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ فَلَا مِرْيَةَ إلَخْ (قَوْلُهُ: شَرَفًا) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الشَّرَفُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالرَّاءِ: الْعُلُوُّ وَالْمَكَانُ الْعَالِي، ثُمَّ قَالَ: وَشُرْفَةُ الْقَصْرِ وَاحِدَةٌ الشُّرَفِ كَغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ اهـ.
وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ قَوْلُهُ تَتَعَاظَمُ شَرَفًا بِالْفَتْحِ، وَقَوْلُهُ كَوَاكِبُهَا شُرَفًا بِضَمِّ الشِّينِ وَفَتْحِ الرَّاءِ؛ وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا وَإِنْ تَعَاظَمَتْ فِي عُلُوِّ الْمِقْدَارِ وَطَلَعَتْ أَمَاكِنَ الْكَوَاكِبِ الْمُرْتَفِعَةِ فَلَا مِرْيَةَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَكُلَّمَا زَادَ) أَيْ فِي الِاتِّفَاقِ (قَوْلُهُ: ازْدَادَ رُشْدًا) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ وَفَتْحِهِمَا، وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
خِلَافُ الْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْعُلُومَ وَإِنْ كَانَتْ إلَخْ) وَقَعَ مِثْلُ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي خُطْبَةِ الْكَنْزِ لِلْحَنَفِيَّةِ وَلَفْظُهُ: وَهُوَ وَإِنْ خَلَا عَنْ الْعَوِيصَاتِ وَالْمُشْكِلَاتِ فَقَدْ تَحَلَّى بِمَسَائِلِ الْفَتَاوَى وَالْوَاقِعَاتِ.
قَالَ شَارِحُهُ مِسْكِينٌ، أَيْ لِمَنْ يَخْلُو وَإِنْ خَلَا عَنْ الْعَوِيصَاتِ فَقَدْ تَحَلَّى، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْفَاءُ لِلْجَزَاءِ وَتَكُونُ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ، وَإِنْ عَلَى أَصْلِهِ لِلشَّرْطِ إلَّا أَنَّهَا فِي اسْتِعْمَالِهَا الشَّائِعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ؛ وَالْمَعْنَى: وَإِنْ تَحَقَّقَ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ خَلَا عَنْ الْعَوِيصَاتِ وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ إفَادَةِ مَعْنَى الشَّرْطِ فَتُجْعَلُ لِلْوَصْلِ وَتُجْعَلُ الْوَاوُ لِلْحَالِ مَعَ التَّكَلُّفِ فِي ذِي الْحَالِ، وَأَيْضًا الْفَاءُ لَا تَدْخُلُ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَإِ إلَّا فِي الْمَوْصُولِ بِالْفِعْلِ وَالظَّرْفِ وَالنَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِهِمَا انْتَهَى.
وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِيمَا هُنَا فَيُقَدَّرُ خَبَرٌ مُنَاسِبٌ، وَلَك أَنْ تَلْتَزِمَ الْوَجْهَ الثَّانِيَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ الْمُجِيزِ لِاقْتِرَانِ الْفَاءِ بِالْخَبَرِ مُطْلَقًا، وَمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ الْمُجِيزِ لِمَجِيءِ الْحَالِ مِنْ الْمُبْتَدَإِ (قَوْلُهُ: وَتَطْلُعُ فِي سَمَاءِ كَوْكَبِهَا شَرَفًا) أَيْ فِي مَنْزِلَةِ الشَّرَفِ الْمَعْرُوفَةِ
وَعَدِمَ سَرَفًا، فَلَا مِرْيَةَ فِي أَنَّ الْفِقْهَ وَاسِطَةُ عِقْدِهَا وَرَابِطَةُ حُلَلِهَا وَعِقْدِهَا وَخَالِصَةُ الرَّائِجِ مِنْ نَقْدِهَا، بِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَيَدِينُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَتَبِينُ مَصَابِيحُ الْهُدَى مِنْ ظَلَامِ الضَّلَالِ وَضَلَالِ الظَّلَامِ، قُطْبُ الشَّرِيعَةِ وَأَسَاسُهَا، وَقَلْبُ الْحَقِيقَةِ الَّذِي إذَا صَلَحَ صَلَحَتْ وَرَأْسُهَا، وَأَهِلَّةُ سُرَاةِ الْأَرْضِ الَّذِينَ لَوْلَاهُمْ لَفَسَدَتْ بِسِيَادَةِ جُهَّالِهَا وَضَلَّتْ أُنَاسُهَا:
لَا تُصْلِحُ النَّاسَ فَوْضَى لَا سُرَاةَ لَهُمْ
…
وَلَا سُرَاةَ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا
إيه وَلَوْلَاهُمْ لَاتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، وَخَبَطُوا خَبْطَ عَشْوَاءَ حَيْثُمَا قَامُوا وَحَلُّوا وَشَكَتْ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَقْعَ أَقْدَامِ قَوْمٍ اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ فَزَلُّوا، فَلِلَّهِ دَرُّ الْفُقَهَاءِ هُمْ نُجُومُ السَّمَاءِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
رَشَدَ يَرْشُدُ مِثْلَ قَعَدَ يَقْعُدُ وَرُشْدًا بِضَمِّ الرَّاءِ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى مِنْ بَابِ طَرِبَ اهـ (قَوْلُهُ: وَعَدِمَ سَرَفًا) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: أَسْرَفَ إسْرَافًا جَاوَزَ الْقَصْدَ، وَالسَّرَفُ بِفَتْحَتَيْنِ اسْمٌ مِنْهُ، وَسَرِفَ سَرَفًا مِنْ بَابِ تَعِبَ جَهِلَ أَوْ غَفَلَ فَهُوَ سَرَفٌ، وَطَلَبْتهمْ فَسَرِفْتهمْ بِمَعْنَى أَخْطَأْت أَوْ جَهِلْت (قَوْلُهُ: فَلَا مِرْيَةَ) الْفَاءُ زَائِدَةٌ فِي خَبَرِ إنَّ، وَجُمْلَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْخَبَرِ، وَالْمِرْيَةُ الشَّكُّ.
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الْمِرْيَةُ الشَّكُّ، وَقَدْ يُضَمُّ، وَقُرِئَ بِهِمَا قَوْله تَعَالَى {فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ} [هود: 17] .
(قَوْلُهُ: وَاسِطَةُ عِقْدِهَا) أَيْ أَشْرَفُهَا وَالْعِقْدُ بِالْكَسْرِ الْقِلَادَةُ (قَوْلُهُ: بِهِ يُعْرَفُ) أَيْ بِالْفِقْهِ يُعْرَفُ (قَوْلُهُ: وَيَدِينُ بِهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ) أَيْ يَتَعَبَّدُ بِهِ إلَخْ، وَيُقَالُ دَانَهُ يَدِينُهُ دِينًا بِالْكَسْرِ: أَذَلَّهُ وَاسْتَعْبَدَهُ فَدَانَ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَتَبِينُ مَصَابِيحُ إلَخْ) أَيْ تَظْهَرُ بِهِ إنْ قُرِئَ بِالتَّاءِ، فَإِنْ قُرِئَ بِالْيَاءِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَلَا تَقْدِيرَ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ يَعُودُ عَلَى الْفِقْهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُظْهِرُ مَصَابِيحَ الْهُدَى وَيُمَيِّزُهَا (قَوْلُهُ: وَأَسَاسُهَا) كَالتَّفْسِيرِيِّ؛ لِأَنَّ قُطْبَ الشَّيْءِ هُوَ أَصْلُهُ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَمِنْهُ قُطْبُ الرَّحَا وَقُطْبُ الْقَوْمِ سَيِّدُهُمْ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ وَيَرْجِعُ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَرَأْسُهَا) أَيْ الَّذِي هُوَ مِنْهَا كَالرَّأْسِ حَقِيقَةً (قَوْلُهُ سَرَاةُ الْأَرْضِ) أَيْ سَادَاتُهُمْ جَمْع سَرِيٍّ وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ.
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: وَهُوَ جَمْعٌ عَزِيزٌ إذْ لَمْ يُجْمَعْ فَعِيلٌ عَلَى فَعَلَةِ وَلَا يُعْرَفُ غَيْرُهُ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَالسَّرِيُّ الرَّئِيسُ وَالْجَمْعُ سَرَاةٌ، وَهُوَ جَمْعٌ عَزِيزٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْمَعُ فَعِيلٌ عَلَى فَعَلَةِ، وَجَمْعُ السَّرَاةِ سَرَوَاتٌ اهـ (قَوْلُهُ: لَا سَرَاةَ لَهُمْ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِفَوْضَى.
وَفِي الْمُخْتَارِ: قَوْمٌ فَوْضَى بِوَزْنِ سَكْرَى لَا رَئِيسَ لَهُمْ اهـ (قَوْلُهُ: إيهِ) اسْمُ فِعْلٍ أَيْ زِدْنِي (قَوْلُهُ: خَبْطَ عَشْوَاءَ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الْعَشْوَاءُ النَّاقَةُ الَّتِي لَا تُبْصِرُ مَا أَمَامَهَا فَهِيَ تَخْبِطُ بِيَدَيْهَا كُلَّ شَيْءٍ. وَرَكِبَ فُلَانٌ الْعَشْوَاءَ: إذَا خَبَطَ أَمْرَهُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: عَشِيَ عَشًّا مِنْ بَابِ تَعِبَ ضَعُفَ بَصَرُهُ فَهُوَ أَعْشَى وَالْمَرْأَةُ عَشْوَاءُ اهـ (قَوْلُهُ: وَشَكَتْ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) هُوَ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ، فَإِنَّهُ شَبَّهَ الْأَرْضَ بِالْعُقَلَاءِ الَّذِينَ يَتَظَلَّمُونَ وَأَثْبَتَ لَهَا الشِّكَايَةَ تَخْيِيلًا (قَوْلُهُ: وَقْعَ أَقْدَامِ قَوْمٍ) بَدَلٌ مِنْ الْمَجْرُورِ بِمِنْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ فَهُوَ بِالْجَرِّ أَوْ مِنْ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فَيَكُونُ مَنْصُوبًا، وَقَوْلُهُ قَوْمٌ مِنْ إقَامَةِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، وَكَأَنَّهُ لِيَصِفَهُمْ بِقَوْلِهِ اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ إلَخْ (قَوْلُهُ: الشَّيْطَانُ) قَالَ بَعْضُهُمْ: الشَّيْطَانُ كُلُّ جِنِّيٍّ كَافِرٍ سُمِّيَ شَيْطَانًا؛ لِأَنَّهُ شَطَنَ: أَيْ بَعُدَ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. وَقِيلَ؛ لِأَنَّهُ شَاطٌّ بِأَعْمَالِهِ: أَيْ احْتَرَقَ بِسَبَبِهَا.
قَالَ الْجَاحِظُ: الْجِنِّيُّ إذَا كَفَرَ وَظَلَمَ وَتَعَدَّى وَأَفْسَدَ فَهُوَ شَيْطَانُ، فَإِنْ قَوِيَ عَلَى حَمْلِ الْمَشَاقِّ وَالشَّيْءِ الثَّقِيلِ وَعَلَى اسْتِرَاقَةِ السَّمْعَ فَهُوَ مَارِدٌ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ عِفْرِيتٌ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْبُرْدَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَخَالِفْ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ وَاعْصِهِمَا. (قَوْلُهُ: فَلِلَّهِ دَرُّ الْفُقَهَاءِ) صِيغَةُ مَدْحٍ. قَالَ فِي شَرْحِ التَّوْضِيحِ: إنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ فِعْلِ الْمَمْدُوحِ الصَّادِرِ، وَإِنَّمَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَصْدًا لِإِظْهَارِ التَّعَجُّبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
عِنْدَ أَهْلِ الْهَيْئَةِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ الشَّرَفِ هُنَا مَأْخُوذًا مِنْ الشَّرَفِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي اصْطِلَاحِهِمْ اسْمًا لِأَمْرٍ مَخْصُوصٍ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا سَلَكَهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ.
(قَوْلُهُ: وَقْعَ) مَعْمُولٌ لِشَكَتْ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ خِلَافًا لِجَعْلِ شَيْخِنَا لَهُ بَدَلًا
تُشِيرُ إلَيْهِمْ بِالْأَكُفِّ الْأَصَابِعُ وَشُمُّ الْأُنُوفِ، يَخْضَعُ إلَيْهِمْ كُلُّ شَامِخِ الْأَنْفِ رَافِعٍ، حَلَّقُوا عَلَى سُوَرِ الْإِسْلَامِ كَسِوَارِ الْمِعْصَمِ قَائِلِينَ لِأَهْلِهِ وَالْحَقُّ سَامِعٌ:
أَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمْ
…
لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُومُ الطَّوَالِعُ
زَيَّنَ اللَّهُ الْأَرْضَ بِمَوَاطِئِ أَقْدَامِهِمْ فَالشِّفَاهُ تُقَبِّلُ خِلَالَهَا، وَبِإِحَاطَةِ أَحْكَامِهِمْ وَإِحْكَامِهِمْ تَذْكُرُ حَرَامَهَا وَحَلَالَهَا، وَتَرْشُفُ مِنْ زُلَالِهَا مَا حَلَا لَهَا، وَلَقَدْ سَارُوا فِي مَسَالِكِ الْفِقْهِ غَوْرًا وَنَجْدًا، وَدَارُوا عَلَيْهِ هَائِمِينَ بِهِ وَجْدًا، فَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ عَلَى مَنْهَجِ مِنْهَاجِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ أَحْسَنَ سَيْرٍ، وَجَرَى فِي أَحْوَالِهِ عَلَى مِنْوَالِهِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ إلَى غَيْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ دَأْبَهُ رَدَّ الْخُصُومِ وَخَصْمَ الْمُخَالِفِينَ فَلَا يَفُوتُهُ الطَّائِفُ فِي الْأَرْضِ وَلَوْ أَنَّهُ الطَّائِرُ فِي السَّمَاءِ يَحُومُ، وَإِقَامَةَ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ مِنْهَا مَعَالِمُ لِلْهُدَى وَمَصَابِيحُ لِلدُّجَى
ــ
[حاشية الشبراملسي]
تَعَالَى مُنْشِئُ الْعُجَابِ، فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ لِلَّهِ دَرُّهُ، فَارِسًا: مَا أَعْجَبَ فِعْلَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّعَجُّبُ مِنْ لَبَنِهِ الَّذِي ارْتَضَعَهُ مِنْ ثَدْيِ أُمِّهِ: أَيْ مَا أَعْجَبَ هَذَا اللَّبَنَ الَّذِي نَزَلَ بِهِ مِثْلُ هَذَا الْوَلَدِ الْكَامِلِ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ اهـ. (قَوْلُهُ: تُشِيرُ إلَيْهِمْ بِالْأَكُفِّ الْأَصَابِعُ) فَالْأَصَابِعُ فَاعِلُ أَشَارَتْ، وَبِالْأَكُفِّ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ حَالٌ مِنْهَا: أَيْ أَشَارَتْ الْأَصَابِعُ حَالَةَ كَوْنِهَا مَعَ الْأَكُفِّ، يُرِيدُ أَنَّ الْإِشَارَةَ وَقَعَتْ بِمَجْمُوعِ الْأَصَابِعِ وَالْأَكُفِّ اهـ دَمَامِينِيٌّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ فِيهِ قَلْبًا وَالْأَصْلُ أَشَارَتْ الْأَكُفُّ بِالْأَصَابِعِ (قَوْلُهُ شُمُّ الْأُنُوفِ) هُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ، وَاللَّامُ فِي الْأُنُوفِ عِوَضٌ عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ: أَيْ أُنُوفُهُمْ شُمٌّ جَمْعُ أَشَمَّ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الشَّمَمُ ارْتِفَاعُ الْأَنْفِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ: مِنْ بَابِ تَعِبَ، فَالرَّجُلُ أَشَمُّ وَالْمَرْأَةُ شَمَّاءُ مِثْلَ أَحْمَرَ وَحَمْرَاءَ اهـ.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْأَشَمُّ السَّيِّدُ وَالْمَنْكِبُ الْمُرْتَفِعُ (قَوْلُهُ: شَامِخٌ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: شَمَخَ الْجَمَلُ عَلَا وَطَالَ، وَالرَّجُلُ بِأَنْفِهِ تَكَبَّرَ (قَوْلُهُ: حَلَّقُوا) أَحَاطُوا بِهِ وَدَارُوا حَوْلَهُ كَدَوَرَانِ السِّوَارِ عَلَى الْمِعْصَمِ. وَفِي النِّهَايَةِ: فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَحَلَّقَ: أَيْ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ بِأُصْبُعَيْهِ الْإِبْهَامِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا، وَعَقَدَ عَشْرًا: أَيْ بِأَنْ جَعَلَ رَأْسَ السَّبَّابَةِ فِي وَسَطِ الْإِبْهَامِ اهـ مِنْهُ (قَوْلُهُ غَوْرًا وَنَجْدًا) الْمَعْنَى: يَبْحَثُونَ عَنْ الْأَحْكَامِ خَفَايَاهَا وَجَلَايَاهَا كَأَنَّهُمْ سَارُوا فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ فِي الطَّرَقَاتِ الْمُنْخَفِضَةِ وَالْمُرْتَفِعَةِ، وَالْغَوْرُ فِي الْأَصْلِ: قَعْرُ كُلِّ شَيْءٍ، وَالنَّجْدُ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: مَنْ سَارَ عَلَى مَنْهَجٍ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ مَعْنَى هَذَا التَّرْكِيبِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمَنْهَجِ وَالْمِنْهَاجِ مَعْنَاهُ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالطَّرِيقِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَنْهَجِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ لِاسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ مِنْ الدَّلِيلِ، وَبِالطَّرِيقِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمِنْهَاجِ الْأَدِلَّةُ أَنْفُسُهَا كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبِالطَّرِيقِ الْوَاضِحِ دِينُ الْإِسْلَامِ، كَمَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ الصِّرَاطَ فِي قَوْله تَعَالَى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] .
(قَوْلُهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ دَأْبَهُ) أَيْ شَأْنَهُ وَعَادَتَهُ كَالْمُصَنِّفِ (قَوْلُهُ: رَدَّ الْخُصُومِ) أَيْ مَنْ أَرَادَ الطَّعْنَ فِيمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَوْلُهُ فَلَا يَفُوتُهُ الطَّائِفُ: أَيْ لَا يَفُوتُهُ مَنْ أَبْدَى شُبْهَةً وَإِنْ بَعُدَ وَانْتَهَى فِي الْبُعْدِ إلَى أَنَّ أَشْبَهَ الطَّائِرَ فِي السَّمَاءِ (قَوْلُهُ: وَخَصَمَ الْمُخَالِفِينَ) أَيْ غَلَبَهُمْ.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: خَاصَمْته مُخَاصَمَةً وَخِصَامًا وَخَصَمْته أَخْصِمُهُ مِنْ بَابِ قَتَلَ: إذَا غَلَبْته فِي الْخُصُومَةِ، وَقَالَ فِي غَلَبَ غَلَبَهُ غَلَبًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَالِاسْمُ الْغَلَبُ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْغَلَبَةُ أَيْضًا (قَوْلُهُ: مِنْهَا مَعَالِمُ لِلْهُدَى) أَيْ مِنْ الْبَرَاهِينِ: يَعْنِي أَنَّ أَدِلَّتَهُمْ مِنْهَا مَا قَصَدَ بِهِ إثْبَاتَ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ
ــ
[حاشية الرشيدي]
مِنْ مَجْرُورٍ مِنْ بَدَلِ اشْتِمَالٍ (قَوْلُهُ: حَرَامَهَا وَحَلَالَهَا) أَيْ الْأَحْكَامَ أَوْ الْأَرْضَ وَقَوْلُهُ وَيُرْشَفُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَقَوْلُهُ مَا حَلَا لَهَا أَيْ مِنْهَا: أَيْ الْأَحْكَامِ أَوْ الْأَرْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الضَّمَائِرُ رَاجِعَةً إلَى الشِّفَاهِ فَيُقْرَأُ تُذْكَرُ وَتُرْشَفُ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ (قَوْلُهُ: وَخَصْمَ الْمُخَالِفِينَ) بِمَعْنَى قَطْعِهِمْ وَإِفْحَامِهِمْ، لَا بِمَعْنَى مُخَاصَمَتِهِمْ الَّتِي هِيَ مُغَالَبَتُهُمْ وَفَخْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَأْبَاهَا اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى وَإِنْ قَالَ بِهِ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: مِنْهَا مَعَالِمُ لِلْهُدَى إلَخْ) شَبَّهَ الْحُجَجَ وَالْبَرَاهِينَ بِالنُّجُومِ
وَالْأُخْرَيَاتُ رُجُومٌ، وَسَيِّدُ طَائِفَةِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْقَرْنِ السَّادِسِ وَإِلَى هَذَا الْحِينِ وَصَاحِبُ الْفَضْلِ عَلَى أَهْلِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ذُو الْفَضْلِ الْمُبِينِ، الضَّارِبُ مَعَ الْأَقْدَمِينَ بِسَهْمٍ وَالنَّاسُ تَضْرِبُ فِي حَدِيدٍ بَارِدٍ، فَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ صَادِرٍ وَوَارِدٍ، تَقَدَّمَ عَلَى أَهْلِ زَمَنِهِ تَقَدُّمَ النَّصِّ عَلَى الْقِيَاسِ، وَسَبَقَ وَهِيَ تُنَادِيهِ مَا فِي وُقُوفِك سَاعَةٌ مِنْ بَاسِ، وَتَصَدَّرَ وَلَوْ عُورِضَ لَقَالَ لِسَانُ الْحَالِ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» مَنْ أَنْفَقَ مِنْ خَزَائِنِ عِلْمِهِ وَلَمْ يَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إقْلَالًا هَكَذَا هَكَذَا وَإِلَّا فَلَالَا، قَالَ: فَلَمْ يَتْرُكْ مَقَالًا لِقَائِلٍ، وَتَسَامَى فَلَمْ يَسْمَعْ أَيْنَ الثُّرَيَّا مِنْ يَدِ الْمُتَنَاوِلِ وَتَعَالَى فَكَأَنَّمَا هُوَ لِلنَّيِّرَيْنِ مُتَطَاوِلٌ، وَتَصَاعَدَ دَرَجَ السِّيَادَةِ حَتَّى فَاقَ الْآفَاقَ وَتَبَاعَدَ عَنْ دَرَجَاتِ مُعَارِضِيهِ فَسَاقَ أَتْبَاعَهُ أُمَمًا وَسَاقَ، وَمَضَى وَخَلَّفَ ذِكْرًا بَاقِيًا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الْوَاضِحِ، وَمِنْهَا مَا قَصَدَ بِهِ إبْطَالَ شُبَهِ الْمُبْطِلِينَ، فَأَشْبَهَتْ الشُّهُبُ الَّتِي تُرْجَمُ بِهَا الشَّيَاطِينُ الْمُسْتَرِقُونَ لِلسَّمْعِ (قَوْلُهُ: وَالْأُخْرَيَاتُ رُجُومٌ) أَيْ كَالْحِجَارَةِ يُرْمَى بِهَا وَهِيَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا، وَمِنْهَا مَا قَصَدَ بِهِ إبْطَالَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَسَيِّدُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ الْآتِي الْقُطْبُ الرَّبَّانِيُّ إلَخْ
1 -
(قَوْلُهُ: مِنْ الْقَرْنِ السَّادِسِ) الصَّوَابُ الْقَرْنُ السَّابِعُ لَا السَّادِسُ، فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ مَاتَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ عَنْ نَحْوِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً اهـ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ آخِرِ الْقَرْنِ السَّادِسِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ وِلَادَتُهُ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ وَكَثِيرًا مَا تَمْتَدُّ حَيَاةُ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْقَرْنِ السَّادِسِ إلَى زَمَنِ وِلَادَةِ الْمُصَنِّفِ، وَيَسْتَفِيدُ مِمَّا قَالَهُ بَعْدَ وِلَادَتِهِ فَتَكُونُ لَهُ السِّيَادَةُ عَلَى مَنْ اسْتَفَادَ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ السَّادِسِ، بَلْ وَعَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَتَمَيَّزَ عَلَيْهِمْ الْمُصَنِّفُ بِفَضِيلَتِهِ، كَأَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ السِّيَادَةُ عَلَى أَهْلِهِ جَمِيعًا، فَتَكُونُ سِيَادَتُهُ مِنْ أَوَّلِهِ وَهُوَ عَقِبَ الْقَرْنِ السَّادِسِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ مِمَّا قَبْلَهُ (قَوْلُهُ عِنْدَ كُلِّ صَادِرٍ وَوَارِدٍ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: صَدَرَ الْقَوْلَ صُدُورًا مِنْ بَابِ قَعَدَ وَأَصْدَرْته بِالْأَلِفِ وَأَصْلُهُ الِانْصِرَافُ، يُقَالُ صَدَرَ الْقَوْمُ وَأَصْدَرْنَاهُمْ: إذَا صَرَفْتهمْ، وَصَدَرْت مِنْ الْمَوْضِعِ صَدْرًا مِنْ بَابِ قَتَلَ: رَجَعْت اهـ.
وَفِيهِ وَرَدَ الْبَعِيرُ وَغَيْرُهُ الْمَاءَ يَرِدُهُ وُرُودًا: بَلَغَهُ وَوَافَاهُ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ، وَقَدْ يَكُونُ دُخُولًا، وَالِاسْمُ الْوَرْدُ بِالْكَسْرِ، وَأَوْرَدْته الْمَاءَ وَالْوِرْدُ خِلَافُ الصَّدْرِ، وَالْإِيرَادُ خِلَافُ الْإِصْدَارِ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَهِيَ تُنَادِيهِ) أَيْ أَهْلُ زَمَنِهِ، وَأُنِّثَ لِكَوْنِ الْأَهْلِ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ عُورِضَ) أَيْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يُعَارِضَهُ (قَوْلُهُ: لَقَالَ لِسَانُ الْحَالِ) أَيْ فِي حَقِّهِ (قَوْلُهُ: قَالَ) أَيْ تَكَلَّمَ ذَلِكَ الْإِمَامُ فَلَمْ يَتْرُكْ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَتَسَامَى) أَيْ ارْتَفَعَ، وَقَوْلُهُ فَلَمْ يُسْمَعْ: أَيْ فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لِشِدَّةِ عُلُوِّهِ صَعِدَ السَّمَاءَ فَلَمْ يُسْمَعْ لِكَمَالِ بُعْدِهِ قَوْلُ الْقَائِلِ فِي حَقِّهِ: أَيْنَ الثُّرَيَّا إلَخْ (قَوْلُهُ: وَتَعَالَى) عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى تَسَامَى (قَوْلُهُ: مُتَطَاوِلٌ) أَيْ مَنَاظِرُ لَهُمَا فِي الْعُلُوِّ وَالنُّورِ (قَوْلُهُ: حَتَّى فَاقَ الْآفَاقَ) أَيْ أَهْلَ جَمِيعِ النَّوَاحِي، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ (قَوْلُهُ: فَسَاقَ أَتْبَاعَهُ أُمَمًا) أَيْ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ، فَهُوَ تَمْيِيزٌ لِأَتْبَاعِهِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَقَوْلُهُ وَسَاقَ: أَيْ خَلَّفَ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ سَاقَةُ الْجَيْشُ لِمُؤَخَّرِهِمْ كَمَا فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَقَسَّمَهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ثَابِتَةٍ لَهَا فِي الْقُرْآنِ بِهَا الْعِنْوَانُ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا (قَوْلُهُ: وَسَيِّدُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُحْيِي الدِّينِ أَوْ قَدْ مَلَأ (قَوْلُهُ: مِنْ الْقَرْنِ السَّادِسِ) صَوَابُهُ السَّابِعُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ كُلِّ صَادِرٍ وَوَارِدٍ) أَيْ كُلُّ مَنْ يَصْدُرُ، وَيَرِدُ مِنْ النَّاسِ، أَوْ كُلُّ مَا يَصْدُرُ، وَيَرِدُ مِنْ الْوَقَائِعِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ الْمَعَالِي، وَالْمَرَاتِبُ الْمَعْلُومَةُ مِنْ الْمَقَامِ عَلَى حَدِّ {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32] ، وَيَجُوزُ رُجُوعُهُ إلَى أَهْلِ الْمَشَارِقِ، وَالْمَغَارِبِ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا سَلَكَهُ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَتَسَامَى فَلَمْ يُسْمَعْ أَيْنَ الثُّرَيَّا إلَخْ) بِبِنَاءِ يُسْمَعُ لِلْمَفْعُولِ، وَالْمَعْنَى: تَسَامَى فِي نَيْلِ الْفَضَائِلِ فَحَصَلَ أَعْلَاهَا الْمُشَبَّهُ بِالثُّرَيَّا فِي الْبُعْدِ، فَبَطَلَ هَذَا الْمَثَلُ الَّذِي هُوَ أَيْنَ الثُّرَيَّا إلَخْ الَّذِي قُصِدَ مِنْهُ الِاسْتِبْعَادُ فَلَمْ يُسْمَعْ بَعْدَ ذَلِكَ، إذْ بَعْدَ وُقُوعِ النَّيْلِ بِالْفِعْلِ لَا اسْتِبْعَادَ فَتَأَمَّلْهُ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا سَلَكَهُ شَيْخُنَا (قَوْلُهُ: مُتَطَاوِلٌ) الْأَوْلَى مُطَاوِلٌ
مَا سَطَرَ عِلْمَهُ فِي الْأَوْرَاقِ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِلَا نِزَاعٍ وَبَرَكَةُ الْأَنَامِ بِلَا دِفَاعٍ الْقُطْبُ الرَّبَّانِيُّ وَالْعَالِمُ الصَّمَدَانِيُّ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَنَفَعَنَا وَالْمُسْلِمِينَ بِبَرَكَتِهِ بِجَاهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَعِتْرَتِهِ، قَدْ مَلَأَ عِلْمُهُ الْآفَاقَ وَأَذْعَنَ لَهُ أَهْلُ الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ، وَأَجَلُّ مُصَنَّفٍ لَهُ فِي الْمُخْتَصَرَاتِ وَتُسْكَبُ عَلَى تَحْصِيلِهِ الْعَبَرَاتُ، كِتَابُ الْمِنْهَاجِ مَنْ لَمْ تَسْمَحْ بِمِثْلِهِ الْقَرَائِحُ، وَلَمْ تَطْمَحْ إلَى النَّسْجِ عَلَى مِنْوَالِهِ الْمَطَامِحُ، بَهَرَ بِهِ الْأَلْبَابَ وَأَتَى فِيهِ بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ، وَأَبْرَزَ مُخَبَّآتِ الْمَسَائِلِ بِيضَ الْوُجُوهِ كَرِيمَةَ الْأَحْسَابِ، أَبْدَعَ فِيهِ التَّأْلِيفَ وَزَيَّنَهُ بِحُسْنِ التَّرْصِيعِ وَالتَّرْصِيفِ، وَأَوْدَعَهُ الْمَعَانِيَ الْغَزِيرَةَ بِالْأَلْفَاظِ الْوَجِيزَةِ، وَقَرَّبَ الْمَقَاصِدَ الْبَعِيدَةَ بِالْأَقْوَالِ السَّدِيدَةِ، فَهُوَ يُسَاجِلُ الْمُطَوَّلَاتِ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهِ، وَيُبَاهِلُ الْمُخْتَصَرَاتِ بِغَزَارَةِ عِلْمِهِ، وَيَطْلُعُ كَالْقَمَرِ سَنَاءً وَيُشْرِقُ كَالشَّمْسِ بَهْجَةً وَضِيَاءً، وَلَقَدْ أَجَادَ فِيهِ الْقَائِلُ حَيْثُ قَالَ:
قَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ وَاخْتَصَرُوا فَلَمْ
…
يَأْتُوا بِمَا اخْتَصَرُوهُ كَالْمِنْهَاجِ
جَمَعَ الصَّحِيحَ مَعَ الْفَصِيحِ وَفَاقَ بِال
…
تَرْجِيحِ عِنْدَ تَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: مَا سَطَرَ عِلْمَهُ فِي الْأَوْرَاقِ) أَيْ مُدَّةَ تَسْطِيرِ مَا أَلَّفَهُ فِي الْأَوْرَاقِ (قَوْلُهُ: الْقُطْبُ الرَّبَّانِيُّ) أَيْ الْمُتَأَلِّهُ وَالْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى اهـ مُخْتَارٌ. وَالْمُتَأَلِّهُ الْمُتَعَبِّدُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ. وَقَالَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا: الرَّبَّانِيُّ الْمَنْسُوبُ إلَى الرَّبِّ: أَيْ الْمَالِكُ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ: الرَّبَّانِيُّ هُوَ مِنْ أُفِيضَتْ عَلَيْهِ الْمَعَارِفُ الْإِلَهِيَّةُ فَعَرَفَ رَبَّهُ وَرَبَّى النَّاسَ بِعِلْمِهِ انْتَهَى. فَمَا ذَكَرَهُ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّبِّ (قَوْلُهُ: وَالْعَالِمُ الصَّمَدَانِيُّ) أَيْ الْمَنْسُوبُ إلَى الصَّمَدِ: أَيْ الْمَقْصُودُ فِي الْحَوَائِجِ، قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ اهـ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا مِنْ النِّسْبَةِ أَنَّهُ يَعْتَمِدُ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا عَلَى اللَّهِ بِحَيْثُ لَا يَلْتَجِئُ إلَى غَيْرِهِ تَعَالَى فِي أَمْرٍ مَا اهـ (قَوْلُهُ: مُحْيِي الدِّينِ) لَقَبُهُ وَاسْمُهُ يَحْيَى (قَوْلُهُ: وَعِتْرَتِهِ) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَالْعِتْرَةُ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ نَسْلُ الرَّجُلِ وَرَهْطُهُ الْأَدْنَوْنَ اهـ (قَوْلُهُ: وَأَذْعَنَ لَهُ) أَيْ انْقَادَ (قَوْلُهُ: عَلَى تَحْصِيلِهِ) أَيْ حَفِظَهُ (قَوْلُهُ: الْعَبَرَاتِ) أَيْ الدُّمُوعَ (قَوْلُهُ: كِتَابُ الْمِنْهَاجِ مَنْ لَمْ إلَخْ) أَيْ كِتَابُ مَنْ لَمْ إلَخْ نَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ الْعَاقِلِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِمَنْ لِكَثْرَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ كَمَا يُنْتَفَعُ بِأَصْحَابِ الرَّأْيِ فَيَكُونُ اسْتِعَارَةً مُصَرَّحَةً (قَوْلُهُ: وَلَمْ تَطْمَحْ) أَيْ تَلْتَفِتْ، وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: طَمَحَ بَصَرُهُ إلَى الشَّيْءِ: ارْتَفَعَ، وَبَابُهُ خَضَعَ، وَطِمَاحًا أَيْضًا بِالْكَسْرِ اهـ (قَوْلُهُ: بَهَرَ بِهِ) أَيْ غَلَبَ بِهِ اهـ مُخْتَارٌ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: بَهَرَهُ بَهْرًا مِنْ بَابِ نَفَعَ: غَلَبَهُ وَفَضَلَهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْقَمَرِ الْبَاهِرُ لِظُهُورِهِ عَلَى جَمِيعِ الْكَوَاكِبِ (قَوْلُهُ: بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ) أَيْ بِالشَّيْءِ الْغَرِيبِ بِالنِّسْبَةِ لِأَمْثَالِهِ مِمَّا هُوَ عَلَى حَجْمِهِ، فَالْعُجَابُ وَصْفٌ قَصَدَ بِهِ الْمُبَالَغَةَ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرٍ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] : أَيْ بَلِيغٌ فِي الْعَجَبِ، فَإِنَّهُ خِلَافُ مَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ آبَاؤُنَا وَمَا نُشَاهِدُهُ مِنْ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَفِي عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ بِالْأَشْيَاءِ الْكَثِيرَةِ اهـ (قَوْلُهُ: وَالتَّرْصِيفُ) قَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي التَّرْصِيفِ مَا حَاصِلُهُ: لَمْ يُسْمَعْ الْفِعْلُ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ إلَّا مُجَرَّدًا، يُقَالُ رَصَفْت الْحِجَارَةَ بِالتَّخْفِيفِ رَصْفًا: إذَا وَضَعْت بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَقَالَ فِي الْمُخْتَارِ: بَابُهُ نَصَرَ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: التَّرْصِيعُ التَّرْكِيبُ اهـ (قَوْلُهُ فَهُوَ يُسَاجِلُ) أَيْ يُعْطِي كَعَطَائِهَا: أَيْ يُفِيدُ كَإِفَادَتِهَا، وَأَصْلُهُ يُغَالِبُ فِي الْإِعْطَاءِ فَيَغْلِبُ غَيْرَهُ وَهُوَ بِالْجِيمِ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَيُبَاهِلُ الْمُخْتَصَرَاتِ) أَيْ يُغَالِبُ (قَوْلُهُ: وَيَطْلُعُ) بَابُهُ دَخَلَ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ كَالْقَمَرِ سَنَاءً) بِالْمَدِّ: أَيْ شَرَفًا
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مَا سَطَرَ عِلْمُهُ) مَا فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ (قَوْلُهُ: وَتُسْكَبُ) الْوَاوُ لِلْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةً لِجَوَازِ عَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الِاسْمِ الشَّبِيهِ بِالْفِعْلِ، فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُصَنَّفٍ، وَيَنْحَلُّ الْمَعْنَى إلَى قَوْلِنَا، وَأَجَلُّ مَا صَنَّفَهُ فِي الْمُخْتَصَرَاتِ، وَأَجَلُّ مَا تُسْكَبُ، وَيَجُوزُ عَطْفُهُ عَلَى مَا فِي الْمُخْتَصَرَاتِ (قَوْلُهُ: عَلَى تَحْصِيلِهِ) أَيْ فِي شَأْنِ تَحْصِيلِهِ فَوْتًا أَوْ حُصُولًا فَعَلَى بِمَعْنَى فِي (قَوْلُهُ: تُطْمَحُ) أَيْ تُرْفَعُ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ، وَهُوَ أَصْوَبُ مِمَّا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا (قَوْلُهُ: الْمَطَامِحُ) أَيْ مَحَلَّاتُ الطَّمَحِ، وَهُوَ الْإِبْصَارُ (قَوْلُهُ: بِيضٍ) بِالْجَرِّ وَصْفُ الْمُخَبَّآتِ أَوْ بِالنَّصْبِ حَالٌ مِنْهُ، وَهُوَ أَبْلَغُ لِإِفَادَتِهِ أَنَّهُ الَّذِي بَيَّضَهَا بِالتَّرْفِيهِ وَنَحْوِهِ، وَأَظْهَرَ كَرَامَةَ أَنْسَابِهَا
لِمَ لَا وَفِيهِ مَعَ النَّوَوِيِّ الرَّافِعِيُّ
…
حَبْرَانِ بَلْ بَحْرَانِ كَالْعَجَاجِ
مَنْ قَاسَهُ بِسِوَاهُ مَاتَ وَذَاكَ مِنْ
…
خَسْفٍ وَمِنْ غَبْنٍ وَسُوءِ مِزَاجٍ
وَقَالَ الْآخَرُ:
لَقِيت خَيْرًا يَا نَوِيُّ
…
وَوُقِيَتْ مِنْ أَلَمِ النَّوَى
فَلَقَدْ نَشَا بِك عَالِمٌ
…
لِلَّهِ أَخْلَصَ مَا نَوَى
وَعَلَا عُلَاهُ وَفَضْلُهُ
…
فَضْلَ الْحُبُوبِ عَلَى النَّوَى
جَزَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ صَنِيعِهِ جَزَاءً مَوْفُورًا، وَجَعَلَ عَمَلَهُ مُتَقَبَّلًا وَسَعْيَهُ مَشْكُورًا، وَلَمْ تَزَلْ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا كُلٌّ مِنْهُمْ مُذْعِنٌ لِفَضْلِهِ وَمُشْتَغِلٌ بِإِقْرَائِهِ وَشَرْحِهِ، وَعَادَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ بَرَكَةُ عَلَّامَةٍ نَوَى فَبَلَغَ قَصْدَهُ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَبَعْضُ شُرُوحِهِ عَلَى الْغَايَةِ فِي التَّطْوِيلِ، وَبَعْضُهَا اقْتَصَرَ فِيهِ غَالِبًا عَلَى الدَّلِيلِ وَالتَّعْلِيلِ.
هَذَا وَقَدْ أَرْدَفَهُ مُحَقِّقُ زَمَانِهِ وَعَالِمُ أَوَانِهِ وَحِيدُ دَهْرِهِ وَفَرِيدُ عَصْرِهِ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ، الْمَنْثُورِ مِنْهَا وَالْمَنْظُومِ، شَيْخُ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ عُمْدَةُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ جَلَالُ الدِّينِ الْمَحَلِّيُّ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّتِهِ، بِشَرْحٍ كَشَفَ بِهِ الْمُعَمَّى وَجَلَا الْمُغْمَى، وَفَتَحَ بِهِ مُقْفَلَ أَبْوَابِهِ وَيَسَّرَ لِطَالِبِيهِ سُلُوكَ شِعَابِهِ، وَضَمَّنَهُ مَا يَمْلَأُ الْأَسْمَاعَ وَالنَّوَاظِرَ وَيُحَقِّقُ مَقَالَ الْقَائِلِ كَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ إلَّا أَنَّ الْقَدَرَ لَمْ يُسَاعِدْهُ عَلَى إيضَاحِهِ وَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ خَشْيَةَ فَجْأَةِ الْمَقْضِيِّ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَرِفْعَةً مُخْتَارٌ، فَهُوَ تَمْيِيزٌ أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ (قَوْلُهُ مَاتَ) أَيْ هَلَكَ حَسْرَةً (قَوْلُهُ: مِنْ خَسْفٍ) وَفِي نُسْخَةٍ حَنَقٍ، وَمَعْنَى مَا فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ التَّغَيُّرِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ الْمُشْبِهُ لِذَهَابِ ضَوْءِ الْقَمَرِ، وَمَعْنَى الثَّانِي الْغَيْظُ، يُقَالُ حَنِقَ حَنَقًا مِنْ بَابِ تَعِبَ اغْتَاظَ (قَوْلُهُ: وَعَلَا عُلَاهُ) وَفِي نُسْخَةٍ عَدَاهُ فَضْلُهُ: أَيْ عَلَا فَضْلُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ (قَوْلُهُ: بَرَكَةُ عَلَّامَةٍ نَوَى) كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ بَرَكَتُهُ، لَكِنَّهُ أَقَامَ الظَّاهِرَ مَقَامَ الضَّمِيرِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ جَلَالُ الدِّينِ) كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ إحْدَى وَتِسْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَمَاتَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَثَمَانِمِائَةٍ وَعُمْرُهُ نَحْوُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَأَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيِّ، وَهُوَ عَنْ الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ الْعَطَّارِ، وَهُوَ عَنْ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ (قَوْلُهُ: الْمُعَمَّى) فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَهُ: وَزَاحَ بِهِ، بَدَلَ قَوْلِهِ: وَجَلَا بِهِ الْمُغَمَّى (قَوْلُهُ: سُلُوكَ شِعَابِهِ) أَيْ طُرُقَهُ الضَّيِّقَةَ كَذَا قِيلَ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الشِّعْبُ بِالْكَسْرِ الطَّرِيقُ، وَقِيلَ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ وَالْجَمْعُ شِعَابٌ اهـ.
وَعَلَيْهِ فَإِنَّمَا يَظْهَرُ التَّقْيِيدُ بِالضَّيِّقَةِ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الطَّرِيقِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ ذَلِكَ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَالْمُتَبَادِرُ التَّفْسِيرُ بِالطُّرُقِ لَا بِقَيْدٍ (قَوْلُهُ: فَجْأَةَ الْمَقْضِيِّ) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ فَجِئْت الرَّجُلَ أَفْجَأَهُ مَهْمُوزٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ، وَفِي لُغَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ جِئْته بَغْتَةً، وَالِاسْمُ الْفُجَاءَةُ بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ، وَفِي لُغَةٍ وِزَانَ تَمْرَةٍ، وَفَجِئَهُ الْأَمْرُ مِنْ بَابَيْ تَعِبَ وَنَفَعَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مِنْ سَحْقٍ) بِسِينٍ ثُمَّ حَاءٍ؛ وَفِي نُسْخَةٍ حَنَقٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ وَذَاكَ لِلْقِيَاسِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَاسَهُ؛ لِأَنَّ السَّحْقَ لَا يُؤَدِّي إلَى الْمَوْتِ عَادَةً، وَفِي نُسْخَةِ مِنْ خَسْفٍ بِتَقْدِيمِ الْخَاءِ عَلَى السِّينِ، وَفِيهَا رِكَّةٌ فِي الْمَعْنَى (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْآخَرُ: لَقِيت خَيْرًا يَا نَوَى إلَخْ) الْأَنْسَبُ سِيَاقُ هَذَا فِيمَا مَرَّ فِي مِدْحَةِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ مَا هُنَا فِي مِدْحَةِ الْكِتَابِ.
(قَوْلُهُ: عَلَامَةُ نَوَى) الْمَقَامُ هُنَا لِلْإِظْهَارِ كَمَا صَنَعَ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ فِي مِدْحَةِ الْكِتَابِ خِلَافًا لِمَنْ جَعَلَ الْمَقَامَ لِلْإِضْمَارِ (قَوْلُهُ: وَبَعْضُهَا اُقْتُصِرَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (قَوْلُهُ: كَشَفَ مِنْهُ الْمُعْمَى إلَخْ) أَيْ بِأَنْ حَلَّ مِنْهُ الْعِبَارَاتِ وَلَوْ بِالْإِشَارَةِ إلَى ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ وَجِيزَةٍ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ الْآتِي فَتَرَكَهُ عَسِرَ التَّفَهُّمِ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَشَفَ مِنْهُ) فِي نُسْخَةٍ بِهِ بَدَلَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا وَهِيَ أَنْسَبُ بِقَوْلِهِ وَفَتَحَ إلَخْ، إلَّا أَنَّ النُّسْخَةَ الْأُولَى أَبْلَغُ لِمَا فِيهَا مِنْ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ الْأَبْلَغُ مِنْ الْحَقِيقَةِ (قَوْلُهُ: مَا يَمْلَأُ الْأَسْمَاعَ وَالنَّوَاظِرَ) لَا يَمْتَلِئَانِ إلَّا مِنْهَا لِإِعْرَاضِهِمَا عَمَّا عَدَاهَا (قَوْلُهُ: عَلَى إيضَاحِهِ) أَيْ الشَّرْحِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: وَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ خَشْيَةُ إلَخْ) فِيهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ تَرْكَهُ عَلَى هَذَا النَّمَطِ مَقْصُودٌ لَهُ: أَيْ مَقْصُودٌ
مِنْ مَحْتُومِ حَمَامِهِ، فَتَرْكُهُ عُسْرَ الْفَهْمِ كَالْأَلْغَازِ لِمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنْ غَايَةِ الْإِيجَازِ، وَلَقَدْ طَالَمَا سَأَلَنِي السَّادَةُ الْأَفَاضِلُ وَالْوَارِثُونَ عِلْمَ الْأَوَائِلِ فِي وَضْعِ شَرْحٍ عَلَى الْمِنْهَاجِ يُوَضِّحُ مَكْنُونَهُ وَيُبْرِزُ مَصُونَهُ، فَأَجَبْتهمْ إلَى ذَلِكَ فِي شَهْرِ الْقَعْدَةِ الْحَرَامِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعِمِائَةٍ بَعْدَ تَكَرُّرِ رُؤْيَا دَلَّتْ عَلَى حُصُولِ الْمَرَامِ، وَأَرْدَفْتهمْ بِشَرْحٍ يُمِيطُ لِثَامَ مُخَدَّرَاتِهِ وَيُزِيحُ خِتَامَ كُنُوزِهِ وَمُسْتَوْدَعَاتِهِ، أُنَقِّحُ فِيهِ الْغَثَّ مِنْ السَّمِينِ، وَأُمَيِّزُ فِيهِ الْمَعْمُولَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ بِتَوْضِيحٍ مُبِينٍ، أُورِدَ الْأَحْكَامَ فِيهِ تَتَبَخْتَرُ اتِّضَاحًا، وَأَتْرُكُ الشَّبَهَ تَتَضَاءَلُ افْتِضَاحًا، أَطْلُبُ حَيْثُ يَقْتَضِي الْمَقَامُ، وَأُوجِزُ إذَا اتَّضَحَ الْكَلَامُ، خَالٍ عَنْ الْإِسْهَابِ الْمُمِلِّ، وَعَنْ الِاخْتِصَارِ الْمُخِلِّ، وَأَذْكُرُ فِيهِ بَعْضَ الْقَوَاعِدِ وَأَضُمُّ إلَيْهِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْفَوَائِدِ، فِي ضِمْنِ تَرَاكِيبَ رَائِقَةٍ وَأَسَالِيبَ فَائِقَةٍ، لِيَتِمَّ بِذَلِكَ الْأَرَبُ وَيُقْبِلُ الْمُشْتَغِلُونَ يَنْسَلُّونَ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ، مُقْتَصِرًا فِيهِ عَلَى الْمَعْمُولِ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ، غَيْرَ مُعْتَنٍ بِتَحْرِيرِ الْأَقْوَالِ الضَّعِيفَةِ رَوْمًا لِلِاخْتِصَارِ فِي الْأَغْلَبِ.
فَحَيْثُ أَقُولُ فِيهِ قَالَا أَوْ رَجَّحَا فَمُرَادِي بِهِ إمَامَا الْمَذْهَبِ الرَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ تَغَمَّدَهُمَا اللَّهُ بِعَفْوِهِ وَمِنْهُ، وَأَمْطَرَ عَلَى قَبْرِهِمَا شَآبِيبَ رَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ، وَحَيْثُ أَطْلَقْت لَفْظَ الشَّارِحِ فَمُرَادِي بِهِ مُحَقِّقُ الْوُجُودِ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ عَفَا عَنْهُ الْغَفُورُ الْوَدُودُ، وَرُبَّمَا أَتَعَرَّضُ لِحَلِّ بَعْضِ مَوَاضِعِهِ الْمُشْكِلَةِ تَيْسِيرًا عَلَى الطُّلَّابِ مُسْتَعِينًا فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ، وَحَيْثُ أَطْلَقْت لَفْظَ الشَّيْخِ فَمُرَادِي بِهِ شَيْخُ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا تَغَمَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ.
وَمَا وَجَدْته أَيُّهَا الْوَاقِفُ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ وَالْمُتَمَسِّكِ مِنْهُ بِمَا يُوَافِقُ الصَّوَابَ فِي كَلَامِي مِنْ إطْلَاقٍ أَوْ تَقْيِيدٍ أَوْ تَرْجِيحٍ مَعْزُوًّا لِوَالِدِي وَشَيْخِي شَيْخِ مَشَايِخِ الْإِسْلَامِ عُمْدَةِ الْأَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ، شَيْخِ الْفَتْوَى وَالتَّدْرِيسِ وَمَحَلِّ الْفُرُوعِ وَالتَّأْسِيسِ، شَيْخِ زَمَانِهِ بِالِاتِّفَاقِ بَيْنَ أَهْلِ الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ، تَغَمَّدَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَأَسْكَنَهُ بُحْبُوحَةَ جَنَّتِهِ، فَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ رَأْيَهُ عَلَيْهِ اسْتَقَرَّ، وَمَا عُزِيَ إلَيْهِ مِمَّا يُخَالِفُهُ فَبِسَبَبِ مَا هُوَ شَأْنُ الْبَشَرِ، وَعُمْدَتِي فِي الْعَزْوِ لِفَتَاوِيهِ مَا قَرَأْته مِنْهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ، وَفِي الْعَزْوِ لَمُعْتَمَدَاتِهِ مَا وَجَدْته عَلَى أَجَلِّ الْمُؤَلَّفَاتِ عِنْدَهُ مُصَحَّحًا بِخَطِّهِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ إلَّا السَّبَبُ النَّاقِلُ لَهُ لِرَمْسِهِ، وَوَاللَّهِ لَمْ أَقْصِدْ بِذَلِكَ نَقْصَ أَحَدٍ عَنْ رُتْبَتِهِ، وَلَا التَّبَحْبُحَ بِنَشْرِ الْعِلْمِ وَفَضِيلَتِهِ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ مِنْهُ نُصْحُ الْمُسْلِمِينَ بِإِظْهَارِ الصَّوَابِ خَشْيَةَ مِنْ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي مُحْكَمِ الْكِتَابِ.
وَأَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيَّ بِإِتْمَامِ هَذَا الشَّرْحِ الْبَدِيعِ الْمِثَالِ الْمَنِيعِ الْمَنَالِ، الْفَائِقِ بِحُسْنِ نِظَامِهِ عَلَى عُقُودِ اللَّآلِئِ، الْجَامِعِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْضًا، وَفَاجَأَهُ مُفَاجَأَةً: أَيْ عَاجَلَهُ اهـ (قَوْلُهُ: مِنْ مَحْتُومِ حَمَامِهِ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ إلَى الْمَوْصُوفِ، وَالْمَعْنَى: خَشْيَةَ فَجْأَةِ مَوْتِهِ الْمُحَقَّقِ (قَوْلُهُ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَتِسْعِمِائَةٍ) وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ شُرُوعَهُ فِي شَرْحِهِ كَانَ فِي ثَانِي عَشَرَ مُحَرَّمٍ الْحَرَامِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ (قَوْلُهُ: وَأَرْدَفْتهمْ بِشَرْحٍ يُمِيطُ) أَيْ يُزِيلُ (قَوْلُهُ: الْغَثُّ مِنْ السَّمِينِ) أَيْ أُبَيِّنُ الْجَيِّدَ مِنْ الرَّدِيءِ، وَالْغَثُّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ: الْمَهْزُولُ (قَوْلُهُ تَتَضَاءَلُ) أَيْ تَضْعُفُ (قَوْلُهُ: خَالٍ عَنْ الْإِسْهَابِ) أَيْ التَّطْوِيلِ (قَوْلُهُ: بُحْبُوحَةَ جَنَّتِهِ) أَيْ وَسَطَهَا (قَوْلُهُ مَا هُوَ شَأْنُ الْبَشَرِ) أَيْ مِنْ السَّهْوِ (قَوْلُهُ: وَبَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ الْمُصَحَّحِ عَلَيْهِ وَهُوَ شَرْحُ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: وَلَا التَّبَحْبُحَ) أَيْ الْفَرَحَ وَهُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، يُقَالُ بَحْبَحَهُ فَبَحْبَحَ أَفْرَحَهُ فَفَرِحَ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: نَزَلَتْ فِي مُحْكَمِ الْكِتَابِ) أَيْ فِي شَأْنِ كَتْمِ الْعِلْمِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 159] الْآيَةَ (قَوْلُهُ: الْمَنِيعِ الْمَنَالِ) أَيْ الْمَنِيعِ الْعَطَاءِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَسَائِلَهُ لِعِزَّتِهَا كَأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَلَوْ كَانَ قَصْدُهُ الْإِيضَاحَ لَصَنَّفَهُ فِي مُدَّةٍ أَقَلَّ مِنْ الْمُدَّةِ الَّتِي وَقَعَ لَهُ تَصْنِيفُهُ فِيهَا، فَمِنْ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ صَنَّفَهُ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ عَامًا (قَوْلُهُ: عَلَى الْمِنْهَاجِ) إنَّمَا أُبْرِزَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَى شَرْحِ الْجَلَالِ (قَوْلُهُ: كُنُوزَهُ وَمُسْتَوْدَعَاتِهِ) أَيْ مَا كُنِزَ وَمَا اُسْتُوْدِعَ، أَوْ مَحَلُّ الْكَنْزِ وَالِاسْتِيدَاعِ، وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِذِكْرِ الْخَتْمِ (قَوْلُهُ: قَالَا أَوْ رَجَّحَا) أَيْ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا فِيهِ ضَمِيرُ تَثْنِيَةٍ (قَوْلُهُ: خَشْيَةً مِنْ آيَةٍ) يَعْنِي {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} [البقرة: 159] الْآيَةَ الَّتِي حَمَلَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى كَثْرَةِ التَّحْدِيثِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَأَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيَّ بِإِتْمَامِ إلَخْ) التَّعْبِيرُ
لِفَوَائِدَ وَمَحَاسِنَ قَلَّ أَنْ تَجْتَمِعَ فِي مِثْلِهِ مِنْ كِتَابٍ فِي الْعُصُرِ الْخُوَّالِ، أَسَّسْت فِيهِ مَا يُعِينُ عَلَى فَهْمِ الْمَنْقُولِ، وَبَيَّنْت فِيهِ مَصَاعِدَ يُرْتَقَى فِيهَا قَاصِدُ النُّقُولِ، فَهُوَ لُبَابُ الْعُقُولِ وَعُبَابُ الْمَنْقُولِ وَصَوَابُ كُلِّ قَوْلٍ مَقْبُولٍ، مَخَّضْت فِيهِ عِدَّةَ كُتُبٍ مِنْ الْفَنِّ مُشْتَهِرَةٍ وَمُؤَلَّفَاتٍ مُعْتَبَرَةٍ، مِنْ شُرُوحِ الْكِتَابِ وَشُرُوحِ الْإِرْشَادِ وَشَرْحَيْ الْبَهْجَةِ وَالرَّوْضِ وَشَرْحِ الْمَنْهَجِ وَالتَّصْحِيحِ وَغَيْرِهَا لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَإِخْوَانِنَا السَّادَةِ الْأَفَاضِلِ الْمُعَاصِرِينَ عَلَى اخْتِلَافِ تَنَوُّعِهَا، فَأَخَذْت زُبْدَهَا وَدُرَرَهَا، وَمَرَرْت عَلَى رِيَاضٍ جُمْلَةً مِنْهَا عَلَى كَثْرَةِ عَدَدِهَا، وَاقْتَطَفْت ثَمَرَهَا وَزَهْرَهَا، وَغُصْت بِحَارَهَا فَاسْتَخْرَجْت جَوَاهِرَهَا وَدُرَرَهَا، فَلِهَذَا تَحَصَّلَ فِيهِ مِنْ الْعُلُومِ وَالْفَوَائِدِ مَا تُبَتُّ عِنْدَهُ الْأَعْنَاقُ بَتًّا، وَتَجَمَّعَ فِيهِ مَا تَفَرَّقَ فِي مُؤَلَّفَاتٍ شَتَّى، عَلَى أَنِّي لَا أَبِيعُهُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَلَا ادَّعَى أَنَّهُ جَمَعَ سَلَامَةَ كَيْفٍ وَالْبَشَرُ مَحَلُّ النَّقْصِ بِلَا رَيْبٍ وَسَتَفْتَرِقُ النَّاسُ فِيهِ ثَلَاثَ فِرَقٍ:
فِرْقَةٌ تَعْرِفُ شَمْسَ مَحَاسِنِهِ وَتُنْكِرُهَا، وَتَجْتَلِي عَرَائِسَهُ وَتَلْتَقِطُ فَوَائِدَهُ وَكَأَنَّهَا لَا تُبْصِرُهَا، ثُمَّ تَتَشَعَّبُ قَبِيلَتَيْنِ خَيْرُهُمَا لَا تَنْطِقُ بِرُؤْيَتِهِ وَلَا تَذْكُرُهَا، وَالْأُخْرَى تَبِيتُ مِنْهُ فِي نَعَمٍ وَتُصْبِحُ تُكَفِّرُهَا
وَأَظْلَمُ أَهْلِ الظُّلْمِ مَنْ بَاتَ حَاسِدًا
…
لِمَنْ بَاتَ فِي نَعْمَائِهِ يَتَقَلَّبُ
لَعِبَ بِهَا شَيْطَانُ الْحَسَدِ وَشَدَّ وِثَاقَهَا الَّذِي لَا يُوثَقُ بِهِ بِحَبْلٍ مِنْ مَسَدٍ وَتَصَرَّفَ فِيهَا وَالشَّيْطَانُ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ فِي الْجَسَدِ، تَصَرَّفَ فِيهِمْ فَنَوَى كُلٌّ مِنْهُمْ السُّوءَ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى وَتَحَكَّمَ فَغَوَى بِحُكْمِهِ مَنْ غَوَى وَجَرَى بِهِمْ فِي مَيْدَانِ الْحَسَدِ حَتَّى صُرِفَ عَنْ الْهُدَى.
وَآخَرُ مِنْ فِئَةٍ ثَانِيَةٍ يَسْمَعُ كَلَامَهُ وَلَا يَفْهَمُهُ، وَيَسْبَحُ فِي بَحْرِهِ وَلَا يَعْلَمُهُ، وَيُصْبِحُ ظَمْآنًا وَفِي الْبَحْرِ فَمُهُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُفْتَقَدُ حُضُورُهُ إذَا غَابَ، وَلَا يُؤَهَّلُ لَأَنْ يُعَابَ إذَا عَابَ:
وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا
…
وَآفَتُهُ مِنْ الْفَهْمِ السَّقِيمِ
وَآخَرُ مِنْ فِئَةٍ ثَالِثَةٍ يَغْتَرِفُ مِنْ بَحْرِهِ وَيَعْتَرِفُ بِبِرِّهِ وَبِرِّهِ، وَيَقْتَطِفُ مِنْ زَهْرِهِ مَا هُوَ أَزْهَرُ مِنْ الْأُفُقِ وَزَهْرِهِ، وَيَلْزَمُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ (قَوْلُهُ: أَسَّسْت فِيهِ) أَيْ ذَكَرْت
وَفِي الْمِصْبَاحِ أَسَّسْته تَأْسِيسًا جَعَلْت لَهُ أَسَاسًا: أَيْ أَصْلًا (قَوْلُهُ: وَعُبَابُ الْمَنْقُولِ) أَيْ بَحْرُهُ (قَوْلُهُ: مَخَّضْت فِيهِ إلَخْ) أَيْ انْتَخَبْتهَا وَأَخَذْت خَالِصَهَا مِنْ مَخَّضْت اللَّبَنَ إذَا أَخَذْت زُبْدَهُ مِنْ بَابِ قَطَعَ وَنَصَرَ وَضَرَبَ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَشَرْحَيْ الْبَهْجَةِ وَالرَّوْضِ) أَيْ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ رحمه الله (قَوْلُهُ: الْأَفَاضِلِ الْمُعَاصِرِينَ) أَيْ كَابْنِ حَجَرٍ وَالْخَطِيبِ (قَوْلُهُ: مَا تُبَتُّ عِنْدَهُ إلَخْ) أَيْ تُقْطَعُ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَيْهِ أَيْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَاظِرَهُ هَلَكَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ عَجْزِهِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا تَنْطِقُ بِرُؤْيَتِهِ) وَفِي نُسْخَةٍ بِرِيبَةٍ: أَيْ بِتُهْمَةٍ لَهُ فِيمَا نَقَلَهُ (قَوْلُهُ: لِمَنْ بَاتَ فِي نَعْمَائِهِ يَتَقَلَّبُ) فَاعِلُ يَتَقَلَّبُ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلَى مَنْ بَاتَ حَاسِدًا وَالْمَعْنَى: مَنْ بَاتَ يَتَقَلَّبُ فِي نِعَمِ شَخْصٍ أَوْلَاهَا إلَيْهِ وَهُوَ يَحْسُدُ ذَلِكَ الْمُنْعِمَ فَهُوَ أَظْلَمُ أَهْلِ الظُّلْمِ (قَوْلُهُ: بِحَبْلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَشَدَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَنَوَى كُلٌّ مِنْهُمْ السُّوءَ) أَيْ بِأَنْ نَوَى فِي نَفْسِهِ انْتِقَاصَهُ فَذَكَرَ لَهُ مَسَاوِيَ لَيْسَتْ مُطَابِقَةً لِلْوَاقِعِ حَسَدًا وَإِرَادَةَ أَنَّ النَّاسَ يَتْرُكُونَهُ (قَوْلُهُ فِي مَيْدَانِ الْحَسَدِ إلَخْ) الْمَيْدَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ: حَتَّى صُرِفَ عَنْ الْهُدَى)
ــ
[حاشية الرشيدي]
بِالْإِتْمَامِ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَنْشَأَ الْخُطْبَةَ فِي خِلَالِ الشَّرْحِ وَكَانَ قَدْ أَسَّسَ فِيهِ مَا يَأْتِي، فَقَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي أَسَّسْت إلَى آخِرِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَعْضِ (قَوْلُهُ: وَصَوَابُ كُلِّ قَوْلٍ مَقْبُولٍ) الْإِضَافَةُ فِيهِ بَيَانِيَّةٌ، وَإِلَّا اقْتَضَى أَنَّ الْمَقْبُولَ مِنْهُ صَوَابٌ وَغَيْرُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَأَخَذْت زَبَدَهَا وَدِرَرَهَا) بِكَسْرِ الدَّالِ جَمْعُ دَرٍّ بِالْفَتْحِ (قَوْلُهُ: مِنْ شُرُوحِ الْكِتَابِ إلَخْ) لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مِنْ فِيهِ بَيَانِيَّةً؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَخَّصَ فِيهِ جَمِيعَ شُرُوحِ الْمِنْهَاجِ، وَالْإِرْشَادِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ أَوْ الِابْتِدَاءِ، لَكِنْ لَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ: وَشَرْحَيْ الْبَهْجَةِ إلَخْ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: خَيْرَهُمَا لَا تَنْطِقُ إلَخْ) أَيْ مَعَ أَنَّهَا مُنْكِرَةٌ لِمَحَاسِنِهِ إذْ هُوَ الْمُقْسِمُ، فَمَعْنَى الْإِنْكَارِ حِينَئِذٍ عَدَمُ الِاعْتِرَافِ أَعَمُّ مِنْ الرَّمْيِ بِالْقَبِيحِ وَعَدَمِهِ، وَلْيُنْظَرْ الْفَرْقُ حِينَئِذٍ بَيْنَ إحْدَى الْقَبِيلَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى، فَإِنَّ الْكُفْرَ اللُّغَوِيَّ الَّذِي هُوَ مُرَادٌ فِيهَا مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ فَلْيُحَرَّرْ.
(قَوْلُهُ: فِي مَيْدَانِ الْحَسَدِ) الْأَوْلَى مَيْدَانِ الضَّلَالِ (قَوْلُهُ: أَزْهَرُ مِنْ الْأُفُقِ وَزُهُورُهُ) أَيْ إضَاءَتُهُ، وَفِي نُسَخٍ وَزَهْرُهُ
الثَّنَاءُ عَلَيْهِ لُزُومَ الْخُطَبِ لِلْمَنَابِرِ وَالْأَقْلَامِ لِلْمَحَابِرِ وَالْأَفْكَارِ لِلْخَوَاطِرِ، وَهَذِهِ الْفِرْقَةُ عَزِيزَةُ الْوُجُودِ، وَلَئِنْ وُجِدَتْ فَلَعَلَّهَا بَعْدَ سَكَنِ الْمُؤَلِّفِ اللُّحُودَ:
وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ
…
طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ
لَوْلَا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ
…
مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ الْعُودِ
فَالْحَسَدَةُ قَوْمٌ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الْجَهْلُ وَطَمَّهُمْ وَأَعْمَاهُمْ حُبُّ الرِّيَاسَةِ وَأَصَمَّهُمْ، قَدْ نُكِبُوا عَنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَنَسُوهُ، وَأَكَبُّوا عَلَى عِلْمِ الْفَلَاسِفَةِ وَتَدَارَسُوهُ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ مِنْهُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَيَأْبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يَزِيدَهُ تَأْخِيرًا وَيَبْغِي الْعِزَّةَ وَلَا عِلْمَ عِنْدَهُ، فَلَا يَجِدُ لَهُ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا تَرَى إلَّا أُنُوفًا مُشَمِّرَةً وَقُلُوبًا عَنْ الْحَقِّ مُسْتَكْبِرَةً، وَأَقْوَالًا تَصْدُرُ عَنْهُمْ مُفْتَرَاةً مُزَوَّرَةً، كُلَّمَا هَدَيْتهمْ إلَى الْحَقِّ كَانَ أَصَمَّ وَأَعْمَى لَهُمْ، كَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُوَكِّلْ بِهِمْ حَافِظِينَ يَضْبِطُونَ أَقْوَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ، فَالْعَالِمُ بَيْنَهُمْ مَرْجُومٌ تَتَلَاعَبُ بِهِ الْجُهَّالُ وَالصِّبْيَانُ، وَالْكَامِلُ عِنْدَهُمْ مَذْمُومٌ دَاخِلٌ فِي كِفَّةِ النُّقْصَانِ.
وَاَيْمُ اللَّهِ إنَّ هَذَا لَهْوُ الزَّمَانُ الَّذِي يَلْزَمُ فِيهِ السُّكُوتُ وَالْمَصِيرُ جِلْسًا مِنْ أَجْلَاسِ الْبُيُوتِ وَرَدُّ الْعِلْمَ إلَى الْعَمَلِ، لَوْلَا مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْأَخْبَارِ «مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ حَيْثُ قَالَ:
ادْأَبْ عَلَى جَمْعِ الْفَضَائِلِ جَاهِدًا
…
وَأَدِمْ لَهَا تَعَبَ الْقَرِيحَةِ وَالْجَسَدْ
وَاقْصِدْ بِهَا وَجْهَ الْإِلَهِ وَنَفْعَ مَنْ
…
بَلَغَتْهُ مِمَّنْ تَرَاهُ قَدْ اجْتَهَدْ
وَاتْرُكْ كَلَامَ الْحَاسِدِينَ وَبَغْيَهُمْ
…
هَمَلًا فَبَعْدَ الْمَوْتِ يَنْقَطِعُ الْحَسَدْ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ مَنْ غَوَى (قَوْلُهُ: أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودٍ) أَيْ هَيَّأَ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: تَاحَ لَهُ الشَّيْءُ يَتُوحُ تَهَيَّأَ كَتَاحَ يَتِيحُ وَأَتَاحَهُ اللَّهُ فَأُتِيحَ اهـ (قَوْلُهُ عَرْفِ الْعُودِ) هُوَ بِالْفَتْحِ. قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: وَالْعَرْفُ الرِّيحُ طَيِّبَةً أَوْ مُنْتِنَةً اهـ (قَوْلُهُ فَالْحَسَدَةُ قَوْمٌ غَلَبَ عَلَيْهِمْ إلَخْ) مِنْ هُنَا إلَى آخِرِ الْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ آخِرِ الْإِتْقَانِ لِلسُّيُوطِيِّ بِرُمَّتِهِ وَحُرُوفِهِ (قَوْلُهُ: قَدْ نَكَبُوا عَنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ) أَيْ تَحَوَّلُوا وَبَابُهُ نَصَرَ (قَوْلُهُ: إلَّا أُنُوفًا مُشَمِّرَةً) أَيْ مَرْفُوعَةً. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: شَمَّرَ ثَوْبَهُ رَفَعَهُ: أَيْ فَالْفَاعِلُ رَافِعٌ وَالْمَفْعُولُ مَرْفُوعٌ (قَوْلُهُ: أَقْوَالُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ) وَفِي نُسْخَةٍ وَأَعْمَالُهُمْ (قَوْلُهُ: فَالْعَالِمُ بَيْنَهُمْ مَرْجُومٌ) كَذَا فِي النُّسَخِ، وَاَلَّذِي فِي الْإِتْقَانِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مَوْجُومٌ بِالْوَاوِ. قَالَ فِي الْمَطَالِعِ: وَجَمَ يَجِمُ وُجُومًا وَهُوَ ظُهُورُ الْحُزْنِ وَتَقْطِيبُ الْوَجْهِ مَعَ تَرْكِ الْكَلَامِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: دَاخِلٌ فِي كِفَّةِ النُّقْصَانِ) بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَاَيْمُ اللَّهِ) أَيْ يَمِينُ اللَّهِ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: ايْمُنُ اسْمٌ اُسْتُعْمِلَ فِي الْقَسَمِ وَالْتُزِمَ رَفْعُهُ كَمَا اُلْتُزِمَ رَفْعُ لَعَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يُخْتَصَرُ مِنْهُ فَيُقَالُ وَاَيْمُ اللَّهِ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ (قَوْلُهُ: مِنْ أَجْلَاسِ الْبُيُوتِ) كِنَايَةٌ عَنْ مُلَازَمَةِ الْبُيُوتِ وَهُوَ بِالْجِيمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمُهْمَلَةِ، وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ فِي فَصْلِ الْحَاءِ مِنْ بَابِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ حِلْسُ الْبَيْتِ كِسَاءٌ يُبْسَطُ تَحْتَ حُرِّ الثِّيَابِ، وَفِي الْحَدِيثِ «كُنْ حِلْسَ بَيْتِك» أَيْ لَا تَبْرَحْ مِنْهُ انْتَهَى، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ نُسْخَةَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَوْلَى لِمُطَابَقَتِهَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ. وَفِي الْمُخْتَارِ أَيْضًا فِي فَصْلِ الْجِيمِ مِنْ بَابِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ: وَرَجُلٌ جُلَسَةٌ بِوَزْنِ هُمَزَةٍ: أَيْ كَثِيرُ الْجُلُوسِ، وَالْجِلْسَةُ بِالْكَسْرِ الْحَالُ الَّتِي يَكُونُ الْجَالِسُ عَلَيْهَا وَجَالَسَهُ فَهُوَ جِلْسُهُ وَجَلِيسُهُ كَمَا تَقُولُ خِدْنُهُ وَخَدِينُهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ هُنَا أَيْضًا لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ (قَوْلُهُ: وَرَدَّ الْعِلْمَ إلَى الْعَمَلِ) أَيْ قَصَرَهُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ لِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ تَعَبَ الْقَرِيحَةِ) أَيْ الطَّبْعِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْقَرِيحَةُ أَوَّلُ مَاءٍ
ــ
[حاشية الرشيدي]
فِي هَذَا وَفِيمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَجِيءِ مَصْدَرِ زَهَرَهُ عَلَى زَهْرٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ مَصْدَرِ فَعَلَ الْقَاصِرِ إنَّمَا هُوَ الْفُعُولُ (قَوْلُهُ: وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نَشْرَ فَضِيلَةٍ إلَخْ) كَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْقَبِيلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْفِرْقَةِ الْأُولَى (قَوْلُهُ: وَأَفْعَالَهُمْ) فِي نُسْخَةٍ، وَأَعْمَالَهُمْ، وَهِيَ الْأَنْسَبُ (قَوْلُهُ: حُلُسًا) فِي الصِّحَاحِ:، وَأَحْلَاسُ الْبُيُوتِ مَا يُبْسَطُ تَحْتَ حَرِّ
وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى إتْمَامَ هَذَا التَّوْضِيحِ عَلَى أُسْلُوبٍ بَدِيعٍ وَسَبِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى كَثِيرٍ مِنْ أَبْنَاءِ الزَّمَانِ مَنِيعٍ، مَعَ أَنَّ الْفِكْرَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ مَقْطُوعٌ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَيَسُّرُ صَرْفِ النَّظَرِ لَهُ إلَّا سَاعَةً فِي الْأُسْبُوعِ، هَذَا وَأَنَا مُعْتَرِفٌ بِالْعَجْزِ وَالْقُصُورِ، سَائِلٌ فَضْلَ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَنْ يُصْلِحَ مَا يَبْدُو لَهُ مِنْ فُطُورٍ، وَأَنْ يَصْفَحَ عَمَّا فِيهِ مِنْ زَلَلٍ، وَأَنْ يُنْعِمَ بِإِصْلَاحِ مَا يُشَاهِدُهُ مِنْ خَلَلٍ، مُسْبِلًا عَلَيَّ ذَيْلَ كَرَمِهِ، مُتَأَمِّلًا كَلِمَهُ قَبْلَ إجْرَاءِ قَلَمِهِ، مُسْتَحْضِرًا أَنَّ الْإِنْسَانَ مَحَلُّ النِّسْيَانِ، وَأَنَّ الصَّفْحَ عَنْ عَثَرَاتِ الضِّعَافِ مِنْ شِيَمِ الْأَشْرَافِ، وَأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، فَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ حَيْثُ قَالَ:
وَمَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا
…
كَفَى الْمَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهُ
وَسَمَّيْته: نِهَايَةُ الْمُحْتَاجِ إلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ رَاجِيًا أَنَّ الْمُقْتَصِرَ عَلَيْهِ يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ مُطَالَعَةِ مَا سِوَاهُ مِنْ أَمْثَالِهِ، وَأَنْ يُدْرِكَ بِهِ مَا يَرْجُوهُ مِنْ آمَالِهِ، وَلَا يَمْنَعُ الْوَاقِفَ عَلَيْهِ دَاءُ الْحَسَدِ أَخْذَ مَا فِيهِ بِالْقَبُولِ، وَلَا اسْتِصْغَارَ مُؤَلِّفِهِ وَقَصْرِ نَظَرِهِ فِي النُّقُولِ، فَقَدْ قَالَ الْقَائِلُ:
لَا زِلْت مِنْ شُكْرِي فِي حُلَّةٍ
…
لَابِسُهَا ذُو سَلَبٍ فَاخِرِ
يَقُولُ مَنْ تَطْرُقُ أَسْمَاعُهُ
…
كَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ
فَلَيْسَ لِكِبَرِ السِّنِّ يَفْضُلُ الْفَائِلُ، وَلَا لِحِدْثَانِهِ يُهْتَضَمُ الْمُصِيبُ، وَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ الْكَلَامِ أَوَّلُ قَائِلٍ فَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ حَيْثُ قَالَ:
وَإِنِّي وَإِنْ كُنْت الْأَخِيرَ زَمَانُهُ
…
لَآتٍ بِمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الْأَوَائِلُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
يُسْتَنْبَطُ مِنْ الْبِئْرِ كَالْقَرْحِ وَأَوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ وَمِنْك طَبْعُك (قَوْلُهُ: أَنْ يُصْلِحَ مَا يَبْدُو لَهُ مِنْ فُطُورٍ) أَيْ خَلَلٍ مِنْ فَطَرَهُ إذَا شَقَّهُ: أَيْ خَلَّلَهُ، وَهَذَا مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ كِنَايَةٌ عَنْ طَلَبِ مُحَاوَلَةِ الْأَجْوِبَةِ عَمَّا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إذْنًا فِي تَغْيِيرِ كُتُبِهِمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَوْ انْفَتَحَ ذَلِكَ الْبَابُ لَبَطَلَ الْوُثُوقُ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ طَالَعَ وَظَهَرَ لَهُ شَيْءٌ غَيَّرَ إلَى مَا ظَهَرَ لَهُ وَيَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِ يَفْعَلُ مِثْلَهُ، وَهَكَذَا فَلَا يُوثَقُ بِنِسْبَةِ شَيْءٍ إلَى الْمُؤَلِّفِينَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَا وَجَدَهُ مُثْبَتًا فِي كَلَامِهِمْ يَكُونُ مِنْ إصْلَاحِ بَعْضِ مَنْ وَقَفَ عَلَى كُتُبِهِمْ، وَلَا يُنَافِي مَا قَرَّرْنَاهُ قَوْلُهُ قَبْلَ إجْرَاءِ قَلَمِهِ الْمُشْعِرُ بِأَنَّهُ يُصْلِحُ مَا فِيهِ حَقِيقَةً لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْأَمْرَ بِالتَّأَمُّلِ قَبْلَ إظْهَارِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ. هَذَا وَلَيْسَ كُلُّ اعْتِرَاضٍ سَائِغًا مِنْ الْمُعْتَرِضِ، وَإِنَّمَا يَسُوغُ لَهُ اعْتِرَاضٌ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ كَمَا قَالَهُ الْأَبْشِيطِيُّ، وَعِبَارَتُهُ: لَا يَنْبَغِي لِمُعْتَرِضٍ اعْتِرَاضٌ إلَّا بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَةِ شُرُوطٍ، وَإِلَّا فَهُوَ آثِمٌ مَعَ رَدِّ اعْتِرَاضِهِ عَلَيْهِ: كَوْنِ الْمُعْتَرِضِ أَعْلَى أَوْ مُسَاوِيًا لِلْمُعْتَرَضِ عَلَيْهِ، وَكَوْنِهِ يَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ شَخْصٍ مَعْرُوفٍ، وَكَوْنِهِ مُسْتَحْضِرًا لِذَلِكَ الْكَلَامِ، وَكَوْنِهِ قَاصِدًا لِلصَّوَابِ فَقَطْ، وَكَوْنِ مَا اعْتَرَضَهُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ وَجْهٌ فِي التَّأْوِيلِ إلَى الصَّوَابِ انْتَهَى.
أَقُولُ: وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُجْرِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ مَنْ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ بِمَرَاحِلَ مَا لَا يُجْرِيهِ عَلَى لِسَانِ الْأَفْضَلِ (قَوْلُهُ: مِنْ شِيَمِ الْأَشْرَافِ) أَيْ خِصَالِهِمْ (قَوْلُهُ: كَفَى الْمَرْءُ نُبْلًا) أَيْ شَرَفًا وَفَضْلًا وَهُوَ بِضَمِّ النُّونِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: مَنْ تَطْرُقُ) فِي نُسْخَةٍ مَنْ تَقْرَعُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ، فَالضَّمِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ رَاجِعٌ لِلشُّكْرِ، وَعَلَى الثَّانِي لِلْحُلَّةِ (قَوْلُهُ: يَفْضُلُ الْفَائِلُ) هُوَ بِالْفَاءِ مَعْنَاهُ الْمُخْطِئُ فِي رَأْيِهِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ فِي فَصْلِ الْفَاءِ مِنْ بَابِ اللَّامِ: قَالَ رَأْيُهُ يَفِيلُ فُيُولَةً وَفَيْلَةً أَخْطَأَ وَضَعُفَ كَتَفَيَّلَ، وَفَيَّلَ رَأْيَهُ قَبَّحَهُ وَخَطَّأَهُ، وَرَجُلٌ فِيلُ الرَّأْيِ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ وَكَكَيِّسٍ، وَفَالُهُ وَفَائِلُهُ وَفَالٌ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ ضَعِيفَةٌ وَالْجَمْعُ أَفْيَالٌ، وَفِي رَأْيِهِ فَيَالَةٌ وَفُيُولَةٌ وَمُفَايَلَةٌ، وَالْفِيَالُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ لُعْبَةٌ وَتَقَدَّمَ فِي فَأَلَ، فَإِذَا أَخْطَأَ قِيلَ قَالَ رَأْيُك انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ بِالْفَاءِ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ يُهْتَضَمُ الْمُصِيبُ (قَوْلُهُ: وَلَا لَحِدْثَانِهِ) أَيْ صِغَرِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنِّي وَإِنْ كُنْت الْأَخِيرَ زَمَانُهُ) مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الثِّيَابِ (قَوْلُهُ: الْفَائِلُ) هُوَ بِالْفَاءِ أَيْ الْمُخْطِئُ فِي رَأْيِهِ
وَلَقَدْ أَجَادَ الْقَائِلُ فِي قَوْلِهِ:
إنِّي لَأَرْحَمُ حَاسِدِيَّ لِفَرْطِ مَا
…
ضَمَّتْ صُدُورُهُمْ مِنْ الْأَوْغَارِ
نَظَرُوا صَنِيعَ اللَّهِ بِي فَعُيُونُهُمْ
…
فِي جَنَّةٍ وَقُلُوبُهُمْ فِي نَارِ
لَا ذَنْبَ لِي قَدْ رُمْت كَتْمَ فَضَائِلِي
…
فَكَأَنَّمَا بَرْقَعْتهَا بِنَهَارِ
وَهَذِهِ الْإِطَالَةُ مِنْ بَابِ الْإِرْشَادِ وَالدَّلَالَةِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ حَسَدٍ يَسُدُّ بَابَ الْإِنْصَافِ، وَأَجَارَنَا مِنْ الْجَوْرِ وَالِاعْتِسَافِ وَلَمَّا كَانَتْ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَقَرِيبًا كُلُّ مَا هُوَ آتٍ، نَوَيْت بِهِ الثَّوَابَ يَوْمَ النُّشُورِ وَطَمَعًا فِي دَعْوَةِ عَبْدٍ صَالِحٍ إذَا صِرْت مُنْجَدِلًا فِي الْقُبُورِ، لَا الثَّنَاءَ عَلَى ذَلِكَ فِي دَارِ الْغُرُورِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّأَسِّي بِكِتَابِ اللَّهِ سُنَّةٌ مُتَحَتِّمَةٌ وَالْعَمَلُ بِالْخَبَرِ الْآتِي طَرِيقَةٌ مُلْتَزَمَةٌ، وَهَذَا التَّأْلِيفُ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهَا وَفَيْضٌ مِنْ أَنْوَارِهَا، فَلِذَلِكَ جَرَى الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ وَالطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ فَقَالَ:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) الْبَاءُ فِيهَا قِيلَ إنَّهَا زَائِدَةٌ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ، أَوْ لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفِ اسْمِ فَاعِلٍ خَبَرِ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ فِعْلٍ: أَيْ أُؤَلِّفُ أَوْ أَبْدَأُ، أَوْ حَالٍ مِنْ فَاعِلِ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ: أَيْ أَبْتَدِئُ مُتَبَرِّكًا وَمُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ، أَوْ مَصْدَرٍ مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ: أَيْ ابْتِدَائِي بِسْمِ اللَّهِ ثَابِتٌ، وَلَا يَضُرُّ عَلَى هَذَا حَذْفُ الْمَصْدَرِ وَإِبْقَاءُ مَعْمُولِهِ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَسَّعُ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مَا لَا يُتَوَسَّعُ فِي غَيْرِهِمَا، وَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ هَا هُنَا أَوْقَعُ كَمَا فِي قَوْلِهِ {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا} [هود: 41] وَقَوْلُهُ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] لِأَنَّهُ أَهَمُّ وَأَدَلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَأَدْخَلُ فِي التَّعْظِيمِ وَأَوْفَقُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فَاعِلُ الْأَخِيرِ بِمَعْنَى الَّذِي تَأَخَّرَ زَمَانُهُ وَتَجُوزُ فِيهِ الْإِضَافَةُ (قَوْلُهُ: مِنْ الْأَوْغَارِ) أَيْ حَرَارَاتِ الصُّدُورِ (قَوْلُهُ: طَرِيقَةٌ مُلْتَزَمَةٌ) أَيْ بَيْنَ الْقَوْمِ (قَوْلُهُ: مِنْ آثَارِهَا) أَيْ الطَّرِيقَةِ
(قَوْلُهُ: فَلَا تَحْتَاجُ إلَى مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ) ظَاهِرُ نَفْيِ الْحَاجَةِ صِحَّةُ التَّعَلُّقِ، وَلَيْسَ مُرَادًا؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ الزَّائِدَ وَمَا أَشْبَهَهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ أَصْلًا، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِهَذَا الْإِيهَامِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ يُعَدُّ عَبَثًا عِنْدَ الْبُلَغَاءِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ ارْتِكَابُهُ (قَوْلُهُ: أَوْ لِلِاسْتِعَانَةِ) أَيْ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ فَتَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَمَعْنَاهَا: إمَّا الِاسْتِعَانَةُ وَإِمَّا الْمُصَاحَبَةُ، فَقَوْلُهُ أَوْ لِلِاسْتِعَانَةِ إلَخْ إشَارَةٌ إلَى مَا عُلِمَ أَنَّهُ الْأَصَحُّ (قَوْلُهُ: اسْمُ فَاعِلٍ) أَيْ ذَلِكَ الْمَحْذُوفُ اسْمُ فَاعِلٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ) تَقْدِيرُهُ ابْتِدَائِي كَائِنٌ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا عَمَلَ لِلْمَصْدَرِ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ (قَوْلُهُ: أَيْ أُؤَلِّفُ أَوْ أَبْدَأُ) وَالْجَارُّ حِينَئِذٍ ظَرْفُ لَغْوٍ (قَوْلُهُ: وَلَا يَضُرُّ عَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى الْأَخِيرِ: أَمَّا عَلَى غَيْرِهِ فَلَا عَمَلَ لِلْمَصْدَرِ فِيهِ حَتَّى يَعْتَذِرَ عَنْهُ (قَوْلُهُ: وَإِبْقَاءُ مَعْمُولِهِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ اسْمِ فَاعِلٍ إلَخْ أَنَّهُ ثَمَّ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ اسْمِ الْفَاعِلِ الْوَاقِعِ خَبَرًا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ مِنْ كَلَامِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ الْمُقَدَّرَ حَيْثُ جُعِلَ خَبَرًا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَانَ التَّامَّةِ، وَهُنَا مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الْمُبْتَدَإِ وَالْخَبَرُ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ مَحْذُوفٌ (قَوْلُهُ: وَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ هَا هُنَا) هُوَ بِسْمِ اللَّهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ) أَيْ كَالتَّقْدِيمِ فِي قَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ إلَخْ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَطَمَعًا) لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْدِيرِ عَامِلٍ أَيْ وَطَمِعْت طَمَعًا (قَوْلُهُ: التَّأَسِّي بِكِتَابِ اللَّهِ سُنَّةٌ) إنْ أُرِيدَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ فَقَوْلُهُ مُتَحَتِّمَةٌ عَلَى إطْلَاقِهِ وَإِنْ أُرِيدَ فِي الْبُدَاءَةِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِالْمَقَامِ فَقَوْلُهُ مُتَحَتِّمَةٌ بِمَعْنَى مُتَأَكِّدَةٍ وَعَبَّرَ بِهِ مُبَالَغَةً وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ مُلْتَزَمَةٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْتَزَمَهَا النَّاسُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ آثَارِهَا) الضَّمِيرُ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ لِلسُّنَّةِ وَالطَّرِيقَةِ اللَّتَيْنِ هُمَا التَّأَسِّي، وَالْعَمَلُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّأَسِّي، وَالْعَمَلَ بِمَا ذَكَرَهُمَا الْبُدَاءَةُ بِالْبَسْمَلَةِ فَيَنْحَلُّ الْكَلَامُ إلَى قَوْلِنَا هَذَا التَّأْلِيفُ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ الْبُدَاءَةِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَهُوَ وَإِنْ صَحَّ بِأَنْ يُقَالَ إنَّهُ إنَّمَا تَيَسَّرَ لِلْمُصَنِّفِ لِبُدَاءَتِهِ إيَّاهُ بِالْبَسْمَلَةِ، فَهُوَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ مَا ذُكِرَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُلَاقِيهِ قَوْلُهُ: بَعْدُ فَلِذَلِكَ جَرَى الْمُصَنِّفُ إلَخْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهَا أَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي هِيَ ذَاتُ بَالٍ تُبْدَأُ بِالْبَسْمَلَةِ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ مِنْ مَاصَدَق الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمُتَبَادَرِ
(قَوْلُهُ: لِلِاسْتِعَانَةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قِيلَ لَا عَلَى مَدْخُولِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ الْفِعْلِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَكَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ فِعْلٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ فَاعِلٍ، وَكَوْنُهُ خَبَرًا أَوْ حَالًا احْتِمَالَانِ فِيهِ (قَوْلُهُ: مُتَبَرِّكًا وَمُسْتَعِينًا)
لِلْوُجُودِ، فَإِنَّ اسْمَهُ تَعَالَى مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا كُسِرَتْ الْبَاءُ وَمِنْ حَقِّ الْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ أَنْ تُفْتَحَ لِاخْتِصَاصِهَا بِلُزُومِ الْحَرْفِيَّةِ وَالْجَرِّ، كَمَا كُسِرَتْ لَامُ الْأَمْرِ وَلَامُ الْجَرِّ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُظْهَرِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ لَامِ التَّأْكِيدِ؛ وَالِاسْمُ لُغَةً مَا أَبَانَ عَنْ مُسَمًّى؛ وَاصْطِلَاحًا مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهِ غَيْرِ مُتَعَرِّضٍ بِبِنْيَتِهِ لِزَمَانٍ، وَلَا دَالٌّ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ، وَالتَّسْمِيَةُ جَعْلُ ذَلِكَ اللَّفْظِ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَأَقْسَامُ الِاسْمِ تِسْعَةٌ:
أَوَّلُهَا الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ ذَاتِهِ.
ثَانِيهَا الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ ذَاتِهِ.
ثَالِثُهَا الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ.
رَابِعُهَا الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ إضَافِيَّةٍ فَقَطْ.
خَامِسُهَا الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ.
سَادِسُهَا الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ إضَافِيَّةٍ.
سَابِعُهَا الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ.
ثَامِنُهَا الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ إضَافِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ.
تَاسِعُهَا الْوَاقِعُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَهَمُّ عِلَّةٍ لِقَوْلِهِ أَوْقَعُ، وَقَوْلُهُ وَأَدَلُّ عَطْفٌ عَلَيْهِ وَكَذَا أَدْخَلُ وَأَوْفَقُ، وَقَوْلُهُ وَأَوْفَقُ لِلْوُجُودِ هُوَ مِنْ وَفِقَ أَمْرُهُ: أَيْ وُجِدَ مُوَافِقًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدِيمٌ) أَيْ ذَاتُهُ وَهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ مُقَدَّمٌ (قَوْلُهُ: لِاخْتِصَاصِهَا بِلُزُومِ الْحَرْفِيَّةِ وَالْجَرِّ إلَخْ) أَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْحُرُوفِ فَفِيهِ مَا يَنْفَكُّ عَنْ الْحَرْفِيَّةِ كَالْكَافِ وَمَا يَنْفَكُّ عَنْ الْجَرِّ كَالْوَاوِ، وَإِنَّمَا كَانَ لُزُومُهَا لِهَذَيْنِ مُقْتَضِيًا لِكَسْرِهَا.
قَالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ: أَمَّا الْحَرْفِيَّةُ فَلِأَنَّهَا تَقْتَضِي الْبِنَاءَ عَلَى السُّكُونِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْحَرَكَةِ، وَالْكَسْرُ يُنَاسِبُ الْعَدَمَ لِقِلَّتِهِ، إذْ لَا يُوجَدُ فِي الْفِعْلِ وَلَا فِي غَيْرِ الْمُنْصَرِفِ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَلَا فِي الْحُرُوفِ إلَّا نَادِرًا، وَأَمَّا الْجَرُّ فَلِتَنَاسُبِ حَرَكَتِهَا الَّتِي هِيَ الْكَسْرَةُ عَمَلُهَا الَّذِي لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ وَهُوَ الْجَرُّ الَّذِي هُوَ الْكَسْرَةُ أَصَالَةً انْتَهَى، عَبْدُ الْحَقِّ السَّنْبَاطِيُّ فِي شَرْحِ الْبَسْمَلَةِ.
(قَوْلُهُ: إذَا دَخَلَتْ) أَيْ لَامُ الْجَرِّ (قَوْلُهُ: عَلَى الْمُظْهِرِ) كَمَا فِي قَوْلِك الْمَالُ لِزَيْدٍ (قَوْلُهُ: بَيْنَهُمَا) أَيْ لَامِ الْأَمْرِ وَلَامِ الْجَرِّ (قَوْلُهُ: مَا أَبَانَ عَنْ مُسَمًّى) أَيْ أَظْهَرَ وَكَشَفَ (قَوْلُهُ: مَا دَلَّ) أَيْ لَفْظٌ دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهِ: أَيْ بِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ) خَرَجَ بِهِ الْفِعْلُ (قَوْلُهُ: عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ) خَرَّجَ الْمُرَكَّبَاتِ النَّاقِصَةَ كَالْإِضَافِيَّةِ وَالْمَزْجِيَّةِ (قَوْلُهُ: جَعَلَ ذَلِكَ اللَّفْظَ) خَرَّجَ بِهِ جَعْلَ الْفِعْلِ وَالْحَرْفِ دَالَّيْنِ عَلَى مَعْنَاهُمَا فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا تَسْمِيَةً، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْجَعْلُ وَضْعًا مُطْلَقًا، وَاسْمُ الْإِشَارَةِ فِي ذَلِكَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مَا دَلَّ إلَخْ (قَوْلُهُ وَأَقْسَامُ الِاسْمِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ الْبَارِي أَوْ غَيْرُهُ تِسْعَةٌ.
سُئِلَ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الشَّنَوَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَوْلِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا الشَّيْخِ الْإِمَامِ الشَّارِحِ فِي قَوْلِهِ هُنَا وَأَقْسَامُ الِاسْمِ تِسْعَةٌ أَوَّلُهَا الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ ذَاتِهِ إلَخْ، أَوْضِحُوا الْجَوَابَ عَنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فَرْدًا فَرْدًا عَلَى حَسَبِ الْحَالِ. فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ:
أَوَّلُهَا نَحْوُ زَيْدٌ ذَاتُ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتُهُ.
وَثَانِيهَا نَحْوُ حَيَوَانٌ وَنَاطِقٌ مِنْ قَوْلِك الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ أَوْ نَاطِقٌ.
وَثَالِثُهَا الْعَالِمُ وَالْقَادِرُ.
وَرَابِعُهَا نَحْوُ أَسْمَاءِ الْجِهَاتِ نَحْوُ يَمِينٍ وَشِمَالٍ فَإِنَّهَا لَمْ تُطْلَقْ عَلَى الْأَمَاكِنِ الْمَخْصُوصَةِ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَا تُضَافُ إلَيْهِ.
وَخَامِسُهَا نَحْوُ الْأَزَلِيِّ، وَهُوَ مَا لَا ابْتِدَاءَ لَهُ.
وَسَادِسُهَا نَحْوُ الْمُكَوِّنِ لِلْعَالِمِ وَالْمُوجِدِ لَهُ، فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَهُمْ الْأَشَاعِرَةُ عَلَى أَنَّ التَّكْوِينَ مِنْ الْإِضَافَاتِ وَالِاعْتِبَارَاتِ الْعَقْلِيَّةِ مِثْلُ كَوْنِ الصَّانِعِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَبَعْدَهُ. وَالْحَاصِلُ فِي الْأَزَلِ هُوَ مُبْتَدَأُ التَّخْلِيقِ وَنَحْوُهُ وَهِيَ الْقُدْرَةُ.
وَسَابِعُهَا نَحْوُ وَاجِبِ الْوُجُودِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ وُجُودُهُ مِنْ ذَاتِهِ: أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ مَعْدُومًا وَأَوْجَدَتْهُ ذَاتُهُ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ بِوُجُودٍ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ لَيْسَ مَسْبُوقًا بِالْعَدَمِ، وَلَيْسَ وُجُودُهُ نَاشِئًا مِنْ شَيْءٍ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَخْ، إلَّا إنْ جُعِلَ مَا ذَكَرَ تَفْسِيرًا لَهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَفْهُومَ وَاجِبِ الْوُجُودِ السَّلْبُ وَحْدَهُ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي تَفْسِيرِهِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
حَقُّ الْعِبَارَةِ مُسْتَعِينًا أَوْ مُصَاحِبًا عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ بِاسْمِ اللَّهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدِيمٌ) الضَّمِيرُ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ: وَلَا دَلَّ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ إلَخْ) يَخْرُجُ الْمُرَكَّبُ مِنْهُ
عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ مَجْمُوعِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَإِضَافِيَّةٍ وَسَلْبِيَّةٍ.
وَالِاسْمُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الَّتِي حُذِفَتْ أَعْجَازُهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَبُنِيَتْ أَوَائِلُهَا عَلَى السُّكُونِ وَأُدْخِلَ عَلَيْهَا مُبْتَدَأٌ بِهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ، وَيَشْهَدُ لَهُ تَصْرِيفُهُ عَلَى أَسْمَاءٍ وَأَسَامِيَّ وَسَمَّى وَسَمَّيْت، وَمَجِيءُ سَمَا كَهَدَى لُغَةً فِيهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ مَا سَمَاك وَالْقَلْبُ بَعِيدٌ غَيْرُ مُطَّرِدٍ. وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، وَمِنْ السِّمَةِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَهِيَ الْعَلَامَةُ؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى مُسَمَّاهُ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مَوْجُودٌ لَيْسَ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ فِي وُجُودِهِ وَلَا إيجَادِ مُرَادِهِ إلَى شَيْءٍ.
وَتَاسِعُهَا نَحْوَ لَفْظِ الْجَلَالَةِ فَإِنَّهُ أُطْلِقَ عَلَى الذَّاتِ الْمُسْتَجْمِعِ لِسَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَهِيَ حَقِيقِيَّةٌ نَحْوُ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَإِضَافِيَّةٌ نَحْوُ الْخَلْقِ، وَسَلْبِيَّةٌ نَحْوُ لَيْسَ بِعَرَضٍ وَلَا جِسْمٍ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَلَمًا لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا الذَّاتُ بِالذَّاتِ فَقَدْ يَقْصِدُهُ بِهِ تَبَعًا غَيْرَ الذَّاتِ كَنَحْوِ الْإِلَهِ انْتَهَى بِحُرُوفِهِ.
وَلَمْ أَرَ الثَّامِنَ وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ. أَقُولُ: وَلَعَلَّهُ كَالْأَوَّلِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ سَابِقًا غَيْرَهُ وَهُوَ صِفَةٌ إضَافِيَّةٌ، وَأَنَّهُ لَا يَسْبِقُهُ غَيْرُهُ وَهُوَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ، وَكَالْقَيُّومِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ كَوْنُهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ: أَيْ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ سَلْبٌ، وَمُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ وَهُوَ إضَافَةٌ.
ثُمَّ رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ خَطِّ الشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: فَائِدَةٌ أَقْسَامُ الِاسْمِ تِسْعَةٌ:
أَوَّلُهَا: الِاسْمُ الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ ذَاتِهِ كَسَائِرِ الْأَعْلَامِ.
ثَانِيهَا: الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ ذَاتِهِ كَالْجَوْهَرِ لِلْجِدَارِ وَالْجِسْمِ لَهُ.
ثَالِثُهَا: الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ كَالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ وَالْحَارِّ وَالْبَارِدِ.
رَابِعُهَا: الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ إضَافِيَّةٍ فَقَطْ كَالْمَعْلُومِ وَالْمَفْهُومِ وَالْمَذْكُورِ وَالْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكِ.
خَامِسُهَا: الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ كَأَعْمَى وَفَقِيرٍ وَسَلِيمٍ عَنْ الْآفَاتِ.
سَادِسُهَا: الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ إضَافِيَّةٍ كَعَالِمٍ وَقَادِرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَهَا إضَافَةٌ لِلْمَعْلُومَاتِ وَالْمَقْدُورَاتُ.
سَابِعُهَا: الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ كَقَادِرٍ لَا يَعْجَزُ وَعَالِمٍ لَا يَجْهَلُ.
ثَامِنُهَا: الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ صِفَةٍ إضَافِيَّةٍ مَعَ صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ كَلَفْظَةِ أَوَّلٍ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ سَابِقًا غَيْرَهُ وَهُوَ صِفَةٌ إضَافِيَّةٌ، وَأَنَّهُ لَا يَسْبِقُهُ غَيْرُهُ وَهُوَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ، وَكَالْقَيُّومِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ كَوْنُهُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ: أَيْ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ سَلْبٌ وَمُقَوِّمًا لِغَيْرِهِ وَهُوَ إضَافَةٌ.
تَاسِعُهَا: الْوَاقِعُ عَلَى الشَّيْءِ بِحَسَبِ مَجْمُوعِ صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ وَإِضَافِيَّةٍ وَسَلْبِيَّةٍ كَالْإِلَهِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَوْجُودًا أَزَلِيًّا وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، وَعَلَى الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَعَلَى الصِّفَاتِ الْإِضَافِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِيجَادِ وَالتَّكْوِينِ انْتَهَى كَذَا بِخَطِّ رم اهـ.
(قَوْلُهُ: وَبُنِيَتْ أَوَائِلُهَا إلَخْ) أَيْ وُضِعَتْ سَاكِنَةً، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ مُقَابِلَ الْإِعْرَابِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ ذَاكَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْآخِرِ (قَوْلُهُ وَيَشْهَدُ لَهُ) أَيْ لِمَا قَالَهُ الْبَصْرِيُّونَ (قَوْلُهُ: وَأَسَامِيَّ) الْأَوْلَى عَدَمُ كِتَابَتِهِ بِالْيَاءِ، وَكَأَنَّهُ رَسَمَهُ بِهَا إظْهَارًا لِلْعَجْزِ الْمَحْذُوفِ إنْ جُعِلَ جَمْعًا لِاسْمٍ، أَمَّا إذَا جُعِلَ أَسَامِيُّ جَمْعًا لِأَسْمَاءٍ وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ فَرَسْمُ الْيَاءِ مُتَعَيِّنٌ.
(قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ) إنَّمَا اسْتَدَلَّ عَلَى الْأَخِيرِ دُونَ غَيْرِهِ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُقَالُ إنَّ مَجِيءَ سَمَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لَا يَدُلُّ لِجَوَازِ مَجِيئِهِ عَلَى بَعْضِ لُغَاتِ الِاسْمِ وَأَنَّ أَلِفَهُ مُبْدَلَةٌ مِنْ التَّنْوِينِ.
وَحَاصِلُ التَّوْجِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا ثَبَتَتْ الْأَلِفُ فِيهِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ، بَلْ كَانَ يُقَالُ مَا سُمْكَ بِضَمِّ الْمِيمِ بِلَا أَلِفٍ (قَوْلُهُ: وَالْقَلْبُ بَعِيدٌ) أَيْ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ (قَوْلُهُ: وَمِنْ السِّمَةِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ) وَفِي
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: مُبْتَدَأٌ بِهَا) أَيْ حَالَ كَوْنِهَا: أَيْ الْأَسْمَاءِ مُبْتَدَأٌ بِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا وَصَلَتْ (قَوْلُهُ: عَلَى أَسْمَاءٍ) أَيْ، فَإِنَّ أَصْلَهُ أَسْمَاوٌ، وَوَقَعَتْ الْوَاوُ مُتَطَرِّفَةً إثْرَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ فَقُلِبَتْ هَمْزَةً وَقَوْلُهُ، وَأَسَامِي: أَيْ، فَإِنَّ أَصْلَهُ أَسَامُو قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِتُنَاسِبَ الْكَسْرَةَ (قَوْلُهُ: وَسُمَيٌّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ تَصْغِيرُ اسْمٍ: أَيْ، فَإِنَّ أَصْلَهُ سَمِيُّو اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ، وَالْيَاءُ وَسُبِقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً، وَالتَّكْسِيرُ وَالتَّصْغِيرُ يَرُدَّانِ الْأَشْيَاءَ إلَى أُصُولِهَا.
وَقَوْلُهُ وَسُمِّيَتْ لِبَيَانِ حَذْفِ مُطْلَقِ الْعَجُزِ، وَإِلَّا فَهَذَا التَّصْرِيفُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَائِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: وَمَجِيءُ سُمًّا مُبْتَدَأً خَبَرُهُ لُغَةٌ، وَهُوَ جَوَابٌ عَمَّا أَوْرَدَهُ الْكُوفِيُّونَ عَلَيْهِمْ فِي مَجِيئِهِ غَيْرَ سَاكِنِ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَالْقَلْبُ بَعِيدٌ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهِ الرَّدُّ عَلَى
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَكِنَّهُ فَاسِدٌ مِنْ حَيْثُ التَّصْرِيفِ لِمَا مَرَّ وَأَصْلُهُ وَسَمَ حُذِفَتْ الْوَاوُ وَعُوِّضَ عَنْهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ لِيَقِلَّ إعْلَالُهُ وَرُدَّ بِأَنَّ هَمْزَةَ الْوَصْلِ لَمْ تُعْهَدْ دَاخِلَةً عَلَى مَا حُذِفَ صَدْرُهُ فِي كَلَامِهِمْ وَالِاسْمُ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ فَغَيْرُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ يَتَأَلَّفُ مِنْ أَصْوَاتٍ مُقَطَّعَةٍ غَيْرِ قَارَّةٍ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ وَالْأَعْصَارِ وَيَتَعَدَّدُ تَارَةً وَيَتَّحِدُ أُخْرَى وَالْمُسَمَّى لَا يَكُونُ، كَذَلِكَ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ ذَاتُ الشَّيْءِ فَهُوَ الْمُسَمَّى، لَكِنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهَذَا الْمَعْنَى
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرحمن: 78] فَالْمُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَجِبُ تَنْزِيهُ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنْ النَّقَائِصِ يَجِبُ تَنْزِيهُ الْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ لَهَا عَنْ الرَّفَثِ وَسُوءِ الْأَدَبِ، أَوْ الِاسْمُ فِيهِ مُقْحَمٌ لِلتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الصِّفَةُ كَمَا هُوَ رَأْيُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ انْقَسَمَ انْقِسَامَ الصِّفَةِ عِنْدَهُ: إلَى مَا هُوَ نَفْسُ الْمُسَمَّى كَالْوَاحِدِ وَالْقَدِيمِ، وَإِلَى مَا هُوَ غَيْرُهُ كَالْخَالِقِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الْمَنْهَجِ بَدَلُ هَذِهِ: وَقِيلَ مِنْ الْوَسْمِ انْتَهَى، وَهُمَا مَصْدَرَانِ لِوَسَمَ. قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: وَسَمَهُ مِنْ بَابِ وَعَدَ وَسَمَهُ أَيْضًا انْتَهَى، يَعْنِي يُقَالُ: وَسَمَ يَسِمُ وَسْمًا وَسِمَةً كَمَا يُقَالُ وَعَدَ يَعِدُ وَعْدًا وَعِدَةً، وَعَلَى هَذَا فَحَقِيقَتُهُ وَضْعُ الْعَلَامَةِ لِأَنْفُسِهَا؛ لِأَنَّهَا أَثَرُ الْمَصْدَرِ لَا نَفْسُهُ.
وَفِي ابْنِ حَجَرٍ: وَأَصْلُ الِاسْمِ السُّمُوُّ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ، حُذِفَ عَجُزُهُ وَعُوِّضَ عَنْهُ هَمْزَةُ الْوَصْلِ فَوَزْنُهُ افْعٌ، وَقِيلَ افْلٌ مِنْ السِّيمَا، وَقِيلَ اعْلٌ مِنْ الْوَسْمِ انْتَهَى.
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ مِمَّا حُذِفَتْ عَيْنُهُ لَا فَاؤُهُ وَلَا لَامُهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: مَحْذُوفُ اللَّامِ، وَقِيلَ الْعَيْنِ، وَقِيلَ الْفَاءِ. هَذَا مُرَادُهُ لَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ قَلَاقَةٌ، وَمِنْ ثَمَّ كَتَبَ سَمِّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ وَقِيلَ افْلٌ قَدْ يَدُلُّ ظَاهِرُ الصَّنِيعِ أَنَّهُ فِي حَيِّزِ التَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِهِ حُذِفَ عَجُزُهُ إلَخْ مَعَ مَا قَبْلَهُ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ، إذْ حَذْفُ الْعَجُزِ لَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَزْنَ افْلٌ أَوْ اعْلٌ: أَيْ وَإِنَّمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ افْعٌ فَلْيُجْعَلْ مُسْتَأْنَفًا أَوْ يُعْطَفْ عَلَى قَوْلِهِ وَأَصْلُ اسْمٍ سُمُوٌّ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا) الْإِشَارَةُ إلَى قَوْلِهِ وَمِنْ السِّمَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ تَصْرِيفِهِ عَلَى أَسْمَاءٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالِاسْمُ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ) أَيْ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ هَذَا اللَّفْظُ، وَمِنْهُ لَفْظُ الِاسْمِ فَيَدْخُلُ فِيهِ نَحْوُ الْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالْحَيِّ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ) أَيْ لُغَاتِهِمْ، وَالْأُمَّةُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ: أَتْبَاعُ النَّبِيِّ وَالْجَمْعُ أُمَمٌ مِثْلَ غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ (قَوْلُهُ: وَالْمُسَمَّى لَا يَكُونُ كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ وَالْأَعْصَارِ إلَخْ، وَقَوْلُهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ إلَخْ وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ أَوْ الذَّاتِ عَيْنِهِ: أَيْ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الذَّاتُ فَهُوَ عَيْنُهُ كَمَا لَوْ أَطْلَقَ؛ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ وَرَدَ عَلَى اسْمٍ فَهُوَ عَلَى مَدْلُولِهِ انْتَهَى.
وَهِيَ قَدْ تُنَافِي قَوْلَ الشَّارِحِ إنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ أَنَّهُ بِمَعْنَى الذَّاتِ. وَوَجْهُ الْمُنَافَاةِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ بِمَعْنَى الذَّاتِ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الَّذِي لَمْ يَشْتَهِرْ مَجِيئُهُ بِمَعْنَى الذَّاتِ مَجِيءُ الِاسْمِ بِمَعْنَى الذَّاتِ فِي غَيْرِ اسْتِعْمَالِهِ مَعَ عَامِلٍ كَأَنْ يُقَالَ مَثَلًا: لَفْظُ كَذَا هُوَ الذَّاتُ الْمَخْصُوصَةُ، وَاَلَّذِي كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ بِمَعْنَى الذَّاتِ اسْتِعْمَالُهُ مُرَكَّبًا مَعَ الْعَامِلِ كَقَوْلِك: اللَّهُ الْهَادِي وَمُحَمَّدٌ الشَّفِيعُ، وَقَدْ يُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ كَمَا لَوْ أَطْلَقَ. هَذَا وَقَدْ كَتَبَ سم عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ إلَخْ، قَدْ يُقَالُ لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الدَّلِيلِ عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ لَفْظِ الِاسْمِ الْأَسْمَاءُ كَلَفْظِ اللَّهِ وَلَفْظِ الرَّحْمَنِ لَا نَفْسُ الذَّاتِ فَتَأَمَّلْهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ الذَّاتَ مَدْلُولٌ بِالْوَاسِطَةِ فَإِنَّهَا مَدْلُولُ الْمَدْلُولِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى.
وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْمِ لَفْظُهُ، وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْهَمْزَةِ وَالسِّينِ وَالْمِيمِ، وَعَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا صَدَّقَهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ كَمَا لَوْ أُطْلِقَ لَا يُتَوَجَّهُ مَا ذَكَرَهُ سم (قَوْلُهُ: بِهَذَا الْمَعْنَى) وَهُوَ كَوْنُ الِاسْمِ بِمَعْنَى الْمُسَمَّى
(قَوْلُهُ: الرَّفَثِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: رَفَثَ فِي مَنْطِقِهِ رَفَثًا مِنْ بَابِ طَلَبَ، وَيَرْفِثُ بِالْكَسْرِ لُغَةً أَفْحَشَ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَسُوءِ الْأَدَبِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: أَوْ الِاسْمُ فِيهِ) أَيْ فِي تَبَارَكَ إلَخْ (قَوْلُهُ مُقْحَمٌ) أَيْ زَائِدٌ (قَوْلُهُ: انْقِسَامُ الصِّفَةِ عِنْدَهُ) أَيْ الْأَشْعَرِيِّ (قَوْلُهُ: إلَى مَا هُوَ نَفْسُ الْمُسَمَّى) وَمُرَادُهُمْ بِهِ مَا لَا يَزِيدُ مَفْهُومُهُ عَلَى الذَّاتِ كَالْقَدِيمِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ ذَاتٌ لَا أَوَّلَ لِوُجُودِهَا، فَلَمْ يَدُلَّ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْكُوفِيِّينَ فِي رَدِّهِمْ عَلَى الْبَصْرِيِّينَ مَا مَرَّ عَنْهُمْ بِأَنَّ الْوَاقِعَ فِي التَّصَارِيفِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ قَلْبٌ مَكَانِيٌّ نُقِلَتْ الْوَاوُ مِنْ الصَّدْرِ وَجُعِلَتْ عَجُزًا (قَوْلُهُ: وَأَصْلُهُ وَسْمٌ) أَيْ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرحمن: 78] إلَخْ)
وَالرَّازِقِ، وَإِلَى مَا لَيْسَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ كَالْحَيِّ وَالْعَلِيمِ وَالْقَادِرِ وَالْمُرِيدِ وَالْمُتَكَلِّمِ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ. لَا يُقَالُ: مُقْتَضَى حَدِيثِ الْبَسْمَلَةِ الْآتِي أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظَةِ الْجَلَالَةِ وَلَمْ يَكُنْ بِهَا بَلْ بِلَفْظَةِ بِسْمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: كُلُّ حُكْمٍ وَرَدَ عَلَى اسْمٍ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَدْلُولِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ كَضَرْبٍ فَعْلٍ، فَقَوْلُهُ بِسْمِ اللَّهِ أَبْتَدِئُ: مَعْنَاهُ أَبْتَدِئُ بِمَدْلُولِ اسْمِهِ وَهُوَ لَفْظُ الْجَلَالَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِاَللَّهِ أَبْتَدِئُ. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّكَ وَالِاسْتِعَانَةَ بِذِكْرِ اسْمِهِ أَيْضًا، أَوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالتَّيَمُّنِ، أَوْ لِتَحْصِيلِ نُكْتَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ. وَاَللَّهُ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْمُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فِي أَلْفَيْنِ وَثَلَثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَوْضِعًا؛ وَأَصْلُهُ إلَهٌ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ وَعُوِّضَ عَنْهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ؛ لِأَنَّهُ يُوصَفُ وَلَا يُوصَفُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ اسْمٍ تَجْرِي
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الْقَدِيمُ عَلَى صِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ بَلْ عَلَى سَلْبِ الْأَوَّلِيَّةِ عَنْهُ؛ وَمُرَادُهُمْ بِالْغَيْرِ مَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهُ عَنْ الذَّاتِ بِأَنْ يُمْكِنَ وُجُودُ الذَّاتِ بِدُونِهِ، كَالْخَلْقِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِيجَادِ مِنْ الْعَدَمِ، وَذَاتُهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ مَوْجُودَةٌ غَيْرُ مُتَّصِفَةٍ بِالْإِيجَادِ بِالْفِعْلِ؛ وَمُرَادُهُمْ بِمَا لَيْسَ عَيْنَهُ وَلَا غَيْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَفْهُومُهُ زَائِدًا عَلَى الذَّاتِ بِصِفَةٍ حَقِيقِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِهَا وَلَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهَا عَنْهَا كَالْعَالِمِ، فَإِنَّ مُسَمَّاهُ الذَّاتُ الَّتِي قَامَ بِهَا الْعِلْمُ، فَالْعِلْمُ لَيْسَ عَيْنَ الذَّاتِ وَلَا غَيْرَهَا لِعَدَمِ انْفِكَاكِ الذَّاتِ عَنْهُ فَإِنَّ الْعِلْمَ قَدِيمٌ بِقِدَمِ الذَّاتِ (قَوْلُهُ: مُقْتَضَى حَدِيثِ الْبَسْمَلَةِ الْآتِي) وَإِنَّمَا أُورِدَ هَذَا هُنَا وَإِنْ كَانَ الْأَنْسَبُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ تَأْخِيرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاسْمِ اللَّفْظُ كَانَ ذَلِكَ مَنْشَأَ السُّؤَالِ فَذَكَرَهُ مُتَّصِلًا بِهِ (قَوْلُهُ كَضَرْبٍ) مِثَالٌ لِمَا أُرِيدَ لَفْظُهُ بِالْقَرِينَةِ (قَوْلُهُ وَهُوَ لَفْظٌ) أَيْ مَدْلُولُ لَفْظٍ، وَكَأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْعِلْمُ لِذَاتِهِ تَعَالَى، فَلَا يُقَالُ إنَّ مَدْلُولَ الِاسْمِ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ إضَافَةُ الِاسْمِ مِنْ الِاسْتِغْرَاقِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ التَّبَرُّكَ) أَيْ إشَارَةً؛ لِأَنَّ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِعَانَةُ بِذِكْرِ اسْمِهِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا هُوَ بِذِكْرِ ذَاتِهِ، فَلَيْسَ التَّبَرُّكُ مَقْصُورًا عَلَى الذَّاتِ، بَلْ كَمَا يَكُونُ بِهَا يَكُونُ بِالِاسْمِ (قَوْلُهُ وَالتَّيَمُّنُ) أَيْ التَّبَرُّكُ، وَهَذَا قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ بِسْمِ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ، قَالَ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ: قَوْلُهُ حَذِرًا مِنْ إبْهَامِ الْقَسَمِ قَضَيْته أَنَّ بِسْمِ اللَّهِ لَا تَحْتَمِلُ الْقَسَمَ، وَفِيهِ كَلَامٌ فِي الْأَيْمَانِ انْتَهَى.
وَحَاصِلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشِّهَابُ الْحِجَازِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يَمِينٌ (قَوْلُهُ أَوْ لِتَحْصِيلِ نُكْتَةِ الْإِجْمَالِ) هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ إنْ أُرِيدَ بِالِاسْمِ الْأَعَمُّ مِنْ اسْمِهِ تَعَالَى وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا إنْ أُرِيدَ بِهِ ذَاتُهُ تَعَالَى فَظَاهِرٌ، وَتَكُونُ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ وَلَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ حَذِرًا مِنْ إبْهَامِ الْقَسَمِ، وَلْيَعُمَّ جَمِيعَ أَسْمَائِهِ انْتَهَى.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْإِضَافَةَ حَقِيقِيَّةٌ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْعُمُومُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَأَنَّ نُكْتَةَ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ إنَّمَا تُنَاسِبُ الْأَوَّلَ (قَوْلُهُ: وَاَللَّهُ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي فَهُوَ مُرْتَجَلٌ) قَدْ يُنَافِيَانِ قَوْلَهُ وَأَصْلُهُ إلَخْ، فَإِنَّ ذَاكَ تَوْجِيهٌ لِمَنْ جَعَلَهُ مُشْتَقًّا فَلْيُرَاجَعْ. نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَمٌ عَلَى أَنَّهُ صَارَ كَذَلِكَ بِالْغَلَبَةِ كَمَا قِيلَ بِهِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فَهُوَ مُرْتَجَلٌ لَا يُوَافِقُهُ، وَمِنْ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ فَهُوَ مُرْتَجَلٌ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ زَادَ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُ مِنْ الْأَعْلَامِ الْغَالِبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ أَصْلَهُ الْإِلَهُ انْتَهَى (قَوْلُهُ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمِ) وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ: وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ لَفْظُ اللَّهِ سبحانه وتعالى (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ) أَيْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
جَوَابٌ عَمَّا يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهَذَا الْمَعْنَى كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ: كَيْفَ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهِ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، إذْ الْمُرَادُ بِالِاسْمِ فِيهَا الذَّاتُ بِدَلِيلِ إسْنَادِ تَبَارَكَ إلَيْهِ فَأَجَابَ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَا يُقَالُ: مُقْتَضَى حَدِيثِ الْبَسْمَلَةِ الْآتِي أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظَةِ الْجَلَالَةِ إلَخْ) فِيهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ الْآتِي «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» بِبَاءَيْنِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَالْإِشْكَالُ مَدْفُوعٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى جَوَابٍ.
وَقَوْلُهُ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلذَّاتِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ يُوصَفُ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ السَّابِقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَخْ.
عَلَيْهِ صِفَاتُهُ وَلَا يَصْلُحُ لَهُ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَصْفًا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَوْحِيدًا مِثْلَ لَا إلَهَ إلَّا الرَّحْمَنُ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الشَّرِكَةَ، فَهُوَ مُرْتَجَلٌ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ. وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَتِلْمِيذِهِ الْغَزَالِيِّ وَالْخَطَّابِيِّ وَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَابْنِ كَيْسَانَ وَغَيْرِهِمْ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ أَعْرَفُ الْمَعَارِفِ، فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ فَقَالَ خَيْرًا كَثِيرًا لِجَعْلِي اسْمَهُ أَعْرَفَ الْمَعَارِفِ.
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ، وَنُقِلَ عَنْ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ أَيْضًا وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ أَلَهَ بِمَعْنَى عَبَدَ، وَقِيلَ مِنْ أَلِهَ إذَا تَحَيَّرَ؛ لِأَنَّ الْعُقُولَ تَتَحَيَّرُ فِي مَعْرِفَتِهِ؛ أَوْ مِنْ أَلَهْت إلَى فُلَانٍ: أَيْ سَكَنْت إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقُلُوبَ تَطْمَئِنُّ بِذِكْرِهِ وَالْأَرْوَاحُ تَسْكُنُ إلَى مَعْرِفَتِهِ؛ أَوْ مِنْ أَلِهَ إذَا فَزِعَ مِنْ أَمْرٍ نَزَلَ عَلَيْهِ وَأَلَهَهُ غَيْرُهُ أَجَارَهُ، أَوْ أَلَهَ الْفَصِيلُ إذَا أُولِعَ بِأُمِّهِ؛ أَوْ مِنْ وَلَهَ إذَا تَحَيَّرَ وَتَخَبَّطَ عَقْلُهُ، وَكَأَنَّ أَصْلَهُ وَلَاهَ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ هَمْزَةً لِاسْتِثْقَالِ الْكِسْرَةِ عَلَيْهَا. وَقِيلَ أَصْلُهُ لَاهٍ مَصْدَرُ لَاهَ يَلِيهِ لَيْهًا وَلَاهًا: إذَا احْتَجَبَ وَارْتَفَعَ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَصْفٌ فِي أَصْلِهِ، لَكِنَّهُ لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ وَصَارَ كَالْعَلَمِ أُجْرِيَ مَجْرَاهُ فِي إجْرَاءِ الْأَوْصَافِ عَلَيْهِ وَامْتِنَاعِ الْوَصْفِ بِهِ وَعَدَمِ تَطَرُّقِ احْتِمَالِ الشَّرِكَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَاتَه مِنْ حَيْثُ هِيَ بِلَا اعْتِبَارٍ أَمْرٌ آخَرُ حَقِيقِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِلَفْظٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ عَلَى مُجَرَّدِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ لَمَا أَفَادَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ} [الأنعام: 3] مَعْنًى صَحِيحًا، وَلِأَنَّ مَعْنَى الِاشْتِقَاقِ وَهُوَ كَوْنُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ مُشَارِكًا لِلْآخَرِ فِي الْمَعْنَى وَالتَّرْكِيبِ حَاصِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ انْتَهَى. وَهُوَ عَرَبِيٌّ خِلَافًا لِلْبَلْخِيِّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَرَّبٌ.
وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اسْمَانِ بُنِيَا لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ رَحِمَ بِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
لِذَاتِهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ: وَلَا يَصْلُحُ لَهُ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سِوَاهُ) أَيْ سِوَى لَفْظِ اللَّهِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ إلَخْ) أَيْ قَوْلُهُ لَا إلَهَ إلَّا الرَّحْمَنُ (قَوْلُهُ: وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ) أَيْ كَوْنُهُ عَلَمًا (قَوْلُهُ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ أَلِهَ إلَخْ) أَيْ بِكَسْرِ اللَّامِ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: أَلِهَ يَأْلُهُ مِنْ بَابِ تَعِبَ إلَاهَةً بِمَعْنَى عَبَدَ عِبَادَةً انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَمِثْلُهُ فِي ابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ مِنْ أَلِهَ إلَخْ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: أَلِهَ يَأْلُهُ مِنْ بَابِ تَعِبَ إذَا تَحَيَّرَ وَأَصْلُهُ وَلِهَ يَوْلَهُ انْتَهَى.
وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ أَوْ مِنْ وَلِهَ إذَا تَحَيَّرَ الْإِبْدَالُ هُنَا وَعَدَمُهُ ثُمَّ (قَوْلُهُ إذَا أُولِعَ بِأُمِّهِ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: أُولِعَ بِالشَّيْءِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ يُولَعُ وَلُوعًا بِفَتْحِ الْوَاوِ عَلِقَ بِهِ، فِي لُغَةٍ وَلِعَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا يَلَعُ بِفَتْحِهَا فِيهِمَا مَعَ سُقُوطِ الْوَاوِ وَلْعًا بِسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَكَانَ أَصْلُهُ وَلَاهٍ) أَيْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَخِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ أَوْ مِنْ وَلِهَ إذَا تَحَيَّرَ إلَخْ (قَوْلُهُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ اللَّهَ (قَوْلُهُ: وَصْفٌ) أَيْ مَعْبُودٌ (قَوْلُهُ: مَعْنًى صَحِيحًا) أَيْ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ ذَاتَهُ كَائِنَةٌ فِي السَّمَوَاتِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا جُعِلَ وَصْفًا: فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْمَعْبُودُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا قَالَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ لِإِمْكَانِ جَعْلِ الظَّرْفِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ كَأَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ وَهُوَ اللَّهُ الْمَعْبُودُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ (قَوْلُهُ الْأُصُولُ الْمَذْكُورَةُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ أَلِهَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ عَرَبِيٌّ) أَيْ لَفْظُ اللَّهِ سبحانه وتعالى
(قَوْلُهُ: مِنْ رَحِمَ بِتَنْزِيلِهِ) أَيْ بِأَنْ يَبْقَى عَلَى صِيغَتِهِ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِمَفْعُولٍ كَفُلَانٍ يُعْطِي فَيُقَالُ رَحِمَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: لَا اشْتِقَاقَ لَهُ) يُلَائِمُ قَوْلَهُ فِيمَا مَرَّ وَأَصْلُهُ إلَهٌ إلَخْ الْمُوَافِقُ لِمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ الْآتِي وَفِي قَوْلِهِ مُرْتَجَلٌ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ قَلَاقَةٌ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَوْهَمَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ مَفْهُومُ قَوْلِهِ مُرْتَجَلٌ، وَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ وَغَرَضُهُ أَنَّهُ مُرْتَجَلٌ لَا مَنْقُولٌ جَامِدٌ لَا مُشْتَقٌّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَاتَهُ مِنْ حَيْثُ هِيَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ إذَا وُضِعَ بِإِزَاءِ مُسَمَّى الْإِحَاطَةِ بِكُنْهِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَالْغَرَضُ مِنْ الْوَضْعِ أَنَّهُ إذَا أُطْلِقَ ذَلِكَ الْعِلْمُ فُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ عِلْمُهُ بِوَجْهٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: اسْمَانِ بُنِيَا لِلْمُبَالَغَةِ) يَعْنِي صِفَتَيْنِ مُشَبَّهَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُشَبَّهَةَ هِيَ الَّتِي يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ مِنْ لَازِمٍ وَبِهَا عَبَّرَ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا آثَرَ التَّعْبِيرَ بِاسْمَيْنِ لِيَتَنَزَّلَ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ كَوْنِ الرَّحْمَنِ صَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ لَا صِفَةً، وَمَنْ عَبَّرَ بِصِفَتَيْنِ نَظَرَ إلَى الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: مِنْ رَحِمَ) أَيْ مِنْ مَصْدَرِهِ، وَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِالْفِعْلِ تَقْرِيبًا وَلِضِيقِ الْعِبَارَةِ، إذْ لَيْسَ
أَوْ بِجَعْلِهِ لَازِمًا وَنَقْلِهِ إلَى فَعُلَ بِالضَّمِّ. وَالرَّحْمَةُ لُغَةً: رِقَّةُ الْقَلْبِ وَانْعِطَافٌ يَقْتَضِي التَّفَضُّلَ وَالْإِحْسَانَ، فَالتَّفَضُّلُ غَايَتُهَا، وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَأْخُوذَةُ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ إنَّمَا تُؤْخَذُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ أَفْعَالٌ دُونَ الْمَبَادِي الَّتِي تَكُونُ انْفِعَالَاتٍ؛ فَالرَّحْمَةُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مَعْنَاهَا إرَادَةُ الْإِحْسَانِ فَتَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ، أَوْ الْإِحْسَانُ فَتَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ، فَهُوَ إمَّا مَجَازٌ فِي الْإِحْسَانِ أَوْ فِي إرَادَتِهِ، وَإِمَّا اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
اللَّهُ: أَيْ كَثُرَتْ رَحْمَتُهُ، وَقَوْلُهُ بِجَعْلِهِ لَازِمًا: أَيْ بِأَنْ يُحَوَّلَ مِنْ فَعِلَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ إلَى فَعُلَ بِضَمِّهَا كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَنَقَلَهُ إلَخْ، ثُمَّ مَا ذُكِرَ مِنْ جَعْلِهِ مِنْ رَحِمَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصِّفَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْفِعْلِ وَهُوَ رَأْيٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمَصْدَرِ كَالْفِعْلِ، وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ تَقْدِيرُ مُضَافٍ فِي الْكَلَامِ: أَيْ مِنْ مَصْدَرِ رَحِمَ إلَخْ وَهُوَ الرُّحْمُ بِالضَّمِّ وَإِنْ كَانَ لَهُ مَصْدَرَانِ آخَرَانِ وَهُمَا الرَّحْمَةُ وَالْمَرْحَمَةُ؛ لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ مِنْ الْمَصْدَرِ الْمُجَرَّدِ دُونَ الْمَزِيدِ فِيهِ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ وَنَقْلِهِ إلَى فَعُلَ) عَطْفُ عِلَّةٍ عَلَى مَعْلُولٍ (قَوْلُهُ وَانْعِطَافٌ) عَطْفُ مُسَبَّبٍ عَلَى سَبَبٍ (قَوْلُهُ: مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ كُلِّ مَا اسْتَحَالَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ عَلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى كَالْغَضَبِ وَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُؤْخَذُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَاتِ؛ مَثَلًا الرَّحْمَةُ هِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ غَايَتُهَا الْإِنْعَامُ عَلَى مَنْ رَحِمَهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، ثَانِيهمَا أَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ فَتُحْمَلُ عَلَى إرَادَةِ الْخَيْرِ، فَمَعْنَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلَى الْأَوَّلِ الْمُنْعِمُ وَعَلَى الثَّانِي مُرِيدُ الْإِنْعَامِ دُونَ الْمَبَادِي الَّتِي تَكُونُ انْفِعَالَاتٍ كَرِقَّةِ الْقَلْبِ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى الْقَوْلَيْنِ بِقَوْلِهِ فَالرَّحْمَةُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ فِي إرَادَتِهِ) وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: هُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الْإِحْسَانِ أَوْ إرَادَتِهِ، وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ إمَّا مَجَازٌ مَعْنَاهُ بِحَسَبِ أَصْلِهِ قَبْلَ اشْتِهَارِهِ شَرْعًا فِيمَا ذَكَرَ مِنْ الْغَايَاتِ (قَوْلُهُ وَإِمَّا اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ) وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ التَّمْثِيلِيَّةَ خَاصَّةٌ بِالْمَجَازِ الْمُرَكَّبِ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ كَوْنِ الْمُشَبَّهِ مُنْتَزَعًا مِنْ عِدَّةِ أُمُورٍ، وَكَذَا الْمُشَبَّهُ بِهِ وَوَجْهُ الشَّبَهِ. وَفِي كَلَامِ السَّيِّدِ فِي حَوَاشِي الْكَشَّافِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7] بَعْدَ أَنَّ جَوَّزَ فِي {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7] أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً وَأَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا مَا نَصُّهُ: وَإِذَا حُمِلَ عَلَى التَّمْثِيلِ كَانَ الْمُسْتَعَارُ لَفْظًا مُرَكَّبًا بَعْضُهُ مَلْفُوظٌ وَبَعْضُهُ مَنْوِيٌّ فِي الْإِرَادَةِ، وَسَنُطْلِعُك عَلَى أَنَّ مُلَاحَظَةَ الْمَعَانِي قَصْدًا إمَّا بِأَلْفَاظٍ مَذْكُورَةٍ أَوْ مُقَدَّرَةٍ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ أَوْ مَنْوِيَّةٍ بِلَا ذِكْرٍ وَلَا تَقْدِيرٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا صَرَّحَ بِالْخَتْمِ وَحْدَهُ وَبِالْغِشَاوَةِ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهُمَا الْأَصْلُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ الْمُرَكَّبَةِ، فَيُلَاحَظُ بَاقِي الْأَجْزَاءِ قَصْدًا بِأَلْفَاظٍ مُتَخَيَّلَةٍ، إذْ لَا بُدَّ فِي التَّرْكِيبِ مِنْ مُلَاحَظَاتٍ قَصْدِيَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِتِلْكَ الْأَجْزَاءِ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِتَخَيُّلِ أَلْفَاظٍ بِإِزَائِهَا كَمَا يَقْتَضِيهِ جَرَيَانُ الْعَادَةِ وَيَشْهَدُ بِهِ رُجُوعُك إلَى وِجْدَانِك.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ جَوَازُ الْحَمْلِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ وَالتَّمْثِيلِ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ التَّجَوُّزُ فِي لَفْظَيْ خَتَمَ وَغِشَاوَةً، وَعَلَى الثَّانِي لَا تَجُوزُ فِيهِمَا بَلْ فِي الْمَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا وَمِنْ الْمَنْوِيِّ مَعَهُمَا إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ فَلْيُرَاجَعْ. وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ الْبَيَانِيِّينَ هَذَا بِحَسَبِ ظَاهِرِهِ تَأْيِيدًا لِلِاسْتِعَارَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُسْتَعَارَ الْخَتْمُ لِلْحِسِّيَّةِ الَّتِي لَا يَفُوتُ مَعَهَا بِالْكُلِّيَّةِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
لَهُ مَصْدَرٌ وَاحِدٌ حَتَّى يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ مِنْ أَنَّ الِاشْتِقَاقَ مِنْ الْفِعْلِ، ثُمَّ رَأَيْت الشِّهَابَ بْنَ عَبْدِ الْحَقِّ فِي شَرْحِ الْبَسْمَلَةِ سَبَقَ إلَى مَا ذَكَرْته مَعَ زِيَادَةٍ، لَكِنَّهُ جَعَلَ النُّكْتَةَ فِي الْعُدُولِ إلَى لَفْظِ الْفِعْلِ غَيْرَ مَا ذَكَرْته فَلْيُرَاجَعْ وَالنِّكَاتُ لَا تَتَزَاحَمُ، بَلْ مَا ذَكَرَهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ يَرْجِعُ إلَى مَا ذَكَرْته هَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ لَفْظُ رَحِمَ مَفْتُوحَ الْأَوَّلِ مَكْسُورَ الثَّانِي، وَإِنْ جُعِلَ مَضْمُومَ الْأَوَّلِ سَاكِنَ الثَّانِي مَصْدَرًا فَلَا إشْكَالَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشِّهَابُ الْمَذْكُورُ فَانْدَفَعَ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: يَقْتَضِي التَّفَضُّلَ، وَالْإِحْسَانَ) أَيْ أَوْ إرَادَةَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ فَالتَّفَضُّلُ غَايَتُهَا: أَيْ أَوْ إرَادَتُهُ (قَوْلُهُ: الَّتِي تَكُونُ انْفِعَالَاتٍ) يَعْنِي كَيْفِيَّاتٍ، إذْ الِانْفِعَالَاتُ هِيَ قَبُولُ الْأَثَرِ كَلِينِ الشَّمْعِ الْقَابِلِ
بِأَنْ مَثَّلَتْ تَعَالَى بِحَالِ مَلِكٍ عَطَفَ عَلَى رَعِيَّتِهِ وَرَقَّ لَهُمْ فَعَمَّهُمْ مَعْرُوفُهُ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَأُرِيدَ غَايَتُهُ الَّتِي هِيَ إرَادَةٌ، أَوْ فِعْلٌ لَا مَبْدَؤُهُ الَّذِي هُوَ انْفِعَالٌ. وَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ مِنْ الرَّحِيمِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى كَمَا فِي قَطَعَ وَقَطَّعَ وَكَبَارٍ وَكَبَّارٍ. وَنَقَضَ بِحِذْرٍ فَإِنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ حَاذِرٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ أَكْثَرِيٌّ لَا كُلِّيٌّ، وَبِأَنَّهُ لَا يُنَافِي أَنْ يَقَعَ فِي الْأَنْقَصِ زِيَادَةُ مَعْنًى بِسَبَبٍ آخَرَ كَالْإِلْحَاقِ بِالْأُمُورِ الْجَبَلِيَّةِ مِثْلَ شَرِهٌ وَنَهِمٌ وَبِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُتَلَاقِيَانِ فِي الِاشْتِقَاقِ مُتَّحِدَيْ النَّوْعِ فِي الْمَعْنَى كَغَرَثٍ وَغَرْثَانٍ وَصَدٍّ وَصَدْيَانٍ لَا كَحِذْرٍ وَحَاذِرٍ لِلِاخْتِلَافِ وَإِنَّمَا قُدِّمَ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي التَّرَقِّي مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى كَقَوْلِهِمْ عَالِمٌ نِحْرِيرٌ وَجَوَادٌ فَيَّاضٌ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْعَلَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْمُنْعِمُ الْحَقِيقِيُّ الْبَالِغُ فِي الرَّحْمَةِ غَايَتَهَا وَذَلِكَ لَا يَصْدُقُ عَلَى غَيْرِهِ، بَلْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ كَوْنَهُ عَلَمًا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى جَلَائِلِ النَّعَمِ وَأُصُولِهَا ذَكَرَ الرَّحِيمَ لِيَتَنَاوَلَ مَا دَقَّ مِنْهَا وَلَطُفَ لِيَكُونَ كَالتَّتِمَّةِ لَهُ وَالرَّدِيفِ وَلِلْمُحَافَظَةِ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ، وَالْأَبْلَغِيَّةُ تُوجَدُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْكَمِّيَّةِ، وَلِهَذَا قِيلَ يَا رَحْمَنُ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، وَرَحِيمُ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَخُصُّ الْمُؤْمِنَ، وَتَارَةً بِاعْتِبَارِ الْكَيْفِيَّةِ وَلِهَذَا قِيلَ يَا رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمُ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ النِّعَمَ الْأُخْرَوِيَّةَ كُلُّهَا جِسَامٌ، وَأَمَّا النِّعَمُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَجَلِيلَةٌ وَحَقِيرَةٌ وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَنُدْمَانٍ وَنَدِيمٍ وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا، وَقِيلَ الرَّحِيمُ أَبْلَغُ.
وَقَدْ وَرَدَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ عَلَى سَبْعَةٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُ أَوْدَعَ مَا فِيهَا فِي أَرْبَعَةٍ، فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَعْنِي النُّطْقَ، كَانَ اسْتِعَارَتُهُ لِتِلْكَ الْهَيْئَاتِ الْمَانِعَةِ عَنْ الْمَقَاصِدِ بِالْمَرَّةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، لَكِنَّ تَأْخِيرَهُ عَنْ التَّمْثِيلِ يَقْتَضِي أَنْ يُؤَيِّدَهُ أَيْضًا فَيُقَالُ حِينَئِذٍ لَا يُقْتَصَرُ فِي النَّسَبِ عَلَى مُجَرَّدِ الْحِسِّيَّةِ كَمَا فِي الِاسْتِعَارَةِ بَلْ يُعْتَبَرُ مَعَهُ حَالَةٌ مَخْصُوصَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ تَحْرِيرُهُ وَفِي الْبَيْتِ الثَّانِي نَوْعُ إشْعَارٍ بِاعْتِبَارِ التَّرْكِيبِ، انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ مَثَّلْت) أَيْ شَبَّهْت (قَوْلُهُ: مِثْلَ شَرِهٌ وَنَهِمٌ) مِثَالَانِ لَلْجَبَلِيِّ. وَالْمَعْنَى: أَنْ يُجْعَلَ الْحَذَرُ الْعَارِضُ لَهُ كَالصِّفَةِ الْجَبَلِيَّةِ الَّتِي طُبِعَ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ وَنَهِمٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ نَهِمَ فِي الشَّيْءِ إذَا رَغِبَ فِيهِ، وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: نَهِمَ فِي الشَّيْءِ يَنْهَمُ بِفَتْحَتَيْنِ نَهْمَةً بَلَغَ هِمَّتَهُ فِيهِ فَهُوَ نَهِيمُ، وَالنَّهَمُ بِفَتْحَتَيْنِ إفْرَاطُ الشَّهْوَةِ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ وَنَهِمَ نَهَمًا أَيْضًا زَادَتْ رَغْبَتُهُ فِي الْعِلْمِ، وَنَهَمَ يَنْهَمُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَثُرَ أَكْلُهُ، وَنُهِمَ بِالشَّيْءِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ إذَا أُولِعَ بِهِ فَهُوَ مَنْهُومٌ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا قَدَّمَ) أَيْ الرَّحْمَنَ (قَوْلُهُ: كَقَوْلِهِمْ عَالِمٌ إلَخْ) مِثَالَانِ لِمَا فِيهِ التَّرَقِّي مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ أَدْنَى مِنْ النِّحْرِيرِ وَالْجَوَادُ أَدْنَى مِنْ الْفَيَّاضِ (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ الْكَمِّيَّةِ) أَيْ الْعَدَدِ (قَوْلُهُ: بِاعْتِبَارِ الْكَيْفِيَّةِ) أَيْ الصِّفَةِ، وَكَوْنُ هَذَا بِاعْتِبَارِ الْكَيْفِيَّةِ لَعَلَّهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ نَظَرَ فِيهِ لِلْجَسَامَةِ وَعَدَمِهَا، وَإِلَّا فَقَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا بِاعْتِبَارِ الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ، فَإِنَّ رَحْمَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ اُسْتُفِيدَ عُمُومُهَا لِلْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ مِنْ الِاسْمَيْنِ لَكِنْ قَدْ يُدَّعَى أَنَّ الرَّحْمَةَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ الرَّحْمَنِ أَكْثَرُ أَفْرَادًا وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُ تِلْكَ الْأَفْرَادِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ (قَوْلُهُ كُلُّهَا جِسَامٌ) أَيْ عِظَامٌ وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ (قَوْلُهُ عَلَى سَبْعَةٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ) هُمْ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَدَاوُد وَشِيثٌ وَإِدْرِيسُ.
وَفِي شَرْحِ الْخَطِيبِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ مَا نَصُّهُ: فَائِدَةٌ قَالَ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: قِيلَ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الدُّنْيَا مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ: صُحُفُ شِيثٍ سِتُّونَ، وَصُحُفُ إبْرَاهِيمَ ثَلَاثُونَ، وَصُحُفُ مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشَرَةٌ، وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ انْتَهَى. أَقُولُ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَلَى سَبْعَةٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
لِلطَّبْعِ، فَإِذَا طُبِعَ صَارَ أَثَرُ الطَّبْعِ فِيهِ كَيْفًا (قَوْلُهُ: فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَأُرِيدَ غَايَتُهُ) يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُشَبَّهَ فِي الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا وَمُنْتَزَعًا مِنْ عِدَّةِ أُمُورٍ كَالْمُشَبَّهِ بِهِ وَكَوَجْهِ الشَّبَهِ، فَالصَّوَابُ تَقْرِيرُ الْمُشَبَّهِ هُنَا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
وَنَقَلَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ هُنَا عَنْ حَوَاشِي الْكَشَّافِ لِلسَّيِّدِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُنْتَزَعَ فِي الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظٍ كُلِّهَا مَذْكُورَةٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَلْفَاظٍ بَعْضُهَا مَذْكُورَةٌ وَبَعْضُهَا مُتَخَيَّلٌ (قَوْلُهُ: كَغَرِثَ وَغَرْثَانَ)
وَأَوْدَعَ مَا فِيهَا فِي الْقُرْآنِ، وَأَوْدَعَ مَا فِي الْقُرْآنِ فِي الْفَاتِحَةِ، وَأَوْدَعَ مَا فِي الْفَاتِحَةِ فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، بَلْ قِيلَ إنَّهُ أَوْدَعَ مَا فِيهَا فِي الْبَاءِ وَمَا فِي الْبَاءِ فِي النُّقْطَةِ
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) افْتَتَحَ كِتَابَهُ بَعْدَ التَّيَمُّنِ بِالْبَسْمَلَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى أَدَاءً لِحَقِّ شَيْءٍ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ شُكْرِ نَعْمَائِهِ الَّتِي تَأْلِيفُ هَذَا الْكِتَابِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهَا، وَاقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَعَمَلًا بِخَبَرِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» وَفِي رِوَايَةٍ «بِالْحَمْدُ لِلَّهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «بِحَمْدِ اللَّهِ» وَفِي رِوَايَةٍ " بِالْحَمْدُ " وَفِي رِوَايَةٍ «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ. وَمَعْنَى ذِي بَالٍ: أَيْ حَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ:«لَا يُفْتَتَحُ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ وَأَقْطَعُ.» فَإِنْ قِيلَ نَرَى كَثِيرًا مِنْ الْأُمُورِ يُبْتَدَأُ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ وَلَا تَتِمُّ وَكَثِيرًا بِعَكْسِ ذَلِكَ. قُلْنَا: لَيْسَ الْمُرَادُ التَّمَامَ الْحِسِّيَّ، وَلِهَذَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بَلْ قِيلَ إنَّهُ إلَخْ) أَيْ قَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّضْعِيفَ (قَوْلُهُ: أَوْدَعَ مَا فِيهَا فِي الْبَاءِ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا إشَارَةٌ إلَى: بِي كَانَ وَبِي مَا يَكُونُ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَرْجِعُ إلَيْهِ جَمِيعُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْقُرْآنِ، وَقَوْلُهُ وَمَا فِي الْبَاءِ فِي نُقْطَتِهَا: أَيْ؛ لِأَنَّهَا إشَارَةٌ إلَى الْمَرْكَزِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ وَحْدَتُهُ تَعَالَى
(قَوْلُهُ: مِنْ شُكْرِ نَعْمَائِهِ) بَيَانٌ لِمَا يَجِبُ، وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَا حَاصِلُهُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوُجُوبِ الشُّكْرِ أَنَّهُ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ بِنِعْمَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الشُّكْرُ فِي مُقَابَلَتِهَا حَتَّى يَأْثَمَ بِتَرْكِهِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا شَكَرَ عَلَيْهَا أُثِيبَ ثَوَابَ الْوَاجِبِ، وَفِيهِ كَلَامٌ حَسَنٌ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ لِابْنِ حَجَرٍ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ) هُوَ بِالرَّفْعِ: أَيْ بِهَذَا اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَيْهِ التَّعَارُضُ، أَمَّا لَوْ قُرِئَ بِالْجَرِّ كَانَ بِمَعْنَى رِوَايَةٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَلَا تَعَارُضَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ (قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ بِالْحَمْدُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ لَفْظَ أَقْطَعَ مَعَ كُلٍّ مِنْهَا، وَفِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَمَا وَرَدَ بِهَا وَرَدَ بِأَجْذَمَ أَوْ أَبْتَرَ، وَعِبَارَتُهُ: كُلُّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ، بِجِيمٍ فَمُعْجَمَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أَقْطَعُ، وَفِي أُخْرَى أَبْتَرُ: أَيْ قَلِيلُ الْبَرَكَةِ، وَقِيلَ مَقْطُوعُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي أُخْرَى بِذِكْرِ اللَّهِ، وَهِيَ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ وَعَدَمِ التَّعَارُضِ بِفَرْضِ إرَادَةِ الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ فِيهِمَا، وَفِي أُخْرَى سَنَدُهَا ضَعِيفٌ: لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَبْتَرُ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَهُوَ أَجْذَمُ) عِبَارَةُ الْقَامُوسِ: الْأَجْذَمُ الْمَقْطُوعُ الْيَدِ أَوْ الذَّاهِبُ الْأَنَامِلِ، وَالْجُذَامُ كَغُرَابٍ عِلَّةٌ تَحْدُثُ مِنْ انْتِشَارِ السَّوْدَاءِ فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ، جَذِمَ كَعَنِيَ فَهُوَ مَجْذُومٌ وَأَجْذَمُ، وَوَهَمَ الْجَوْهَرِيُّ فِي مَنْعِهِ أَيْ مَنْعِ إطْلَاقِ أَجْذَمَ عَلَى ذِي الدَّاءِ الْمَخْصُوصِ، ثُمَّ هَذَا التَّرْكِيبُ وَنَحْوُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ، وَالْأَصْلُ هُوَ كَالْأَجْذَمِ فِي عَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ، وَلَا يَضُرُّ الْجَمْعُ فِيهِ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ يُنْبِئُ عَنْ التَّشْبِيهِ لَا مُطْلِقًا لِلتَّصْرِيحِ بِكَوْنِهِ اسْتِعَارَةً فِي نَحْوِ قَدْ زَرَّأَ زُرَارَهُ عَلَى الْقَمَرِ عَلَى أَنَّ الْمُشَبَّهَ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ مَحْذُوفٌ. وَالْأَصْلُ هُوَ نَاقِصٌ كَالْأَجْذَمِ، فَحَذَفَ الْمُشَبَّهَ وَهُوَ النَّاقِصُ وَعَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، فَصَارَ الْمُرَادُ مِنْ الْأَجْذَمِ النَّاقِصَ، وَعَلَيْهِ فَلَا جَمْعَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، بَلْ الْمَذْكُورُ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَقَطْ (قَوْلُهُ: وَحَسَّنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ) أَيْ ذَكَرَ أَنَّهُ حَسَنٌ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ مُنَافٍ لِمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّ
ــ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ جَيْعَانَ وَهُمَا صِفَتَانِ مُشَبَّهَتَانِ كَصَدٍ وَصَدْيَانَ: أَيْ عَطْشَانَ
(قَوْلُهُ: وَاقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَعَمَلًا إلَخْ) عِلَّتَانِ لِلْبُدَاءَةِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدَلَةِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ السَّابِقِ: أَدَاءٌ لِحَقِّ شَيْءٍ مِمَّا وَجَبَ إلَخْ، وَيَصِحُّ كَوْنُهُ عِلَّةً لَهُمَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ أَيْضًا مُتَضَمِّنَةٌ لِلشُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ، وَفِيهَا ذَلِكَ مِنْ وَصْفِهِ تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ (قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ بِحَمْدِ اللَّهِ) النُّكْتَةُ فِي ذِكْرِهَا إفَادَةُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ لَفْظِ الْحَمْدِ الَّذِي أَفَادَتْ اشْتِرَاطَهُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى، وَنُكْتَةُ رِوَايَةِ بِالْحَمْدُ بَعْدَ هَذِهِ إفَادَةُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ لَفْظِ الْجَلَالَةِ فِي أَدَاءِ الْحَمْدِ، وَنُكْتَةُ الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ أَنَّهَا
قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ نَاقِصًا أَنْ لَا يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الشَّرْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي اُبْتُدِئَ فِيهِ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا وَإِنْ كَانَ تَامًّا حِسًّا. وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ رِوَايَتَيْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ حَقِيقِيٌّ وَإِضَافِيٌّ، فَالْحَقِيقِيُّ حَصَلَ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْإِضَافِيُّ بِالْحَمْدَلَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ يُعْتَبَرُ مُمْتَدًّا فَيَسَعُ أَمْرَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، أَوْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الِابْتِدَاءُ بِذِكْرِ اللَّهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَحْمَدَ السَّابِقَةِ.
وَالْحَمْدُ اللَّفْظِيُّ لُغَةً: هُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ سَوَاءً أَتَعَلَّقَ بِالْفَضَائِلِ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ، وَعُرْفًا: فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلَى الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذِكْرًا بِاللِّسَانِ أَمْ اعْتِقَادًا وَمَحَبَّةً بِالْجِنَانِ أَمْ عَمَلًا وَخِدْمَةً بِالْأَرْكَانِ " فَمَوْرِدُ اللُّغَوِيِّ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
التَّحْسِينَ فِي عَصْرِهِ غَيْرُهُ مُمْكِنٌ (قَوْلُهُ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ) كَمَا لَوْ اُبْتُدِئَ فِي الذَّبْحِ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ مِمَّا يُصَيِّرُهَا مَيْتَةً (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ حَقِيقِيٌّ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: حَاصِلُ هَذَا الْجَوَابِ دَفْعُ التَّعَارُضِ بِحَمْلِ الِابْتِدَاءِ فِي خَبَرِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى الْحَقِيقِيِّ وَفِي خَبَرِ الْحَمْدَلَةِ عَلَى الْإِضَافِيِّ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ التَّعَارُضَ كَمَا يَنْدَفِعُ بِهَذَا يَنْدَفِعُ بِعَكْسِهِ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى إيثَارِ هَذَا؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُهُ وَقَدَّمَ الْبَسْمَلَةَ إلَخْ اهـ سم عَلَى الْبَهْجَةِ (قَوْلُهُ: وَالْإِضَافِيُّ بِالْحَمْدَلَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْأَوَّلِ هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهُ شَيْءٌ، وَتَعْرِيفُ الثَّانِي هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ عَلَى شَيْءٍ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ هُوَ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ لَا، فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ يَجْتَمِعَانِ فِيمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَيَتَقَدَّمُ هُوَ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَنْفَرِدُ الْإِضَافِيُّ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ وَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَالِابْتِدَاءُ بِالْبَسْمَلَةِ حَقِيقِيٌّ وَإِضَافِيٌّ، وَبِالْحَمْدَلَةِ إضَافِيٌّ لَا غَيْرُ، وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الشَّنَوَانِيِّ مِثْلُهُ (قَوْلُهُ: الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ) ذِكْرُ اللِّسَانِ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ أَوْ لِدَفْعِ تَوَهُّمٍ أَنَّهُ يَكُونُ الثَّنَاءُ مَا دَلَّ عَلَى التَّعْظِيمِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ اللِّسَانِ (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ أَتَعَلَّقَ بِالْفَضَائِلِ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ) سَوَاءٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَأَتَعَلَّقَ وَمَا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ. وَالْمَعْنَى تَعَلُّقُهُ بِالْفَضَائِلِ وَالْفَوَاضِلِ مُسْتَوٍ فِي أَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا حَمْدٌ، وَيَجُوزُ أَنَّ سَوَاءٌ مُبْتَدَأٌ وَمَا بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ بِهِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاعْتِمَادِ فِي إعْمَالِ الْوَصْفِ، وَيَجُوزُ أَنَّ سَوَاءٌ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وَأَنَّ أَدَاةَ الشَّرْطِ مُقَدَّرَةٌ وَالْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ دَلِيلُ الْجَوَابِ، أَوْ هِيَ نَفْسُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي مِثْلِهِ. وَالْمَعْنَى: إنْ تَعَلَّقَ الثَّنَاءُ بِالْفَضَائِلِ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ فَالْأَمْرَانِ سَوَاءٌ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: الْفَضَائِلُ جَمْعُ فَضِيلَةٍ وَهِيَ النِّعَمُ اللَّازِمَةُ كَالْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالْفَوَاضِلُ جَمْعُ فَاضِلَةٍ وَهِيَ النِّعَمُ الْمُتَعَدِّيَةُ كَالْإِحْسَانِ اهـ. أَقُولُ: مَعْنَى قَوْلِهِ كَالْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ أَرَادَ بِهِ الْمَلَكَةَ الْحَاصِلَةَ عِنْدَهُ، أَمَّا التَّعْلِيمُ فَنِعْمَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ، وَكَذَا دَفْعُ الْعَدُوِّ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الشَّجَاعَةِ (قَوْلُهُ: فَمَوْرِدُ اللُّغَوِيِّ) أَيْ الْمَحَلُّ الَّذِي يَرِدُ مِنْهُ الْحَمْدُ وَيَصْدُرُ، وَلَوْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
نَصٌّ فِي الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّ مَا هُنَا كَلَامٌ بَنَاهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ مُسَمَّى الْكُتُبِ الْأَلْفَاظُ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي (قَوْلُهُ: قَالَ بَعْضُهُمْ) هُوَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَانْظُرْ مَا مَعْنَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ شَرْعًا (قَوْلُهُ: أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ) الْمُرَادُ بِهِ أَمْرٌ خَاصٌّ هُوَ الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ كَالذَّبْحِ لِلْأَصْنَامِ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتِمُّ بِهِ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى أَنَّ مَا لَا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ فِيهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَا يُذْكَرُ شَيْءٌ (قَوْلُهُ: فِي تَعْرِيفِ الْحَمْدِ اللُّغَوِيِّ كَغَيْرِهِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ، وَفِي تَعْرِيفِ الْعُرْفِيِّ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا إلَخْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ الثَّنَاءَ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لَا يَكُونُ حَمْدًا لُغَوِيًّا وَلَا عُرْفِيًّا، وَهُوَ يُنَافِي تَصْرِيحَهُمْ بِأَنَّ الْحَمْدَ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ مَنْدُوبٌ وَفِي مُقَابَلَتِهِ وَاجِبٌ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ بِالشَّيْءِ النِّعْمَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ وَهِيَ الْفَاضِلَةُ (قَوْلُهُ: وَعُرْفًا) مَعْطُوفٌ عَلَى لُغَةً وَقَسِيمٌ لَهُ وَهُمَا قِسْمَا اللَّفْظِيِّ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَالْحَمْدُ اللَّفْظِيُّ لُغَةً مَا مَرَّ، وَعُرْفًا فِعْلُ إلَخْ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ إذْ الْفِعْلُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَفْظِيًّا وَغَيْرَهُ كَمَا سَيَأْتِي، فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلٍ فِي الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْإِنْبَاءَ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ وَالدَّلَالَةُ مَثَلًا، وَانْظُرْ مَا مَعْنَى إخْبَارِ الْجِنَانِ أَوْ دَلَالَتِهِ بِالْمَعْنَى الْمُقَابِلِ لِإِخْبَارِ اللِّسَانِ، وَالْأَرْكَانِ أَوْ
هُوَ اللِّسَانُ وَحْدَهُ وَمُتَعَلِّقُهُ يَعُمُّ النِّعْمَةَ وَغَيْرَهَا، وَمَوْرِدُ الْعُرْفِيُّ يَعُمُّ اللِّسَانَ وَغَيْرَهُ وَمُتَعَلِّقُهُ يَكُونُ النِّعْمَةُ وَحْدَهَا، فَاللُّغَوِيُّ أَعَمُّ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقِ وَأَخَصُّ بِاعْتِبَارِ الْمَوْرِدِ، وَالْعُرْفِيُّ بِالْعَكْسِ. وَالشُّكْرُ لُغَةً: فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلَى الشَّاكِرِ. وَعُرْفًا: صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ السَّمْعِ وَغَيْرِهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ. وَالْمَدْحُ لُغَةً: الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ مُطْلَقًا عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ، وَعُرْفًا: مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمَمْدُوحِ بِنَوْعٍ مِنْ الْفَضَائِلِ، وَالذَّمُّ نَقِيضُ الْحَمْدِ، وَالْكُفْرَانُ نَقِيضُ الشُّكْرِ، وَالْهَجْوُ نَقِيضُ الْمَدْحِ، وَجُمْلَةُ الْحَمْدِ لِلَّهِ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى لِحُصُولِ الْحَمْدِ بِهَا مَعَ الْإِذْعَانِ لِمَدْلُولِهَا.
وَقِيلَ إنَّهَا خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً شَرْعًا لِلْإِنْشَاءِ، وَالْحَمْدُ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ، سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ لَامُ التَّعْرِيفِ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، أَمْ لِلْجِنْسِ كَمَا عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيّ؛ لِأَنَّ لَامَ لِلَّهِ لِلِاخْتِصَاصِ فَلَا مَرَدَّ مِنْهُ لِغَيْرِهِ، إذْ الْحَمْدُ فِي الْحَقِيقَةِ كُلُّهُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
عَبَّرَ بِالْمَصْدَرِ بَدَلَ الْمَوْرِدِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَوْرِدَ هُوَ مَا تَنْتَهِي إلَيْهِ الْإِبِلُ الشَّارِبَةُ مَثَلًا، وَالْمَصْدَرُ هُوَ مَا تُسَاقُ مِنْهُ لِلْمَاءِ، وَاللِّسَانُ مَحَلٌّ يَصْدُرُ مِنْهُ الْحَمْدُ لَا أَنَّهُ الَّذِي يَرِدُ عَلَيْهِ، لَكِنْ فِي اخْتِيَارِ الْمَوْرِدِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْحَمْدَ كَأَنَّهُ صَدَرَ عَنْ الْقَلْبِ فَوَرَدَ عَلَى اللِّسَانِ (قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلَى الشَّاكِرِ) أَيْ أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِلْغَيْرِ خُصُوصِيَّةٌ بِالْحَامِدِ كَوَلَدِهِ وَصَدِيقِهِ أَوْ لَا وَلَوْ كَافِرًا (قَوْلُهُ: جَمِيعُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ) هَلْ يُشْتَرَطُ لِتَسْمِيَةِ صَرْفِهَا شُكْرًا كَوْنُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ لَا، فَيَكْفِي لِتَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ صَرْفُهَا كُلُّهَا فِي الطَّاعَةِ وَلَوْ حَصَلَ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِيهِ نَظَرٌ، وَقُوَّةُ مَا نَقَلَهُ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ عِنْدَ حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَطَالِعِ يُفِيدُ الْأَوَّلَ، وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَنْ حَمَلَ جِنَازَةً مُتَفَكِّرًا فِي مَصْنُوعَاتِ اللَّهِ، نَاظِرًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ لِئَلَّا يَزِلَّ بِالْمَيِّتِ، مَاشِيًا بِرِجْلِهِ إلَى الْقَبْرِ، شَاغِلًا لِسَانَهُ بِالذِّكْرِ وَأُذُنَهُ بِاسْتِمَاعِ مَا فِيهِ ثَوَابٌ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ) اخْتِيَارِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: وَالذَّمُّ نَقِيضُ الْحَمْدِ) أَيْ فَيَكُونُ لُغَةً: ذِكْرُ عُيُوبِ الْغَيْرِ، وَعُرْفًا: الْإِتْيَانُ بِمَا يُشْعِرُ بِالتَّحْقِيرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِاللِّسَانِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَفِي تَعْبِيرِهِ بِالنَّقِيضِ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّ نَقِيضَ كُلِّ شَيْءٍ رَفْعُهُ، وَمُجَرَّدُ عَدَمِ الثَّنَاءِ لَا يَكُونُ ذَمًّا (قَوْلُهُ: وَالْكُفْرَانُ نَقِيضُ الشُّكْرِ) عَبَّرَ بِالْكُفْرَانِ دُونَ الْكُفْرِ لِمَا قِيلَ إنَّ الْكُفْرَ إنْكَارُ مَا عُلِمَ مَجِيءُ الرَّسُولِ بِهِ ضَرُورَةً، وَالْكُفْرَانُ إنْكَارُ النِّعْمَةِ. وَعِبَارَةُ الْعَيْنِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ: الْكُفْرَانُ مَصْدَرٌ كَالْكُفْرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكُفْرَ فِي الدِّينِ وَالْكُفْرَانَ فِي النِّعْمَةِ، وَفِي الْعُبَابِ الْكُفْرُ نَقِيضُ الْإِيمَانِ، وَقَدْ كَفَرَ بِاَللَّهِ كُفْرًا، وَالْكُفْرُ أَيْضًا جُحُودُ النِّعْمَةِ وَهُوَ ضِدُّ الشُّكْرِ، وَقَدْ كَفَرَهَا كَفُورًا وَكُفْرَانًا اهـ رحمهم الله. وَفِي الْمِصْبَاحِ: كَفَرَ بِاَللَّهِ يَكْفُرُ كُفْرًا وَكُفْرَانًا، وَكَفَرَ النِّعْمَةَ وَبِالنِّعْمَةِ أَيْضًا جَحَدَهَا اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْكُفْرَانَ يُطْلَقُ عَلَى إنْكَارِ مَا عُلِمَ مَجِيءُ الرَّسُولِ بِهِ فَهُوَ مُسَاوٍ لِلْكُفْرِ فَلَا يَتِمُّ مَا فِي الْعَيْنِيِّ (قَوْلُهُ: مَعْنًى لِحُصُولِ الْحَمْدِ بِهَا) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ إنْشَائِيَّةً (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إلَخْ) قَوْلٌ آخَرُ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ لَامَ لِلَّهِ لِلِاخْتِصَاصِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ اللَّامَ لَوْ جُعِلَتْ لِغَيْرِ الِاخْتِصَاصِ لَا تُفِيدُ الْحَصْرَ، وَقَدْ يُشْكِلُ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ إفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ مِنْ نَحْوِ الْكَرَمِ فِي الْعَرَبِ مِمَّا كَانَ الْمُبْتَدَأُ فِيهِ مُعَرَّفًا فَاللَّامُ الْجِنْسِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْخَبَرُ مُعَرَّفًا بِهَا أَمْ لَا، فَالْأَوْلَى جَعْلُ الْقَصْرِ فِيهِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
دَلَالَتِهِمَا (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهَا) أَيْ، وَهُوَ الْفَضَائِلُ عَلَى مَا قَدَّمَهُ (قَوْلُهُ: عَلَى الشَّاكِرِ) أَيْ وَغَيْرِهِ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، لَكِنْ فِي أَوَائِلِ تَفْسِيرِ الْفَخْرِ الرَّازِيّ اخْتِيَارُ اشْتِرَاطِ وُصُولِ النِّعْمَةِ إلَى الشَّاكِرِ فِي تَحَقُّقِ الشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ، فَإِنْ كَانَتْ النُّسْخَةُ الْأُولَى نُسْخَةَ الشَّيْخِ فَلَعَلَّهُ نَحَا هَذَا الْمَذْهَبَ (قَوْلُهُ: صَرَفَ الْعَبْدُ جَمِيعَ إلَخْ) أَيْ فِي آنٍ وَاحِدٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ، وَيُصَرِّحُ بِهِ مَا نَقَلَهُ الشِّهَابُ بْنُ قَاسِمٍ فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ عَنْ الدَّوَانِيّ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِمَّا صَوَّرَهُ بِهِ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: عَلَى اخْتِصَاصِ الْمَمْدُوحِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالِاخْتِصَاصِ التَّحَقُّقُ بِهَذَا النَّوْعِ وَالِاتِّصَافُ بِهِ، لَا أَنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ
لَهُ، إذْ مَا مِنْ خَيْرٍ إلَّا وَهُوَ مُوَلِّيهِ بِوَسَطٍ أَوْ غَيْرِ وَسَطٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ تَعَالَى حَيٌّ قَادِرٌ مُرِيدٌ عَالِمٌ، إذْ الْحَمْدُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا مَنْ كَانَ هَذَا شَأْنَهُ، أَمْ لِلْعَهْدِ كَاَلَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة: 40] كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَجَازَهُ الْوَاحِدِيُّ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْحَمْدَ الَّذِي حَمِدَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَحَمِدَهُ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَالْعِبْرَةُ بِحَمْدِ مَنْ ذَكَرَ فَلَا مَرَدَّ مِنْهُ لِغَيْرِهِ، وَأَوْلَى الثَّلَاثَةِ الْجِنْسُ، وَلَمَّا كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ لِذَاتِهِ لَمْ يَقُلْ الْحَمْدُ لِلْخَالِقِ أَوْ لِلرَّازِقِ أَوْ نَحْوِهِ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ الْحَمْدَ لِذَلِكَ الْوَصْفِ، إذْ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ لِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثَمَانِيَةُ أَحْرُفٍ وَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ، فَمَنْ قَالَهَا عَنْ صَفَاءِ قَلْبِهِ اسْتَحَقَّ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ.
(الْبَرُّ) بِفَتْحِ الْبَاءِ: أَيْ الْمُحْسِنُ، وَقِيلَ اللَّطِيفُ، وَقِيلَ الصَّادِقُ فِيمَا وَعَدَ، وَقِيلَ خَالِقُ الْبِرِّ بِكَسْرِ الْبَاءِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، وَقِيلَ الرَّفِيقُ بِعِبَادِهِ يُرِيدُ بِهِمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهِمْ الْعُسْرَ، وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَا يُؤَاخِذُهُمْ بِجَمِيعِ جِنَايَاتِهِمْ، وَيَجْزِيهِمْ بِالْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا وَلَا يَجْزِيهِمْ بِالسَّيِّئَةِ إلَّا مِثْلَهَا، وَيَكْتُبُ لَهُمْ الْهَمَّ بِالْحَسَنَةِ وَلَا يَكْتُبُ عَلَيْهِمْ الْهَمَّ بِالسَّيِّئَةِ، ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ (الْجَوَادُ)
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مُسْتَفَادًا مِنْ كَوْنِ الْمُبْتَدَإِ فِيهِ مُعَرَّفًا فَاللَّامُ الْجِنْسِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُبْتَدَأَ الْمُعَرَّفَ فَاللَّامُ الْجِنْسِ مَحْصُورٌ فِي الْخَبَرِ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْأُجْهُورِيُّ بِقَوْلِهِ:
مُبْتَدَأٌ فَاللَّامُ جِنْسٍ عُرِّفَا
…
مُنْحَصِرٌ فِي مُخْبِرٍ بِهِ وَفَا
وَإِنْ عُرِّيَ مِنْهَا وَعُرِّفَ الْخَبَرْ
…
بِاللَّامِ مُطْلَقًا فَعَكْسٌ اسْتَقَرْ
اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ إشْعَارٌ) أَيْ فِي اخْتِصَاصِهِ بِاَللَّهِ (قَوْلُهُ: وَالْعِبْرَةُ بِحَمْدِ مَنْ ذُكِرَ) أَيْ أَمَّا حَمْدُ غَيْرِهِمْ فَكَالْعَدِمِ فَإِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ حَمْدٌ لِغَيْرِهِ تَعَالَى لَا يَفُوتُ اخْتِصَاصُ الْحَمْدِ بِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ (قَوْلُهُ: وَأَوْلَى الثَّلَاثَةِ الْجِنْسُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ عَلَى ثُبُوتِ جَمِيعِ الْمَحَامِدِ لَهُ فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بُرْهَانِيٌّ، وَهُوَ كَدَعْوَى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْ الدَّعْوَةِ الْمُجَرَّدَةِ (قَوْلُهُ أَوْ نَحْوِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ (قَوْلُهُ: اسْتَحَقَّ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ) أَيْ اسْتَحَقَّ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ فَيُخَيَّرُ بَيْنَهَا إكْرَامًا لَهُ، وَإِنَّمَا يَخْتَارُ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مِنْهُ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ إنَّمَا يَدْخُلُ مِنْ الْبَابِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ مِنْهُ وَبَيْنَ تَخْيِيرِهِ بَيْنَ الثَّمَانِيَةِ أَبْوَابٍ (قَوْلُهُ وَقِيلَ اللَّطِيفُ) أَشْعَرَتْ حِكَايَتُهُ مَا عَدَا الْأَوَّلَ بِقِيلٍ بِضَعْفِهِ، وَيُوَافِقُهُ بَلْ يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ، فَتَفْسِيرُهُ بِاللَّطِيفِ أَوْ الْعَالِي فِي صِفَاتِهِ أَوْ الْخَالِقِ الْبَرِّ أَوْ الصَّادِقِ فِيمَا وَعَدَ أَوْلِيَاءَهُ بَعِيدٌ: أَيْ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الْبِرَّ بِسَائِرِ مَوَادِّهِ يَرْجِعُ لِلْإِحْسَانِ كَبَّرَ فِي يَمِينِهِ: أَيْ صَدَقَ، وَكَبَّرَ اللَّهُ حَجَّهُ: أَيْ قَبِلَهُ، وَأَبَرَّ فُلَانٌ عَلَى أَصْحَابِهِ: أَيْ عَلَاهُمْ، قَالَ: إلَّا أَنْ يُرَادَ بَعْضُ مَاصَدَقَاتِ أَوْ غَايَاتِ الْبِرِّ اهـ لَكِنْ نَازَعَهُ سم بِأَنَّ رُجُوعَهَا إلَيْهِ: أَيْ الْإِحْسَانِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ الْمَدْلُولُ لِجَوَازِ أَنَّهَا الْمَدْلُولُ مِنْ حَيْثُ خُصُوصِهَا بَلْ ظَاهِرُ الْكَلَامِ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا وَعَدَ) زَادَ ابْنُ حَجَرٍ أَوْلِيَاءَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا يَكْتُبُ عَلَيْهِمْ الْهَمَّ بِالسَّيِّئَةِ) أَيْ حَيْثُ يُصَمِّمُوا عَلَيْهَا، وَإِلَّا كَتَبَ عَلَيْهِمْ إثْمَ التَّصْمِيمِ دُونَ إثْمِ السَّيِّئَةِ الَّتِي هَمُّوا بِهَا (قَوْلُهُ: الْجَوَادُ) وَالْإِشْعَارُ الْعَاطِفُ بِالتَّغَايُرِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَتَهُ حُذِفَ هُنَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ مُسْلِمَاتٌ مُؤْمِنَاتٌ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْآيَاتِ، وَأَتَى بِهِ فِي نَحْوِ الْأَوَّلِ وَالْآخَرِ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَوْلُهُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لَمْ يَقُلْ الْحَمْدُ لِلْخَالِقِ) أَيْ ابْتِدَاءً فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ الْبَرَّ الْجَوَّادَ إلَخْ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الصَّنِيعِ إلَى اسْتِحْقَاقِهِ تَعَالَى لِلْحَمْدِ لِذَاتِهِ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ، وَلِصِفَاتِهِ ثَانِيًا وَبِالْعَرْضِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمُحْسِنِ) رَجَعَ إلَيْهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ جَمِيعَ الْأَقْوَالِ الْآتِيَةِ، فَمَا قَالُوهُ فِيهَا مَاصَدَقَاتٌ أَوْ غَايَاتٌ لِلْإِحْسَانِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِمْ الْهَمُّ) أَيْ وَإِنْ صَمَّمُوا؛ لِأَنَّهُمْ إذَا صَمَّمُوا إنَّمَا يُكْتَبُ عَلَيْهِمْ التَّصْمِيمُ الْمُسَمَّى بِالْعَزْمِ الَّذِي هُوَ رُتْبَةٌ فَوْقَ الْهَمِّ، وَإِنَّمَا يُكْتَبُ عَلَيْهِمْ
بِالتَّخْفِيفِ: أَيْ الْكَثِيرُ الْجُودِ أَيْ الْعَطَاءِ، قِيلَ لَمْ يُرَدْ بِالْجَوَادِ تَوْقِيفٌ وَأَسْمَاؤُهُ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ، فَلَا يَجُوزُ اخْتِرَاعُ اسْمٍ أَوْ وَصْفٍ لَهُ سبحانه وتعالى إلَّا بِقُرْآنٍ أَوْ خَبَرٍ صَحِيحٍ مُصَرِّحٍ بِهِ لَا بِأَصْلِهِ الَّذِي اُشْتُقَّ مِنْهُ فَحَسَبُ: أَيْ وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ ذِكْرُهُ لِمُقَابَلَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ نَحْوِ {أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 64]{وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مُرْسَلًا وَاعْتَضَدَ بِمُسْنَدٍ وَبِالْإِجْمَاعِ.
(الَّذِي جَلَّتْ) أَيْ عَظُمَتْ وَالْجَلِيلُ الْعَظِيمُ (نِعَمُهُ) جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ بِمَعْنَى إنْعَامٍ وَهُوَ الْإِحْسَانُ، وَأَمَّا النَّعْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ فَهِيَ التَّنَعُّمُ وَبِضَمِّهَا الْمَسَرَّةُ (عَنْ الْإِحْصَاءِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِالْمَدِّ: أَيْ الضَّبْطِ قَالَ تَعَالَى {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة: 6](بِالْأَعْدَادِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ: أَيْ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الْهَمَّ إذَا اتَّصَلَ بِالْفِعْلِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ عِبَارَةُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِشَيْخِنَا فِي حَاشِيَتِهِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْعَطَاءِ) كَذَا فِي نُسَخٍ، وَفَسَّرَهَا شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ بِالْإِعْطَاءِ: أَيْ لِأَنَّ الْعَطَاءَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُعْطَى، وَالْقَصْدُ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِكَثْرَةِ الْإِسْدَاءِ وَالْإِعْطَاءِ، فَاَللَّهُ سبحانه وتعالى كَثِيرُ الْبَذْلِ وَالْإِعْطَاءِ لَا يَنْقَطِعُ إعْطَاؤُهُ فِي وَقْتٍ وَيُعْطِي الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ أَنَّهُ إذَا أَعْطَى لَا يُعْطِي إلَّا كَثِيرًا الصَّادِقَ بِالْإِعْطَاءِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ، عَلَى أَنَّهُ فِي نُسَخٍ أَيْ الْإِعْطَاءَ: ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْجُودِ بِأَنَّهُ إعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي كَمَا فَسَّرُوهُ بِهِ (قَوْلُهُ أَوْ خَبَرٍ صَحِيحٍ) أَيْ أَوْ حَسَنٍ كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى إنْعَامٍ) لَمْ يُبْقِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْهَامِ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ حَصَرِهَا جَمْعُهَا فَيُنَافِي صَرِيحًا {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ} [إبراهيم: 34] الْمُقْتَضِي انْتِفَاءَ الْإِحْصَاءِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ النِّعَمِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْهَمُّ إذَا اتَّصَلَ بِالْفِعْلِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ عِبَارَةُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِشَيْخِنَا فِي حَاشِيَتِهِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْعَطَاءُ) كَذَا فِي نُسَخٍ، وَفَسَّرَهَا شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ بِالْإِعْطَاءِ أَيْ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُعْطَى، وَالْقَصْدُ وَصْفُ اللَّهِ سبحانه وتعالى بِكَثْرَةِ الْإِسْدَاءِ، وَالْإِعْطَاءِ لَا يَنْقَطِعُ إعْطَاؤُهُ فِي وَقْتٍ، وَيُعْطِي الْقَلِيلَ، وَالْكَثِيرَ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ أَنَّهُ إذَا أَعْطَى لَا يُعْطِي إلَّا كَثِيرًا الصَّادِقُ بِالْإِعْطَاءِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ، عَلَى أَنَّهُ فِي نُسَخٍ: أَيْ الْإِعْطَاءُ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الْجُودِ بِأَنَّهُ إعْطَاءُ مَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَنْبَغِي كَمَا فَسَّرُوهُ بِهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ خَبَرٍ صَحِيحٍ) أَيْ أَوْ حَسَنٍ كَمَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى إنْعَامٍ) لَمْ يُبْقِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْهَامِ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ حَصْرِهَا جَمْعُهَا فَيُنَافِي صَرِيحًا {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ} [إبراهيم: 34] الْمُقْتَضِيَ انْتِفَاءَ الْإِحْصَاءِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ النِّعَمِ:
بِجَمِيعِهَا إذْ اللَّامُ فِيهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ الْأَعْدَادَ جَمْعُ قِلَّةٍ، وَالشَّيْءُ قَدْ لَا يَضْبِطُهُ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ وَيَضْبِطُهُ الْكَثِيرُ، فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ، وَيُعَبِّرَ بِالتَّعْدَادِ وَنَحْوِهِ وَالْبَاءُ فِي الْأَعْدَادِ لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ الْمُصَاحَبَةِ، وَنِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ لَا تُحْصَى تَنْحَصِرُ فِي جِنْسَيْنِ دُنْيَوِيٍّ وَأُخْرَوِيٍّ وَالْأَوَّلُ قِسْمَانِ مَوْهِبِيٌّ وَكَسْبِيٌّ. وَالْمَوْهِبِيُّ قِسْمَانِ: رُوحَانِيٌّ كَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وَإِشْرَاقِهِ بِالْعَقْلِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ الْقُوَى كَالْفِكْرِ وَالْفَهْمِ وَالنُّطْقِ. وَجِسْمَانِيٌّ كَتَخْلِيقِ الْبَدَنِ وَالْقُوَى الْحَالَّةِ فِيهِ وَالْهَيْئَاتِ الْعَارِضَةِ لَهُ مِنْ الصِّحَّةِ وَكَمَالِ الْأَعْضَاءِ.
وَالْكَسْبِيُّ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنْ الرَّذَائِلِ وَتَحْلِيَتُهَا بِالْأَخْلَاقِ وَالْمَلَكَاتِ الْفَاضِلَةِ وَتَزْيِينُ الْبَدَنِ بِالْهَيْئَاتِ الْمَطْبُوعَةِ وَالْحُلِيِّ الْمُسْتَحْسَنَةِ وَحُصُولُ الْجَاهِ وَالْمَالِ، وَالثَّانِي أَنْ يَعْفُوَ عَمَّا فَرَطَ مِنْهُ وَيَرْضَى عَنْهُ وَيُبَوِّئَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ.
(الْمَانُّ) أَيْ الْمُنْعِمُ مَنًّا مِنْهُ لَا وُجُوبًا عَلَيْهِ. وَقِيلَ الْمَانُّ الَّذِي يَبْدَأُ بِالنَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمَانِّ بِمَعْنَى مُعَدِّدِ النِّعَمِ وَإِنْ كَانَ صِفَةَ مَدْحٍ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ لَا يُنَاسِبُ هَذَا التَّرْكِيبَ (بِاللُّطْفِ) أَيْ بِالْإِقْدَارِ عَلَى الطَّاعَةِ، إذْ هُوَ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الرَّأْفَةُ وَالرِّفْقُ، وَهُوَ مِنْ اللَّهِ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ، وَبِفَتْحِ اللَّامِ وَالطَّاءِ لُغَةً فِيهِ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَصِحَّةُ الْحَمْدِ عَلَيْهَا إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ صُدُورُهَا عَنْ الْإِنْعَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى.
قِيلَ وَلِأَنَّ نِعَمَهُ تَعَالَى مُحْصَاةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا بَرَزَ فِي الْوُجُودِ كَذَلِكَ، وَإِنْعَامُهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ لَا نِهَايَةَ لِمُتَعَلَّقَاتِهَا، وَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُحْصَاةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنْ لَا قُدْرَةَ لِلْبَشَرِ عَلَى عَدِّهَا وَإِحْصَائِهَا، وَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى تَفْسِيرِ النِّعْمَةِ بِالْإِنْعَامِ أَنَّهُ الْأَوْلَى هُنَا، وَإِلَّا فَالنِّعْمَةُ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى ذَلِكَ تُطْلَقُ عَلَى الْأَثَرِ الْحَاصِلِ بِالْإِنْعَامِ، وَمِنْ ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهِيَ أَيْ النِّعْمَةُ حَقِيقَةُ كُلِّ مُلَائِمٍ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ، وَإِنَّمَا مَلَاذُهُ اسْتِدْرَاجٌ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: إذْ اللَّامُ فِيهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ بِهَا مُفْرَدًا كَانَ أَوْ جَمْعًا لِلِاسْتِغْرَاقِ إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ، فَإِفَادَتُهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ وَضْعِيٌّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَرِينَةٍ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ فِيهِ نَظَرٌ (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ) أَيْ الدُّنْيَوِيُّ (قَوْلُهُ: وَجِسْمَانِيٌّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ نِسْبَةً إلَى الْجِسْمِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فِي النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ جِسْمِيٌّ (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) أَيْ الْأُخْرَوِيُّ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا كَوْنُ الْمَانِّ) مُبْتَدَأٌ (قَوْلُهُ: لَكِنَّهُ لَا يُنَاسِبُ) خَبَرٌ (قَوْلُهُ: أَيْ بِالْإِقْدَارِ عَلَى الطَّاعَةِ) هَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْبَاءَ صِلَةُ الْمَانِّ. وَقَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ عَلَى الْمَحَلِّيِّ مَا نَصُّهُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَاءَ سَبَبِيَّةٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَعَلُّقُ الْإِنْعَامِ بِالْإِقْدَارِ عَلَى الطَّاعَةِ انْتَهَى بِحُرُوفِهِ.
أَقُولُ: وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَارَ صِفَةُ الْبَارِي فَلَا يَكُونُ مُنْعِمًا بِهِ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِأَنْ جَعَلَهُ قَادِرًا وَجَعْلُ الْعَبْدِ قَادِرًا عَلَى الطَّاعَةِ أَثَرٌ لِلْإِنْعَامِ (قَوْلُهُ وَالرِّفْقُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: قُدْرَةِ الطَّاعَةِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ فِعْلَ مَطْلُوبٍ أَوْ تَرْكَ مَعْصِيَةٍ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُرَادِفٌ لِلتَّوْفِيقِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ يُطْلَقُ التَّوْفِيقُ عَلَى أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: اللُّطْفُ مَا يَحْمِلُ الْمُكَلَّفَ عَلَى الطَّاعَةِ، ثُمَّ إنْ حُمِلَ عَلَى فِعْلِ الْمَطْلُوبِ سُمِّيَ تَوْقِيفًا، أَوْ تَرْكِ الْقَبِيحِ سُمِّيَ عِصْمَةً انْتَهَى (قَوْلُهُ وَبِفَتْحِ اللَّامِ) عَطْفٌ عَلَى بِضَمِّ
ــ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقَاتِ، فَالْحَمْلُ عَلَى الْإِنْعَامِ وَإِنْ أَوْهَمَ أَنَّ عَدَمَ الْإِحْصَاءِ فِيهِ جَمْعِيَّتُهُ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُنَافَاةٌ صَرِيحَةٌ لِلْآيَةِ، وَهَذَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ وَوَجَّهَهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ بِغَيْرِ هَذَا فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: إذْ اللَّامُ فِيهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ) أَيْ وَهِيَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْجَمْعِ أَبْطَلَتْ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ وَصَيَّرَتْ أَفْرَادَهُ آحَادًا عَلَى الصَّحِيحِ.
(قَوْلُهُ: مَنًّا مِنْهُ) أَيْ تَفَضُّلًا، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى، عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ كُلَّهَا كَذَلِكَ.
وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ مَعَ الْمَتْنِ الْمَانُّ مِنْ الْمِنَّةِ وَهِيَ النِّعْمَةُ مُطْلَقًا، أَوْ بِقَيْدِ كَوْنِهَا ثَقِيلَةً مُبْتَدَأَةً مِنْ غَيْرِ مُقَابِلٍ يُوجِبُهَا، فَنِعَمُهُ تَعَالَى مِنْ مَحْضِ فَضْلِهِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ (قَوْلُهُ: إذْ هُوَ بِضَمِّ اللَّامِ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: كَيْفَ فَسَّرْته بِالْإِقْدَارِ آخِرَهُ مَعَ أَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْأَصْلِ الرَّأْفَةُ وَالرِّفْقُ، وَالْإِقْدَارُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ مَعَانِيهِ؟ وَحَاصِلُ جَوَابِهِ أَنَّهُ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ الْأَصْلِ لِاسْتِحَالَةِ مَعْنَاهُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِاللُّطْفِ) الْبَاءُ فِيهِ قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ إنَّهَا لِلسَّبَبِيَّةِ: أَيْ
وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يَبِرُّ بِهِ الشَّخْصُ (وَالْإِرْشَادُ) أَيْ الْهِدَايَةُ لِلطَّاعَةِ فَإِنَّهُ مَصْدَرُ أَرْشَدَهُ بِمَعْنَى وَفَّقَهُ وَهَدَاهُ، وَالرَّشَادُ وَالرُّشْدُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ وَبِفَتْحِهَا نَقِيضُ الْغَيِّ وَهُوَ الْهُدَى وَالِاسْتِقَامَةُ، يُقَالُ رَشِدَ يَرْشَدُ رُشْدًا بِوَزْنِ عَجِبَ يَعْجَبُ عَجَبًا وَبِوَزْنِ أَكَلَ يَأْكُلُ أَكْلًا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (الْهَادِي إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ) أَيْ الدَّالُّ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ بِلُطْفٍ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْهَادِي وَهُوَ الَّذِي بَصَّرَ عِبَادَهُ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِ حَتَّى أَقَرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ.
وَهِدَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى تَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا لَا يُحْصِيهَا عَدٌّ لَكِنَّهَا تَنْحَصِرُ فِي أَجْنَاسٍ مُتَرَتِّبَةٍ:
الْأَوَّلُ إفَاضَةُ الْقُوَى الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ الِاهْتِدَاءِ إلَى مَصَالِحِهِ كَالْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحَوَاسِّ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْمَشَاعِرِ الظَّاهِرَةِ.
وَالثَّانِي نَصْبُ الدَّلَائِلِ الْفَارِقَةِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ.
وَالثَّالِثُ الْهِدَايَةُ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يَكْشِفَ عَلَى قُلُوبِهِمْ السَّرَائِرَ وَيُرِيَهُمْ الْأَشْيَاءَ كَمَا هِيَ بِالْوَحْيِ أَوْ الْإِلْهَامِ وَالْمَنَامَاتِ الصَّادِقَةِ وَهَذَا قِسْمٌ يَخْتَصُّ بِنَيْلِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ (الْمُوَفِّقُ لِلتَّفَقُّهِ) اللَّامُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ (فِي الدِّينِ مِنْ لُطْفٍ بِهِ) مَفْعُولُ الْمُوَفِّقِ وَالضَّمِيرُ فِي بِهِ لِمَنْ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهَا (وَاخْتَارَهُ) لَهُ (مِنْ الْعِبَادِ) الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِاخْتَارَ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يَبِرُّ بِهِ الشَّخْصُ) عَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ مَا بِهِ صَلَاحُ الْعَبْدِ أَخَرَةً، وَيُسَاوِيهِ التَّوْفِيقُ الَّذِي هُوَ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ مَاصَدَقًا لَا مَفْهُومًا انْتَهَى رحمه الله (قَوْلُهُ: يُقَالُ رَشَدَ يَرْشُدُ إلَخْ) هَذَا قَدْ يُشْعِرُ بِتَسَاوِي الِاسْتِعْمَالَيْنِ وَفِي الْمُخْتَارِ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ: الرَّشَادُ ضِدُّ الْغَيِّ، يُقَالُ رَشَدَ يَرْشُدُ مِثْلُ قَعَدَ يَقْعُدُ رُشْدًا بِضَمِّ الرَّاءِ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى مِنْ بَابِ طَرِبَ انْتَهَى. لَكِنْ فِي الْمِصْبَاحِ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الشَّارِحِ حَيْثُ قَالَ: الرُّشْدُ الصَّلَاحُ وَهُوَ خِلَافُ الْغَيِّ وَالضَّلَالِ وَهُوَ إصَابَةُ الصَّوَابِ، وَرَشِدَ رَشَدًا مِنْ بَابِ تَعِبَ وَرَشَدَ يَرْشُدُ مِنْ بَابِ قَتَلَ فَهُوَ أَرْشَدُ وَالِاسْمُ الرَّشَادُ انْتَهَى (قَوْلُهُ: أَيْ الدَّالُّ) زَادَ ابْنُ حَجَرٍ أَوْ الْمُوَصِّلُ انْتَهَى (قَوْلُهُ: وَالرَّابِعُ أَنْ يَكْشِفَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أَيْ يَظْهَرَ عَلَى قُلُوبِهِمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيُرِيَهُمْ الْأَشْيَاءَ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ. وَفِي نُسْخَةٍ عَنْ قُلُوبِهِمْ الرَّيْنَ (قَوْلُهُ: الْمُوَفِّقُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ الْمُقَدِّرُ، وَهُوَ جَرَى عَلَى مَنْ يُجِيزُ غَيْرَ التَّوْقِيفِيَّةِ إذَا لَمْ يُوهِمْ نَقْصًا (قَوْلُهُ: اللَّامُ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ) أَيْ فَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِلْمُوَفِّقِ، وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ مَنْ انْتَهَى ابْنُ حَجَرٍ: وَعَلَيْهِ فَمِنْ الْعِبَادِ بَيَانٌ لِمَنْ.
(قَوْلُهُ: الْمَفْعُولُ الثَّانِي) أَيْ مَعَ صِحَّةِ كَوْنِهِ مَفْعُولًا لِلْمُوَفِّقِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَّنَازُعِ، وَعَلَى هَذَا: أَيْ قَوْلُهُ مِنْ الْعِبَادِ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِاخْتَارَ وَالْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ هُوَ الْهَاءُ فِي اخْتَارَهُ، وَيَجُوزُ أَنَّ مِنْ الْعِبَادِ بَيَانًا لِمَنْ، وَعَلَيْهِ فَمَفْعُولُ اخْتَارَ الثَّانِي قَوْلُهُ الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّارِحُ فَلِلتَّفَقُّهِ صِلَةُ الْمُوَفِّقِ لَا عَلَى جِهَةِ الْمَفْعُولِيَّةِ، وَهَذَا
ــ
[حاشية الرشيدي]
لِأَنَّهَا لَوْ جُعِلَتْ لِلتَّعْدِيَةِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَحْظُورٌ، وَهُوَ أَنَّ الْإِقْدَارَ مِنْ أَوْصَافِهِ تَعَالَى فَلَا مَعْنَى لِإِنْعَامِهِ بِهِ وَجَعْلِهِ مُنْعِمًا بِهِ كَمَا وَجَّهَهُ بِذَلِكَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ.
وَأَجَابَ عَنْهُ بِمَا فِيهِ وَقْفَةٌ.
وَأَقُولُ: الْإِقْدَارُ وَإِنْ كَانَ وَصْفًا لَهُ تَعَالَى إلَّا أَنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ، فَهُوَ حَادِثٌ فَلَا مَانِعَ مِنْ إنْعَامِهِ بِهِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَيُطْلَقُ عَلَى مَا يُبَرُّ بِهِ الشَّخْصُ) بِضَمِّ أَوَّلِ يُبَرُّ وَفَتْحِ ثَانِيهِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، وَالضَّمِيرُ فِي يُطْلَقُ يَعُودُ إلَى اللَّطَفِ بِالْفَتْحِ لِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا، وَعِبَارَةُ الصِّحَاحِ: أَلْطَفَهُ بِكَذَا أَيْ بَرَّهُ وَالِاسْمُ اللَّطَفُ بِالتَّحْرِيكِ، يُقَالُ: جَاءَتْنَا لَطَفَةٌ مِنْ فُلَانٍ: أَيْ هَدِيَّةٌ، وَشَيْخُنَا فَهِمَ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى اللُّطْفِ بِالضَّمِّ، وَعَلَيْهِ فَيُقْرَأُ يَبَرُّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بِمَعْنَى يَصِيرُ بِهِ بَارًّا وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مَعَ مَا تَقَرَّرَ (قَوْلُهُ: أَيْ الْهِدَايَةُ) عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْإِرْشَادِ هِيَ بِمَعْنَى الْإِيصَالِ إلَى الطَّاعَةِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ مَعْنَيَيْهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مَصْدَرُ أَرْشَدَهُ بِمَعْنَى وَفَّقَهُ وَهَدَاهُ، وَإِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي الْهَادِي إلَى الرَّشَادِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الدَّلَالَةِ الْمَعْنَى الثَّانِي لِلْهِدَايَةِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ حُسْنُ مَا سَلَكَهُ الشَّيْخُ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ هُنَا (قَوْلُهُ: وَالرَّابِعُ أَنْ يَكْشِفَ إلَخْ) لَا يَظْهَرُ تَرْتِيبُ هَذَا عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ قِسْمٌ بِرَأْسِهِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ تَرَتُّبُهُ عَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّ قَوْلَهُ مُتَرَتِّبَةً: أَيْ فِي الْجُمْلَةِ (قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَنْ لَطَفَ بِهِ) أَيْ أَرَادَ بِهِ الْخَيْرَ كَمَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ أَخْذًا مِنْ
وَاللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَوْ لِلْعَهْدِ، وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى خَبَرِ «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالتَّوْفِيقُ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ وَتَسْهِيلُ سَبِيلِ الْخَيْرِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَا يَقَعُ عِنْدَ صَلَاحِ الْعَبْدِ أَخَرَةً وَهُوَ عَكْسُ الْخِذْلَانِ.
وَفِي الْحَدِيثِ «لَا يَتَوَفَّقُ عَبْدٌ حَتَّى يُوَفِّقَهُ اللَّهُ» وَفِي أَوَائِلِ الْإِحْيَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «قَلِيلٌ مِنْ التَّوْفِيقِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعِلْمِ» قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: وَالتَّوْفِيقُ الْمُخْتَصُّ بِالْمُتَعَلِّمِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: شِدَّةُ الْعِنَايَةِ، وَمُعَلِّمٌ ذُو نَصِيحَةٍ، وَذَكَاءُ الْقَرِيحَةِ وَاسْتِوَاءُ الطَّبِيعَةِ: أَيْ خُلُوُّهَا عَنْ الْمَيْلِ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَرْتَسِمْ فِيهَا وَتَتَكَيَّفْ بِمَا يُخَالِفُ الشَّيْءَ الْمُلْقَى إلَيْهَا. وَلَمَّا كَانَ التَّوْفِيقُ عَزِيزًا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ} [هود: 88]{إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35]{إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 62] وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ لَفْظِهِ وَإِلَّا فَالْآيَتَانِ الْمُتَأَخِّرَتَانِ لَيْسَتَا مِنْ التَّوْفِيقِ الْمَذْكُورِ.
وَالتَّفَقُّهُ أَخْذُ الْفِقْهِ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَالْفِقْهُ لُغَةً الْفَهْمُ، وَقِيلَ فَهْمُ مَا دَقَّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يُقَالُ فَقِهَ يَفْقَهُ فِقْهًا كَفَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحًا، وَقِيلَ فِقْهًا بِسُكُونِ الْقَافِ وَابْنُ الْقَطَّاعِ وَغَيْرُهُ يُقَالُ: فَقِهَ بِالْكَسْرِ إذَا فَهِمَ، وَفَقُهَ بِالضَّمِّ إذَا صَارَ الْفِقْهُ لَهُ سَجِيَّةً، وَفَقَهَ بِالْفَتْحِ إذَا سَبَقَ غَيْرَهُ إلَى الْفَهْمِ.
وَشَرْعًا: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُكْتَسَبُ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ وَمَوْضُوعُهُ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ؛ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ فِيهِ عَنْهَا، وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ وَضْعُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي ابْنِ حَجَرٍ، وَالْأَوَّلُ أَنَّهُ بَيَانٌ لِمَنْ، وَعَلَيْهِ فَالْمَفْعُولُ الثَّانِي لِاخْتَارَ قَوْلُهُ الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّارِحُ رحمه الله (قَوْلُهُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ مِنْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ كَمَا هُوَ مُصْطَلَحُ الْمُحَدِّثِينَ (قَوْلُهُ: وَتَسْهِيلُ سَبِيلِ الْخَيْرِ) تَبِعَ فِيهِ بَعْضَهُمْ احْتِرَازًا عَنْ الْكَافِرِ وَنَحْوِهِ، فَلَا تَوْفِيقَ عِنْدَهُمْ مَعَ قُدْرَتِهِمْ لِسَلَامَةِ أَعْضَائِهِمْ، لَكِنْ رَدَّ بِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ الصِّفَةُ الْمُقَارِنَةُ لِلْفِعْلِ، وَعَلَيْهِ فَالْكَافِرُ وَنَحْوُهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ (قَوْلُهُ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ) أَيْ مَجَازًا لِكَوْنِهِ لَازِمًا لِلتَّوْفِيقِ، وَهَذَا إنْ فُسِّرَ مَا بِهِ صَلَاحُ الْعَبْدِ بِمَا يَكُونُ مِنْ صِفَةِ بَنِي آدَمَ، وَإِلَّا بِأَنْ فُسِّرَ بِمَا هُوَ مِنْ فِعْلِهِ تَعَالَى كَخَلْقِهِ الْأَحْوَالَ الَّتِي تَكُونُ فِي الْعَبْدِ كَانَ مُسَاوِيًا لِلتَّوْفِيقِ (قَوْلُهُ: أَخَرَةً) أَيْ فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَهُوَ بِوَزْنِ دَرَجَةٍ سَيِّد (قَوْلُهُ: مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعِلْمِ) أَيْ الْخَالِي عَنْ التَّوْفِيقِ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّوْفِيقُ الْمُخْتَصُّ إلَخْ) أَيْ وَالْمُرَادُ بِهِ تَيْسِيرُ الْأَسْبَابِ الْمُوَافِقَةِ لِلْمَقْصُودِ وَالْمُحَصِّلَةِ لَهُ (قَوْلُهُ: شِدَّةُ الْعِنَايَةِ) أَيْ الِاعْتِنَاءِ بِالطَّلَبِ وَدَوَامِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَرْتَسِمْ فِيهَا) أَيْ مَا يُلْقَى إلَيْهِ مِنْ الْمُعَلِّمِ وَلَوْ ظَنَّهُ خَطَأً، ثُمَّ بَعْدَ انْتِهَائِهِ يَتَأَمَّلُ فِيهِ بِمَا عِنْدَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ شُبْهَةٌ أَوْ رَدَّهَا عَلَى مُعَلِّمِهِ لِيُزِيلَهَا لَهُ إنْ أَمْكَنَ (قَوْلُهُ إنْ أَرَدْنَا إلَّا إحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) تَبِعَ فِيهِ بَعْضَهُمْ.
وَفِي ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ لِعِزَّتِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا مَرَّةً فِي هُودٍ، قَالَ: وَلَيْسَ مِنْهُ {إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 62]{يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] مِنْ الْوِفَاقِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخِلَافِ انْتَهَى رحمه الله، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَظَاهِرُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ فِقْهًا بِسُكُونِ الْقَافِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ مَعَ فَتْحِ الْفَاءِ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ (قَوْلُهُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ) أَيْ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالنِّيَّةِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ مَا يَشْمَلُ عَمَلَ الْقَلْبِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ فِيهِ عَنْهَا) وَاسْتِمْدَادُهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَالِاسْتِصْحَابِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْخَبَرِ الْآتِي، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ: اللُّطْفُ مُسَاوٍ لِلتَّوْفِيقِ مَاصَدَقًا أَوْ وَمَفْهُومًا، فَيَرْجِعُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ إلَى تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ (قَوْلُهُ: لَهُ) عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَاخْتَارَهُ تَبِعَ فِيهِ الْمُحَقِّقَ الْمَحَلِّيَّ، لَكِنَّ الْمُحَقِّقَ الْمَذْكُورَ قَدَّمَ لَهُ مَرْجِعًا هُوَ لَفْظُ الْخَيْرِ كَمَا قَدَّمْته عَنْهُ فِي الْقَوْلِ قَبْلَ هَذِهِ، وَالشَّيْخُ لَمَّا حَذَفَ ذَلِكَ وَتَبِعَهُ هُنَا أَوْهَمَ أَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلَى الدِّينِ أَوْ التَّفَقُّهِ وَلَيْسَ لَهُ كَبِيرُ فَائِدَةٍ (قَوْلُهُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ إلَخْ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْعِبَادِ لَفْظُهَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِمَنْ، فَأَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وَالْمَعْهُودِ {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] إلَى أَنْ قَالَ أَوْ مَفْعُولًا ثَانِيًا لَاخْتَارَهُ فَأَلْ فِيهِ لِلْجِنْسِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُرْسَمْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ عَنْ الْمَيْلِ
سَائِقٍ إلَهِيٍّ لِذَوِي الْعُقُولِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ بِالذَّاتِ.
وَقِيلَ الطَّرِيقَةُ الْمَخْصُوصَةُ الْمَشْرُوعَةُ بِبَيَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ، سُمِّيَتْ مِنْ حَيْثُ انْقِيَادِ الْخَلْقِ لَهَا دِينًا، وَمِنْ حَيْثُ إظْهَارِ الشَّارِعِ إيَّاهَا شَرْعًا وَشَرِيعَةً، وَمِنْ حَيْثُ إمْلَاءِ الشَّارِعِ إيَّاهَا مِلَّةً (أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ) أَيْ أَنْهَاهُ (وَأَكْمَلَهُ) أَيْ أَتَمَّهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: قَصَدَ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حَمْدُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ لَا كَمَا وَقَعَ لِلْمُعْتَزِلَةِ مِنْ نَفْيِ صِفَاتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ وَبَعْضِ الْإِضَافِيَّةِ (وَأَزْكَاهُ) أَيْ أَنَمَاهُ (وَأَشْمَلَهُ) أَيْ أَعُمَّهُ.
الْمَعْنَى: أَصِفُهُ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا جَمِيلٌ، وَرِعَايَةُ جَمِيعِهَا أَبْلَغُ فِي التَّعْظِيمِ الْمُرَادِ بِمَا ذَكَرَ، إذْ الْمُرَادُ بِهِ إيجَادُ الْحَمْدِ لَا الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ سَيُوجَدُ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَمْدِهِ الْأَوَّلِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ بِرِعَايَةِ الْأَبْلَغِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَاكَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا وَهِيَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِ الْحَمْدِ مِنْ الْخَلْقِ، أَوْ مُسْتَحِقٌّ لَأَنْ يَحْمَدُوهُ، وَإِنْ لَمْ تُرَاعَ الْأَبْلَغِيَّةُ هُنَا بِأَنْ يُرَادَ الثَّنَاءُ بِالْجَمِيلِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ بِالثَّنَاءِ بِكُلِّ الصِّفَاتِ وَبِبَعْضِهَا، وَذَلِكَ الْبَعْضُ أَعَمُّ مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ لِصِدْقِهِ بِهَا وَبِغَيْرِهَا وَبِهَا مَعَ غَيْرِهَا الْكَثِيرِ فَالثَّنَاءُ بِهِ أَبْلَغُ مِنْ الثَّنَاءِ بِمَا فِي الْجُمْلَةِ أَيْضًا، نَعَمْ الثَّنَاءُ بِهَا مِنْ حَيْثُ تَفْصِيلِهَا أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ الثَّنَاءِ بِهِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ عُمُومُ الْحَمْدِ مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ النِّعَمُ لَا يُتَصَوَّرُ حَصْرُهَا كَمَا سَبَقَ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ نِسْبَةُ عُمُومِ الْمَحَامِدِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى جِهَةِ الْإِجْمَالِ بِأَنْ يَعْتَرِفَ مَثَلًا بِاتِّصَافِ اللَّهِ تَعَالَى بِجَمِيعِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَمَسَائِلِهِ كُلُّ مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِيهِ. وَفَائِدَتُهُ امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي. وَغَايَتُهُ انْتِظَامُ أَمْرِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ مَعَ الْفَوْزِ بِكُلِّ خَيْرٍ دُنْيَوِيٍّ وَأُخْرَوِيٍّ انْتَهَى ابْنُ حَجَرٍ بِحُرُوفِهِ رحمه الله.
(قَوْلُهُ: سَائِقٍ إلَهِيٍّ لِذَوِي الْعُقُولِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ) فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي عَلَى حَوَاشِي الْعَضُدِ لِبَعْضِهِمْ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ إلَهِيٍّ عَنْ الْأَوْضَاعِ الْبَشَرِيَّةِ نَحْوَ الرُّسُومِ السِّيَاسِيَّةِ وَالتَّدْبِيرَاتِ الْمَعَاشِيَّةِ، وَقَوْلُهُ سَائِقٍ لِذَوِي الْأَلْبَابِ احْتِرَازٌ عَنْ الْأَوْضَاعِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي تَهْتَدِي بِهَا الْحَيَوَانَاتُ لِخَصَائِصِ مَنَافِعِهَا وَمَضَارِّهَا، وَقَوْلُهُ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ عَنْ الْمَعَانِي الِاتِّفَاقِيَّةِ وَالْأَوْضَاعِ الْقَسْرِيَّةِ، وَقَوْلُهُ إلَى مَا هُوَ خَيْرٌ بِالذَّاتِ عَنْ نَحْوِ صِنَاعَتَيْ الطِّبِّ وَالْفِلَاحَةِ، فَإِنَّهُمَا وَإِنْ تَعَلَّقَا بِالْوَضْعِ الْإِلَهِيِّ: أَعْنِي تَأْثِيرَ الْأَجْسَامِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ وَكَانَتَا سَائِقَتَيْنِ لِأُولِي الْأَلْبَابِ بِاخْتِيَارِهِمْ الْمَحْمُودِ إلَى صِنْفٍ مِنْ الْخَيْرِ، فَلَيْسَتَا تُؤَدِّيَانِهِمْ إلَى الْخَيْرِ الْمُطْلَقِ الذَّاتِيِّ: أَعْنِي مَا يَكُونُ خَيْرًا بِالْقِيَاسِ إلَى كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ وَالْقُرْبُ إلَى خَالِقِ الْبَرِّيَّةِ انْتَهَى ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ.
(قَوْلُهُ: وَشَرِيعَةً) كَمَا أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَشْرَعَةُ الْمَاءِ وَهِيَ مَوْرِدُ الشَّارِبَةِ انْتَهَى مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: أَيْ أَتَمَّهُ) هَذَا قَدْ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ بَيْنَ الْأَبْلَغِ وَالْأَتَمِّ، وَتَفْسِيرُ الشَّارِحِ بِمَا ذَكَرَهُ فِيهِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ التَّغَايُرِ، إذْ الْمُرَادُ بِالْأَتَمِّ الَّذِي بَلَغَ غَايَةَ الشَّيْءِ هُوَ حَقِيقَةُ النِّهَايَةِ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِاسْمِ التَّفْضِيلِ يَقْتَضِي أَنَّ النِّهَايَةَ وَالتَّمَامَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَفْرَادُ بَعْضِهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ؛ لِأَنَّ نِهَايَةَ الشَّيْءِ وَتَمَامَهُ لَا تَتَفَاوَتُ فِيهِمَا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالتَّمَامِ وَالنِّهَايَةِ مَا يَقْرَبُ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: قَصَدَ بِذَلِكَ) أَيْ بِقَوْلِهِ أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ) مِنْ ثُبُوتِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَغَيْرِهَا (قَوْلُهُ وَرِعَايَةٌ) تَبِعَ فِيهِ الشَّارِحَ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ هُنَا؛ لِأَنَّ أَبْلَغَ الْحَمْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ، إذْ لَوْ حَمِدَ بِبَعْضِهَا لَمْ يَكُنْ أَبْلُغَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَبْلَغُ) أَيْ أَحْمَدُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِرِعَايَةِ الْأَبْلَغِيَّةِ) فِيهِ مَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَهِيَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ) أَيْ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى جِهَةِ الْإِجْمَالِ)
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ) أَيْ مِنْ إثْبَاتِ جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ تَعَالَى حَقِيقِيِّهَا وَإِضَافِيِّهَا.
وَوَجْهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَبْلَغَ وَأَكْمَلَ إلَّا إذَا كَانَ يَجْمَعُ صِفَاتِ الْكَمَالِ (قَوْلُهُ: وَرِعَايَةُ جَمِيعِهَا) أَيْ الصَّادِقُ بِهِ الْحَمْدُ الْمَذْكُورُ مِنْ جُمْلَةِ مَاصَدَقَاتِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ ثَنَاءٌ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ الْجَلَالِ بَلْ هُوَ مِنْ الشَّارِحِ هُنَا تَعْلِيلٌ لِكَلَامِ الْجَلَالِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْجَلَالَ إنَّمَا رَجَّحَ مَا هُنَا لِهَذَا الْغَرَضِ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً وَكَلَامُ الشِّهَابِ بْنِ قَاسِمٍ فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَى الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ فِي تَرْجِيحِهِ الْأُولَى مِنْ حَيْثُ اسْمِيَّتُهَا صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ) وَمَعَ ذَلِكَ لَا بُدَّ مِنْ ادِّعَاءِ إرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ حَمْدَهُ وَلَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ بِالْمَعْنَى
صِفَاتِ الْكَمَالِ الْجَلَّالِيَّةِ وَالْجَمَالِيَّةِ، وَقَدْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الدَّوَامِ وَالثُّبُوتِ " وَثَانِيًا بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ، وَاقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَفِي خَبَرِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ (وَأَشْهَدُ) أَيْ أَعْلَمُ (أَنْ لَا إلَهَ) أَيْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ (إلَّا اللَّهُ) الْوَاجِبُ الْوُجُودِ (الْوَاحِدُ) أَيْ الَّذِي لَا تَعَدُّدَ لَهُ فَلَا يَنْقَسِمُ بِوَجْهٍ وَلَا نَظِيرٍ لَهُ، فَلَا مُشَابَهَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ (الْغَفَّارُ) أَيْ السَّتَّارُ لِذُنُوبِ مَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يُظْهِرُهَا بِالْعِقَابِ عَلَيْهَا.
وَقَدْ صَرَّحَ بِكَلِمَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ فِي سَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ مَوْضِعًا، وَلَمْ يَقُلْ الْقَهَّارَ بَدَلَ الْغَفَّارِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَهْرِ مَأْخُوذٌ مِمَّا قَبْلَهُ، إذْ مِنْ شَأْنِ الْوَاحِدِ فِي مِلْكِهِ الْقَهْرُ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ شُرُوطِ الْإِسْلَامِ تَرْتِيبُ الشَّهَادَتَيْنِ عَطَفَ الْمُصَنِّفُ الشَّهَادَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى فَقَالَ (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ) مِنْ الْخَلْقِ لِدَعْوَةِ مَنْ بُعِثَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ إلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ مِنْ النَّاسِ لِيَدْعُوَهُمْ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إلَى الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا أَوْضَحَهُ الْوَالِدُ رحمه الله فِي فَتَاوِيهِ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا يَلِيقُ بِالْمُصَنِّفِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ دُونَ مَا يُمْكِنُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إجْمَالًا (قَوْلُهُ: الْجَلَّالِيَّةِ) كَصِفَاتِ السَّلْبِ مِثْلَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَالْجَمَالِيَّةُ كَوَصْفِهِ بِكَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ) اسْمِيَّةٌ (قَوْلُهُ: نَحْمَدُهُ) فِعْلِيَّةٌ وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ جُعِلَ قَوْلُهُ نَحْمَدُهُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، وَأَنَّ قَوْلَهُ إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، أَمَّا إذَا قُرِئَ أَنَّ الْحَمْدَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ اللَّامِ عَلَى مَعْنَى نَحْمَدُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الْحَمْدِ فَهِيَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ (قَوْلُهُ: أَيْ أَعْلَمُ) هَلْ هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ كَمَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَعْنَى الشَّهَادَةِ أَمْ لَا انْتَهَى ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ رحمه الله.
لَكِنْ ضَبَطَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ عَلَى خُطْبَةِ الْمِنْهَاجِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ كَمَا أَشَارَ إلَى نَقْلِهِ عَنْهُ بِالْمَعْنَى ابْنُ قَاسِمٍ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ: قَالَ الشِّهَابُ الْإِبْشِيطِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْخُطْبَةِ: مَعْنَاهَا هُنَا أَعْلَمُ ذَلِكَ بِقَلْبِي وَأُبَيِّنُهُ بِلِسَانِي قَاصِدًا بِهِ الْإِنْشَاءَ حَالَ تَلَفُّظِهِ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَذْكَارِ وَالتَّنْزِيهَاتِ انْتَهَى، فَقَوْلُهُ وَأُبَيِّنُهُ بِلِسَانِي ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَعْنَى الشَّهَادَةِ، وَنُقِلَ عَنْ ضَبْطِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ فِي تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ فِي بَابِ الْأَذَانِ أَنَّهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ.
أَقُولُ: وَتَجُوزُ قِرَاءَتُهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ (قَوْلُهُ إلَّا اللَّهُ) وَفِي نُسَخٍ زِيَادَةُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَحِينَئِذٍ فَوَحْدَهُ تَوْكِيدٌ لِتَوْحِيدِ الذَّاتِ، وَمَا بَعْدَهُ تَوْكِيدٌ لِتَوْحِيدِ الْأَفْعَالِ رَدًّا عَلَى نَحْوِ الْمُعْتَزِلَةِ انْتَهَى ابْنُ حَجَرٍ (قَوْلُهُ مَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) يَقْتَضِي أَنَّ الْكَافِرَ لَا يُغْفَرُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَعَاصِي الزَّائِدَةِ عَلَى الْكُفْرِ انْتَهَى الشَّيْخُ عَمِيرَةُ. زَادَ فِي الْحَاشِيَةِ الْكُبْرَى وَهُوَ ظَاهِرٌ انْتَهَى. وَيُوَافِقُهُ تَصْرِيحُهُمْ فِي الْجَنَائِزِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ سُبْحَانَهُ مَا عَدَا الشِّرْكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْجَوَازِ الْوُقُوعُ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ (قَوْلُهُ: فِي سَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ مَوْضِعًا) فِيهِ تَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ فَقَطْ وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ صَرَّحَ فِيمَا ذَكَرَ بِنَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعَالَى وَإِثْبَاتِهَا لَهُ، تَارَةً بِلَفْظِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَتَارَةً بِلَفْظِ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَوْ إلَّا أَنَا، أَوْ إلَّا الَّذِي (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَهْرِ) لَا يُقَالُ هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا فِي التَّنْزِيلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَقَامُ هُنَا مَقَامُ الْوَصْفِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرَّحْمَةِ وَالْإِنْعَامِ، فَكَانَ ذِكْرُ الْغَفَّارِ هُنَا أَنْسَبُ انْتَهَى عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (قَوْلُهُ: مِنْ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ) أَيْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الرَّاجِحُ) خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ رحمه الله، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ لِلْجَمَادَاتِ بِالْأَوْلَى.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ:
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْمَذْكُورِ دُونَ حَمْدِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَوْ إجْمَالِيًّا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشِّهَابُ بْنُ قَاسِمٍ (قَوْلُهُ: أَيْ أُعْلِمَ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ كَمَا ضَبَطَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ فِي بَابِ الْأَذَانِ، إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَمَا هُنَا بِأَنَّ الْأَذَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ الْإِعْلَامُ (قَوْلُهُ: فَلَا مُشَابَهَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ) أَيْ فِي ذَاتٍ وَلَا صِفَةٍ وَلَا فِعْلٍ (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ بِكَلِمَةِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) فِيهِ تَسَامُحٌ وَإِلَّا فَالتَّصْرِيحُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَمْ يَقَعْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ صَرَّحَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَلَوْ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ (قَوْلُهُ: فِيهِ إشَارَةٌ إلَخْ) مَأْخَذُ الْإِشَارَةِ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لِيَدْعُوهُمْ الْعَائِدُ إلَى النَّاسِ، وَلِهَذَا لَمَّا عَبَّرَ
لَكِنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ قَدْ تُخْرِجُ الْجِنَّ مَعَ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إلَيْهِمْ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِشُمُولِ النَّاسِ لَهُمْ كَمَا عُزِيَ لِلْجَوْهَرِيِّ وَعَلَيْهِ فَلَا اعْتِرَاضَ، أَوْ أَنَّهُمْ دَخَلُوا بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَمُحَمَّدٌ عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنْ اسْمِ الْمَفْعُولِ الْمُضَعَّفِ سُمِّيَ بِهِ نَبِيًّا بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَفَاؤُلًا بِأَنَّهُ يُكْثِرُ حَمْدَ الْخَلْقِ لَهُ لِكَثْرَةِ خِصَالِهِ الْمَحْمُودَةِ، كَمَا رُوِيَ فِي السِّيَرِ أَنَّهُ قِيلَ لِجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَدْ سَمَّاهُ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ لِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَهَا: لِمَ سَمَّيْت ابْنَك مُحَمَّدًا وَلَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ آبَائِك وَلَا قَوْمِك؟ فَقَالَ: رَجَوْت أَنْ يُحْمَدَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ صِفَةٌ أَتَمُّ وَلَا أَشْرَفُ مِنْ الْعُبُودِيَّةِ، وَلِهَذَا أَطْلَقَهَا اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ فِي أَشْرَفِ الْمَوَاطِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ - الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ - تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: بِمَ أُشَرِّفُك؟ قَالَ: بِأَنْ تَنْسُبَنِي إلَيْك بِالْعُبُودِيَّةِ» .
وَالنَّبِيُّ إنْسَانٌ ذَكَرٌ حُرٌّ سَلِيمُ الْخِلْقَةِ مِمَّا يُنَفِّرُ عَادَةً كَالْعَمَى وَالْبَرَصِ، أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإِنْ أُمِرَ بِذَلِكَ فَرَسُولٌ أَيْضًا، أَوْ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كِتَابٌ أَوْ نَسْخٌ لِبَعْضِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ كَيُوشَعَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَرَسُولٌ أَيْضًا قَوْلَانِ، فَالنَّبِيُّ أَعَمُّ مِنْ الرَّسُولِ عَلَيْهِمَا، وَفِي ثَالِثٍ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ مَعْنَى الرَّسُولِ عَلَى الْأَوَّلِ الْمَشْهُورِ. وَالرَّسُولُ بِاعْتِبَارِ الْمَلَائِكَةِ أَعَمُّ مِنْ النَّبِيِّ إذْ يَكُونُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْبَشَرِ، وَفِي التَّنْزِيلِ {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَفْضِيلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ وَغَيْرَهُمْ؛ لِأَنَّهُ حَذَفَ الْمُفَضَّلَ عَلَيْهِ وَحَذْفُ الْمَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِالْعُمُومِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، قَالُوا: إنَّ النَّوْعَ الْإِنْسَانِيَّ أَفْضَلُ مِنْ نَوْعِ الْمَلَائِكَةِ، وَأَنَّ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
إنَّهُ أُرْسِلَ لِلْمَلَائِكَةِ، وَالْبَارِزِيُّ: إنَّهُ أُرْسِلَ لِلْجَمَادَاتِ، وَاعْتَمَدَهُ ابْنُ حَجَرٍ رحمه الله (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ مَبْعُوثٌ إلَيْهِمْ) أَيْ إجْمَاعًا يُكَفَّرُ مُنْكِرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، ابْنُ حَجَرٍ لَكِنَّا لَا نَعْلَمُ تَفَاصِيلَ مَا أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْلِيفُهُمْ بِالْفُرُوعِ الَّتِي كَلَّفَنَا بِهَا تَفْصِيلًا، لَكِنْ فِي شَرْحِ إيضَاحِ النَّوَوِيِّ لِلشَّارِحِ مَا نَصُّهُ: فَهُمْ أَيْ الْجِنُّ مُكَلَّفُونَ بِجَمِيعِ مَا كُلِّفْنَا بِهِ إلَّا مَا ثَبَتَ خُصُوصُهُ بِهِمْ انْتَهَى (قَوْلُهُ: بِشُمُولِ النَّاسِ لَهُمْ) أَيْ لِأَخْذِهِمْ النَّاسَ إذَا تَحَرَّكَ (قَوْلُهُ: مِنْ اسْمِ الْمَفْعُولِ الْمُضَعَّفِ) أَيْ الْمُكَرَّرِ الْعَيْنِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ التَّضْعِيفِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَ الصَّرْفِيِّينَ، وَهُوَ فِي الثُّلَاثِيِّ مَا كَانَتْ عَيْنُهُ وَلَامُهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَمَدَّ وَفِي الرُّبَاعِيِّ مَا كَانَتْ فَاؤُهُ وَلَامُهُ الْأُولَى مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَعَيْنُهُ وَلَامُهُ الثَّانِيَةُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَزَلْزَلَ (قَوْلُهُ: تَفَاؤُلًا) هُوَ بِالْهَمْزِ كَمَا فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ
(قَوْلُهُ: كَالْعَمَى وَالْبَرَصِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَرِدُ بَلَاءُ أَيُّوبَ وَعَمَى نَحْوِ يَعْقُوبَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِطُرُوِّهِ بَعْدَ الْإِنْبَاءِ وَالْكَلَامِ فِيمَا قَارَنَهُ انْتَهَى (قَوْلُهُ: وَفِي ثَالِثٍ أَنَّهُمَا) وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَخِيرَيْنِ مَنْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وَلَا رَسُولٍ (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى) فِي ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَلَطٌ، وَبَالَغَ فِي بَيَانِهِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ انْتَصَرَ لَهُ، وَيَلْزَمُهُ بِمُقْتَضَى مَا عَلَّلَ بِهِ أَنَّ الثَّانِيَ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِهِمْ غَلَطٌ أَيْضًا فَلْيُرَاجَعْ فَإِنَّ مُجَرَّدَ مَا عَلَّلَ بِهِ وَمِنْهُ وُرُودُ الْخَبَرِ بِعَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَقْضِي التَّغْلِيطَ (قَوْلُهُ: وَالرَّسُولُ بِاعْتِبَارِ الْمَلَائِكَةِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ) أَيْ أَفْضَلِيَّتُهُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَقَدْ يُفْهِمُ هَذَا أَنَّ غَيْرَهُمْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي عَنْ الرَّازِيّ الْإِجْمَاعُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الشَّارِحُ هُنَا بِالْخَلْقِ وَكَانَ لَا يَرَى بِعْثَتَهُ صلى الله عليه وسلم إلَى الْمَلَائِكَةِ الشَّامِلِ لَهُمْ التَّعْبِيرُ الْمَذْكُورُ كَالْجَمَادَاتِ أَظْهَرَ فِي قَوْلِهِ لِدَعْوَةِ مَنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ وَلَمْ يُضْمِرْ لِئَلَّا يَتَنَاقَضَ كَلَامُهُ (قَوْلُهُ: بِإِلْهَامٍ) مُتَعَلِّقٍ بِسُمِّي، وَقَوْلُهُ بِأَنَّهُ يَكْثُرُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَفَاؤُلًا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَ جَدَّهُ بِتَسْمِيَتِهِ بِهَذَا الِاسْمِ مُتَفَائِلًا، أَوْ لِأَجْلِ التَّفَاؤُلِ.
وَفِي نُسْخَةٍ: سُمِّيَ بِهِ نَبِيُّنَا بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَفَاؤُلًا
(قَوْلُهُ: وَالرَّسُولُ بِاعْتِبَارِ الْمَلَائِكَةِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَعْنَى الْإِرْسَالِ فِيهِمْ هُوَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ السِّفَارَةِ لَا الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ الْمَارُّ، فَالْعُمُومُ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى اللَّفْظِ (قَوْلُهُ: أَعَمُّ مِنْ النَّبِيِّ) أَيْ كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ أَعَمُّ مِنْهُ مِنْ وَجْهٍ فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ (قَوْلُهُ: مِنْ نَوْعِ الْمَلَائِكَةِ) فِي نُسْخَةٍ مِنْ النَّوْعِ الْمَلَكِيِّ
خَوَاصَّ بَنِي آدَمَ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ وَهُمْ الرُّسُلُ مِنْهُمْ، وَأَنَّ عَوَامَّ بَنِي آدَمَ وَهُمْ الْأَتْقِيَاءُ الْأَوْلِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ كَالسَّيَّاحِينَ مِنْهُمْ، قَالَ تَعَالَى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] وَقَالَ تَعَالَى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَفْضِيلُهُ عَلَى آدَمَ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ أَفْضَلَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أُولُو الْعَزْمِ وَهُمْ نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، وَقِيلَ إنَّ أَفْضَلَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ نَبِيِّنَا آدَم، وَعَلَيْهِ فَيُؤْخَذُ تَفْضِيلُهُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَخَصَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالذِّكْرِ لِظُهُورِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ بِلَا مُنَازَعَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ} [غافر: 16] وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «آدَم وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي» وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ «وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ عَلَى اللَّهِ وَلَا فَخْرَ» وَنَوْعُ الْآدَمِيِّ أَفْضَلُ الْخَلْقِ فَهُوَ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُهُمْ.
وَقَدْ حَكَى الرَّازِيّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ مُفَضَّلٌ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» وَقَوْلُهُ «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» وَنَحْوُهُمَا. فَأُجِيبُ عَنْهَا بِأَنَّهُ نَهَى عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إلَى تَنْقِيصِ بَعْضِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ، أَوْ عَنْ تَفْضِيلٍ فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ الَّتِي لَا تَتَفَاوَتُ لَا فِي ذَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَفَاوِتِينَ بِالْخَصَائِصِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253] أَوْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ تَأَدُّبًا وَتَوَاضُعًا، أَوْ نَهَى عَنْهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْخَلْقِ، وَلِهَذَا لَمَّا عَلِمَ قَالَ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» وَقَدْ بَيَّنَّا تَرْتِيبَ أُولِي الْعَزْمِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَالْأَنْبِيَاءُ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِ الرُّسُلِ مِنْهُمْ فَقِيلَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَقِيلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَأَحْرُفُ اسْمِ نَبِيِّنَا بِالْجُمَلِ الْكَبِيرِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ، إذْ فِيهِ ثَلَاثُ مِيمَاتٍ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ الْمُشَدَّدَ بِحَرْفَيْنِ وَلَفْظُ مِيمٍ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ، فَجُمْلَتُهَا مِائَتَانِ وَسَبْعُونَ، وَلَفْظُ دَالٍ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَلَفْظُ حَاءٍ بِتِسْعَةٍ، فَفِي اسْمِهِ الْكَرِيمِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ جَمِيعَ الْكَمَالَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْمُرْسَلِينَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ، وَزِيَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
عَلَى أَنَّهُ مُفَضَّلٌ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ (قَوْلُهُ كَالسَّيَّاحِينَ مِنْهُمْ) أَيْ الْمَلَائِكَةِ (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ} [غافر: 16] ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَعِبَارَةُ الْبُدُورِ السَّافِرَةِ نَصُّهَا: ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ إلَى الْجَبَّارِ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ قَدْ مَاتَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، فَيَقُولُ وَهُوَ أَعْلَمُ: فَمَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيت أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا تَمُوتُ، وَبَقِيت أَنَا، فَيَقُولُ: أَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي خَلَقْتُك لِمَا رَأَيْت، فَمُتْ فَيَمُوتُ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ طَوَى السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ وَقَالَ: أَنَا الْجَبَّارُ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: آدَم وَمَنْ دُونَهُ) أَيْ وُجِدَ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: تَأَدُّبًا وَتَوَاضُعًا) لَا يَظْهَرُ هَذَا الْجَوَابُ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» وَإِنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى قَوْلِهِ «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ» .
(قَوْلُهُ: وَقَدْ بَيَّنَّا تَرْتِيبَ أُولِي الْعَزْمِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ) وَعِبَارَتُهُ وَالْأَرْجَحُ فِي تَرْتِيبِ أَفْضَلِيَّةِ أُولِي الْعَزْمِ بَعْدَ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ تَقْدِيمُ إبْرَاهِيمَ ثُمَّ مُوسَى ثُمَّ عِيسَى ثُمَّ نُوحٍ انْتَهَى، وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا التَّرْتِيبِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
مُحَمَّدٌ إبْرَاهِيمُ مُوسَى كَلِيمُهُ
…
فَعِيسَى فَنُوحٌ هُمْ أُولُو الْعَزْمِ فَاعْلَمْ
(قَوْلُهُ: فَقِيلَ ثَلَاثُمِائَةٍ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى.
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَهِيَ أَنْسَبُ وَأَقْعَدُ (قَوْلُهُ: قَالَ تَعَالَى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران: 110] شُرُوعٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ صلى الله عليه وسلم، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كَمَالَ الْأُمَّةِ تَابِعٌ لِكَمَالِ نَبِيِّهَا (قَوْلُهُ: وَنَوْعُ الْآدَمِيِّ أَفْضَلُ الْخَلْقِ إلَخْ) تَتِمَّةُ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» وَقَوْلُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ تَفْضِيلُهُ عَلَى آدَمَ إلَى آخِرِ مَا انْجَرَّ إلَيْهِ الْكَلَامُ
وَثَلَاثَةَ عَشَرَ.
وَذَكَرَ التَّشَهُّدَ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» : أَيْ الْقَلِيلَةِ الْبَرَكَةِ، وَتُطْلَقُ الْيَدُ الْجَذْمَاءُ عَلَى الَّتِي ذَهَبَ أَصَابِعُهَا دُونَ الْكَفِّ أَوْ مَعَهُ، فَشَبَّهَ مَا لَا تَشَهُّدَ فِيهِ مِنْ الْخُطَبِ بِالْيَدِ الَّتِي فَقَدَتْ أَصَابِعَهَا مَعَ كَفِّهَا أَوْ دُونَهُ فَلَا يَقْدِرُ صَاحِبُهَا عَلَى التَّوَصُّلِ بِهَا إلَى تَحْصِيلِ مَا حَاوَلَهُ، فَإِطْلَاقُ الْأَقْطَعِ عَلَى مَا ذَكَرَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أَوْ اسْتِعَارَةٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِعُلَمَاءِ الْبَيَانِ فِيمَا حُذِفَتْ فِيهِ أَدَاةُ التَّشْبِيهِ، وَجَعْلُ الْمُشَبَّهِ بِهِ خَبَرًا عَنْ الْمُشَبَّهِ وَالْمُخْتَارُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ (صلى الله عليه وسلم وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا لَدَيْهِ) أَيْ عِنْدَهُ، وَالْقَصْدُ بِذَلِكَ الدُّعَاءُ؛ لِأَنَّ الْكَامِلَ يَقْبَلُ زِيَادَةَ التَّرَقِّي، فَانْدَفَعَ مَا زَعَمَهُ جَمْعٌ مِنْ امْتِنَاعِ الدُّعَاءِ لَهُ صلى الله عليه وسلم عَقِبَ نَحْوِ خَتْمِ الْقُرْآنِ بِاَللَّهُمِ اجْعَلْ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي شَرَفِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَعْمَالِ أُمَّتِهِ تَتَضَاعَفُ لَهُ نَظِيرُهَا؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً لَا تُحْصَى، فَهِيَ زِيَادَةٌ فِي شَرَفِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ ذَلِكَ لَهُ فَسُؤَالُهُ تَصْرِيحٌ بِالْمَعْلُومِ، وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ وَبَيَّنْت دَلِيلَهُ مِنْ السُّنَّةِ فِيمَا عَلَّقَتْهُ مِنْ الْفَتَاوَى: أَيْ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَزِدْهُ، وَأَتَى بِالْأَفْعَالِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي رَجَاءً لِتَحَقُّقِ حُصُولِ الْمَسْئُولِ، وَبِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] وَقَدْ فَسَّرَ قَوْله تَعَالَى {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] بِأَنَّ مَعْنَاهُ: لَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي، وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِتَعْظِيمٍ، وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ، وَمِنْ الْمُكَلَّفِينَ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ، وَقَرَنَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّلَامِ خُرُوجًا مِنْ كَرَاهَةِ إفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ جَاءَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَقْرُونَةٍ بِالتَّسْلِيمِ فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ. فَالْجَوَابُ: أَنَّ السَّلَامَ تَقَدَّمَ فِيهِ فِي قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَفَضْلًا وَشَرَفًا يَجُوزُ تَرَادُفُهُمَا، فَالْجَمْعُ لِلْإِطْنَابِ، وَيَحْتَمِلُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ لِطَلَبِ زِيَادَةِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ الْبَاطِنَةِ، وَالثَّانِي لِطَلَبِ زِيَادَةِ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ الظَّاهِرَةِ، وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْأَوَّلَ ضِدُّ النَّقْصِ، وَالثَّانِيَ عُلُوُّ الْمَجْدِ، وَهُوَ إلَى التَّرَادُفِ أَقْرَبُ
(أَمَّا بَعْدُ) أَتَى بِهَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَالْمُخْتَارُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ) هُوَ قَوْلُهُ فَإِطْلَاقُ الْأَقْطَعِ عَلَى مَا ذُكِرَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ (قَوْلُهُ: امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى) فِيهِ الْآيَةَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ وَذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَقْتَضِي طَلَبَهُمَا فِي كُلِّ أَمْرٍ فَكَانَ الْأَوْلَى الِاسْتِدْلَالَ بِمَا رُوِيَ مِنْ «أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَبْتَرُ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ» إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ لَمَّا كَانَ فِي سَنَدِهَا ضَعْفٌ لَمْ يَحْتَجَّ بِهَا، وَاكْتَفَى بِالْآيَةِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى أَصْلِ الطَّلَبِ، عَلَى أَنَّ الْآيَةَ فِيهَا طَلَبُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ (قَوْلُهُ وَمِنْ الْمُكَلَّفِينَ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ) إنَّمَا قَالَ الْمُكَلَّفِينَ دُونَ الْآدَمِيِّينَ لِيَشْمَلَ الْجِنَّ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ كَابْنِ حَجَرٍ وَالْمَحَلِّيِّ هُنَا لِبَقِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ.
وَنُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ لِابْنِ حَجَرٍ أَنَّهَا مِنْ بَقِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ كَالْآدَمِيِّ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ فِي الْجَمَادَاتِ فَلْتُرَاجَعْ عِبَارَتُهُ (قَوْلُهُ: إفْرَادُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْإِفْرَادُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إنْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ أَوْ الْكِتَابُ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَالشَّارِحُ لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْإِفْرَادُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ جَوَابِهِ مِنْ عَدَمِ الْإِفْرَادِ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا لَا تُشْتَرَطُ وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ) ظَاهِرُ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَقْدِيمُ السَّلَامِ عَلَى الصَّلَاةِ كَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ وَصَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَيُوَافِقُهُ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] حَيْثُ عَطَفَ السَّلَامَ بِالْوَاوِ الدَّالَّةِ عَلَى مُطْلَقِ الْجَمْعِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَهُوَ إلَى التَّرَادُفِ أَقْرَبُ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ فِيهِ نَظَرٌ.
اهـ وَلَعَلَّهُ أَنَّ انْتِفَاءَ النَّقْضِ لَا يَحْصُلُ مَجْدًا
ــ
[حاشية الرشيدي]
اعْتِرَاضٌ (قَوْلُهُ: فَإِطْلَاقُ الْأَقْطَعِ إلَخْ) سَبْقُ قَلَمٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَأَتَّى فِي رِوَايَاتِ الْبَسْمَلَةِ، وَالْحَمْدَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي مَحَلِّهَا، وَرِوَايَةُ التَّشَهُّدِ لَيْسَ فِيهَا لَفْظُ أَقْطَعُ وَلَا حَذْفُ أَدَاةِ تَشْبِيهٍ (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ) يُنْظَرُ مَا مَعْنَى اسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ صلى الله عليه وسلم الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ وَالِاسْتِغْفَارُ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ، وَهُوَ مَعْصُومٌ.
فَإِنْ قُلْت: الْمُرَادُ الِاسْتِغْفَارُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ طَلَبُ السَّتْرِ، وَالْقَصْدُ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذَّنْبِ فَيَرْجِعُ إلَى الْعِصْمَةِ.
قُلْت: بَعْدَ تَسْلِيمِهِ إنَّمَا يَظْهَرُ
اقْتِدَاءً بِغَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم يَأْتِي بِهَا فِي خُطَبِهِ وَكُتُبِهِ حَتَّى رَوَاهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ عَنْ أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا.
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ ذَكَرَهَا فَقِيلَ دَاوُد وَقِيلَ يَعْقُوبُ وَقِيلَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ وَقِيلَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ وَقِيلَ يَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ وَقِيلَ سَحْبَانُ بْنُ وَائِلٍ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوَّلِيَّةِ الْمَحْضَةِ وَالْبَقِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا بِالنَّسَّةِ إلَى الْقَبَائِلِ وَأَصْلُهَا مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ فَوَقَعَتْ كَلِمَةُ أَمَّا مَوْضِعَ اسْمٍ هُوَ الْمُبْتَدَأُ وَفِعْلٍ هُوَ الشَّرْطُ وَتَضَمَّنَتْ مَعْنَاهُمَا فَلِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الشَّرْطِ لَزِمَتْهَا الْفَاءُ اللَّازِمَةُ لِلشَّرْطِ غَالِبًا وَلِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الِابْتِدَاءِ لَزِمَهَا لُصُوقُ الِاسْمِ اللَّازِمِ لِلْمُبْتَدَأِ إقَامَةً لِلَّازِمِ مَقَامَ الْمَلْزُومِ وَإِبْقَاءً لِأَثَرِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَبَعْدُ مِنْ الظُّرُوفِ وَالْعَامِلُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَلَا رِفْعَةً مَثَلًا كَفِعْلِ الْمُبَاحَاتِ، وَالْمَجْدُ فَوْقَ ذَلِكَ كَالسَّخَاوَةِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ) بِالضَّمِّ بِخَطِّ الْقَسْطَلَّانِيِّ وَفِي عِبَارَةِ السُّيُوطِيّ أَنَّ رُهَا بِالْفَتْحِ قَبِيلَةٌ، وَبِالضَّمِّ بَلَدٌ مِنْهَا جَمَاعَةٌ، وَفِي تَبْصِيرِ الْمُنْتَبِهِ لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ رُهَا بِالْفَتْحِ قَبِيلَةٌ يُنْسَبُ إلَيْهَا ثَلَاثَةٌ ذَكَرَهُمْ لَيْسَ فِيهِمْ عَبْدُ الْقَادِرِ، وَمِنْ قَاعِدَتِهِ أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ جَمَاعَةً لِمَادَّةٍ يَكُونُ مَا عَدَاهُمْ مِنْ الْأُخْرَى فَيَكُونُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ بِالضَّمِّ اهـ.
وَفِي الْقَامُوسِ رُهَا كَهُدَى بَلَدٌ وَمِنْهَا عَبْدُ الْقَادِرِ (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ) أَيْ أَنَّهُ دَاوُد: أَيْ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ أَيْ أَقْرَبُ لِلصِّحَّةِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ (قَوْلُهُ: وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ) أَيْ الْأَوَّلِ (قَوْلُهُ: وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا) يُتَأَمَّلُ هَذَا الْجَمْعُ بِالنِّسْبَةِ لِيَعْقُوبَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْعَرَبِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَبَائِلِ بِأَنْ يُقَالَ: أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَا مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا كَعْبٌ، وَمِنْ قَبِيلَةِ كَذَا يَعْرُبُ، وَمِنْ قَبِيلَةِ كَذَا سَحْبَانُ. وَرَدَّ ابْنُ حَجَرٍ الْقَوْلَ بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَطَقَ بِهَا دَاوُد بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ تَكَلُّمٌ بِغَيْرِ لُغَتِهِ، وَفَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ هُوَ فَصْلُ الْخُصُومَةِ أَوْ غَيْرُهَا بِكَلَامٍ مُسْتَوْعِبٍ لِجَمِيعِ الْمُعْتَبَرَاتِ مِنْ غَيْرِ إخْلَالٍ مِنْهَا بِشَيْءٍ اهـ رحمه الله عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى مُوسَى وَدَاوُد إنَّمَا وُجِدَ بَعْدَ وَفَاةِ مُوسَى بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَوَّلَ مَنْ نَطَقَ بِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: لَزِمَتْهَا الْفَاءُ) أَيْ دَائِمًا (قَوْلُهُ: اللَّازِمَةُ لِلشَّرْطِ غَالِبًا) قَدْ يُقَالُ حَيْثُ قَرَّرَ الْأَئِمَّةُ مِنْ النُّحَاةِ أَنَّ الْفَاءَ إمَّا مُمْتَنِعَةً فِي الْجَوَابِ أَوْ وَاجِبَةً فِيهِ، فَإِنْ أَرَادَ الشَّرْطَ الْمُطْلَقَ فَهُوَ مُتَقَسِّمٌ إلَى مَا يَلْزَمُ وَإِلَى مَا يَمْتَنِعُ، وَإِنْ أَرَادَ الْجَدَّ قِسْمَيْهِ وَهُوَ مَا يَصْلُحُ لِمُبَاشَرَةِ الْأَدَاةِ فَذَاكَ لَا تَلْزَمُهُ الْفَاءُ بَلْ هِيَ مُمْتَنِعَةٌ فِيهِ، وَإِنْ أَرَادَ الْقِسْمَ الْآخَرَ وَهُوَ مَا لَا يَصْلُحُ فَذَاكَ تَجِبُ فِيهِ دَائِمًا لَا غَالِبًا، وَمِنْ ثَمَّ عَدُّوا حَذْفَهَا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ مِنْ يَفْعَلْ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ضَرُورَةً فَمَا مَعْنَى الْغَلَبَةِ حِينَئِذٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَتْ الصُّوَرُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الْفَاءُ أَكْثَرَ مِنْ الَّتِي لَا تَجِبُ فِيهَا صَحَّ إطْلَاقُ الْغَلَبَةِ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ مَوَاقِعِهَا فَإِنَّ الْأَكْثَرَ يُقَالُ لَهُ غَالِبٌ، هَذَا وَاسْتَشْكَلَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ أَمَّا تَجِبُ الْفَاءُ فِي جَوَابِهَا دَائِمًا، وَالشَّرْطُ إنَّمَا تَجِبُ فِي جَوَابِهِ غَالِبًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَزِمَتْهَا الْفَاءُ دَائِمًا، وَأَنَّ قَوْلَهُ غَالِبًا قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ اللَّازِمَةِ لِلشَّرْطِ فَقَطْ، وَكَوْنُ أَمَّا فَرْعًا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَصْلِهَا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ أَمَّا لَمَّا كَانَتْ فَرْعًا ضَعُفَتْ عَنْ الْأَصْلِ فَاحْتَاجَتْ لِتَقْوِيَتِهَا بِالْفَاءِ دَائِمًا وَلَا كَذَلِكَ الشَّرْطُ (قَوْلُهُ: لُصُوقُ الِاسْمِ اللَّازِمِ) أَيْ بِمَعْنَى أَنَّ الْمُبْتَدَأَ لَا يَكُونُ إلَّا اسْمًا وَهُوَ غَيْرُ اللُّصُوقِ بِأَمَّا، فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنْ لَا يُفْصَلَ بَيْنَ أَمَّا وَبَيْنَ الِاسْمِ بِفَاصِلٍ فَفِيهِ مُسَامَحَةٌ
ــ
[حاشية الرشيدي]
فِي اسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ فِي حَيَاتِهِ، أَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا وَإِنْ كَانَ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي دَارِ تَكْلِيفٍ.
فَإِنْ قُلْت: الْمُرَادُ بِاسْتِغْفَارِهِمْ لَهُ مُطْلَقُ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ.
قُلْت: فَمَا حِكْمَةُ الْمُغَايَرَةِ فِي التَّعْبِيرِ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَدُعَاءِ الْآدَمِيِّينَ
(قَوْلُهُ: اقْتِدَاءً بِغَيْرِهِ) إنَّمَا لَمْ يَقُلْ اقْتِدَاءً بِهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْتِي بِهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْتِ بِهَا فِي تَأْلِيفٍ، فَالِاقْتِدَاءُ التَّامُّ إنَّمَا حَصَلَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ (قَوْلُهُ: حَتَّى رَوَاهُ الْحَافِظُ إلَخْ) الْمُسَوِّغُ لِلْغَايَةِ أَنَّ لَفْظَ كَانَ فِي قَوْلِهِ وَقَدْ كَانَ يُؤْذِنُ بِالدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ (قَوْلُهُ: وَيَجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ) يَرِدُ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ، فَإِنَّهُ قَبْلَ دَاوُد (قَوْلُهُ: مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْحَمْدِ إلَخْ) التَّحْقِيقُ أَنَّ بَعْدَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْجَزَاءِ لَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الشَّرْطِ،
فِيهَا أَمَّا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِنِيَابَتِهَا عَنْ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ نَفْسُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَالْمَعْرُوفُ بِنَاؤُهُ هَا هُنَا عَلَى الضَّمِّ لِنِيَّةِ مَعْنَى الْمُضَافِ إلَيْهِ دُونَ لَفْظِهِ، وَرُوِيَ تَنْوِينُهَا مَرْفُوعَةً وَمَنْصُوبَةً لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ لَفْظًا وَتَقْدِيرًا، وَفَتْحُهَا بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى تَقْدِيرِ لَفْظِ الْمُضَافِ إلَيْهِ (فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ) افْتِعَالٌ مِنْ الشُّغْلِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ (بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ) لِأَدِلَّةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَأَشْهَرَ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18] وَقَوْلِهِ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] وَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: عِنْدَ غَيْرِهِ) وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ الْجَمْعُ بَعْدَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لَمَّا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ امْتِنَاعَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي اللَّفْظِ لَا فِي التَّقْدِيرِ (قَوْلُهُ وَمَنْصُوبَةً لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ) هَذَا مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِهَا، لَكِنَّ الرَّسْمَ هُنَا لَا يُسَاعِدُ النَّصْبَ مَعَ التَّنْوِينِ إلَّا عَلَى لُغَةِ مَنْ يَكْتُبُ الْمَنْصُوبَ الْمُنَوَّنَ بِصُورَةِ الْمَرْفُوعِ، وَقَوْلُهُ مَرْفُوعَةً يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضَّمِّ فَيُوَافِقُ مَا هُوَ الْمُقَرَّرُ فِي كَلَامِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا حُذِفَ الْمُضَافُ إلَيْهِ وَنُوِيَ مَعْنَاهُ بُنِيَتْ عَلَى الضَّمِّ، وَأَنْ يُرِيدَ الرَّفْعَ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْإِعْرَابِ فَيَكُونُ ذِكْرَ وَجْهٍ غَيْرِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي كَلَامِهِمْ، وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ أَمَّا بَعْدُ بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ انْتَهَى.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ قَوْلَهُ بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ إلَخْ، وَتُرْفَعُ: أَيْ بَعْدُ بِتَنْوِينٍ عَلَى عَدَمِ نِيَّةِ ثُبُوتِ شَيْءٍ، فَالرَّفْعُ عَلَى أَصْلِ الْمُبْتَدَأِ بَكْرِيٌّ قَالَ الشَّيْخُ خَالِدٌ فِي شَرْحِ التَّوْضِيحِ وَقَالَ الْحُوفِيُّ: وَإِنَّمَا يُبْنَيَانِ: أَيْ قَبْلُ وَبَعْدُ عَلَى الضَّمِّ إذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَعْرِفَةً، أَمَّا إذَا كَانَ نَكِرَةً فَإِنَّهُمَا يُعْرَبَانِ سَوَاءً نَوَيْت مَعْنَاهُ أَوْ لَا اهـ. وَمِثْلُهُ فِي كَنْزِ الْأُسْتَاذِ الْبَكْرِيِّ وَشَرْحِ الْعُبَابِ لِلشَّارِحِ اهـ. وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ كَوْنِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَعْرِفَةً وَكَوْنِهِ نَكِرَةً، وَلَعَلَّهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَعْرِفَةً كَانَ مُعَيَّنًا وَهُوَ جُزْئِيٌّ فَكَانَ بَعْدُ شَبِيهًا بِالْحُرُوفِ فِي الِاحْتِيَاجِ إلَى جُزْئِيٍّ وَهُوَ مِنْ مَعَانِي الْحُرُوفِ، وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً فَهُوَ اسْمٌ لِفَرْدٍ شَائِعٍ وَهُوَ كُلِّيٌّ فَضَعُفَتْ مُشَابَهَتُهُ لِلْحُرُوفِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْأَسْمَاءِ مِنْ الْإِعْرَابِ.
هَذَا وَنَقَلَ شَيْخُنَا الْغُنَيْمِيُّ فِي شَرْحِ الشَّعْرَانِيَّةِ الرَّفْعَ عَنْ ابْنِ الْمُلَقِّنِ قَالَ: وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى التَّوْجِيهِ، وَقَدْ وَجَّهَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ بِأَنَّهَا هُنَا مُبْتَدَأٌ وَلَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْفَهَّامَةُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهَا فَاعِلٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ: أَيْ مَهْمَا يَكُنْ بَعْدُ: أَيْ يُوجَدُ بَعْدُ وَهُوَ قَرِيبٌ فَلْيُحَرَّرْ اهـ.
وَقَوْلُهُ أَنَّهَا فَاعِلٌ: أَيْ حَقِيقَةً، وَقَوْلُهُ أَيْ يُوجَدُ تَفْسِيرٌ لِيَكُنْ وَهُوَ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ (قَوْلُهُ: بِفَتْحِ أَوَّلِهِ) أَيْ مَصْدَرًا وَضَمِّهِ: أَيْ اسْمًا. وَفِي الْمُخْتَارِ: الشَّغْلُ بِسُكُونِ الْغَيْنِ وَضَمِّهَا وَبِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ وَفَتْحِهَا فَصَارَتْ أَرْبَعَ لُغَاتٍ، وَالْجَمْعُ أَشْغَالٍ وَشَغَلَهُ مِنْ بَابِ قَطَعَ، وَلَا تَقُلْ أَشْغَلُهُ؛ لِأَنَّهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ اهـ بِتَصَرُّفٍ. وَفِي الْقَامُوسِ: وَأَشْغَلُهُ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ أَوْ قَلِيلَةٌ أَوْ رَدِيئَةٌ اهـ.
1 -
(قَوْلُهُ: أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) وَفَسَّرَ الْوَلَدَ الصَّالِحَ بِالْمُسْلِمِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءَ، وَنَظَمَ السُّيُوطِيّ جُمْلَةَ الْأَصْلِ مَعَ الْمَزِيدِ بِقَوْلِهِ:
إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ لَيْسَ يَجْرِي
…
عَلَيْهِ مِنْ خِصَالٍ غَيْرُ عَشْرِ
عُلُومٌ بَثَّهَا وَدُعَاءُ نَجْلٍ
…
وَغَرْسُ النَّخْلِ وَالصَّدَقَاتُ تَجْرِي
وِرَاثَةُ مُصْحَفٍ وَرِبَاطُ ثَغْرٍ
…
وَحَفْرُ الْبِئْرِ أَوْ إجْرَاءُ نَهْرِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
فَالتَّقْدِيرُ عَلَيْهِ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَبَعْدَ الْحَمْدِ إلَخْ (قَوْلُهُ: لِنِيَّةِ مَعْنَى الْمُضَافِ) أَيْ مَعْنَى أَنَّهُ مَعْرِفَةٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ هَا هُنَا: أَيْ مِنْ هَذَا التَّرْكِيبِ، أَمَّا إذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ نَكِرَةً، فَإِنَّ بَعْدَ تُعْرَبُ سَوَاءٌ نَوَيْت مَعْنَاهُ أَمْ لَا (قَوْلُهُ: وَفَتْحُهَا) الْأَوْلَى وَنَصْبُهَا؛ لِأَنَّهَا مُعْرَبَةٌ حِينَئِذٍ (قَوْلُهُ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى شَهِدَ اللَّهُ إلَخْ) أَكْثَرُ هَذِهِ الدَّلَائِلِ إنَّمَا هِيَ فِي فَضْلِ الْعَالِمِ لَا فِي أَفْضَلِيَّةِ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ ذَاكَ هَذَا؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ إنَّمَا فُضِّلَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْعِلْمِ، فَهُوَ أَفْضَلُ
وَخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» وَخَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ فِي صَحِيحَيْهِمَا «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ بِمَا يَصْنَعُ» وَلِأَنَّ الطَّاعَاتِ مَفْرُوضَةٌ وَمَنْدُوبَةٌ، وَالْمَفْرُوضُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَنْدُوبِ وَالِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إمَّا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ. وَعَرَّفَهُ الرَّازِيّ بِأَنَّهُ حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمِ الْمُطَابِقِ لِمُوجِبٍ، وَالسَّيِّدُ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ بِأَنَّهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِمَحَلٍّ مُتَعَلِّقَةٌ بِشَيْءٍ تُوجِبُ تِلْكَ الصِّفَةُ إيجَابًا عَادِيًا كَوْنَ مَحَلِّهَا مُمَيِّزًا لِلْمُتَعَلِّقِ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ الْمُتَعَلِّقُ نَقِيضَ ذَلِكَ التَّمْيِيزِ.
وَاللَّامُ فِي الْعِلْمِ لِلْجِنْسِ أَوْ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ، وَهُوَ الْفِقْهُ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ لِلتَّفَقُّهِ، أَوْ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ الصَّادِقُ بِالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ، وَالْفِقْهُ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ الدِّينِ، أَوْ لِاسْتِغْرَاقِ أَفْرَادِ الْعِلْمِ الْمَشْرُوعِ: أَيْ الَّذِي يُسَوِّغُ تَعَلُّمَهُ شَرْعًا. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَعُدَّتُهُ تَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرُهَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِهِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ جُمْلَةً مِنْ الطَّاعَاتِ أَفْضَلَ وَجَعَلَ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ مِنْهَا، وَكَوْنُ الْجُمْلَةِ أَفْضَلَ لَا يَضُرُّهُ كَوْنُ بَعْضِهَا أَفْضَلَ مُطْلَقًا (وَ) مِنْ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَبَيْتٌ لِلْغَرِيبِ بَنَاهُ يَأْوِي
…
إلَيْهِ أَوْ بِنَاءُ مَحَلِّ ذِكْرِ
وَتَعْلِيمٌ لِقُرْآنٍ كَرِيمٍ
…
فَخُذْهَا مِنْ أَحَادِيثَ بِحَصْرِ
اهـ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا فَصَّلَهَا كَذَلِكَ لِوُرُودِهَا بِأَعْيَانِهَا كَذَلِكَ مُفَرِّقَةً فِي أَحَادِيثَ، وَإِلَّا فَيُمْكِنُ رَدُّ مَا ذَكَرَهُ إلَى مَا فِي الْحَدِيثِ بِأَنْ يُجْعَلَ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ وَلَوْ حُكْمًا، بِجَامِعِ أَنَّ مَا أَجْرَاهُ مِنْ الْأَنْهَارِ وَحَفَرَهُ مِنْ الْآبَارِ وَغَرَسَهُ مِنْ الْأَشْجَارِ وَلَوْ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يَقِفْهُ وَالْمُصْحَفُ الَّذِي نَسَخَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ مَثَلًا ثُمَّ مَاتَ عَنْهُ وَرِبَاطُهُ بِقَصْدِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلٍ آثَارُهُ مِنْ تَعَدِّي نَفْعِهِ لِلْمُسْلِمِينَ بَاقِيَةٌ كَبَقَاءِ الْوَقْفِ، وَقَدْ يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ عَدَّهَا أَحَدَ عَشَرَ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ جَعَلَ بِنَاءَ الْبَيْتِ لِلْغَرِيبِ وَبِنَاءَ الْمَحَلِّ لِلذِّكْرِ وَاحِدًا نَظَرًا لِكَوْنِهِ بِنَاءً فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ إنَّهَا عَشَرَةٌ (قَوْلُهُ: فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَعْنَى: فَضْلُ كُلِّ عَالِمٍ عَامِلٍ عَلَى كُلِّ عَابِدٍ، وَقَوْلُهُ أَدْنَاكُمْ الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِأَصْحَابِهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ لِلْأَمَةِ.
أَقُولُ: وَهَذَا هُوَ الْأَبْلَغُ لِعِظَمِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ أَدْنَى الصَّحَابَةِ وَأَدْنَى الْأُمَّةِ (قَوْلُهُ: رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ بِمَا يَصْنَعُ) أَيْ مِنْ أَعْمَالِهِ كُلِّهَا لِعَدَمِ خُرُوجِهَا عَنْ الشَّرْعِ مَعَ قِيَامِهِ بِنِظَامِ الشَّرِيعَةِ (قَوْلُهُ وَعَرَّفَهُ الرَّازِيّ) أَيْ الْعِلْمَ (قَوْلُهُ بِأَنَّهُ حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمِ) أَيْ الْإِدْرَاكُ الْحَاصِلُ فِي الذِّهْنِ إلَخْ (قَوْلُهُ: الْمُطَابِقُ لِمُوجِبٍ) أَيْ لِسَبَبٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَوْ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ) اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا الْمَحَلِّيُّ (قَوْلُهُ: قَالَ بَعْضُهُمْ وَعُدَّتُهُ) أَيْ الْعِلْمِ الْمَشْرُوعِ (قَوْلُهُ: تَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ) غَيْرَ أَنَّهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا تُبَايِنُ مَا هُوَ الْمَشْهُورُ تَبَايُنًا كُلِّيًّا، بَلْ الْفِقْهُ مَثَلًا يَجْمَعُ أَنْوَاعًا كُلٌّ مِنْهَا مُسَمًّى بِاسْمٍ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَهَا بِذَلِكَ الْعَدِّ (قَوْلُهُ: وَلَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى كَوْنِ اللَّامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ إلَخْ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ) عِلَّةً مِمَّا لَا بُدَّ (قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ) عِلَّةً لِلَا يُعَكِّرُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
مِنْ غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْأَفْضَلِ أَفْضَلُ.
(قَوْلُهُ: كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ) يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي أَدْنَاكُمْ لِلصَّحَابَةِ، وَلَا يَلْزَمُ تَفْضِيلُ الْعَالِمِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَدْنَانَا مُسَاوِيًا لِفَضْلِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَدْنَانَا، فَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى أَدْنَانَا فَوْقَ فَضْلِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ بِالضَّرُورَةِ، فَإِذَا فُرِضَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَفْضُلُ عَلَى أَدْنَانَا بِعَشْرِ دَرَجَاتٍ مَثَلًا لَزِمَ أَنَّ الْعَالِمَ يَفْضُلُ الْعَابِدَ بِهَا لِتَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ يَفْضُلُ الْعَابِدَ بِعَشْرِ دَرَجَاتٍ، فَهُوَ يَفْضُلُ الْأَدْنَى بِأَكْثَرَ مِنْهَا بِالضَّرُورَةِ، وَقَدْ فُرِضَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا يَفْضُلُهُ بِعَشْرِ دَرَجَاتٍ فَقَطْ، فَقَدْ يَكُونُ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْأَدْنَى أَكْثَرَ مِنْ فَضْلِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَفْضِيلَ الْعَالِمِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ مَا ذَكَرْته، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُبَالَغَةُ، وَمَنْ جَوَّزَ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلَى الْأُمَّةِ مُطْلَقًا كَشَيْخِنَا لَمْ يَتَنَبَّهْ لِهَذَا الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَعَرَّفَهُ الرَّازِيّ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ
(أَوْلَى مَا أَنْفَقْت فِيهِ نَفَائِسَ الْأَوْقَاتِ) وَهُوَ الْعِبَادَاتُ شَبَّهَ شَغْلَ الْأَوْقَاتِ بِهَا بِصَرْفِ الْمَالِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ الْمُسَمَّى بِالْإِنْفَاقِ، فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ الْإِنْفَاقِ مَجَازًا، وَوَصَفَ الْأَوْقَاتِ بِالنَّفَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعْوِيضُ مَا يَفُوتُ مِنْهَا بِلَا عِبَادَةٍ، وَالنَّفِيسُ مَا يُرْغَبُ فِيهِ، وَأَضَافَ إلَيْهَا صِفَتَهَا لِلسَّجْعِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ كَمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إضَافَتُهُ بَيَانِيَّةً؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ الْبَيَانِيَّةَ عَلَى تَقْدِيرٍ مِنْ الْبَيَانِيَّةِ أَوْ التَّبْعِيضِيَّةِ أَوْ الِابْتِدَائِيَّةِ وَالْكُلُّ مُمْكِنٌ هُنَا؛ لِأَنَّ الْأَوْقَاتِ وَإِنْ كَانَتْ نَفِيسَةً كُلَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنَّ بَعْضَهَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ نَفِيسًا بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضٍ آخَرَ، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِتَفْضِيلِ بَعْضِهَا.
وَقَوْلُهُ أَوْلَى عَطْفٌ عَلَى أَفْضَلَ كَمَا تَقَرَّرَ، وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ لِلتَّنَافِي بَيْنَهُمَا، إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ أَوْلَى مَا أَنْفَقْت فِيهِ نَفَائِسَ الْأَوْقَاتِ، فَيُنَاقِضُ التَّبْعِيضَ السَّابِقَ وَالْمُصَنِّفُ وَصَفَ الْأَوْقَاتِ بِالنَّفِيسَةِ ثُمَّ جَمَعَ النَّفِيسَةَ عَلَى نَفَائِسَ، إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا لِنَفِيسٍ وَإِنَّمَا هُوَ جَمْعٌ لِكُلِّ رُبَاعِيٍّ مُؤَنَّثٍ بِمُدَّةٍ قَبْلَ آخِرِهِ مَخْتُومًا بِالتَّاءِ أَوْ مُجَرَّدًا عَنْهَا (وَقَدْ) لِلتَّحْقِيقِ هُنَا (أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا رحمهم الله مَنْ) يُجَوِّزُ كَوْنَهَا زَائِدَةً لِصِحَّةِ الْمَعْنَى بِدُونِهَا، وَقِيلَ بِمَعْنَى فِي كَإِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَفِيهِ تَعَسُّفٌ وَالْفَرْقُ لَائِحٌ. وَقِيلَ لِلْمُجَاوَزَةِ كَمَا فِي زَيْدٍ أَفْضَلُ مِنْ عَمْرٍو: أَيْ جَاوَزَهُ فِي الْفَضْلِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: لَفْظُ الْإِنْفَاقِ مَجَازًا) أَيْ عَلَاقَتُهُ الْمُشَابِهَةُ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ (قَوْلُهُ مَا يَفُوتُ مِنْهَا بِلَا عِبَادَةٍ) أَيْ أَمَّا الَّذِي فَاتَ مَشْغُولًا بِالْعِبَادَةِ فَلَا يُطْلَبُ تَعْوِيضُهُ كَذَا قَالَهُ عَمِيرَةُ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلٌ فَلَا إلَخْ فَلَمْ يَفُتْ حَتَّى يَطْلُبَ تَعْوِيضَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَضَافَ إلَيْهَا صِفَتَهَا لِلسَّجْعِ) السَّجْعُ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَجِيءُ الْكَلَامِ عَلَى فِقَرٍ مُتَوَازِيَةٍ، فَالطَّاعَاتُ مُوَازِيَةٌ لِلْأَوْقَاتِ، وَهَذَا مِنْهُ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ النَّفَائِسُ صِفَةٌ لِلْأَوْقَاتِ، وَقَالَ: لَا تُضَافُ الصِّفَةُ إلَى مَوْصُوفِهَا؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتَأَخِّرَةً عَنْ الْمَوْصُوفِ، فَلَوْ أُضِيفَتْ إلَى الْمَوْصُوفِ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهِ، وَهَذَا خَلْفٌ، وَتَقْدِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ رِعَايَةُ السَّجْعِ اهـ بَكْرِيٌّ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: سَجَعَتْ الْحَمَامَةُ سَجْعًا مِنْ بَاب نَفَعَ (قَوْلُهُ: الْكُلُّ مُمْكِنٌ هُنَا) وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ غَيْرَ نَفِيسٍ (قَوْلُهُ: وَقَدْ لِلتَّحْقِيقِ هُنَا) أَيْ لَا لِلتَّكْثِيرِ، وَفِي الشَّيْخِ عَمِيرَةَ أَنَّهَا لَهُ مَعَ التَّحْقِيقِ اهـ رحمه الله. أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِاسْتِفَادَتِهِ مِنْ قَوْلِهِ أَكْثَرُ، وَجَعْلُهَا لِلتَّكْثِيرِ يُصَيِّرُ الْمَعْنَى: وَكَثُرَ إكْثَارُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ (قَوْلُهُ: أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا) أَيْ مَجْمُوعُهُمْ لَا كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ اهـ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ تَعَسُّفٌ) هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الطَّرِيقِ الظَّاهِرِ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ لَائِحٌ) أَيْ وَهُوَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَاَلَّذِي بَعْدَهُ لِمُعَرِّفٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ تَعْرِيفَ الرَّازِيّ خَاصٌّ بِالْعِلْمِ التَّصْدِيقِيِّ، وَتَعْرِيفُ السَّيِّدِ عَامٌّ لَهُ وَلِلتَّصَوُّرِيِّ، ثُمَّ إنَّ التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ تَعْرِيفُ الْعِلْمِ بِمَعْنَى الْإِدْرَاكِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ مَعَانِيهِ، وَالتَّعْرِيفُ الثَّانِي تَعْرِيفٌ لَهُ بِمَعْنَى مَا بِهِ الْإِدْرَاكُ: أَيْ الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِالْإِنْسَانِ يُدْرَكُ بِهِ، وَهُوَ مَعْنًى آخَرُ لِلْعِلْمِ، وَكُلٌّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ غَيْرُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّهُ الْمَسَائِلُ، وَهُوَ مَعْنًى ثَالِثٌ لَهُ، فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ مُؤَاخَذَاتٌ.
(قَوْلُهُ:، وَهُوَ الْعِبَادَاتُ) بَيَانٌ لِمَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَا أَنْفَقْت (قَوْلُهُ: مَجَازًا) أَيْ لُغَوِيًّا، وَالْمُرَادُ اسْتِعَارَةٌ (قَوْلُهُ: عَلَى تَقْدِيرِ مِنْ الْبَيَانِيَّةِ إلَخْ) الرَّاجِحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِضَافَةَ الْبَيَانِيَّةَ هِيَ الَّتِي تَكُونُ عَلَى مَعْنَى مِنْ الْمُبَيِّنَةِ لِلْجِنْسِ لَا مُطْلَقًا فَهِيَ قِسْمٌ بِرَأْسِهَا، فَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ طَرِيقَةٌ، أَوْ أَنَّ مُرَادَهُ حِكَايَةُ أَقْوَالٍ فِي الْمَسْأَلَةِ (قَوْلُهُ يَجُوزُ كَوْنُهَا زَائِدَةً) أَيْ عَلَى مَذْهَبِ الْأَخْفَشِ الْمُجِيزِ لِزِيَادَتِهَا فِي الْإِثْبَاتِ، لَكِنَّ الْأَخْفَشَ يُوَافِقُ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَجْرُورُهَا نَكِرَةً وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ لِصِحَّةِ الْمَعْنَى بِدُونِهِ أَنَّ كُلَّ مَا يَصِحُّ الْمَعْنَى بِدُونِهِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا، وَيَرِدُ عَلَيْهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى {لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم: 4] وَقَوْلُهُ {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [البقرة: 25] وَقَدْ يُقَالُ: مَا الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِ مِنْ هُنَا لِلتَّعْدِيَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَاحْتِيجَ إلَيْهَا لِضَعْفِ الْعَامِلِ بِفِعْلِهِ بِالْجُمْلَةِ الدُّعَائِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ لَائِحٌ) أَيْ؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ظَرْفٌ لِلنِّدَاءِ وَالتَّصْنِيفُ
وَهُنَا لِلتَّجَاوُزِ وَالْإِكْثَارِ مِمَّا ذَكَرَ فِي قَوْلِهِ (التَّصْنِيفُ مِنْ الْمَبْسُوطَاتِ وَالْمُخْتَصَرَاتِ) فِي الْفِقْهِ وَالصُّحْبَةِ هُنَا الِاجْتِمَاعُ فِي اتِّبَاعِ الْإِمَامِ الْمُجْتَهِدِ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ مَجَازًا عَنْ الِاجْتِمَاعِ فِي الْعَشَرَةِ وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ الْعِلْمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ رَحِمٌ مُتَّصِلَةٌ وَالتَّصْنِيفُ جَعَلَ الشَّيْءَ أَصْنَافًا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَالْمَبْسُوطُ مَا كَثُرَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَالْمُخْتَصَرُ مَا قَلَّ لَفْظُهُ وَكَثُرَ مَعْنَاهُ، وَقَوْلُهُ مِنْ الْمَبْسُوطَاتِ بَدَلُ اشْتِمَالٍ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ وَالْأَصْلِ وَقَدْ أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا الْمُصَنَّفَاتِ الْمَبْسُوطَاتِ، وَيَجُوزُ كَوْنُ مِنْ بَيَانِيَّةً، وَفِيهِ إنْ لَمْ يَجْعَلْ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّصْنِيفَ غَيْرُ الْمَبْسُوطِ.
(وَأَتْقَنَ) أَيْ أَحْكَمَ (مُخْتَصَرَ الْمُحَرَّرِ) أَيْ الْمُهَذَّبَ الْمُنَقَّى (لِلْإِمَامِ) إمَامِ الدِّينِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْقَزْوِينِيِّ (أَبِي الْقَاسِمِ الرَّافِعِيِّ) مَنْسُوبٌ إلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الصَّحَابِيِّ كَمَا وُجِدَ بِخَطِّهِ، وَرَدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى رَافِعَانِ مَعْرُوفَةٍ بِبِلَادِ قَزْوِينَ، وَتَكْنِيَةُ الْمُصَنِّفِ لَلرَّافِعِيِّ بِأَبِي الْقَاسِمِ جَارِيَةٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ تَحْرِيمَهَا بِزَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى تَخْصِيصِ الرَّافِعِيِّ بِجَمْعِ الِاسْمِ وَالْكُنْيَةِ، وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَنَّ الْيَوْمَ ظَرْفٌ بِخِلَافِ التَّصْنِيفِ (قَوْلُهُ: وَالْإِكْثَارِ مِمَّا ذُكِرَ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: فِي الْفِقْهِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا مُرَادُهُ فَكَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهُ اهـ بَكْرِيٌّ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَيْ لِكَوْنِ الصُّحْبَةِ عِبَارَةً عَنْ الِاجْتِمَاعِ فِي اتِّبَاعٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَالْمُخْتَصَرُ مَا قَلَّ لَفْظُهُ وَكَثُرَ مَعْنَاهُ) أَيْ فِي الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ الْمَعَانِي قَلِيلَةً كَالْأَلْفَاظِ (قَوْلُهُ: وَالْأَصْلُ) أَيْ الْمُرَادُ مِنْ الْعِبَارَةِ، لَا أَنَّهُ كَانَ صِفَةً فِي الْأَصْلِ ثُمَّ صَارَ بَدَلًا.
وَفِي ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ قَوْلُهُ إنَّهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ: أَيْ أَوْ بَدَلُ كُلٍّ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ: أَيْ مِنْ تَصْنِيفِ إلَخْ، وَفِي كَوْنِهِ لِلِاشْتِمَالِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ يَحْتَاجُ إلَى ضَمِيرٍ، فَالْوَجْهُ أَنَّهُ بَدَلُ كُلٍّ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ إنْ لَمْ يُؤَوَّلْ التَّصْنِيفُ بِالْمُصَنَّفِ اهـ بِحُرُوفِهِ رحمه الله (قَوْلُهُ: وَفِيهِ إنْ لَمْ يُجْعَلْ إلَخْ) يُجَابُ بِحَذْفِ الْمُضَافِ: أَيْ مِنْ تَصْنِيفِ الْمَبْسُوطَاتِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَتْقَنَ مُخْتَصَرَ الْمُحَرَّرِ) أَيْ مِنْ الْمُخْتَصَرَاتِ الْمَذْكُورَةِ اهـ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ
1 -
(قَوْلُهُ: إلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الصَّحَابِيِّ) نَعْتٌ لِرَافِعٍ، وَفِي الْإِصَابَةِ لِابْنِ حَجَرٍ مَا نَصُّهُ مَعَ تَلْخِيصٍ كَثِيرٍ: رَافِعُ بْنُ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ فَاسْتَصْغَرَهُ، وَأَجَازَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَخَرَجَ وَشَهِدَ مَا بَعْدَهَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى عَلَيْهِ، فَكَأَنَّ رَافِعًا تَأَخَّرَ مَوْتُهُ حَتَّى قَدِمَ ابْنُ عُمَرَ الْمَدِينَةَ فَمَاتَ فَصَلَّى عَلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَتَكْنِيَةُ الْمُصَنِّفِ لِلرَّافِعِيِّ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تُوُفِّيَ الرَّافِعِيُّ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ عَنْ نَيِّفٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَلَهُ كَرَامَاتٌ مِنْهَا أَنَّ شَجَرَةَ عِنَبٍ أَضَاءَتْ لَهُ لِفَقْدِ مَا يُسْرِجُهُ وَقْتَ التَّصْنِيفِ. وَوُلِدَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِنَحْوِ سَبْعِ سِنِينَ بِنَوَى مِنْ قُرَى دِمَشْقَ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ عَنْ نَحْوِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً اهـ رحمه الله (قَوْلُهُ: بِأَبِي الْقَاسِمِ) ظَاهِرُ قَوْلِهِمْ بِأَبِي الْقَاسِمِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَنَّ التَّكْنِيَةَ بِأَبِي الْقَاسِمِ لَا تُحْرَمُ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: جَارِيَةٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ) أَيْ النَّوَوِيِّ (قَوْلُهُ: وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ) مِنْ كَلَامِ م ر رحمه الله (قَوْلُهُ: التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ اسْمُهُ مُحَمَّدًا أَوْ لَا فِي زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم أَمْ لَا
ــ
[حاشية الرشيدي]
لَيْسَ ظَرْفًا لِلْإِكْثَارِ (قَوْلُهُ: وَهُنَا لِلتَّجَاوُزِ، وَالْإِكْثَارِ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ كَمَا أَنَّهُمْ: أَيْ الْأَصْحَابَ هُنَا جَاوَزُوا الْإِكْثَارَ.
قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: فِيهِ تَأَمُّلٌ انْتَهَى.
وَأَقُولُ: لَعَلَّ وَجْهَ أَمْرِهِ بِالتَّأَمُّلِ أَنَّ حَلَّهُ لِلْمَتْنِ حِينَئِذٍ لَيْسَ عَلَى نَظِيرِ حَلِّهِ لِلْمِثَالِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ عَمْرًا الَّذِي هُوَ مَدْخُولُ مِنْ فِيهِ مَفْعُولًا، فَنَظِيرُهُ فِي الْمَتْنِ أَنْ يُقَالَ: تَجَاوَزُوا التَّصْنِيفَ فِي الْإِكْثَارِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مَعْنَاهُ، فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى هُنَا، وَلَعَلَّ عِبَارَةَ الشَّيْخِ لِتَجَاوُزِ الْإِكْثَارِ لِتَرْجِعَ إلَى عِبَارَةِ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا قَدَّمْنَاهُ، وَتَكُونُ الْكَتَبَةُ حَرَّفَتْهَا إلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي نُسَخِ الشَّيْخِ (قَوْلُهُ: مِمَّا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ) الْأَوْلَى حَذْفُ ذَلِكَ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى لَفْظِ فِي (قَوْلُهُ: بَدَلَ اشْتِمَالٍ) فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ تُعْلَمُ بِمُرَاجَعَةِ كَلَامِ النُّحَاةِ فِي بَدَلِ الِاشْتِمَالِ، وَنَبَّهَ عَلَى بَعْضِهَا هُنَا الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ إنْ لَمْ يَجْعَلْ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: يُجَابُ بِحَذْفِ الْمُضَافِ: أَيْ مِنْ تَصْنِيفِ الْمَبْسُوطَاتِ (قَوْلُهُ: الْمُهَذَّبِ الْمُنَقَّى) تَفْسِيرٌ لِلْمُحَرَّرِ
وَفِي وَضْعِهَا، أَمَّا إذَا وُضِعَتْ لِإِنْسَانٍ وَاشْتُهِرَ بِهَا فَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَشْمَلُهُ وَلِلْحَاجَةِ، كَمَا اغْتَفَرُوا التَّلْقِيبَ بِنَحْوِ الْأَعْمَشِ لِذَلِكَ (رحمه الله ذِي التَّحْقِيقَاتِ) الْكَثِيرَةِ فِي الْعِلْمِ وَالتَّدْقِيقَاتِ الْغَزِيرَةِ فِي الدِّينِ، إذْ اللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ جَمْعَ السَّلَامَةِ لِلْقِلَّةِ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَدْحٍ، فَلَوْ عَدَلَ إلَى جَمْعِ الْكَثْرَةِ لَكَانَ أَنْسَبَ
(وَهُوَ) أَيْ الْمُحَرَّرُ (كَثِيرُ الْفَوَائِدِ) جَمْعُ فَائِدَةٍ، وَهِيَ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ (عُمْدَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْمَذْهَبِ) أَيْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الْمَسَائِلِ مَجَازًا عَنْ مَكَانِ الذَّهَابِ ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيهِ، وَإِطْلَاقُ الْمَذْهَبِ عَلَى الْمَسَائِلِ الْمُتَدَاوَلَةِ مُقْتَصَرًا فِيهَا عَلَى مَا بِهِ الْفَتْوَى كَمَا هُنَا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الشَّيْءِ عَلَى رُكْنِهِ الْأَعْظَمِ؛ لِأَنَّهَا الْأَهَمُّ لِلْفَقِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهَا (مُعْتَمَدٌ لِلْمُفْتِي وَغَيْرِهِ) كَالْقَاضِي وَالْمُدَرِّسِ (مِنْ أُولِي الرَّغَبَاتِ) أَيْ أَصْحَابِهَا وَهِيَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ جَمْعُ رَغْبَةٍ بِسُكُونِهَا، وَهُوَ بَيَانٌ لِغَيْرِهِ أَوْ لِكُلٍّ مِنْ سَابِقِيهِ (وَقَدْ الْتَزَمَ مُصَنِّفُهُ رحمه الله وَأَنْ يَنُصَّ) فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ (عَلَى مَا صَحَّحَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ) أَيْ أَكْثَرُهُمْ فِيهَا؛ لِأَنَّ نَقْلَ الْمَذْهَبِ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ فَيُرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ مِنْ اسْتِوَاءِ الْأَدِلَّةِ، وَيُطْلَقُ النَّصُّ الْمَنْقُولُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَمَا هُنَا وَعَلَى الدَّلِيلِ كَقَوْلِهِمْ: لَا بُدَّ لِلْإِجْمَاعِ مِنْ نَصٍّ، وَعَلَى
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بِنَحْوِ الْأَعْمَشِ لِذَلِكَ) قَضِيَّةُ عَدَمِ رَدِّهِ اعْتِمَادُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَا وُجِّهَ بِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَكِنْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَيَرُدُّ الْأَخِيرَيْنِ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي لَا تَتَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، نَعَمْ صَحَّ «مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يَتَكَنَّى بِكُنْيَتِي وَمَنْ اكْتَنَى بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّى بِاسْمِي» وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَخِيرِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ فَقُدِّمَ اهـ (قَوْلُهُ: ذِي التَّحْقِيقَاتِ) جَمْعُ تَحْقِيقَةٍ، وَتَحْقِيقُ الْمَسَائِلِ إثْبَاتُهَا بِالْأَدِلَّةِ، وَالتَّدْقِيقُ إثْبَاتُهَا بِالْأَدِلَّةِ وَإِثْبَاتُ الْأَدِلَّةِ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: إذْ اللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ) وَالْمُرَادُ هُنَا الِاسْتِغْرَاقُ الْعُرْفِيُّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ تَبَعًا لِلشَّارِحِ بِقَوْلِهِ الْكَثِيرَةِ دُونَ جَمْعِ التَّحْقِيقَاتِ
(قَوْلُهُ: عُمْدَةٌ) خَبَرٌ ثَانٍ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ (قَوْلُهُ: مُعْتَمَدٌ) خَبَرٌ ثَالِثٌ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: جَمْعُ رَغْبَةٍ بِسُكُونِهَا) زَادَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهِيَ الِانْهِمَاكُ عَلَى الْخَيْرِ طَلَبًا لِحِيَازَةِ مَعَالِيهِ اهـ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الِانْهِمَاكَ عَلَى غَيْرِ الْخَيْرِ لَا يُسَمَّى رَغْبَةً وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَفِي الْمُخْتَارِ رَغِبَ فِيهِ أَرَادَهُ وَبَابُهُ طَرِبَ وَرَغَّبَهُ أَيْضًا وَارْتَغَبَ فِيهِ مِثْلُهُ وَرَغَّبَ عَنْهُ لَمْ يُرِدْهُ، وَيُقَالُ رَغَّبَهُ تَرْغِيبًا وَأَرْغَبَ فِيهِ أَيْضًا اهـ.
فَمَا فَسَّرَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ لَعَلَّهُ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِالرَّغْبَةِ هُنَا (قَوْلُهُ: أَوْ لِكُلٍّ مِنْ سَابِقِيهِ) أَيْ الْمُفْتِي وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ الْتَزَمَ مُصَنِّفُهُ رحمه الله أَنْ يَنُصَّ إلَخْ)[تَنْبِيهٌ] مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ جَوَازِ النَّقْلِ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ وَنِسْبَةُ مَا فِيهَا لِمُؤَلِّفِيهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ سَنَدُ النَّاقِلِ بِمُؤَلِّفِيهَا، نَعَمْ النَّقْلُ مِنْ نُسْخَةِ كِتَابٍ لَا يَجُوزُ إلَّا إنْ وُثِقَ بِصِحَّتِهَا أَوْ تَعَدَّدَتْ تَعَدُّدًا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّتُهَا أَوْ رَأَى لَفْظَهَا مُنْتَظِمًا وَهُوَ خَبِيرٌ فَطِنٌ يُدْرِكُ السَّقْطَ وَالتَّحْرِيفَ، فَإِنْ انْتَفَى ذَلِكَ قَالَ وَجَدْت كَذَا أَوْ نَحْوَهُ. وَمِنْ جَوَازِ اعْتِمَادِ الْمُفْتِي مَا يَرَاهُ فِي كِتَابٍ مُعْتَمَدٍ فِيهِ تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ لَا يُعْتَمَدُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بَعْدَ مَزِيدِ الْفَحْصِ وَالتَّحَرِّي حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَلَا يُغْتَرُّ بِتَتَابُعِ كُتُبٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الْكَثْرَةَ قَدْ تَنْتَهِي إلَى وَاحِدٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ الْقَفَّالِ أَوْ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ لَا يُفَرِّعُونَ وَيُؤَصِّلُونَ إلَّا عَلَى طَرِيقَتِهِ غَالِبًا وَإِنْ خَالَفَتْ سَائِرَ الْأَصْحَابِ فَتَعَيَّنَ سَبْرَ كُتُبِهِمْ، هَذَا كُلُّهُ فِي حُكْمٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَإِلَّا فَاَلَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ مُحَقِّقُو الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ رحمه الله فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: عَلَى مَا صَحَّحَهُ) أَيْ مَا رَجَّحَهُ عَمِيرَةُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ لَا بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْعَلَمِيَّةِ (قَوْلُهُ: مَجَازًا) أَيْ اسْتِعَارَةً
(قَوْلُهُ: كَمَا هُنَا) فِيهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ، إذْ الْمُرَادُ هُنَا الْمَعْنَى الْأَعَمُّ كَمَا عُلِمَ مِنْ صَدْرِ كَلَامِهِ.
وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ: ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الرَّاجِحِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ الْمُهَذَّبُ فِي الْمَسْأَلَةِ كَذَا (قَوْلُهُ: يَنِصُّ) بِكَسْرِ النُّونِ لَا غَيْرُ
اللَّفْظِ الصَّرِيحِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ (وَوَفَى) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ (بِمَا الْتَزَمَهُ) وَاعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا يَسْتَدْرِكُ عَلَى الْمُحَرَّرِ بِأَنَّهُ خَالَفَ الْأَكْثَرِينَ، وَعَلَى الرَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ يَجْزِمُ فِي الْمُحَرَّرِ بِشَيْءٍ وَيَكُونُ بَحْثًا لِلْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ.
وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ وَفَى بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ، فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ اسْتِدْرَاكَهُ التَّصْحِيحَ عَلَيْهِ فِي الْمَوَاضِعِ الْآتِيَةِ وَبِأَنَّهُ وَفَى غَالِبًا، وَالْمَقَامُ مَقَامُ الْمُبَالَغَةِ فَنَزَّلَ الْقَلِيلَ جِدًّا مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ، وَبِأَنَّهُ يَجْزِمُ فِي الْمُحَرَّرِ بِشَيْءٍ تَبَعًا لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِ لِكَوْنِهِ كَالتَّقْيِيدِ لِمَا أَطْلَقُوهُ تَسَاهُلًا بِحَيْثُ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِمْ لَقَبِلُوهُ لِكَوْنِهِ مُرَادَهُمْ مِنْ الْإِطْلَاقِ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ تَصَانِيفِ السُّبْكِيّ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَهِمَ عَنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَنُصُّ إلَّا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ فَقَدْ أَخْطَأَ فَهْمُهُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا قَالَ فِي خُطْبَةِ الْمُحَرَّرِ: إنَّهُ نَاصٌّ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ مِنْ الْوُجُوهِ وَالْأَقَاوِيلِ، وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ لَا يَنُصُّ إلَّا عَلَى ذَلِكَ (وَهُوَ) أَيْ مَا الْتَزَمَهُ (مِنْ أَهَمِّ) الْمَطْلُوبَاتِ (أَوْ) هُوَ (أَهَمُّ الْمَطْلُوبَاتِ) لِطَالِبِ الْفِقْهِ مِنْ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُصَحَّحِ مِنْ الْخِلَافِ فِي مَسَائِلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ وَجْهِ اخْتِصَارِهِ فَقَالَ (لَكِنْ فِي حَجْمِهِ) أَيْ مِقْدَارِ الْمُحَرَّرِ (كَبِرَ عَنْ حِفْظِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعَصْرِ) أَيْ زَمَانِهِ الرَّاغِبِينَ فِي حِفْظِ مُخْتَصَرٍ فِي الْفِقْهِ (إلَّا بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ) مِنْهُمْ فَلَا يَكْبَرُ: أَيْ يَعْظُمُ عَلَيْهِمْ حِفْظُهُ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ الْأَكْثَرِ بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ، وَأَمَّا الْأَقَلُّونَ فَلَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي كَلَامِهِ لَا فِي الْمُسْتَثْنَى وَلَا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَصِحُّ كَوْنُهُ مُنْقَطِعًا بِأَنْ يَكُونَ اسْتَثْنَى بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ مِنْ الْأَقَلِّينَ (فَرَأَيْت اخْتِصَارَهُ) بِأَنْ لَا يَفُوتَ شَيْءٌ مِنْ مَقَاصِدِهِ مِنْ الرَّأْيِ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ: أَيْ ظَهَرَ لِي أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ (فِي نَحْوِ نِصْفِ حَجْمِهِ) هُوَ صَادِقٌ بِمَا وَقَعَ فِي الْخَارِجِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى النِّصْفِ بِيَسِيرٍ، فَإِنَّ نَحْوَ الشَّيْءِ يُطْلَقُ عَلَى مَا سَاوَاهُ أَوْ قَارَبَهُ مَعَ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، وَالنِّصْفُ مُثَلَّثُ النُّونِ، وَيُقَالُ فِيهِ نَصِيفٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَزِيَادَةِ يَاءٍ قَبْلَ آخِرِهِ (لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ) أَيْ الْمُخْتَصَرِ عَلَى مَنْ يَرْغَبُ فِي حِفْظِ مُخْتَصَرٍ.
قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: الْكِتَابُ يُخْتَصَرُ لِيُحْفَظَ وَيُبْسَطَ لِيُفْهَمَ، وَالِاخْتِصَارُ مَمْدُوحٌ شَرْعًا، قَالَ صلى الله عليه وسلم:«أُوتِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَ لِي الْكَلَامُ اخْتِصَارًا» (مَعَ مَا) أَيْ مَصْحُوبًا ذَلِكَ الْمُخْتَصَرَ بِمَا (أَضُمُّهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي أَثْنَائِهِ وَبِذَلِكَ قَرُبَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ أَصْلِهِ كَمَا قِيلَ (مِنْ النَّفَائِسِ الْمُسْتَجَادَاتِ) أَيْ الْمُسْتَحْسَنَاتِ بَيَانٌ لِمَا سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ مَوْصُولًا اسْمِيًّا أَوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً (مِنْهَا) الضَّمِيرُ لِلنَّفَائِسِ أَوْ لِمَا فِي قَوْلِهِ مَا أَضُمُّهُ، وَاعْتُبِرَ الْمَعْنَى وَالْحَاصِلُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْبَيَانِ أَوْ لِلْمُبَيِّنِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ وَفِيٌّ بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَفِي الْمُخْتَارِ: لِيَكُنْ عَمَلُك بِحَسَبِ ذَلِكَ بِالْفَتْحِ أَيْ عَلَى قَدْرِهِ وَعَدَدِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ الْوُجُوهِ) بَيَانٌ لِمَا (قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ أَهَمُّ الْمَطْلُوبَاتِ) أَيْ بَلْ هُوَ وَيَصِحُّ كَوْنُهَا لِلتَّرْدِيدِ إبْهَامًا عَلَى السَّامِعِ وَتَنْشِيطًا لَهُ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ وَلِلتَّنْوِيعِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الرَّاجِحِ مَذْهَبٌ مِنْ الْأَهَمِّ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِحَاطَةَ لمدا بارك وَهِيَ الْأَهَمُّ لِمَنْ يُرِيدُ مُجَرَّدَ الْإِفْتَاءِ أَوْ الْعَمَلَ اهـ ابْنُ حَجَرٍ رحمه الله.
(قَوْلُهُ: أَيْ مِقْدَارُ الْمُحَرَّرِ) هَذَا تَفْسِيرٌ مُرَادٌ، وَإِلَّا فَالْحَجْمُ كَمَا فِي ابْنِ حَجَرٍ: جِرْمُ الشَّيْءِ النَّاتِئُ مِنْ الْأَرْضِ اهـ وَفِي الْمُخْتَارِ: حَجْمُ الشَّيْءِ حَيْدُهُ، يُقَالُ لَيْسَ لِمِرْفَقِهِ حَجْمٌ: أَيْ نُتُوءٌ، وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ فِي نَتَأَ فَهُوَ نَاتِئٌ ارْتَفَعَ وَبَابُهُ قَطَعَ وَخَضَعَ اهـ. فَقَوْلُهُ مِنْ الْأَرْضِ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمُرَادُ حَجْمُ الشَّيْءِ النَّاتِئِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ اسْتَثْنَى بَعْضَ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِأَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ الَّذِي اسْتَثْنَاهُمْ مِنْ الْأَقَلِّ أَوْ نَفْسَ الْأَقَلِّ (قَوْلُهُ: وَاخْتُصِرَ لِي الْكَلَامُ إلَخْ) أَيْ جُعِلَ لِي قُدْرَةٌ عَلَى اخْتِصَارِ الْكَلَامِ (قَوْلُهُ مَعَ مَا إلَخْ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى سَبْقِ الْخُطْبَةِ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ مَوْصُولًا) أَيْ إنْ فُرِضَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَاحَظَ نَفَائِسَ مَخْصُوصَةً
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَبِأَنَّهُ يُجْزَمُ) فِي الْمُحَرَّرِ هَذَا شُرُوعٌ فِي الْجَوَابِ عَنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الرَّافِعِيِّ الْمَارِّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ فِيمَا مَرَّ عَقِبَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُنَصَّ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ جَوَابٌ آخَرُ عَنْ هَذَا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ زَمَانِهِ) الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْمُصَنِّفِ، فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْعَصْرِ مُعَاقِبَةٌ الضَّمِيرَ (قَوْلُهُ: مِنْ الْأَقَلِّينَ) مِنْ فِيهِ بَيَانِيَّةٌ
(التَّنْبِيهُ عَلَى قُيُودٍ) جَمْعُ قَيْدٍ. وَهُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ مَا جِيءَ بِهِ لِجَمْعٍ أَوْ مَنْعٍ أَوْ بَيَانٍ وَاقِعٍ (فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ) بِأَنْ تُذْكَرَ فِيهَا (هِيَ مِنْ الْأَصْلِ مَحْذُوفَاتٌ) بِالْمُعْجَمَةِ: أَيْ مَتْرُوكَاتٌ اكْتِفَاءً بِذِكْرِهَا فِي الْمَبْسُوطَاتِ وَالتَّنْبِيهُ إعْلَامُ تَفْصِيلِ مَا تَقَدَّمَ إجْمَالًا فِيمَا قَبْلَهُ وَالْمَسَائِلُ جَمْعُ مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ إنْ كَانَ كَسْبِيًّا (وَمِنْهَا مَوَاضِعُ يَسِيرَةٌ) نَحْوُ خَمْسِينَ مَوْضِعًا (ذَكَرَهَا فِي الْمُحَرَّرِ عَلَى خِلَافِ الْمُخْتَارِ فِي الْمَذْهَبِ) الْآتِي ذِكْرُهُ فِيهَا مُصَحَّحًا (كَمَا سَتَرَاهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي خِلَافِهَا لَهُ نَظَرٌ لَلْمَدَارِكِ (وَاضِحَاتٍ) بِأَنْ أُبَيِّنَ فِيهَا أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُ مَا فِيهِ فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِهِ، وَمِنْهَا ذِكْرُ الْمُخْتَارِ فِي الْمَذْهَبِ فِي مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ ذَكَرَهَا فِي الْمُحَرَّرِ عَلَى خِلَافِهِ (وَمِنْهَا إبْدَالُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيبًا) أَيْ غَيْرَ مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمَالِ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فِي الْمُرَابَحَةِ ده يازده؛ لِأَنَّ وُقُوعَهَا فِي أَلْسِنَةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَخْرَجَهَا عَنْ الْغَرَابَةِ (أَوْ مُوهِمًا) أَيْ مَوْقِعًا فِي الْوَهْمِ أَيْ الذِّهْنِ (خِلَافَ الصَّوَابِ) أَيْ الْإِتْيَانَ بَدَلَ ذَلِكَ (بِأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ مِنْهُ بِعِبَارَاتٍ جَلِيَّاتٍ) أَيْ ظَاهِرَاتٍ فِي أَدَاءِ الْمُرَادِ.
وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ النَّحْوِيُّونَ وَاللُّغَوِيُّونَ أَنَّ الْبَاءَ مَعَ الْإِبْدَالِ تَدْخُلُ عَلَى الْمَتْرُوكِ لَا عَلَى الْمَأْتِيِّ بِهِ، قَالَ تَعَالَى {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [البقرة: 108] وَقَالَ {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61] وَقَالَ {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} [سبأ: 16] الْآيَةَ، وَقَالَ {وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [النساء: 2] وَحِينَئِذٍ فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: وَمِنْهَا إبْدَالُ الْأَوْضَحِ وَالْأَخْصَرِ بِمَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيبًا أَوْ مُوهِمًا خِلَافَ الصَّوَابِ. وَرَدَّهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّمْسُ الْقَايَاتِيُّ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّهَا إنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَأْخُوذِ فِي الْإِبْدَالِ مُطْلَقًا وَفِي التَّبْدِيلِ إنْ لَمْ يُذْكَرْ مَعَ الْمَتْرُوكِ وَالْمَأْخُوذِ غَيْرُهُمَا، فَقَدْ نَقَلَ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ ثَعْلَبَ: أَبْدَلْت الْخَاتَمَ بِالْحَلْقَةِ إذَا نَحَّيْت هَذَا وَجَعَلْت هَذِهِ مَكَانَهُ، وَبَدَّلْت الْخَاتَمَ بِالْحَلْقَةِ إذَا أَذَبْته وَسَوَّيْته حَلْقَةً، أَمَّا إذَا ذُكِرَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} [سبأ: 16] وَكَمَا فِي قَوْلِك بَدَّلَهُ بِخَوْفِهِ أَمْنًا فَدُخُولُهَا حِينَئِذٍ عَلَى الْمَتْرُوكِ كَمَا فِي الِاسْتِبْدَالِ وَالتَّبَدُّلِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
يُرِيدُ ضَمَّهَا وَمَوْصُوفَةً إنْ لَاحَظَ أَنَّهُ يَضُمُّ مَا يَجِدُهُ حَسَنًا حِينَ التَّأْلِيفِ (قَوْلُهُ: التَّنْبِيهُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَنْ النُّبْهِ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وَهِيَ الْفَطِنَةُ اهـ.
وَالْمُرَادُ هُنَا تَوْقِيفُ النَّاظِرِ فِيهِ عَلَى تِلْكَ الْقُيُودِ، وَفِي الْمُخْتَارِ نَبِهَ الرَّجُلُ شَرُفَ وَاشْتَهَرَ وَبَابُهُ ظَرُفَ، ثُمَّ قَالَ: وَنَبَّهَهُ أَيْضًا عَلَى الشَّيْءِ وَقَفَهُ عَلَيْهِ فَتَنَبَّهَ هُوَ عَلَيْهِ اهـ (قَوْلُهُ: أَوْ بَيَانٍ وَاقِعٍ) وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْقُيُودِ كَمَا قَالَهُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ (قَوْلُهُ: مَحْذُوفَاتٌ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ هِيَ مِنْ الْأَصْلِ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ فِي الْمَبْسُوطَاتِ) أَيْ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: وَالتَّنْبِيهُ إعْلَامٌ) هَذَا تَعْرِيفٌ لِلتَّنْبِيهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، لَا بِالنَّظَرِ لِمَا الْكَلَامُ فِيهِ فَإِنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى الذِّكْرِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ كَسْبِيًّا) أَمَّا إذَا كَانَ بَدِيهِيًّا فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ (قَوْلُهُ وَمِنْهَا مَوَاضِعُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْهَا التَّنْبِيهُ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِهِ) أَيْ النَّوَوِيِّ (قَوْلُهُ: أَيْ الْإِتْيَانُ) تَفْسِيرٌ لِلْإِبْدَالِ وَأَخَّرَهُ لِيَرْتَبِطَ بِالْبَدَلِ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: بِأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ إيضَاحٌ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: بِعِبَارَاتٍ) الْبَاءُ فِي بِعِبَارَاتٍ إمَّا سَبَبِيَّةٌ أَوْ لِلْمُلَابَسَةِ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْبَاءَ مَعَ الْإِبْدَالِ تَدْخُلُ) أَيْ مَعَ مَا كَانَ مِنْ مَادَّتِهِ كَالتَّبْدِيلِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِدَلِيلِ أَمْثِلَتِهِ وَالتَّبَدُّلِ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ ذُكِرَ مَعَ الْمَتْرُوكِ وَالْمَأْخُوذِ غَيْرُهُمَا أَمْ لَا (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الِاسْتِبْدَالِ وَالتَّبَدُّلِ)
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: بِأَنْ تُذْكَرَ فِيهَا) فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ تَنْبِيهِهِ عَلَى الْقُيُودِ الْمَحْذُوفَةِ أَنْ يَقُولَ هُنَا قَيْدٌ مَحْذُوفٌ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ (قَوْلُهُ: وَالتَّنْبِيهُ إعْلَامُ تَفْصِيلٍ إلَخْ) هَذَا تَعْرِيفٌ لِلتَّنْبِيهِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَا بِالنَّظَرِ لِمَا الْكَلَامُ فِيهِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا ذِكْرُ قُيُودٍ لَيْسَتْ فِي الْمُحَرَّرِ وَلَا عُلِمَتْ مِنْهُ كَمَا قَدَّمَهُ (قَوْلُهُ: وَهِيَ مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ إلَخْ) سَيَأْتِي لَهُ فِي أَوَاخِرِ الْخُطْبَةِ تَعْرِيفُهُ بِغَيْرِ هَذَا (قَوْلُهُ: فَصَارَ حَاصِلُ كَلَامِهِ وَمِنْهَا ذَكَرَ إلَخْ) قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: يَجُوزُ كَوْنُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ مَفْهُومٍ مِنْ السِّيَاقِ: أَيْ تَحْقِيقُ مَوَاضِعَ فَيَظْهَرُ صِحَّةُ الْحَمْلِ انْتَهَى.
وَأَقُولُ: مَا الْمَانِعُ مِنْ قِرَاءَةِ مَوَاضِعَ بِالْجَرِّ بِالْفَتْحَةِ عَطْفًا عَلَى قُيُودٍ، فَيَكُونُ مِنْ مَدْخُولِ التَّنْبِيهِ وَلَا يَحْتَاجُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ إلَى تَأْوِيلٍ وَلَا تَقْدِيرٍ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، إذْ لَا خَفَاءَ أَنَّ مِنْهَا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ فَتَحِلُّ عِبَارَتُهُ إلَى قَوْلِنَا التَّنْبِيهُ عَلَى قُيُودٍ إلَخْ فَلَا يُعْتَرَضُ (قَوْلُهُ: وَبَدَّلْنَاهُمْ الْآيَةَ)
وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ التَّبْدِيلِ وَالْإِبْدَالِ، بِأَنَّ التَّبْدِيلَ تَغْيِيرُ صُورَةٍ إلَى صُورَةٍ مَعَ بَقَاءِ الذَّاتِ، وَالْإِبْدَالُ تَغْيِيرُ الذَّاتِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَلَمَّا كَانَ حَاصِلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْجَوَابِ رَدَّ الِاعْتِرَاضِ مِنْ أَصْلِهِ لَمْ أَذْكُرْ كَلَامَ مَنْ سَلَّمَ الِاعْتِرَاضَ وَأَجَابَ عَنْهُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ اصْطِلَاحٍ حَسَنٍ ابْتَكَرَهُ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ فَقَالَ (وَمِنْهَا بَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ وَالطَّرِيقَيْنِ وَالنَّصِّ وَمَرَاتِبِ الْخِلَافِ) قُوَّةً وَضَعْفًا فِي الْمَسَائِلِ (فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ) أَيْ حَالَةَ يُعَبِّرُ فِيهَا بِالْأَظْهَرِ أَوْ الْمَشْهُورِ أَوْ بِالْأَصَحِّ أَوْ الصَّحِيحِ فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، أَمَّا مَا عَبَّرَ فِيهِ بِالْمَذْهَبِ بِالنِّسْبَةِ لِبَيَانِ الطَّرِيقَيْنِ أَوْ الطُّرُقِ أَوْ بِقِيلٍ لِبَيَانِ أَنَّهُ وَجْهٌ ضَعِيفٌ وَأَنَّ الْأَصَحَّ أَوْ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ، أَوْ بَقِيَ قَوْلٌ لِبَيَانِ أَنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ، أَوْ بِالنَّصِّ لِبَيَانِ أَنَّهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَأَنَّ مُقَابِلَهُ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ، أَوْ بِالْجَدِيدِ لِبَيَانِ أَنَّ الْقَدِيمَ خِلَافُهُ، أَوْ بِالْقَدِيمِ أَوْ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ لِبَيَانِ أَنَّ الْجَدِيدَ خِلَافُهُ، فَلَمْ يُبَيِّنْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَرَاتِبَ الْخِلَافِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَيَّنَ بِهِ مُرَادَهُ بَعْدُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْمُؤَلِّفَ وَفِيٌّ بِمَا الْتَزَمَهُ فِي جَمِيعِ اصْطِلَاحَاتِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ اهـ.
فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ مَرْدُودٌ، وَأَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ مَرَاتِبِ الْخِلَافِ أَشْيَاءُ مِنْهَا مَا عَبَّرَ فِيهِ بِالْمَذْهَبِ أَوْ النَّصِّ أَوْ الْجَدِيدِ أَوْ الْقَدِيمِ أَوْ فِي قَوْلِ كَذَا أَوْ قِيلَ كَذَا.
وَمِنْ فَوَائِدِ ذِكْرِ الْمُجْتَهِدِ لِلْقَوْلَيْنِ إبْطَالُ مَا زَادَ لَا الْعَمَلِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَبَيَانُ الْمُدْرَكِ، وَأَنَّ مَنْ رَجَّحَ أَحَدَهُمَا مِنْ مُجْتَهِدِ الْمَذْهَبِ لَا يُعَدُّ خَارِجًا عَنْهُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ مُطْلَقًا عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْعِبَارَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ كَمَا فِي الِاسْتِبْدَالِ إلَخْ أَنَّ فِيهِمَا التَّفْصِيلَ الَّذِي فِي التَّبْدِيلِ، فَتَدْخُلُ عَلَى الْمَأْخُوذِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمَأْخُوذِ وَالْمَتْرُوكِ غَيْرُهُمَا، وَعَلَى الْمَتْرُوكِ إنْ كَانَ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا. وَعِبَارَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَلْفِيَّةِ الْحَدِيثِ فِي الْعِلَلِ مَا نَصُّهُ: فَالْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَتْرُوكِ تَشْبِيهًا لِلْإِبْدَالِ بِالتَّبَدُّلِ وَإِلَّا فَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ مِنْ أَنَّهَا إنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَأْخُوذِ فِي الْإِبْدَالِ كَالتَّبْدِيلِ، وَعَلَى الْمَتْرُوكِ فِي الِاسْتِبْدَالِ وَالتَّبَدُّلِ إنْ لَمْ يُذْكَرْ مَعَ الْمَتْرُوكِ وَالْمَأْخُوذِ غَيْرُهُمَا فِي الْأَرْبَعَةِ اهـ.
وَفِي ابْنِ حَجَرٍ مَا نَصُّهُ: وَإِدْخَالُ الْبَاءِ فِي حَيِّزِ الْإِبْدَالِ عَلَى الْمَأْخُوذِ، وَفِي حَيِّزِ بَدَلٍ وَالتَّبَدُّلُ وَالِاسْتِبْدَالُ عَلَى الْمَتْرُوكِ هُوَ الْفَصِيحُ اهـ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهَا فِي حَيِّزِ كُلٍّ عَلَى الْمَأْخُوذِ وَالْمَتْرُوكِ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَفْصَحِ فَقَطْ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُذْكَرَ مَعَ الْمَتْرُوكِ وَالْمَأْخُوذِ غَيْرُهُمَا أَوْ لَا (قَوْلُهُ: وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ التَّبْدِيلِ) وَلَمْ يُبَيِّنْ هَذَا الْفَارِقُ مَعْنَى الِاسْتِبْدَالِ وَالتَّبَدُّلِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: قُوَّةً وَضَعْفًا) رَاجِعٌ لِمَرَاتِبِ الْخِلَافِ، وَقَوْلُهُ فِي الْمَسَائِلِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ إلَخْ اهـ عَمِيرَةُ بِالْمَعْنَى (قَوْلُهُ: أَيْ حَالَةَ يُعَبِّرُ) أَيْ النَّوَوِيُّ (قَوْلُهُ: مُرَادُهُ بَعْدُ) أَيْ بِقَوْلِهِ فَحَيْثُ أَقُولُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ) أَيْ لِكَوْنِهِ عَامًّا مَخْصُوصًا بِقَرِينَةٍ بَيَانُهُ بَعْدُ (قَوْلُهُ: وَبَيَانُ الْمُدْرَكِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْمُدْرَكُ بِضَمِّ الْمِيمِ يَكُونُ مَصْدَرًا وَاسْمَ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، تَقُولُ أَدْرَكْته مُدْرَكًا: أَيْ إدْرَاكًا، وَهَذَا مُدْرَكُهُ: أَيْ مَوْضِعُ إدْرَاكِهِ أَوْ زَمَنُ إدْرَاكِهِ، وَمَدَارُك الشَّرْعِ مَوَاضِعُ طَلَبِ الْأَحْكَامِ، وَهِيَ حَيْثُ يُسْتَدَلُّ بِالنُّصُوصِ وَالِاجْتِهَادِ مِنْ مَدَارِك الشَّرْعِ، وَالْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ فِي الْوَاحِدِ مَدْرَكٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَلَيْسَ لِتَخْرِيجِهِ وَجْهٌ، وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى طَرْدِ الْبَابِ فَيُقَالُ مُفْعَلٌ بِضَمِّ الْمِيمِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَعَهَا الْمَفْعُولَ الَّذِي هُوَ الضَّمِيرُ فِيهَا كَالَّتِي بَعْدَهَا (قَوْلُهُ: أَيْ حَالَةَ يُعَبَّرُ فِيهَا بِالْأَظْهَرِ إلَخْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ وَمَرَاتِبُ الْخِلَافِ لَيْسَ إلَّا وَصَنِيعُ الْجَلَالِ، وَالشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَرَاتِبِ الْخِلَافِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهُ إنْ جُعِلَ رَاجِعًا إلَيْهِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَيَّنَ بِهِ مُرَادَهُ بَعْدُ) أَيْ فَهُوَ الْقَرِينَةُ عَلَى التَّخْصِيصِ، إذْ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ مَجَازٌ قَطْعًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَرِينَةٍ (قَوْلُهُ: وَمِنْ فَوَائِدِ ذِكْرِ الْمُجْتَهِدِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمُجْتَهِدِ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ النَّاقِلِ لِأَقْوَالِ الْإِمَامِ، أَوْ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ
ثُمَّ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مَا نَصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ وَإِلَّا فَمَا عُلِمَ تَأَخُّرُهُ وَإِلَّا فَمَا فَرَّعَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَإِلَّا فَمَا قَالَ عَنْ مُقَابِلِهِ مَدْخُولٌ أَوْ يَلْزَمُهُ فَسَادٌ وَإِلَّا فَمَا أَفْرَدَهُ فِي مَحَلٍّ أَوْ جَوَابٍ وَإِلَّا فَمَا وَافَقَ مَذْهَبَ مُجْتَهِدٍ لِتَقَوِّيهِ بِهِ فَإِنْ خَلَا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَهُوَ لِتَكَافُؤِ نَظَرَيْهِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الْعِلْمِ وَشِدَّةِ الْوَرَعِ حَذَرًا مِنْ وَرْطَةِ هُجُومٍ عَلَى تَرْجِيحٍ مِنْ غَيْرِ وُضُوحِ دَلِيلٍ. وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَخْيِيرِ الْمُقَلِّدِ بَيْنَ قَوْلَيْ إمَامِهِ: أَيْ عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ لَا الْجَمْعِ إذَا لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مِنْ أَفْعَلَ، وَاسْتَثْنَيْت كَلِمَاتٍ مَسْمُوعَةٍ خَرَجَتْ عَنْ الْقِيَاسِ اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ رحمه الله، لَكِنْ فِي حَوَاشِي الشَّنَوَانِيِّ عَلَى شَرْحِ الشَّافِيَةِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ كَالْغَزِّيِّ عَلَى الْجَارْبُرْدِيِّ أَنَّ الْمَدْرَكَ بِفَتْحِ الْمِيمِ اهـ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مَا نَصَّ) أَيْ الشَّافِعِيُّ (قَوْلُهُ: فَمَا قَالَ عَنْ مُقَابِلِهِ) أَيْ الْمَذْهَبِ (قَوْلُهُ: مَدْخُولٌ) أَيْ فِيهِ دَخْلٌ أَيْ نَظَرٌ (قَوْلُهُ: مَذْهَبُ مُجْتَهِدٍ) أَيْ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ لِتَكَافُؤِ نَظَرَيْهِ) أَيْ فَلَا يُنْسَبُ لِلْإِمَامِ تَرْجِيحٌ مِنْ ذَلِكَ الْخِلَافِ وَلَا يَقْدَحُ فِي شَأْنِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ) أَيْ ذِكْرُ الْقَوْلَيْنِ (قَوْلُهُ: مِنْ وَرْطَةِ هُجُومٍ إلَخْ) أَيْ فِي مَفْسَدَةِ هُجُومٍ، وَالْوَرْطَةُ لُغَةً الْهَلَاكُ. قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الْوَرْطَةُ الْهَلَاكُ، وَأَوْرَطَهُ وَوَرَّطَهُ تَوْرِيطًا: أَوْقَعَهُ فِي الْوَرْطَةِ فَتَوَرَّطَ فِيهَا اهـ (قَوْلُهُ وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ) أَيْ الْمَالِكِيُّ (قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحٌ إلَخْ) أَيْ أَمَّا إذَا ظَهَرَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
مُسَامَحَةً، إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ أَعْنِي صَاحِبَ الْمَذْهَبِ يَقُولُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مَثَلًا الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَحَقُّ الْعِبَارَةِ وَمِنْ فَوَائِدِ نَقْلِ الْأَصْحَابِ لِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ مُطْلَقَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ ثُمَّ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مَا نَصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِيهِ: وَإِنْ نُقِلَ عَنْ مُجْتَهِدٍ قَوْلَانِ مُتَعَاقِبَانِ فَالْمُتَأَخِّرُ قَوْلُهُ: إلَخْ (قَوْلُهُ: ثُمَّ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مَا نَصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ وَإِلَّا فَمَا عُلِمَ تَأَخُّرُهُ) الَّذِي فِي التُّحْفَةِ شَرْحِ الْكِتَابِ لِلشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ: ثُمَّ الرَّاجِحُ مِنْهُمَا مَا تَأَخَّرَ إنْ عُلِمَ، وَإِلَّا فَمَا نَصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ انْتَهَى.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمَا نَصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ يَقْتَضِي أَنَّ الرَّاجِحَ مَا تَأَخَّرَ إنْ عُلِمَ وَإِنْ نَصَّ عَلَى رُجْحَانِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا، فَلَوْ عَكَسَ فَقَالَ: ثُمَّ الرَّاجِحُ مَا نُصَّ عَلَى رُجْحَانِهِ وَإِلَّا فَمَا تَأَخَّرَ إنْ عُلِمَ أَصَابَ.
وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَإِلَّا مَعْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ تَأَخُّرُهُ، وَهُوَ لَا يَخْلُصُ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ مَرْدُودٌ نَقْلًا وَمَعْنًى؛ أَمَّا نَقْلًا، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ هُوَ مَنْقُولُ كُتُبِ الْمَذْهَبِ كَالرَّوْضَةِ لِشَيْخِهِ وَغَيْرِهَا، وَكُتُبِ الْأُصُولِ كَجَمْعِ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ فِيهِمَا.
وَعِبَارَةُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَإِنْ نُقِلَ عَنْ مُجْتَهِدٍ قَوْلَانِ مُتَعَاقِبَانِ فَالْمُتَأَخِّرُ قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمَا ذَكَرَهُ فِيهِ يُشْعِرُ بِتَرْجِيحِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَقُولُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا، وَأَمَّا مَعْنًى فَلِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ أَقْوَى مِنْ التَّرْجِيحِ،؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إنَّمَا رَجَّحَ الْأَوَّلَ بِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ كَالنَّسْخِ لِلْأَوَّلِ بِتَرْجِيحِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ أَقْوَالِهِ صلى الله عليه وسلم نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ مُطْلَقًا، وَإِنْ قَالَ فِي الْمُتَقَدِّمِ إنَّهُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّوَابَ مَا صَنَعَهُ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ لَا مَا صَنَعَهُ الشَّارِحُ الْمُوَافِقُ لِاعْتِرَاضِ الشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ رحمهم الله أَجْمَعِينَ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمَا قَالَ عَنْ مُقَابِلِهِ مَدْخُولٌ إلَخْ) قَضِيَّةُ هَذَا الصَّنِيعِ أَنَّهُ إذَا فَرَّعَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ إنَّهُ مَدْخُولٌ أَوْ يَلْزَمُ فَسَادُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، ثُمَّ رَأَيْت الشِّهَابَ ابْنَ قَاسِمٍ سَبَقَ إلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَظْهَرْ تَرْجِيحُ) أَمَّا إذَا ظَهَرَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ، فَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ لِنَفْسِهِ بِالْأَوْجُهِ الضَّعِيفَةِ كَمُقَابِلِ الْأَصَحِّ غَيْرُ صَحِيحٍ، هَكَذَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِيهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ هُنَا فِي قَوْلَيْنِ لِمُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ، فَلَا يُنْتَجُ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ إذَا تَعَدَّدَ قَائِلُهُمَا كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ فَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ إلَخْ تَفْرِيعًا عَلَى مَا هُنَا فِي مَقَامِ الْمَنْعِ، وَقَوْلُهُمْ
إجْمَاعَ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ، وَإِلَّا فَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ مَنْعُ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ دُونَ الْعَمَلِ لِنَفْسِهِ، وَبِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ: يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَانْتَصَرَ لَهُ الْغَزَالِيُّ كَمَا يَجُوزُ لِمَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى تَسَاوِي جِهَتَيْنِ: أَنْ يُصَلِّيَ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ يَمْتَنِعُ إنْ كَانَا فِي حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ كَإِيجَابٍ وَتَحْرِيمٍ، بِخِلَافِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَأَجْرَى السُّبْكِيُّ ذَلِكَ وَتَبِعُوهُ فِي الْعَمَلِ بِخِلَافِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ: أَيْ مِمَّا عَلِمْت نِسْبَتَهُ لِمَنْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَجَمَعَ شُرُوطَهُ عِنْدَهُ، وَحَمَلَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ الصَّلَاحِ: لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: أَيْ فِي إفْتَاءٍ أَوْ قَضَاءٍ وَمَحَلِّ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مَا لَمْ يَتَتَبَّعْ الرُّخَصَ فِي سَائِرِ صُوَرِ التَّقْلِيدِ بِحَيْثُ تَنْحَلُّ رِبْقَةُ التَّكْلِيفِ مِنْ عُنُقِهِ وَإِلَّا أَثِمَ بِهِ، بَلْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ فَسَقَ، وَالْأَوْجُهُ خِلَافُهُ.
وَقِيلَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي حَالَةِ تَتَبُّعِهَا مِنْ الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ وَإِلَّا فَسَقَ قَطْعًا، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ كَالْآمِدِيِّ مَنْ عَمِلَ بِمَسْأَلَةٍ بِقَوْلِ إمَامٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ فِيهَا بِقَوْلِ غَيْرِهِ اتِّفَاقًا لِتَعَيُّنِ حَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا بَقِيَ مِنْ آثَارِ الْعَمَلِ الْأَوَّلِ مَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَعَ الثَّانِي تَرَكُّبُ حَقِيقَةٍ لَا يَقُولُ بِهَا كُلٌّ مِنْ الْإِمَامَيْنِ، كَتَقْلِيدِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ، وَمَالِكٍ فِي طَهَارَةِ الْكَلْبِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ السُّبْكِيُّ فِي الصَّلَاةِ فِي فَتَاوِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ مَعَ زِيَادَةِ إيضَاحٍ فِيهِ، وَتَبِعَهُ جَمْعٌ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّمَا يَمْتَنِعُ تَقْلِيدُ الْغَيْرِ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا لَا مِثْلِهَا خِلَافًا لِلشَّارِحِ الْمَحَلِّيِّ كَأَنْ أَفْتَى شَخْصٌ بِبَيْنُونَةِ زَوْجَةٍ بِطَلَاقِهَا مُكْرَهًا ثُمَّ نَكَحَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مُوَافِقٌ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ، فَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ لِنَفْسِهِ بِالْأَوْجُهِ الضَّعِيفَةِ كَمُقَابِلِ الْأَصَحِّ غَيْرُ صَحِيحِ (قَوْلُهُ: مُنِعَ ذَلِكَ) أَيْ التَّخْيِيرُ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْإِمَامِ) أَيْ بَيْنَ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيِّ وَقَوْلِ الْإِمَامِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَأَجْرَى السُّبْكِيُّ ذَلِكَ) أَيْ التَّفْصِيلَ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْمَذَاهِبِ) أَيْ أَجْرَى التَّفْصِيلَ فِي غَيْرِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ إلَخْ (قَوْلُهُ: رِبْقَةُ التَّكْلِيفِ) أَيْ عُقْدَةٌ (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ) أَيْ فَلَا يَكُونُ فِسْقًا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الْفِسْقُ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلشَّارِحِ الْمَحَلِّيِّ) أَيْ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ: بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ ابْنُ حَجَرٍ، وَزَادَهُ الشَّارِحُ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ نِكَاحِ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ بَعْدَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ، إنَّمَا هُوَ فِي قَوْلَيْنِ لِإِمَامٍ وَاحِدٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ جَمْعِ الْجَوَامِعِ الَّذِي هَذِهِ عِبَارَتُهُ كَغَيْرِهِ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ فِي قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ هُوَ خُصُوصُ الْعَمَلِ لِلنَّفْسِ، بَلْ الْمُرَادُ كَوْنُهُ الْمَعْمُولُ بِهِ مُطْلَقًا كَمَا لَا يَخْفَى الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ فَمَا اُشْتُهِرَ إلَخْ كَالتَّصْرِيحِ فِي أَنَّ هَذِهِ الشُّهْرَةَ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
فَفِي فَتَاوَى الْعَلَّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ رحمه الله وَنَفَعَنَا بِهِ مَا مُلَخَّصُهُ بَعْدَ كَلَامٍ أَسْلَفَهُ: ثُمَّ مُقْتَضَى قَوْلِ الرَّوْضَةِ وَإِذَا اخْتَلَفَ مُتَبَحِّرَانِ فِي مَذْهَبٍ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي قِيَاسِ أَصْلِ إمَامِهِمَا، وَمِنْ هَذَا تَتَوَلَّدُ وُجُوهُ الْأَصْحَابِ فَتَقُولُ بِأَيِّهَا يَأْخُذُ الْعَامِلُ فِيهِ مَا فِي اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ: أَيْ فَيَكُونُ الْأَصَحُّ التَّخْيِيرَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ فِي الْعَمَلِ، يُؤَيِّدُهُ إفْتَاءُ الْبُلْقِينِيِّ بِجَوَازِ تَقْلِيدِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي الدَّوْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُ السُّبْكِيّ فِي الْوَقْفِ فِي فَتَاوِيهِ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَمَلِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لَا الْفَتْوَى، وَالْحُكْمِ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ انْتَهَى.
فَكَلَامُ الرَّوْضَةِ السَّابِقُ: أَيْ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الشَّرْحِ هُنَا مَعَ زِيَادَةِ التَّصْرِيحِ بِالْوَجْهَيْنِ مَحْمُولٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَمَلِ بِالْوَجْهَيْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ لِقَائِلٍ وَاحِدٍ، أَوْ شَكَّ فِي كَوْنِهِمَا لِقَائِلٍ أَوْ قَائِلَيْنِ كَمَا فِي قَوْلَيْ الْإِمَامِ،؛ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ مِنْهُمَا لَمْ يَتَحَرَّرْ لِلْمُقَلِّدِ بِطَرِيقٍ يَعْتَمِدُهُ، أَمَّا إذَا تَحَقَّقَ كَوْنُهُمَا مِنْ اثْنَيْنِ خَرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّخْرِيجِ، فَيَجُوزُ تَقْلِيدُ أَحَدِهِمَا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَتَأَمَّلْهُ حَقَّ التَّأَمُّلِ وَانْظُرْ إلَى فَرْقِهِ آخِرًا بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ لِقَائِلٍ وَاحِدٍ، وَالْوَجْهَيْنِ لِقَائِلَيْنِ تَعْلَمُ مَا فِي تَفْرِيعِ شَيْخِنَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ الْمَذْكُورَ بَسَطَ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ
أُخْتَهَا مُقَلِّدًا أَبَا حَنِيفَةَ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ، ثُمَّ أَفْتَاهُ شَافِعِيٌّ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ الْأُولَى مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَنْ يَطَأَ الثَّانِيَةَ مُقَلِّدًا لِلْحَنَفِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِمَامَيْنِ لَا يَقُولُ بِهِ حِينَئِذٍ كَمَا أَوْضَحَ ذَلِكَ الْوَالِدُ رحمه الله فِي فَتَاوِيهِ رَادًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ خِلَافَهُ مُغْتَرًّا بِظَاهِرِ مَا مَرَّ (فَحَيْثُ أَقُولُ فِي الْأَظْهَرِ أَوْ الْمَشْهُورِ فَمِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ) لِلشَّافِعِيِّ رضي الله عنه.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْقَوْلَانِ جَدِيدَيْنِ أَوْ قَدِيمَيْنِ، أَوْ جَدِيدًا وَقَدِيمًا، وَقَدْ يَقُولُهُمَا فِي وَقْتَيْنِ أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا وَقَدْ لَا يُرَجَّحُ (فَإِنْ قَوِيَ الْخِلَافُ) لِقُوَّةِ مُدْرِكِهِ (قُلْت الْأَظْهَرُ) الْمُشْعِرُ بِظُهُورِ مُقَابِلِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ ضَعُفَ الْخِلَافُ (فَالْمَشْهُورُ) الْمُشْعِرُ بِغَرَابَةِ مُقَابِلِهِ لِضَعْفِ مُدْرِكِهِ (وَحَيْثُ أَقُولُ الْأَصَحُّ أَوْ الصَّحِيحُ فَمِنْ الْوَجْهَيْنِ أَوْ الْأَوْجُهِ) لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَسْتَخْرِجُونَهَا مِنْ كَلَامِهِ وَقَدْ يَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْوَجْهَانِ لِاثْنَيْنِ وَقَدْ يَكُونَانِ لِوَاحِدٍ وَاَللَّذَانِ لِلْوَاحِدِ يَنْقَسِمَانِ كَانْقِسَامِ الْقَوْلَيْنِ (فَإِنْ قَوِيَ الْخِلَافُ) لِقُوَّةِ مُدْرِكِهِ (قُلْت الْأَصَحُّ) الْمُشْعِرُ بِصِحَّةِ مُقَابِلِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ ضَعُفَ الْخِلَافُ (فَالصَّحِيحُ) وَلَمْ يُعَبِّرْ بِذَلِكَ فِي الْأَقْوَالِ تَأَدُّبًا مَعَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنْهُ مُشْعِرٌ بِفَسَادِ مُقَابِلِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمَشْهُورَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
طَلَاقِ الْأُخْرَى انْقِضَاءَ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَمْ بَائِنًا (قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ الْأُولَى إلَخْ) قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ وَالصَّلَاةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ حَالَ تَلَبُّسِهِ بِهَا لَا يَقُولُ وَاحِدٌ مِنْ الْإِمَامَيْنِ بِصِحَّتِهَا وَحَالَةَ وَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَقُولُ فِيهَا بِالْجَوَازِ أَحَدُ الْإِمَامَيْنِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِمَامَيْنِ) فِيهِ نَظَرٌ فِي الْأُولَى إذْ قَضِيَّةُ قَوْلِ الثَّانِي فِيهَا أَنَّ الزَّوْجَةَ الْأُولَى بَاقِيَةٌ فِي عِصْمَتِهِ فَالرُّجُوعُ لِلْأُولَى وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى ابْنِ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: مُغْتَرًّا بِظَاهِرِ مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ جَوَازِ الْعَمَلِ لِنَفْسِهِ (قَوْلُهُ: لِلشَّافِعِيِّ رضي الله عنه) اسْتِعْمَالُ التَّرَضِّي فِي غَيْرِ الصَّحَابَةِ جَائِزٌ كَمَا هُنَا وَإِنْ كَانَ الْكَثِيرُ اسْتِعْمَالَ التَّرَضِّي فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّرَحُّمِ فِي غَيْرِهِمْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامِ الشَّارِحِ قُبَيْلَ بَابِ زَكَاةِ النَّبَاتِ مَا نَصُّهُ: وَيُسَنُّ التَّرَضِّي وَالتَّرَحُّمُ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْأَخْيَارِ. قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ التَّرَضِّيَ مُخْتَصٌّ بِالصَّحَابَةِ وَالتَّرَحُّمَ بِغَيْرِهِمْ ضَعِيفٌ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: فَحَيْثُ أَقُولُ) أَيْ وَإِذَا أَرَدْت مَعْرِفَةَ مَا أُبَيِّنُ فَحَيْثُ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ) أَيْ وَلَا بُدَّ فِي نِسْبَةِ ذَلِكَ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ كَوْنِهِ مُوَافِقًا لِأُصُولِهِ وَإِلَّا فَيُنْسَبُ إلَيْهِمْ، وَلَا يُعَدُّ مِنْ مَذْهَبِهِ رضي الله عنه كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (قَوْلُهُ كَانْقِسَامِ الْقَوْلَيْنِ) أَيْ فَيُقَالُ فِيهِمَا الْوَجْهَانِ إذَا كَانَا لِوَاحِدٍ فَقَدْ يَقُولُهُمَا فِي وَقْتَيْنِ أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا وَقَدْ لَا يُرَجَّحُ عَلَى مِنْوَالِ مَا تَقَدَّمَ فِي انْقِسَامِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ وَقَدْ يَقُولُهُمَا فِي وَقْتَيْنِ أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا وَقَدْ لَا يُرَجَّحُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ثُمَّ إنْ كَانَتْ مِنْ وَاحِدٍ فَالتَّرْجِيحُ بِمَا مَرَّ فِي الْأَقْوَالِ أَوْ مِنْ أَكْثَرَ فَهُوَ بِتَرْجِيحِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ) أَيْ قَالَهُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
شَرَحَهُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ أَتَمَّ بَسْطٍ بِمَا يُوَافِقُ مَا فِي فَتَاوِيهِ فَرَاجِعْهُ (قَوْلُهُ: فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ الْأُولَى مُقَلِّدًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَنْ يَطَأَ الثَّانِيَةَ مُقَلِّدًا لِلْحَنَفِيِّ) أَيْ جَامِعًا بَيْنَهُمَا كَمَا هُوَ صَرِيحُ فَتَاوَى وَالِدِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْرَضَ عَنْ الثَّانِيَةِ، أَيْ وَإِنْ لَمْ يُبِنْهَا، فَإِنَّ لَهُ وَطْءَ الْأُولَى تَقْلِيدًا لِلشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا قَوْلُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ: فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ لِلْأُولَى، وَيُعْرِضَ عَنْ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ إبَانَتِهَا: أَيْ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ فِيهِ نَظَرُ، إذْ قَضِيَّةُ قَوْلِ الثَّانِي فِيهَا أَنَّ الزَّوْجَةَ الْأُولَى بَاقِيَةٌ فِي عِصْمَتِهِ وَأَنَّ الثَّانِيَةَ لَمْ تَدْخُلْ فِي عِصْمَتِهِ، فَالرُّجُوعُ لِلْأُولَى، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الثَّانِيَةِ مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَجْتَهِدُونَ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ مِنْ أَصْلِهِ) وَلَا يُنْسَبُ حِينَئِذٍ لِلشَّافِعِيِّ كَمَا
أَقْوَى مِنْ الْأَظْهَرِ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى مِنْ الْأَصَحِّ (وَحَيْثُ أَقُولُ الْمَذْهَبُ فَمِنْ الطَّرِيقَيْنِ أَوْ الطُّرُقِ) وَهِيَ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ فِي حِكَايَةِ الْمَذْهَبِ كَأَنْ يَحْكِيَ بَعْضُهُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ لِمَنْ تَقَدَّمَ وَيَقْطَعَ بَعْضُهُمْ بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ الرَّاجِحُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَذْهَبِ إمَّا طَرِيقُ الْقَطْعِ أَوْ الْمُوَافِقُ لَهَا مِنْ طَرِيقِ الْخِلَافِ أَوْ الْمُخَالِفِ لَهَا كَمَا سَيَظْهَرُ فِي الْمَسَائِلِ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ مُرَادَهُ الْأَوَّلُ وَأَنَّهُ الْأَغْلَبُ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ إنَّ الْغَالِبَ فِي الْمَسْأَلَةِ ذَاتُ الطَّرِيقَيْنِ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ فِيهَا مَا يُوَافِقُ طَرِيقَةَ الْقَطْعِ انْتَهَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ: وَقَدْ تُسَمَّى طُرُقُ الْأَصْحَابِ وُجُوهًا وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي مُقَدِّمَةِ الْمَجْمُوعِ فَقَالَ: وَقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ الطَّرِيقَيْنِ بِالْوَجْهَيْنِ وَعَكْسِهِ (وَحَيْثُ أَقُولُ النَّصُّ فَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ رحمه الله) مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ إلَى الْإِمَامِ، أَوْ أَنَّهُ مَرْفُوعُ الْقَدْرِ لِتَنْصِيصِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ. وَالشَّافِعِيُّ هُوَ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَسُلْطَانُ الْأَئِمَّةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ جَدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ شَافِعِيٌّ لَا شَفْعَوِيٌّ، وُلِدَ بِغَزَّةَ الَّتِي تُوُفِّيَ بِهَا هَاشِمُ جَدُّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ حُمِلَ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ، وَنَشَأَ بِهَا وَحَفِظَ الْقُرْآنَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَالْمَوْطَأَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، تَفَقَّهَ بِمَكَّةَ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ، وَكَانَ شَدِيدَ الشُّقْرَةِ، وَأَذِنَ لَهُ مَالِكٌ فِي الْإِفْتَاءِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَى الْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ إلَى أَنْ أَتَى مِصْرَ فَأَقَامَ بِهَا إلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ شَهِيدًا يَوْمَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فِي الْإِشَارَاتِ فِي الرَّوْضَةِ (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الصَّحِيحَ أَقْوَى مِنْ الْأَصَحِّ) أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّصْحِيحِ فَتَصْحِيحُ الْأَصَحِّ وَالْأَظْهَرِ أَقْوَى تَصْحِيحًا مِنْ الصَّحِيحِ وَالْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ قُوَّةَ مُقَابِلِهِمَا تُشْعِرُ بِصَرْفِ الْعِنَايَةِ لِلتَّصْحِيحِ صَرْفًا كُلِّيًّا، بِخِلَافِ الْمَشْهُورِ وَالصَّحِيحِ لِضَعْفِ مُقَابِلِهِمَا الْمُغْنِي عَنْ تَمَامِ صَرْفِ الْعِنَايَةِ لِلتَّصْحِيحِ انْتَهَى بَكْرِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُ: وَهِيَ اخْتِلَافُ الْأَصْحَابِ) قَالَ عَمِيرَةُ الظَّاهِرُ أَنَّ مُسَمَّى الطَّرِيقَةِ نَفْسُ الْحِكَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ جَعَلَهَا الشَّارِحُ اسْمًا لِلِاخْتِلَافِ اللَّازِمِ لِحِكَايَةِ الْأَصْحَابِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: مُرَادُهُ الْأَوَّلُ) هُوَ قَوْلُهُ إمَّا طَرِيقُ الْقَطْعِ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ مِثْلَهُ) أَيْ النَّوَوِيُّ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُعَبِّرُونَ عَنْ الطَّرِيقِ) أَيْ تَجَوُّزًا (قَوْلُهُ: عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ) أَيْ مَنْصُوصٌ (قَوْلُهُ: وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ شَافِعِيٌّ) أَيْ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْمَنْسُوبَ لِلْمَنْسُوبِ يُؤْتَى بِهِ عَلَى صُورَةِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ، لَكِنْ بَعْدَ حَذْفِ الْيَاءِ مِنْ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ وَإِثْبَاتِ بَدَلِهَا فِي الْمَنْسُوبِ (قَوْلُهُ: لَا شَفْعَوِيٌّ) أَيْ كَمَا قِيلَ بِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى لَهُ ذِكْرُهُ (قَوْلُهُ جَدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أَيْ لَا جَدَّ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: وَكَانَ شَدِيدَ الشُّقْرَةِ) أَيْ ابْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ أَيْ فَلُقِّبَ بِضِدِّهَا فَقِيلَ لَهُ الزَّنْجِيُّ
ــ
[حاشية الرشيدي]
صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ) أَيْ الْمُوَافِقُ لِطَرِيقِ الْقَطْعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ إلَخْ هُوَ عَيْنُ هَذَا الْقِيلِ أَخَذَهُ غَايَةً فِيهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا قِيلَ مِنْ كَذَا مَمْنُوعٌ وَإِنْ قَالَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ، وَكَانَ الْمَقَامُ لِلْإِضْمَارِ كَمَا تَقَرَّرَ فَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَظْهَرَ لِإِرَادَتِهِ حِكَايَةَ لَفْظِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ إلَخْ) أَيْ وَأَصْلُ النَّصِّ مَأْخُوذٌ مِنْ مِنَصَّةِ الْعَرُوسِ الْمُشْعِرَةِ بِالرِّفْعَةِ (قَوْلُهُ: هَاشِمٍ) هُوَ غَيْرُ هَاشِمٍ الَّذِي هُوَ أَخُو الْمُطَّلِبِ وَجَدُّهُ صلى الله عليه وسلم؛ لِأَنَّ صلى الله عليه وسلم مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهَاشِمٌ الْمَذْكُورُ فِي نَسَبِ الشَّافِعِيِّ هُوَ ابْنُ الْمُطَّلِبِ أَخِي هَاشِمٍ جَدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ لَهُ أَخٌ اسْمُهُ هَاشِمٌ هُوَ جَدُّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَابْنٌ يُسَمَّى هَاشِمًا أَيْضًا هُوَ جَدُّ الشَّافِعِيِّ، وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي عَبْدِ مَنَافٍ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ جَدُّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَصْفٌ لِعَبْدِ مَنَافٍ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْهَوَامِشِ (قَوْلُهُ: وَكَانَ شَدِيدَ الشُّقْرَةِ) يَعْنِيَ مُسْلِمَ بْنَ خَالِدٍ لُقِّبَ بِضِدِّ وَصْفِهِ
الْجُمُعَةِ سَلْخَ شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَفَضَائِلُهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُسْتَقْصَى (وَيَكُونُ هُنَاكَ) أَيْ مُقَابِلَهُ (وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ) مِنْ نَصٍّ لَهُ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَكَيْفِيَّةُ التَّخْرِيجِ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنْ يُجِيبَ الشَّافِعِيُّ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي صُورَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ وَلَمْ يَظْهَرْ مَا يَصْلُحُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَيَنْقُلُ الْأَصْحَابُ جَوَابَهُ مِنْ كُلِّ صُورَةٍ إلَى الْأُخْرَى فَيَحْصُلُ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْهُمَا قَوْلَانِ مَنْصُوصٌ وَمُخَرَّجٌ، الْمَنْصُوصُ فِي هَذِهِ هُوَ الْمُخَرَّجُ فِي تِلْكَ، وَالْمَنْصُوصُ فِي تِلْكَ هُوَ الْمُخَرَّجُ فِي هَذِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَقُولُونَ قَوْلَانِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ أَيْ نَقْلُ الْمَنْصُوصِ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ إلَى تِلْكَ وَخُرِّجَ فِيهَا وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّقْلِ الرِّوَايَةَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الصُّورَتَيْنِ قَوْلًا مَنْصُوصًا وَآخَرَ مُخَرَّجًا، ثُمَّ الْغَالِبُ فِي مِثْلِ هَذَا عَدَمُ إطْبَاقِ الْأَصْحَابِ عَلَى التَّخْرِيجِ، بَلْ يَنْقَسِمُونَ إلَى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ يُخَرِّجُ، وَفَرِيقٌ يَمْتَنِعُ وَيَسْتَخْرِجُ فَارِقًا بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ لِيَسْتَنِدَ إلَيْهِ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَوْلَ الْمُخَرَّجَ لَا يُنْسَبُ لِلشَّافِعِيِّ إلَّا مُقَيَّدًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَذْكُرُ فَرْقًا ظَاهِرًا لَوْ رُوجِعَ فِيهِ (وَحَيْثُ أَقُولُ الْجَدِيدَ فَالْقَدِيمُ خِلَافُهُ، أَوْ الْقَدِيمُ أَوْ فِي قَوْلٍ قَدِيمٌ فَالْجَدِيدُ خِلَافُهُ) وَالْقَدِيمُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ بِالْعِرَاقِ أَوْ قَبْلَ انْتِقَالِهِ إلَى مِصْرَ، وَأَشْهَرُ رُوَاتِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالزَّعْفَرَانِيُّ وَالْكَرَابِيسِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَدْ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ رضي الله عنه وَقَالَ: لَا أَجْعَلُ فِي حِلٍّ مَنْ رَوَاهُ عَنِّي. وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا يَحِلُّ عَدُّ الْقَدِيمِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الصَّدَاقِ: غَيَّرَ الشَّافِعِيُّ جَمِيعَ كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ فِي الْجَدِيدِ إلَّا الصَّدَاقَ فَإِنَّهُ ضَرَبَ عَلَى مَوَاضِعَ مِنْهُ وَزَادَ مَوَاضِعَ. وَالْجَدِيدُ مَا قَالَهُ بِمِصْرَ، وَأَشْهَرُ رُوَاتِهِ الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ وَالرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ وَحَرْمَلَةُ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَبُوهُ، وَلَمْ يَقَعْ لِلْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ صُدُورَ ذَلِكَ مِنْهُ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ قَدِيمٌ وَجَدِيدٌ فَالْجَدِيدُ هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ، إلَّا فِي نَحْوِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً أَفْتَى فِيهَا بِالْقَدِيمِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَدْ تُتُبِّعَ مَا أَفْتَى فِيهِ بِالْقَدِيمِ فَوُجِدَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ أَيْضًا، وَقَدْ نَبَّهَ فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ إفْتَاءَ الْأَصْحَابِ بِالْقَدِيمِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ اجْتِهَادَهُمْ أَدَّاهُمْ إلَيْهِ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ وَلَا يَلْزَمُ وَمِنْ ذَلِكَ نِسْبَتُهُ إلَى الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَحِينَئِذٍ فَمَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَالْفَتْوَى بِالْجَدِيدِ، وَمَنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَذْهَبِ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ مَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيلُ فِي الْعَمَلِ وَالْفَتْوَى مُبَيِّنًا أَنَّ هَذَا رَأْيُهُ وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي قَدِيمٍ لَمْ يُعَضِّدْهُ حَدِيثٌ لَا مُعَارِضَ لَهُ، فَإِنْ اُعْتُضِدَ بِذَلِكَ فَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي. الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْقَدِيمَ مَرْجُوعٌ عَنْهُ وَلَيْسَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَحَلُّهُ فِي قَدِيمِ نَصٍّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى خِلَافِهِ، أَمَّا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ وَيَكُونُ هُنَاكَ) أَيْ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: لَا يُعْمَلُ بِهِ) أَيْ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّقْلِ الرِّوَايَةَ) أَيْ الْمَرْوِيَّ (قَوْلُهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ فِي إلَخْ) أَيْ لِقَوْلِهِ قَالَ وَيَجُوزُ إلَخْ (قَوْلُهُ: إلَّا مُقَيَّدًا) أَيْ بِكَوْنِهِ مُخَرَّجًا (قَوْلُهُ رُبَّمَا يَذْكُرُ) أَيْ الشَّافِعِيُّ (قَوْلُهُ: وَحَيْثُ أَقُولُ الْجَدِيدَ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَذْكُرُ الْجَدِيدَ أَوْ بِالرَّفْعِ حِكَايَةً لِأَوَّلِ أَحْوَالِهِ (قَوْلُهُ: وَقَالَ لَا أَجْعَلُ فِي حِلٍّ) أَيْ لَا آذَنُ لَهُ فِي نَقْلِهِ ذَلِكَ عَنِّي بَلْ أَنْهَاهُ (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْإِمَامُ) أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ (قَوْلُهُ إلَّا الصَّدَاقَ) أَيْ كِتَابَ الصَّدَاقِ (قَوْلُهُ: إلَّا فِي نَحْوِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ إلَّا فِي نَحْوِ عِشْرِينَ مَسْأَلَةً، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِنَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ انْتَهَى. وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُنَافَاةَ بِأَنْ يُرَادَ بِالنَّحْوِ مَا يَقْرَبُ مِنْ السَّبْعَةَ عَشَرَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا أَنَّ إفْتَاءَ الْأَصْحَابِ بِالْقَدِيمِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ) أَيْ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ الْمُخَالِفِ فِي الْجَدِيدِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي فِي الشَّيْءِ الثَّانِي مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِالْقَدِيمِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْجَدِيدِ مَا يُخَالِفُهُ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ الْآتِي:
قَدِيمٌ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْجَدِيدِ لِمَا يُوَافِقُهُ وَلَا لِمَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ مَذْهَبُهُ، وَإِذَا كَانَ فِي الْجَدِيدِ قَوْلَانِ فَالْعَمَلُ بِمَا رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَبِأَحَدِهِمَا، وَإِنْ قَالَهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا وَذَلِكَ قَلِيلٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ قَالَهُمَا أَوْ مُرَتِّبًا لَزِمَ الْبَحْثُ عَنْ أَرْجَحِهِمَا بِشَرْطِ الْأَهْلِيَّةِ، فَإِنْ أَشْكَلَ تَوَقَّفَ فِيهِ كَمَا مَرَّ إيضَاحُهُ (وَحَيْثُ أَقُولُ وَقِيلَ كَذَا فَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ أَوْ الْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَحَيْثُ أَقُولُ وَفِي قَوْلِ كَذَا فَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ) وَيَتَبَيَّنُ قُوَّةُ الْخِلَافِ وَضَعْفُهُ فِي قَوْلِهِ وَحَيْثُ أَقُول الْمَذْهَبُ إلَى هُنَا مِنْ مُدْرِكِهِ (وَمِنْهَا مَسَائِلُ) جَمْعُ مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ إثْبَاتٌ عَرْضِيٌّ ذَاتِيٌّ لِمَوْضُوعٍ، وَلَهُ اعْتِبَارَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْهُ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يُقَالُ لَهُ مَسْأَلَةٌ، وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُطْلَبُ بِالدَّلِيلِ يُقَالُ لَهُ مَطْلُوبٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (نَفِيسَةٌ أَضُمُّهَا إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُخْتَصَرِ.
(يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْلَى الْكِتَابُ) أَيْ الْمُخْتَصَرُ وَمَا يُضَمُّ إلَيْهِ (مِنْهَا) صَرَّحَ بِوَصْفِهَا الشَّامِلِ لَهُ مَا تَقَدَّمَ، وَزَادَ عَلَيْهِ إظْهَارًا لِلْعُذْرِ فِي زِيَادَتِهَا، فَإِنَّهَا فَارِيَةٌ عَنْ التَّنْكِيتِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا، وَلَفْظَةُ يَنْبَغِي مُحْتَمِلَةٌ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَتُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْقَرِينَةِ (وَأَقُولُ فِي أَوَّلِهَا قُلْت وَفِي آخِرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِتَتَمَيَّزَ عَنْ مَسَائِلِ الْمُحَرَّرِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي اسْتِدْرَاكِ التَّصْحِيحِ عَلَيْهِ، وَقَدْ زَادَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ كَقَوْلِهِ فِي فَصْلِ الْخَلَاءِ وَلَا يَتَكَلَّمُ (وَمَا وَجَدْته) أَيُّهَا النَّاظِرُ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ (مِنْ زِيَادَةِ لَفْظَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا فِي الْمُحَرَّرِ) بِدُونِ قُلْت (فَاعْتَمِدْهَا) أَيْ اجْعَلْهَا عُمْدَةً فِي الْإِفْتَاءِ أَوْ نَحْوِهِ (فَلَا بُدَّ مِنْهَا) كَزِيَادَةِ كَثِيرٍ وَفِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَبِأَحَدِهِمَا) أَيْ لِنَصِّهِ دُونَ الْقَضَايَا وَالْإِفْتَاءِ كَمَا مَرَّ وَمَحَلُّهُ حَيْثُ تَكَافَآ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النُّسْخَةَ بِأَحَدِهِمَا بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَمَّا عَلَى كَوْنِهَا بِآخِرِهِمَا فَالْمَعْنَى: إنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ وَعَلِمَ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عَمِلَ بِهِ فِي الْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ إيضَاحُهُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَلَعَلَّهُ: أَيْ الْقَرَافِيَّ أَرَادَ إجْمَاعَ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَأَنَّهُ تَرَكَهُ لِبَيَانِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعَّفَهُ فِيهِمَا لِعَدَمِ ظُهُورِهِ لَهُ. أَوْ لِإِغْرَاءِ الطَّالِبِ عَلَى تَأَمُّلِهِ وَالْبَحْثِ عَنْهُ لِيَقْوَى نَظَرُهُ فِي الْمَدْرَكَ وَالْمَأْخَذِ، وَوَصَفَ الْوَجْهَ بِالضَّعْفِ دُونَ الْقَوْلِ تَأَدُّبًا انْتَهَى رحمه الله (قَوْلُهُ: الشَّامِلُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ مِنْ النَّفَائِسِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَزَادَ عَلَيْهِ) أَيْ زَاد قَوْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْلَى إلَخْ، وَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ عَمِيرَةُ: أَنَّهُ يُطْلَبُ وَيَحْسُنُ شَرْعًا تَرْكُ خُلُوِّهِ مِنْهَا (قَوْلُهُ وَتُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْقَرِينَةِ) بَقِيَ مَا لَوْ لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى النَّدْبِ إنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَإِلَّا فَعَلَى الِاسْتِحْسَانِ وَاللِّيَاقَةِ (قَوْلُهُ: وَأَقُولُ فِي أَوَّلِهَا إلَخْ) الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ مَعْنَاهُمَا الْعُرْفِيُّ، فَيَصْدُقُ بِمَا اتَّصَلَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَقَوْلُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَأَنَّهُ قَصَدَ التَّبَرِّي مِنْ دَعْوَى الْأَعْلَمِيَّةِ انْتَهَى عَمِيرَةُ
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ) أُجِيبُ عَنْهُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَحِينَئِذٍ فَمَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَالْفَتْوَى بِالْجَدِيدِ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَالْعَمَلُ بِمَا رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَبِآخِرِهِمَا) مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَدَّمَهُ وَقَدَّمْنَا فِيهِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَهِيَ إثْبَاتٌ عَرَضِيٌّ ذَاتِيٌّ إلَخْ) عَرَّفَهَا فِيمَا مَرَّ بِأَنَّهَا مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ، وَلَا يَخْفَى مَا بَيْنَ التَّعْرِيفَيْنِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَهَا فِيمَا مَرَّ مَا يَثْبُتُ بِالْبُرْهَانِ وَهُنَا نَفْسُ الْإِثْبَاتِ، وَمِنْ حَيْثِيَّاتٍ أُخَرَ تُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ.
عِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ هُنَا: وَهِيَ مَا يُبَرْهَنُ عَلَى إثْبَاتِ مَحْمُولِهِ لِمَوْضُوعِهِ فِي الْعِلْمِ (قَوْلُهُ: صَرَّحَ بِوَصْفِهَا إلَخْ) عِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ: وَوَصَفَهَا بِالنَّفَاسَةِ وَالضَّمِّ أَفَادَهُ كَلَامُهُ السَّابِقُ، لَكِنْ أَعَادَهُمَا هُنَا بِزِيَادَةِ يَنْبَغِي، وَمَعْمُولُهُ إظْهَارًا لِسَبَبِ زِيَادَتِهَا مَعَ خُلُوِّهَا عَنْ التَّنْكِيتِ بِخِلَافِ سَابِقِهَا (قَوْلُهُ: لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ) أَيْ فِي الْأَصْلِ وَإِلَّا فَالْمُرَادُ هُنَا غَيْرُهُمَا.
قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: الْأَوْجَهُ أَنَّهَا هُنَا بِمَعْنَى يَلِيقُ، وَيَحْسُنُ، وَيَتَأَكَّدُ انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: أَيْ يُطْلَبُ انْتَهَتْ، وَهِيَ قَابِلَةٌ لِمَا قَالَهُ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ بِأَنْ يُقَالَ يُطْلَبُ مِنْ الْعُرْفِ (قَوْلُهُ: كَزِيَادَةِ كَثِيرٍ وَفِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ) فَالْأَوَّلُ مِثَالٌ لِلَّفْظَةِ، وَالثَّانِي مِثَالٌ لِنَحْوِهَا، وَمَا هُنَا مِنْ أَنَّ جُمْلَةَ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ إلَخْ مَزَادٌ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْوَاقِعِ
فِي قَوْلِهِ فِي التَّيَمُّمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِجُرْحِهِ دَمٌ كَثِيرٌ، أَوْ الشَّيْنُ الْفَاحِشُ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، وَكَزِيَادَةِ جَامِدٍ فِي قَوْلِهِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ، وَقَوْلُهُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا: أَيْ لَا فِرَاقَ مِنْهَا أَوْ لَا مَحَالَةَ أَوْ لَا عِوَضَ (وَكَذَا مَا وَجَدْته مِنْ الْأَذْكَارِ مُخَالِفًا لِمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ فَاعْتَمِدْهُ، فَإِنِّي حَقَّقْته مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ) فِي نَقْلِهِ كَالصَّحِيحَيْنِ وَبَقِيَّةِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ لِاعْتِنَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ، بِخِلَافِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّمَا يَعْتَنُونَ بِمَعْنَاهُ غَالِبًا، وَإِنَّمَا خَاطَبَ النَّاظِرَ بِهَذَيْنِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهُمَا وَقَعَا مِنْ النُّسَّاخِ أَوْ مِنْ الْمُصَنِّفِ سَهْوًا
(وَقَدْ أُقَدِّمُ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفَصْلِ لِمُنَاسَبَةٍ أَوْ اخْتِصَارٍ، وَرُبَّمَا قَدَّمْت فَصْلًا لِلْمُنَاسَبَةِ) كَتَقْدِيمِ فَصْلِ التَّخْيِيرِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى فَصْلِ الْفَوَاتِ وَالْإِحْصَارِ (وَأَرْجُو إنْ تَمَّ هَذَا الْمُخْتَصَرُ) وَقَدْ تَمَّ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِلْمُحَرَّرِ) أَيْ لِدَقَائِقِهِ وَخَفِيِّ أَلْفَاظِهِ، وَبَيَانِ مُهْمَلِ صَحِيحِهِ وَمَرَاتِبِ خِلَافِهِ، وَمُهْمَلِ خِلَافِهِ هَلْ هُوَ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ أَوْ طَرِيقَانِ، وَمَا يَحْتَاجُ مِنْ مَسَائِلِهِ إلَى قَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ تَصْوِيرٍ، وَمَا غَلِطَ فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمَا صَحَّحَ فِيهِ خِلَافَ الْأَصَحِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمَا أَخَلَّ بِهِ مِنْ الْفُرُوعِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ (فَإِنِّي لَا أَحْذِفُ) بِالْمُعْجَمَةِ: أَيْ أُسْقِطُ (مِنْهُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ أَصْلًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: لَعَلَّ الْمُرَادَ الْأُصُولُ، إذْ رُبَّمَا حَذَفَ الْمُفَرَّعَاتِ انْتَهَى.
وَيُسْتَفَادُ هَذَا مِنْ نَصْبِ قَوْلِهِ أَصْلًا عَلَى الْجَالِيَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْفِيِّ مَصْدَرًا: أَيْ مُسْتَأْصَلًا: أَيْ قَاطِعًا لِلْحَذْفِ مِنْ أَصْلِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ اسْتَأْصَلَهُ: قَطَعَهُ مِنْ أَصْلِهِ (وَلَا مِنْ الْخِلَافِ وَلَوْ كَانَ وَاهِيًا) أَيْ ضَعِيفًا جِدًّا مَجَازًا عَنْ السَّاقِطِ (مَعَ مَا) أَيْ أَتَى بِجَمِيعِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مَصْحُوبًا بِمَا (أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ النَّفَائِسِ) الْمُتَقَدِّمَةِ (وَقَدْ شَرَعْت) مَعَ الشُّرُوعِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
بِأَنَّ إطْلَاقَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ لَا عِوَضَ) هِيَ أَلْفَاظٌ مُتَسَاوِيَةٌ (قَوْلُهُ مِنْ الْأَذْكَارِ) جَمْعُ ذِكْرٍ، وَهُوَ لُغَةً: كُلُّ مَذْكُورٍ، وَشَرْعًا: قَوْلٌ سِيقَ لِثَنَاءٍ أَوْ دُعَاءٍ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ شَرْعًا أَيْضًا لِكُلِّ قَوْلٍ يُثَابُ قَائِلُهُ انْتَهَى ابْنُ حَجَرٍ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا تَبْطُلُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إذْ الظَّاهِرُ مِنْ الْعَطْفِ التَّغَايُرُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الدُّعَاءَ فِي عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ (قَوْلُهُ إنْ تَمَّ هَذَا الْمُخْتَصَرُ) لَمْ يَقُلْ الْكِتَابَ مَعَ أَنَّهُ أَنْسَبُ، إذْ الْمَرْجُوُّ إتْمَامُ الْمُخْتَصَرِ وَمَا ضُمَّ إلَيْهِ لَا الْمُخْتَصَرُ فَقَطْ، كَمَا قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْلَى الْكِتَابُ مِنْهَا تَغْلِيبًا لِلْمُخْتَصَرِ عَلَى مَا ضُمَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ وَضْعِ الْخُطْبَةِ عَلَى وَضْعِ الْكِتَابِ كَمَا يَأْتِي انْتَهَى بَكْرِيٌّ رحمه الله.
وَقَوْلُهُ عَلَى وَضْعِ الْكِتَابِ: أَيْ عَلَى وَضْعِ جُمْلَةِ الْكِتَابِ لِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ بِمَا تَقَدَّمَ عَلَى وَضْعِ الْخُطْبَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنِّي لَا أَحْذِفُ) فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمُبَالَغَةِ) أَيْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
كَمَا فِي الدَّقَائِقِ.
وَوَقَعَ فِي التُّحْفَةِ أَنَّ الْمُرَادَ لَفْظٌ ظَاهِرٌ فَقَطْ، وَمَثَّلَ بِهِ لِلْكَلِمَةِ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا النَّحْوَ هُنَا عَلَى مَا فَوْقَ الْكَلِمَةِ: أَيْ مِمَّا لَيْسَ حُكْمًا مُسْتَقِلًّا حَتَّى لَا يَتَقَرَّرَ مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ السَّابِقِ كَقَوْلِهِ فِي فَصْلِ الْخَلَاءِ: وَلَا يَتَكَلَّمُ لِيَكُونَ الشَّيْخُ مُوفِيًا بِالتَّمْثِيلِ لِجَمِيعِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِلَّا فَالشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ حَمَلَ النَّحْوَ عَلَى الْحَرْفِ وَمَثَّلَ لَهُ (قَوْلُهُ: أَيْ لِدَقَائِقِهِ) بَيَانٌ لِلْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِلْمُحَرَّرِ: فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ الْمُحَرَّرِ إلَخْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ السِّوَادَةَ بِلَفْظِهَا هِيَ عِبَارَةُ الدَّقَائِقِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ: وَبَيَانُ مُهْمَلِ صَحِيحِهِ مَقْلُوبٌ عَنْ قَوْلِ الدَّقَائِقِ: وَمُهْمَلُ بَيَانِ صَحِيحِهِ. وَمَا فِي الدَّقَائِقِ هُوَ الصَّوَابُ، إذْ لَا يَصِحُّ تَسْلِيطُ شَرْحٍ عَلَى لَفْظِ بَيَانٍ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ الَّتِي فِي نُسَخِ الشَّيْخِ، فَلَعَلَّهَا تَحْرِيفٌ مِنْ النَّاسِخِ (قَوْلُهُ: مِنْ نَصْبِ قَوْلِهِ أَصْلًا عَلَى الْحَالِيَّةِ) أَيْ مِنْ شَيْئًا فَهِيَ حَالٌ مُقَيَّدَةٌ بِخِلَافِهَا فِيمَا يَأْتِي بَعْدُ، فَإِنَّهَا مِنْ الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي أَحْذِفُ فَهِيَ مُؤَكِّدَةٌ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْفِيِّ مَصْدَرًا: أَيْ مُسْتَأْصِلًا إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْفِيِّ مَصْدَرًا أَوْ حَالًا مُؤَكِّدَةً لِلَا أَحْذِفُ: أَيْ مُسْتَأْصِلًا قَاطِعًا إلَخْ، وَقَوْلُهُ أَيْ مُسْتَأْصِلًا الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْحَالِيَّةِ، بَلْ يَبْقَى الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ كَوْنِهِ تَفْسِيرًا لِلْمَصْدَرِ وَإِنْ
فِي الْمُخْتَصَرِ (فِي جَمْعِ جُزْءٍ لَطِيفٍ عَلَى صُورَةِ الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ) مِنْ جِهَةِ الِاخْتِصَارِ (وَمَقْصُودِي بِهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْ عِبَارَةِ الْمُحَرَّرِ، وَفِي إلْحَاقِ قَيْدٍ أَوْ حَرْفٍ) فِي الْكَلَامِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ، وَيَصِحُّ إبْقَاءُ الْحَرْفِ عَلَى بَابِهِ كَزِيَادَةِ الْهَمْزَةِ فِي " أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ "(أَوَ شَرَطَ لِلْمَسْأَلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِمَّا بَيَّنْته (وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا) أَيْ لَا غِنَى وَلَا مَنْدُوحَةَ عَنْهَا، وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ وَلَكِنَّهُ حَسَنٌ كَمَا قَالَهُ فِي زِيَادَةِ لَفْظَةِ الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَيْضِ، فَإِذَا انْقَطَعَ لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الْغُسْلِ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يُذْكَرْ قَبْلُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ
(وَعَلَى اللَّهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي) أَيْ اتِّكَالِي فِي تَمَامِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ بِأَنْ يُقْدِرَنِي عَلَى إتْمَامِهِ كَمَا أَقْدَرَنِي عَلَى ابْتِدَائِهِ بِمَا تَقَدَّمَ عَلَى وَضْعِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ مَنْ سَأَلَهُ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ (وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي) وَهُوَ رَدُّ أَمْرِي إلَيْهِ وَبَرَاءَتِي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ (وَاسْتِنَادٌ) فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخِيبُ مَنْ قَصَدَهُ وَاسْتَنَدَ إلَيْهِ، وَقَدَّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُ خَبَرًا فَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا التَّضَرُّعُ إلَى اللَّهِ وَالِالْتِجَاءُ إلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْجُمْلَةَ الْخَبَرِيَّةَ تُذْكَرُ لِأَغْرَاضٍ غَيْرِ إفَادَةِ مَضْمُونِهَا الَّذِي هُوَ فَائِدَةُ الْخَبَرِ وَغَيْرُ لَازِمٍ فَائِدَةُ الْخَبَرِ، ثُمَّ قُدِّرَ وُقُوعُ الْمَطْلُوبِ بِرَجَاءِ الْإِجَابَةِ فَقَالَ (وَأَسْأَلُهُ النَّفْعَ بِهِ) أَيْ بِالْمُخْتَصَرِ فِي الْآخِرَةِ (لِي) بِتَأْلِيفِهِ (وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ بَاقِيهمْ بِأَنْ يُلْهِمَهُمْ الِاعْتِنَاءَ بِهِ بَعْضَهُمْ بِالِاشْتِغَالِ بِهِ كَكِتَابَةٍ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَحَيْثُ قُصِدَتْ الْمُبَالَغَةُ فَلَا يَصِرْ حَذْفُهُ لِلْمُفَرَّعَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ عُمُومِ النَّفْيِ (قَوْلُهُ: فِي الْكَلَامِ) قُدِّرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَرْفَ لَا يَحْسُنُ تَعْلِيقُهُ بِالْمَسْأَلَةِ انْتَهَى عَمِيرَةُ رحمه الله (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِهِ) أَيْ بِالْحَرْفِ (قَوْلُهُ: وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الدَّقَائِقِ النَّاشِئَةِ عَنْ الِاخْتِصَارِ انْتَهَى عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (قَوْلُهُ: وَلَا مَنْدُوحَةَ) تَفْسِيرٌ لِلْأَغْنَى (قَوْلُهُ: وَعَلَى اللَّهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي) اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْكَرِيمِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحْسَنُهَا مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى أَنَّ الْكَرِيمَ هُوَ الَّذِي إذَا قَدَرَ عَفَا، وَإِذَا وَعَدَ وَفَى، وَإِذَا أَعْطَى زَادَ عَلَى مُنْتَهَى الرَّجَا، وَلَا يُبَالِي كَمْ أَعْطَى وَلَا لِمَنْ أَعْطَى، وَإِنْ رَفَعْت حَاجَتَك إلَى غَيْرِهِ لَا يَرْضَى، وَإِنْ جَافَاهُ عَاتِبٌ وَمَا اسْتَقْصَى، وَلَا يَضِيعُ مَنْ لَاذَ بِهِ وَالْتَجَأَ، وَيُغْنِيهِ عَنْ الْوَسَائِلِ وَالشُّفَعَا، فَمَنْ اجْتَمَعَ لَهُ ذَلِكَ لَا بِالتَّكَلُّفِ فَهُوَ الْكَرِيمُ الْمُطْلَقُ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْكَرِيمُ الصَّفُوحُ عَنْ الذَّنْبِ. وَقِيلَ الْمُرْتَفِعُ، يُقَالُ فُلَانٌ أَكْرَمُ قَوْمِهِ: أَيْ أَرْفَعُهُمْ مَنْزِلَةً وَأَعْظَمُهُمْ قَدْرًا انْتَهَى مِنْ هَامِشِ نُسْخَةٍ مِنْ شَرْحِ الدَّمِيرِيِّ رحمه الله عَلَى الْمِنْهَاجِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُقْدِرَنِي عَلَى إتْمَامِهِ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ مُضَارِعُ أَقْدَرَ لَا مُضَارِعَ التَّقْدِيرِ، إذْ يُقَالُ أَقْدَرَهُ اللَّهُ، وَقَوْلُهُ كَمَا أَقْدَرَنِي قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى بَكْرِيٌّ (قَوْلُهُ: وَبَرَاءَتِي مِنْ الْحَوْلِ) عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ (قَوْلُهُ وَالِالْتِجَاءُ إلَيْهِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: ثُمَّ قَدَّرَ وُقُوعَ الْمَطْلُوبِ) فِيهِ رَمْزٌ إلَى سُؤَالِ تَقْدِيرِهِ: كَيْفَ قَالَ وَأَسْأَلُهُ إلَخْ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ، وَالسُّؤَالُ فِي النَّفْعِ بِالْمَعْدُومِ لَيْسَ مِنْ أَدَبِ الْعُقَلَاءِ. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَمَّا قَدَّرَ وُقُوعَ الْمَطْلُوبِ بِسَبَبٍ رَجَاءَ الْإِجَابَةِ قَالَ ذَلِكَ اهـ بَكْرِيٌّ (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُلْهِمَهُمْ الِاعْتِنَاءَ بِهِ) بَيَانٌ لِتَقْدِيرِ وَجْهِ عُمُومِ النَّفْعِ وَهُوَ وَاضِحٌ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ يُتَصَوَّرُ النَّفْعُ بِهِ لِمَنْ مَاتَ قَبْلَ النَّوَوِيِّ؟ قُلْت: نَعَمْ بِأَنْ يَشْتَغِلَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ فَتَعُودَ بَرَكَتُهُ عَلَى أَبِيهِ، أَوْ يَتَعَلَّمَ حُكْمًا مِنْهُ فَيَكُونَ كَذَلِكَ، أَوْ يَعْلَمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَيِّتَ تَنْفَعُهُ الصَّدَقَةُ وَالدُّعَاءُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
أَوْهَمَتْهُ عِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ قَاسِمٍ، وَعِبَارَتُهُ فِيمَا كَتَبَ عَلَى التُّحْفَةِ: قَوْلُهُ أَيْ مُسْتَأْصِلًا إلَخْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْحَالِ فَقَطْ، وَأَنَّ تَقْدِيرَ الْمَصْدَرِيَّةِ أُؤَصِّلُ عَدَمَ الْحَذْفِ أَصْلًا فَيَكُونُ أَصْلًا مَنْصُوبًا بِمَحْذُوفٍ انْتَهَتْ، فَقَوْلُهُ يَحْتَمِلُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ رُجُوعَهُ لِلْمَصْدَرِيَّةِ أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ مُرَادًا صَحَّتْ عِبَارَةُ الشَّارِحِ هُنَا وَإِلَّا فَيَجِبُ إصْلَاحُهَا (قَوْلُهُ: فِي الْآخِرَةِ) قَدَّمَهُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِي كَالْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ، فَاقْتَضَى أَنَّ النَّفْعَ الْحَاصِلَ بِهِ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ أُخْرَوِيٌّ فَنَفَعَ الْمُصَنِّفَ، وَلَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ: بِأَنْ يُلْهِمَهُمْ إلَخْ وَإِنْ لَزِمَ مِنْ الْإِلْهَامِ الْمَذْكُورِ النَّفْعُ الْأُخْرَوِيُّ، وَالشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ أَخَّرَ
وَقِرَاءَةٍ وَتَفَهُّمٍ وَشَرْحٍ، وَبَعْضُهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ بِوَقْفٍ أَوْ نَقْلٍ إلَى الْبِلَادِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَنَفْعُهُمْ يَسْتَتْبِعُ نَفْعَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِيهِ. وَقَالَ الْجَوَالِيقِيُّ وَابْنُ بَرِّيٍّ وَغَيْرُهُمَا: إنَّ سَائِرَ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَوْهَرِيُّ غَيْرَهُ (وَرِضْوَانُهُ عَنِّي وَعَنْ أَحِبَّائِي) بِالتَّشْدِيدِ وَالْهَمْزَةِ جَمْعُ حَبِيبٍ: أَيْ مَنْ أَحَبَّهُمْ (وَجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ) مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْعَطْفُ اللُّغَوِيُّ تَكَرُّرٌ بِهِ الدُّعَاءَ لِذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفِ رحمه الله.
وَإِذْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَمَعْرِفَةُ الْمُشْتَقِّ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ وَهُوَ هُنَا الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ فَلْنَذْكُرْهُمَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ، فَالْإِيمَانُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ بِمَا عُلِمَ ضَرُورَةُ مَجِيءِ الرَّسُولِ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَافْتِرَاضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، وَالْمُرَادُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فَيَفْعَلُ ذَلِكَ اهـ بَكْرِيٌّ رحمه الله (قَوْلُهُ: الْبَعْضُ الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله) قَالَ عَمِيرَةُ: مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَطْفَ عَلَى جُمْلَةِ مَا سَبَقَ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْعَطْفُ اللُّغَوِيُّ اهـ. أَقُولُ: دَفَعَ بِهِ مَا أُورِدَ عَلَى الشَّارِحِ مِنْ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ عَطْفُهُ عَلَى الْيَاءِ فِي قَوْلِهِ عَنِّي لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ تَكَرَّرَ بِهِ الدُّعَاءُ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَكَرَّرَ فِيهِ الدُّعَاءُ لِلْمُصَنِّفِ لَا لِلْبَعْضِ الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى أَحِبَّائِي لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ الَّذِي تَكَرَّرَ الدُّعَاءُ لَهُ هُوَ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ لَا الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفُ
(قَوْلُهُ: وَإِذْ تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ وَلِأَجْلِ (قَوْلُهُ وَقَبُولُهُ لَهُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا وَمِمَّا يَأْتِي أَيْضًا جَوَابُ حَادِثَةِ وَقْعِ السُّؤَالِ عَنْهَا، وَهِيَ أَنَّ ذِمِّيًّا حَضَرَ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَذْكُرُونَ أَوْصَافَ الْإِسْلَامِ وَمَحَاسِنَهُ وَيَذُمُّونَ النَّصْرَانِيَّةَ وَيُبَيِّنُونَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، فَقَالَ الذِّمِّيُّ: إنْ كَانَ مَا تَقُولُونَ حَقًّا فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ وُجِدَ بَاقِيًا عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَهَلْ يَكُونُ مُرْتَدًّا بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ لَا جَزْمَ فِيهِ، بَلْ هُوَ مُعَلِّقٌ لَهُ عَلَى شَيْءٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ بَلْ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ، وَهَذَا مَانِعٌ مِنْ الْجَزْمِ فَلَا يَصِحُّ إيمَانُهُ فَلَمْ يُحْكَمْ بِرِدَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَزْمِ لَا عَلَى مَا هُوَ حَقٌّ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ الْمُؤَذِّنِ إذَا نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ نُطْقَهُ لَمَّا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى تَعْلِيقٍ حُمِلَ مِنْهُ عَلَى الْجَزْمِ، فَاحْفَظْهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
لَفْظَ فِي الْآخِرَةِ عَنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِي فَاقْتَضَى أَنَّ النَّفْعَ الْحَاصِلَ لِلْمُصَنِّفِ أُخْرَوِيٌّ، وَهُوَ الثَّوَابُ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ دُنْيَوِيٌّ، وَهُوَ الْإِلْهَامُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ النَّفْعُ الْأُخْرَوِيُّ، وَلَا يَخْفَى حُسْنُهُ (قَوْلُهُ: أَيْ مَنْ أُحِبُّهُمْ) هُوَ تَابِعٌ لِلْجَلَالِ فِي قَصْرِ أَحِبَّائِي عَلَيْهِمْ، لَكِنَّ الَّذِي فِي التُّحْفَةِ مَنْ يُحِبُّونِي وَأُحِبُّهُمْ.
قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ: حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَلِيقُ تَخْصِيصُهُ اهْتِمَامًا بِهِ، وَأَنَّ اللَّفْظَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَالْمُشْتَرَكُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ ظَاهِرٌ فِي مَعْنَيَيْهِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُتَابِعُوهُ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَقَطْ وَجَّهُوهُ بِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِالْمَحْبُوبِ أَقْوَى، وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ لَوْ أُتِيَ بِلَفْظٍ يَخُصُّهُ، أَمَّا حَيْثُ أَتَى بِمَا يَشْمَلُ الْمَعْنَيَيْنِ بِلَا قَرِينَةٍ تُخَصِّصُ أَحَدَهُمَا فَالْوَجْهُ التَّعْمِيمُ انْتَهَى (قَوْلُهُ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْعَطْفُ اللُّغَوِيُّ) أَيْ الْعَطْفُ عَلَى جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ مَعْطُوفٍ وَمَعْطُوفٍ عَلَيْهِ: أَعْنِي عَنِّي وَعَنْ أَحِبَّائِي بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ تَكَرَّرَ بِهِ الدُّعَاءُ لِذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي هُوَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ خَاصٌّ بِالْمُصَنِّفِ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: لِذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنَّهُ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ الْجَلَالِ، إذْ لَوْ أُرِيدَ الِاصْطِلَاحِيُّ لَكَانَ عَلَى خُصُوصِ عَنِّي الَّذِي هُوَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ خَاصٌّ بِالْمُصَنِّفِ، فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: لِذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي مِنْهُ الْمُصَنِّفُ
(قَوْلُهُ: فَالْإِيمَانُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ إلَخْ) أَيْ الْإِيمَانُ الْمُنَجِّي عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي، بَلْ يَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي آخِرِ السِّوَادَةِ
بِتَصْدِيقِ الْقَلْبِ بِهِ إذْعَانُهُ وَقَبُولُهُ لَهُ وَالتَّكْلِيفُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ دُونَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ إنَّمَا هُوَ بِالتَّكْلِيفِ بِأَسْبَابِهِ كَإِلْقَاءِ الذِّهْنِ وَصَرْفِ النَّظَرِ وَتَوْجِيهِ الْحَوَاسِّ وَرَفْعِ الْمَوَانِعِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ إلَى أَنَّ الْإِيمَانَ مَجْمُوعُ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: اعْتِقَادِ الْحَقِّ، وَالْإِقْرَارِ بِهِ، وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ. فَمَنْ أَخَلَّ بِالِاعْتِقَادِ وَحْدَهُ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَمَنْ أَخَلَّ بِالْإِقْرَارِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ أَخَلَّ بِالْعَمَلِ فَهُوَ فَاسِقٌ وِفَاقًا، وَكَافِرٌ عِنْدَ الْخَوَارِجِ، وَخَارِجٌ عَنْ الْإِيمَانِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْكُفْرِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ التَّصْدِيقُ وَحْدَهُ أَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ الْإِيمَانَ إلَى الْقَلْبِ فَقَالَ {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ} [المجادلة: 22]، {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 106] ، {وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] ، {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] وَعَطَفَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَقَرَنَهُ بِالْمَعَاصِي فَقَالَ {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] ، {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك» «وَقَالَ لِأُسَامَةَ حِينَ قَتَلَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ هَلَّا شَقَقْت عَنْ قَلْبِهِ» وَلَمَّا كَانَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ أَمْرًا بَاطِنًا لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهِ جَعَلَهُ الشَّارِعُ مَنُوطًا بِالشَّهَادَتَيْنِ مِنْ الْقَادِرِ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136] وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، فَيَكُونُ الْمُنَافِقُ مُؤْمِنًا فِيمَا بَيْنَنَا كَافِرًا عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] .
وَهَلْ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّوَارُثِ وَالْمُنَاكَحَةِ وَغَيْرِهَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّاهُ قَوْلَانِ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُحَقِّقِينَ إلَى أَوَّلِهِمَا وَعَلَيْهِ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِقْرَارِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَهَذَا أَوْفَقُ بِاللُّغَةِ وَالْعُرْفِ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى ثَانِيهِمَا، وَأَلْزَمَهُمْ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ فَاخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ اتِّسَاعِ وَقْتِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مِنْ الْإِفْتَاءِ بِخِلَافِهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ) أَيْ الْإِيمَانُ (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْإِيمَانَ (قَوْلُهُ غَيْرُ دَاخِلٍ) صِفَةٌ لِشَرْطٍ أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ عَنْ قَوْلِهِ النُّطْقَ (قَوْلُهُ: إلَى أَوَّلِهِمَا) هُوَ قَوْلُهُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ إلَخْ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ (قَوْلُهُ: إلَى ثَانِيهمَا)
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ) أَيْ إجْمَالًا فِي الْإِجْمَالِيِّ وَتَفْصِيلًا فِي التَّفْصِيلِيِّ (قَوْلُهُ: كَإِلْقَاءِ الذِّهْنِ وَصَرْفِ النَّظَرِ إلَخْ) لَا يُشْكِلُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ ضَرُورِيٌّ ضَرُورَةَ أَنَّ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ ضَرُورِيٌّ كَمَا مَرَّ،؛ لِأَنَّ الضَّرُورِيَّ أَيْضًا مُتَوَقِّفٌ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ،، وَالْفَرْقُ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّظَرِيِّ أَنَّ مُقَدِّمَاتِهِ حَاصِلَةٌ تُعْلَمُ بِمُجَرَّدِ تَوْجِيهِ النَّظَرِ، بِخِلَافِ مُقَدِّمَاتِ النَّظَرِ، فَهِيَ غَيْرُ حَاصِلَةٍ وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالنَّظَرِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ فَاسِقٌ وِفَاقًا) فَمَعْنَى كَوْنِ الْأَعْمَالِ جُزْءًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ كَوْنُهَا جُزْءًا مِنْ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ كَمَا فِي الْإِعْلَامِ لِلشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ وَإِنْ كَانَ السِّيَاقُ يَأْبَاهُ (قَوْلُهُ: وَهَلْ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْطٌ إلَخْ) صَرِيحُ هَذَا السِّيَاقِ كَسِيَاقِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ الْأَصْرَحُ مِنْهُ فِيمَا يَأْتِي أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ إلَّا تَصْدِيقُ الْقَلْبِ بِمَا مَرَّ، وَقَعَ خِلَافٌ بَيْنَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ حَيْثُ أَنَاطَ الشَّارِعُ أَمْرَهُ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، هَلْ النُّطْقُ الْمَذْكُورُ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْإِيمَانِ، أَوْ جُزْءٌ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِيهِ، فَيَنْحَلُّ الْكَلَامُ إلَى أَنَّهُمْ فَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا قَائِلٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ الْمَذْكُورِ وَالنُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْطٌ لِلْإِجْرَاءِ الْمَذْكُورِ،، وَالْفَرِيقُ الثَّانِي يَقُولُ إنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ الْمَذْكُورِ وَالنُّطْقُ جُزْءٌ مِنْهُ وَهَذَا لَا يُعْقَلُ، فَإِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ إلَّا التَّصْدِيقُ أَنَّ النُّطْقَ الْمَذْكُورَ خَارِجٌ عَنْ مُسَمَّاهُ، وَقَضِيَّةُ كَوْنِ النُّطْقِ جُزْءًا مِنْهُ عِنْدَهُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مِنْهُمَا لَا مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ، وَهَذَا خَلَفٌ فَلْيُحَرَّرْ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِقْرَارِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى) هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَمْ يَمْتَنِعْ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ (قَوْلُهُ: وَأَلْزَمهُمْ الْأَوَّلُونَ) فِي هَذَا الْإِلْزَامِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ،؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ كَوْنَ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْطًا أَوْ جُزْءًا إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَادِرِ كَمَا مَرَّ
الْإِقْرَارِ بِلِسَانِهِ يَكُونُ كَافِرًا، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ يُعَارِضُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ قَوْلُ الشِّفَاءِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ مُسْتَوْجِبٌ لِلْجَنَّةِ حَيْثُ أَثْبَتَ فِيهِ خِلَافًا، أَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ النُّطْقِ بِهِمَا لِخَرَسٍ أَوْ سَكْتَةٍ أَوْ اخْتِرَامِ مَنِيَّةٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إيمَانُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَهُوَ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ مِنْ الطَّاعَاتِ كَالتَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، «وَلِهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا سَأَلَهُ جِبْرِيلُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْت إلَيْهِ سَبِيلًا» وَلَكِنْ لَا تُعْتَبَرُ الْأَعْمَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِالْإِسْلَامِ إلَّا مَعَ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ الْمَذْكُورُ فَهُوَ شَرْطٌ لِلِاعْتِدَادِ بِالْعِبَادَاتِ، فَلَا يَنْفَكُّ الْإِسْلَامُ الْمُعْتَبَرُ عَنْ الْإِيمَانِ وَإِنْ كَانَ الْإِيمَانُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُ، كَمَنْ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ اتِّسَاعِ وَقْتِ التَّلَفُّظِ، هَذَا كُلُّهُ بِالنَّظَرِ إلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ، أَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى مَا عِنْدَنَا فَالْإِسْلَامُ هُوَ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ، فَمَنْ أَقَرَّ بِهِمَا أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِكُفْرٍ إلَّا بِظُهُورِ أَمَارَاتِ التَّكْذِيبِ كَالسُّجُودِ اخْتِيَارًا لِلشَّمْسِ أَوْ الِاسْتِخْفَافِ بِنَبِيٍّ أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِالْكَعْبَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[حاشية الشبراملسي]
هُوَ قَوْلُهُ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّاهُ (قَوْلُهُ فَهُوَ أَعْمَالٌ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ عَمَلٍ (قَوْلُهُ: مِنْ الطَّاعَاتِ) بَيَانٌ لِلْأَعْمَالِ (قَوْلُهُ: وَلِهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ إلَخْ) أَيْ الْإِسْلَامَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .