الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَيَكْفِي فِي صِدْقِ كَوْنِهِ فِي الْمَجْمُوعِ كَوْنُهُ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ، بِخِلَافِ كَوْنِهِ فِي الْجَمِيعِ، وَلَوْ وُجِدَ الْحَدَثَانِ مَعًا فَهُوَ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْأَصْغَرُ.
وَيُبَاحُ لِلرَّجُلِ دُخُولُ الْحَمَّامِ وَيَجِبُ عَلَى دَاخِلِهِ غَضُّ الْبَصَرِ عَمَّا لَا يَحِلُّ، وَصَوْنُ عَوْرَتِهِ عَنْ كَشْفِهَا بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا أَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِ حَاجَةِ كَشْفِهَا، وَنَهْيُ الْغَيْرِ عَنْ كَشْفِ عَوْرَتِهِ وَإِنْ عَلِمَ عَدَمَ امْتِثَالِهِ، وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ دُخُولُهُ أَيْضًا مَعَ الْكَرَاهَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَالْخَنَاثَى كَالنِّسَاءِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الِاقْتِصَارُ فِي الْمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فَلَا يُجَاوِزُهَا وَلَا الْعَادَةَ.
وَمِنْ آدَابِهِ قَصْدُ التَّطَهُّرِ وَالتَّنَظُّفِ وَتَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ قَبْلَ دُخُولِهِ وَالتَّسْمِيَةُ لِلدُّخُولِ ثُمَّ التَّعَوُّذُ كَالْخَلَاءِ وَتَقْدِيمُ يُسْرَاهُ دُخُولًا وَيُمْنَاهُ خُرُوجًا كَمَا مَرَّ، وَأَنْ يَذْكُرَ بِحَرَارَتِهِ حَرَّ جَهَنَّمَ، وَأَنْ لَا يَدْخُلَهُ إذَا رَأَى فِيهِ عَارِيًّا، وَأَنْ لَا يُعَجِّلَ بِدُخُولِ الْبَيْتِ الْحَارِّ حَتَّى يَعْرَقَ فِي الْأَوَّلِ، وَأَنْ لَا يُكْثِرَ الْكَلَامَ وَأَنْ يَدْخُلَ وَقْتَ الْخِلْوَةِ أَوْ يَتَكَلَّفَ إخْلَاءَ الْحَمَّامِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا أَهْلُ الدِّينِ فَالنَّظَرُ إلَى الْأَبْدَانِ مَكْشُوفَةً فِيهِ شَوْبٌ مِنْ قِلَّةِ الْحَيَاءِ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَبَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَهُ قُبَيْلَ الْمَغْرِبِ وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ الشَّيَاطِينِ، وَيُكْرَهُ لِلصَّائِمِ، وَصَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الرَّأْسِ وَشُرْبُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ الطِّبُّ وَلَا بَأْسَ بِدَلْكِ غَيْرِهِ إلَّا عَوْرَةً أَوْ مَظِنَّةَ شَهْوَةٍ، وَلَا بَأْسَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ: عَافَاكَ اللَّهُ وَلَا بِالْمُصَافَحَةِ.
وَيُسَنُّ لِمَنْ يُخَالِطُ النَّاسَ التَّنْظِيفُ بِالسِّوَاكِ وَإِزَالَةُ الْأَوْسَاخِ مِنْ رِيحٍ كَرِيهٍ وَشَعْرٍ وَحُسْنُ الْأَدَبِ مَعَهُمْ.
بَابُ النَّجَاسَةِ
وَفِيهِ إزَالَتِهَا وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَتِهَا فَنَقُولُ: هِيَ لُغَةً كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ، وَشَرْعًا مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ حَيْثُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ عُلِمَ عَدَمُ امْتِثَالِهِ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ إنَّمَا يَجِبَانِ عِنْدَ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، فَلَوْ خَافَ ضَرَرًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: وَالتَّسْمِيَةُ لِلدُّخُولِ) يَنْبَغِي أَنَّ مَحِلَّهَا عِنْدَ الْبَابِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ لِلْمَسْلَخِ لِأَنَّ الْكُلَّ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ، وَيَقُولُ فِي تَسْمِيَتِهِ وَاسْتِعَاذَتِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الرِّجْسِ النَّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخَبَّثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ يَسْتَغْفِرَ) قَضِيَّةُ قَوْلِهِ وَبَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ إلَخْ أَنَّهُ يَفْعَلُ الِاسْتِغْفَارَ قَبْلَ الْخُرُوجِ.
وَصِيغَةُ الِاسْتِغْفَارِ الْمَشْهُورَةِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ.
وَيَقُولُ: غَيْرَهَا مِنْ كُلِّ مَا يُفِيدُ طَلَبَ الْمَغْفِرَةِ، نَحْوَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي الْخَلَاءِ فَإِنَّهُ يَقُولُ عِنْدَ خُرُوجِهِ: غُفْرَانَكَ غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ، أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا عَنْ الذِّكْرِ بِالتَّنْظِيفِ فَيُعَدُّ بِهِ مُعْرِضًا كَمَا عُدَّ بِاشْتِغَالِهِ بِتَفْرِيغِ نَفْسِهِ فِي الْخَلَاءِ مُعْرِضًا (قَوْلُهُ: يُصَلِّي) أَيْ فِي غَيْرِ مَسْلَخِهِ (قَوْلُهُ: رَكْعَتَيْنِ) أَيْ يَنْوِي بِهِمَا سُنَّةَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ أَوْ يُطْلِقَ (قَوْلُهُ: وَلَا بِالْمُصَافَحَةِ) أَفَادَ قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ إلَخْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ فِي فِعْلِهِ بِحَيْثُ تُكْرَهُ لَهُ، وَمَا اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنْ تَقْبِيلِ الْإِنْسَانِ يَدَ نَفْسِهِ بَعْدَ الْمُصَافَحَةِ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ أَيْضًا سِيَّمَا إذَا اُعْتِيدَ ذَلِكَ لِلتَّعْظِيمِ.
بَابُ النَّجَاسَةِ
قِيلَ كَانَ يَنْبَغِي تَأْخِيرُهَا عَنْ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَمَّا قَبْلَهَا لَا عَنْهَا أَوْ تَقْدِيمُهَا عَقِبِ الْمِيَاهِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ لِهَذَا
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَلَا يُجَاوِزُهَا وَلَا الْعَادَةَ) عِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْحَاجَةِ أَوْ الْعَادَةِ انْتَهَتْ.
وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ تَقْتَضِي الْحُرْمَةَ فِيمَا فَوْقَ الْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ دُونَ الْعَادَةِ كَمَا، إذَا زَادَ عَلَى الصَّاعِ فِي الْغُسْلِ حَيْثُ كَانَ يَكْفِيهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: إلَّا عَوْرَةً) هَلْ وَإِنْ كَانَ بِحَائِلٍ، وَمَا الْمُرَادُ بِالْعَوْرَةِ هُنَا
[بَابُ النَّجَاسَةِ]
[أَنْوَاعِ النَّجَاسَات]
بَابُ النَّجَاسَةِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ إزَالَتُهَا، وَقَوْلُهُ عَلَى مَعْرِفَتِهَا: أَيْ النَّجَاسَةِ وَهِيَ تُعْرَفُ بِالْحَدِّ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَبِالْعَدِّ
لَا مُرَخِّصَ.
وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا كُلُّ عَيْنٍ حُرِّمَ تَنَاوُلُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ مَعَ سُهُولَةِ التَّمْيِيزِ، لَا لِحُرْمَتِهَا وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا وَلَا لِضَرَرِهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ، فَخَرَجَ بِالْإِطْلَاقِ مَا يُبَاحُ قَلِيلُهُ كَبَعْضِ النَّبَاتَاتِ السُّمِّيَّةِ، الِاخْتِيَارِ حَالَةَ الضَّرُورَةِ فَيُبَاحُ فِيهَا تَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ وَبِسُهُولَةِ التَّمْيِيزِ دُودُ الْفَاكِهَةِ وَنَحْوُهَا فَيُبَاحُ تَنَاوُلُهُ مَعَهَا وَإِنْ سَهُلَ تَمْيِيزُهُ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الصَّنِيعِ وَجْهًا أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ إزَالَتَهَا لَمَّا كَانَتْ شَرْطًا لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ عَلَى مَا مَرَّ، وَكَانَ لَا بُدَّ فِي بَعْضِهَا مِنْ تُرَابِ التَّيَمُّمِ كَانَتْ آخِذَةً طَرَفًا مِمَّا قَبْلَهَا وَمِمَّا بَعْدَهَا فَتَوَسَّطَتْ بَيْنَهُمَا إشَارَةً لِذَلِكَ اهـ.
حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم: قَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّهَا أُخِّرَتْ عَنْ الضَّوْءِ وَالْغُسْلِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِمَا تَقَدُّمُ إزَالَتِهَا، وَأَنَّهُ يَكْفِي مُقَارَنَةُ إزَالَتِهِمَا لَهُ، وَقُدِّمَتْ عَلَى التَّيَمُّمِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ تَقْدِيمُ إزَالَتِهَا فَلْيُتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، وَقَوْلُ سم: وَأَنَّهُ يَكْفِي مُقَارَنَةً إلَخْ: أَيْ فِيمَا لَوْ كَانَتْ فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَيَصِحُّ مَعَ وُجُودِهَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَى وُضُوءِ السَّلِيمِ (قَوْلُهُ: وَفِيهِ إزَالَتُهَا) أَيْ فَتَرْجَمَ لِشَيْءٍ وَزَادَ عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مَعِيبٍ، عَلَى أَنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ زِيَادَةً، فَإِنَّ الْكَلَامَ عَلَى شَيْءٍ يَسْتَدْعِي ذِكْرَ مُتَعَلِّقَاتِهِ وَلَوَازِمِهِ وَلَوْ عَرَضِيَّةً وَعِبَارَةُ السَّيِّدِ عِيسَى الصَّفَوِيِّ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى حَاشِيَةِ السَّيِّدِ الْجُرْجَانِيِّ نَصُّهَا: وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ بِكَوْنِ الْبَابِ فِي كَذَا الْحَصْرُ، بَلْ إنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ أَوْ الْمُعَظَّمُ، فَلَوْ ذُكِرَ غَيْرُهُ نَادِرًا أَوْ اسْتِطْرَادًا لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَهُ فِي التَّرْجَمَةِ اعْتِمَادًا عَلَى تَوَجُّهِ الذِّهْنِ إلَيْهِ، إمَّا بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ أَوْ اللُّزُومِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
(قَوْلُهُ: كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: اعْتِبَارُ الِاسْتِقْذَارِ فِيمَا يُنَاقِضُ اعْتِبَارَ عَدَمِهِ فِي الْحَدِّ الْآخَرِ الْمَذْكُورِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِقَوْلِهِ: كُلُّ عَيْنٍ حُرِّمَ تَنَاوُلُهَا، إلَى أَنْ قَالَ: لَا لِحُرْمَتِهَا وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ هِيَ مُسْتَقْذَرَةٌ إلَّا أَنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَتْ لِاسْتِقْذَارِهَا وَهُوَ بَعِيدٌ فَلْيُتَأَمَّلْ سم عَلَى مَنْهَج (قَوْلُهُ: وَعَرَّفَهَا) أَيْ شَرْعًا (قَوْلُهُ: بَعْضُهُمْ) هُوَ بِهَذَا الْعُنْوَانِ مَذْكُورٌ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ، وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ لِلنَّوَوِيِّ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَبْتَكِرْهُ وَإِنْ أَوْهَمَتْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: النَّبَاتَاتُ السُّمَيَّةُ) أَيْ فَإِنَّ قَلِيلَهَا يُبَاحُ بِلَا ضَرُورَةٍ (قَوْلُهُ: الِاخْتِيَارِ) أَيْ عَنْ الِاعْتِبَارِ فِي تَأْثِيرِ الْحُرْمَةِ لِمَا يَأْتِي أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ وَمَا بَعْدَهُ لِلْإِدْخَالِ فَلَا يُقَالُ فِي كَلَامِهِ تَنَافٍ حَيْثُ جَعَلَهُمَا فِيمَا بَعْدَهُ لِلْإِدْخَالِ وَصَرَّحَ هُنَا بِأَنَّهُمَا لِلْإِخْرَاجِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ سَهُلَ تَمْيِيزُهُ) هَذَا التَّعْمِيمُ يُنَافِي جَعْلَهُ خَارِجًا بِالْقَيْدِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ خَارِجٌ نَظَرًا لِكَوْنِ مَنْ شَأْنُهُ عُسْرُ التَّمْيِيزِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: " نَظَرًا إلَخْ "، وَالتَّعْمِيمُ نَظَرًا إلَى جَوَازِ التَّنَاوُلِ قَلَم يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَهُوَ مَا يَأْتِي فِي الْمَتْنِ: أَيْ وَهَذَا وَجْهُ تَقْدِيمِ مَعْرِفَتِهَا عَلَى إزَالَتِهَا، هَذَا مُرَادُ الشَّارِحِ فِيمَا يَظْهَرُ إلَّا أَنَّ فِي سِيَاقِهِ صُعُوبَةً لَا تَخْفَى (قَوْلُهُ: حَرُمَ تَنَاوُلُهَا) أَيْ عُلِمَ حُرْمَتُهُ بِالدَّلِيلِ الْخَارِجِيِّ فَلَا دَوْرَ (قَوْلُهُ: وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ سَبَبُهَا غَيْرُ الِاسْتِقْذَارِ، وَقَضِيَّةُ التَّعْرِيفِ السَّابِقِ خِلَافُهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ.
ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ النَّجَاسَةَ مُسْتَقْذَرَةٌ إلَّا أَنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَتْ لِاسْتِقْذَارِهَا انْتَهَى: أَيْ وَتَرَتُّبُ مَنْعِ الصَّلَاةِ عَلَى الِاسْتِقْذَارِ غَيْرُ تَرَتُّبِ الْحُرْمَةِ عَلَيْهِ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَضِيَّتَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَضِيَّةَ التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّجَاسَاتِ كُلَّهَا مُسْتَقْذَرَةٌ وَلَك مَنْعُهُ فِي الْكَلْبِ الْحَيِّ وَلِهَذَا يَأْلَفُهُ مَنْ لَا يَعْتَقِدُ نَجَاسَتَهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَحْوِ الذِّئْبِ، وَلَا يُقَالُ: الْمُرَادُ اسْتِقْذَارُهَا شَرْعًا إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الدَّوْرُ (قَوْلُهُ: الِاخْتِيَارِ) أَيْ وَخَرَجَ بِحَالَةِ الِاخْتِيَارِ إلَخْ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا ذُكِرَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ وَإِلَّا فَهَذَا الْقَيْدُ كَاَلَّذِي بَعْدَهُ لِلْإِدْخَالِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ سَهُلَ) فِي هَذَا السِّيَاقِ صُعُوبَةٌ، وَكَانَ حَقُّ الْعِبَارَةِ وَبِسُهُولَةِ التَّمْيِيزِ مَا عَسَرَ
خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ نَظَرًا إلَى أَنَّ شَأْنَهُ عُسْرُ التَّمْيِيزِ، وَلَا يَتَنَجَّسُ فَمُهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُهُ.
وَهَذَا الْقَيْدُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ لِلْإِدْخَالِ لَا لِلْإِخْرَاجِ كَمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، وَلَا حَاجَةَ لِزِيَادَةِ إمْكَانِ التَّنَاوُلِ لِيُخْرِجَ بِهِ الْأَشْيَاءَ الصُّلْبَةَ كَالْحَجَرِ، لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهُ لَا يُوصَفُ بِحِلِّ وَلَا تَحْرِيمٍ وَإِلَّا لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ وَبِلَا لِحُرْمَتِهَا لَحْمُ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ وَإِنْ حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ مُطْلَقًا فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ إلَخْ لَكِنْ لَا لِنَجَاسَتِهِ بَلْ لِحُرْمَتِهِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ لَحْمُ الْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ مَعَ عَدَمِ احْتِرَامِهِ، إذْ الْحُرْمَةُ تَنْشَأُ مِنْ مُلَاحَظَةِ الْأَوْصَافِ الذَّاتِيَّةِ أَوْ الْعَرَضِيَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأُولَى لَازِمَةٌ لِلْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لِأَنَّ الْأَوْصَافَ الذَّاتِيَّةَ لَا تَخْتَلِفُ، وَالثَّانِيَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ الْمُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلَافِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ، وَحِينَئِذٍ فَالْآدَمِيُّ تَثْبُتُ لَهُ الْحُرْمَةُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ تَارَةً وَمِنْ حَيْثُ وَصْفُهُ أُخْرَى، فَالْحُرْمَةُ الثَّابِتَةُ لَهُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ تَقْتَضِي الطَّهَارَةَ لِأَنَّهَا وَصْفٌ ذَاتِيٌّ أَيْضًا فَلَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْرَادِ، وَالثَّابِتَةُ لَهُ مِنْ حَيْثُ وَصْفُهُ تَقْتَضِي احْتِرَامَهُ وَتَوْقِيرَهُ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَرْبِيَّ تَثْبُتُ لَهُ الْحُرْمَةُ الْأُولَى، فَكَانَ طَاهِرًا حَيًّا وَمَيِّتًا حَتَّى يَمْتَنِعَ اسْتِعْمَالُ جُزْءٍ مِنْهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْحُرْمَةُ الثَّانِيَةُ فَلَمْ يُحْتَرَمْ وَلَمْ يُعَظَّمُ، فَلِهَذَا جَازَ إغْرَاءُ الْكِلَابِ عَلَى جِيفَتِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ فِي كَلَامِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَلَى الْحَدِّ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ لِحُرْمَتِهِ الذَّاتِيَّةِ كَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ، وَبِلَا اسْتِقْذَارِهَا مَا حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ لَا لِمَا تَقَدَّمَ، بَلْ لِاسْتِقْذَارِهِ كَمُخَاطٍ وَمَنِيٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ بِنَاءً عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَبِلَا لِضَرَرِهَا فِي بَدَنٍ أَوْ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَلَا يَتَنَجَّسُ فَمُهُ) قِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّ مَا خُبِزَ بِالسِّرْجِينِ وَنَحْوِهِ لَا يَتَنَجَّسُ الْفَمُ بِأَكْلِهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْهُ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ (قَوْلُهُ: وَهَذَا الْقَيْدُ) يَعْنِي قَوْلَهُ لِعُسْرِ التَّمْيِيزِ مَعَ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: حَالَةِ الِاخْتِيَارِ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَزِمَ التَّكْلِيفُ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ هَذَا فَإِنَّ أَكْلَ الْحَجَرِ لَيْسَ مِنْ الْمُحَالِ غَايَتُهُ أَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً، فَلَوْ كُلِّفَ بِأَكْلِهِ مَثَلًا لَأَمْكَنَ بِأَنْ يُدَقَّ وَيُؤْكَلَ.
(قَوْلُهُ: حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ مُطْلَقًا) كَثُرَ أَوْ قَلَّ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: بَلْ لِحُرْمَتِهِ) أَيْ احْتِرَامِهِ (قَوْلُهُ: الْأُولَى) هِيَ الْأَوْصَافُ الذَّاتِيَّةُ وَالثَّانِيَةُ هِيَ الْأَوْصَافُ الْعَرَضِيَّةُ (قَوْلُهُ: بِاخْتِلَافِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ) وَفِي نُسْخَةٍ: أَوْصَافِ الْجِنْسِ، وَمَا فِي الْأَصْلِ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاخْتِلَافِ الْأَوْصَافِ بِاخْتِلَافِ الْأَوْصَافِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا وَصْفٌ ذَاتِيٌّ أَيْضًا) قَدْ يُقَالُ: إنْ أَرَادَ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ أَنَّهَا مُقْتَضَى الذَّاتِ فَمَمْنُوعٌ وَلِذَا اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيهَا، أَوْ أَنَّهَا قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ فَكُلُّ الْأَوْصَافِ كَذَلِكَ؛ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَرَادَ بِالذَّاتِيِّ الْحَقِيقِيَّ.
وَقَدْ يُقَالُ: لِمَ اقْتَضَتْ الْحُرْمَةُ الذَّاتِيَّةُ الطَّهَارَةَ دُونَ الِاحْتِرَامِ سم عَلَى حَجّ.
وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الطَّهَارَةَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْعَيْنِ فَنَاسَبَ تَرَتُّبَهَا عَلَى مُجَرَّدِ حَقِيقَتِهَا، وَالتَّوْقِيرُ حَاصِلٌ بِفِعْلِ الْغَيْرِ فَاقْتَضَى صِفَةً تُنَاسِبُ تَرَتُّبَهُ عَلَيْهَا زَائِدَةً عَلَى الذَّاتِ كَحُسْنِ الِاعْتِقَادِ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ) مُرَادُهُ حَجّ (قَوْلُهُ: وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُرَدُّ) أَيْ وَلَا يُرَدُّ أَنَّ ذَلِكَ يُرَدُّ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِهَا) أَيْ وَلَوْ مِنْهُ كَأَنْ بَصَقَ أَوْ مَخَطَ ثُمَّ أَرَادَ تَنَاوُلَهُ، وَمَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ فِي مَعْدِنِهَا كَالرِّيقِ فِي الْفَمِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ابْتِلَاعُهُ وَكَذَلِكَ الْمُخَاطُ، ثُمَّ مَا ذُكِرَ شَامِلٌ لِمَا لَوْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِبُصَاقِ مَنْ يَعْتَقِدُ صَلَاحَهُ فَتَنَاوَلَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَعْضِ الْأَطْفَالِ، كَأَنْ أَمَرَ الْوَلِيَّ بِالْبَصْقِ فِي فَمِ نَفْسِهِ أَوْ فَمِ وَلَدِهِ فَيَحْرُمُ عَلَى الْوَلِيِّ الْبَصْقُ فِي فَمِهِ: أَيْ الْمَذْكُورِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى وَلِيِّ الطِّفْلِ التَّمْكِينُ مِنْ الْبَصْقِ فِي فَمِ الطِّفْلِ فَلْيُرَاجَعْ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا وَإِنْ اُسْتُهْلِكَ بِغَيْرِهِ، وَكَأَنْ اخْتَلَطَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
تَمْيِيزُهُ كَدُودِ الْفَاكِهَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْعُسْرِ مَا مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ فَلَا تَضُرُّ سُهُولَتُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهُ) يُنْظَرُ مَا الْمُرَادُ بِالْإِمْكَانِ هُنَا (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَزِمَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ) ظَاهِرُهُ امْتِنَاعُ ذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ الصَّحِيحِ فَيَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ، عَلَى أَنَّ مَا هُنَا لَيْسَ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: مَعَ عَدَمِ احْتِرَامِهِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْأَوْصَافُ الْعَرَضِيَّةُ وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ هَذَا (قَوْلُهُ: وَبِلَا اسْتِقْذَارِهَا) حَقُّ الْعِبَارَةِ وَبِلَا لِاسْتِقْذَارِهَا،
عَقْلٍ مَا ضَرَّ الْعَقْلَ كَالْأَفْيُونِ وَالزَّعْفَرَانِ، أَوْ الْبَدَنَ كَالسُّمِّيَّاتِ وَالتُّرَابِ وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ثُمَّ عَرَّفَهَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَهَا فَقَالَ:(هِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ) خَمْرًا كَانَ وَهُوَ الْمُشْتَدُّ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَلَوْ مُحْتَرَمَةً وَمُثَلَّثَةً وَبَاطِنَ حَبَّاتِ عُنْقُودٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْإِسْكَارُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، أَمَّا الْخَمْرُ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهَا فَتَغْلِيظًا وَزَجْرًا عَنْهَا كَالْكَلْبِ وَلِأَنَّهَا رِجْسٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَالرِّجْسُ النَّجِسُ، وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ سَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ قِيَاسًا عَلَيْهَا بِوُجُودِ الْإِسْكَارِ الْمُسَبَّبِ عَنْهُ ذَلِكَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَلَا يُشْكِلُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ عَطْفُهُ عَلَى الْخَمْرِ مَا لَيْسَ بِنَجِسٍ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الرِّجْسَ فِي مَعْنَيَيْهِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، إذْ الثَّلَاثَةُ الْمَقْرُونَةُ مَعَهَا مُعَارَضَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَبَقِيَتْ هِيَ، وَخَرَجَ بِزِيَادَتِهِ عَلَى أَصْلِهِ مَائِعٌ غَيْرُهُ كَالْحَشِيشَةِ وَالْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ فَإِنَّهُ وَإِنْ أَسْكَرَ طَاهِرٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الدَّقَائِقِ، وَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
بِمَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ تَقْدِيرٌ لَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مُرَادًا فِيهِمَا لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ فِي الْأَوَّلِ وَلِاسْتِهْلَاكِهِ فِي الثَّانِي (قَوْلُهُ: كَالْأَفْيُونِ) وَقَضِيَّةُ التَّمْثِيلِ بِمَا ذَكَرَ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَيْسَ مُرَادًا فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْهُ الْكَثِيرُ دُونَ الْقَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ لِغَالِبِ النَّاسِ لَا لِلْمُتَنَاوِلِ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى مَنْ يَضُرُّهُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ كَمَا يَأْتِي وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ الْأَوْلَى التَّمْثِيلُ بِالسُّمِّيَّاتِ الَّتِي يَضُرُّ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا.
وَبَقِيَ مَا لَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ هَلْ هُوَ ضَارٌّ أَوْ لَا وَيَنْبَغِي فِيهِ الْحِلُّ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّهْيِ (قَوْلُهُ: وَسَائِرُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ ضَرَّهُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَطْعِمَةِ.
وَعِبَارَتُهُ ثُمَّ وَلَا يَحْرُمُ مِنْ الطَّاهِرِ إلَّا نَحْوُ تُرَابٍ وَحَجَرٍ وَمِنْهُ مَدَرٌ وَطَفْلٌ لِمَنْ يَضُرُّهُ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ إطْلَاقُ جَمِيعِ حُرْمَتِهِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ عَرَّفَهَا) أَيْ بَيَّنَهَا بِالْعَدِّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُشْتَدُّ مِنْ عَصِيرٍ إلَخْ) أَيْ الَّذِي قَوِيَ تَغَيُّرُهُ حَتَّى صَارَ مُسْكِرًا (قَوْلُهُ: وَمُثَلَّثَةٌ) وَهِيَ الَّتِي أُغْلِيَتْ عَلَى النَّارِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهَا (قَوْلُهُ: وَزَجْرًا) عَطْفٌ مُغَايِرٌ (قَوْلُهُ: بِالْآيَةِ) هِيَ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ} [المائدة: 90](قَوْلُهُ: فِي مَعْنَيَيْهِ) أَيْ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ، وَالْقَرِينَةُ عَلَى الثَّانِي مَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ الرِّجْسُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ النَّجِسِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ أَوْهَمَهُ قَوْلُهُ: فِي مَعْنَيَيْهِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ الْخَمْرِ فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ بِقَرِينَةٍ وَالشَّارِحُ جَعَلَ نَفْسَ الْآيَةِ دَلِيلًا عَلَى النَّجَاسَةِ، وَالْإِجْمَاعُ مُقْتَضِيًا لِإِخْرَاجِ مَا لَيْسَ بِنَجَسٍ مِنْ الرِّجْسِ.
هَذَا وَفِي الْمُخْتَارِ الرِّجْسُ الْقَذَرُ وَقَالَ الْفَرَّاءُ قَوْله تَعَالَى {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [يونس: 100] أَنَّهُ الْعِقَابُ وَالْغَضَبُ وَهُوَ مُضَارِعٌ لِقَوْلِهِ الرِّجْزُ اهـ وَالْمُتَبَادِرُ مِنْهُ أَنَّهُ حَقِيقَةً فِيمَا تَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ بِأَنَّ الرِّجْزَ وَإِنْ كَانَ مُشْتَرَكًا لَكِنَّهُ اُشْتُهِرَ فِي النَّجَسِ ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ مِنْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَأَنَّهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ قَالَ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ الْمُسْتَقْذَرِ اهـ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمُخْتَارِ (قَوْلُهُ: كَالْحَشِيشَةِ) لَوْ صَارَ فِي الْحَشِيشِ الْمُذَابِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ اتَّجَهَ النَّجَاسَةَ كَالْمُسْكِرِ الْمَائِعِ الْمُتَّخَذِ مِنْ خُبْزٍ وَنَحْوِهِ وِفَاقًا لِشَيْخِنَا الطَّبَلَاوِيِّ وَخَالَفَ م ر ثُمَّ جَزَمَ بِالْمُوَافَقَةِ وَفِي الْإِيعَابِ لَوْ انْتَفَتْ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ عَنْ الْخَمْرِ لِجُمُودِهَا وَوُجِدَتْ فِي الْحَشِيشَةِ لِذَوْبِهَا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ بَقَاءُ الْخَمْرِ عَلَى نَجَاسَتِهَا لِأَنَّهَا لَا تَطْهُرُ إلَّا بِالتَّخْلِيلِ وَلَمْ يُوجَدْ وَنَجَاسَةُ نَحْوِ الْحَشِيشَةِ إذْ غَايَتُهَا أَنَّهَا صَارَتْ كَمَاءِ خُبْزٍ وُجِدَتْ فِيهِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، ثُمَّ ظَاهِرُ تَفْسِيرِهِمْ الْمُسْكِرَ بِالْمُغَطِّي لِلْعَقْلِ وَإِخْرَاجُهُمْ الْحَشِيشَةَ بِالْمَائِعِ أَنَّ عَصِيرَ الْعِنَبِ إذَا ظَهَرَ فِيهِ التَّغَيُّرُ وَصَارَ مُغَطِّيًا لِلْعَقْلِ وَلَمْ تَصِرْ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ صَارَ نَجِسًا وَقَدْ يَقْتَضِي قَوْلُهُ: الْآتِي فِي التَّخْلِيلِ الْمُحَصِّلِ لِطَهَارَةِ الْخَمْرِ وَيَكْفِي زَوَالُ النَّشْوَةِ إلَخْ خِلَافُهُ وَأَنَّ الْعَصِيرَ مَا لَمْ تَصِرْ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ وَإِنْ حُرِّمَ تَنَاوُلُهُ (قَوْلُهُ: وَالْبَنْجُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهُوَ أَصْلُ الشَّيْءِ وَقَوْلُهُ:
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَلَعَلَّ اللَّامَ، وَالْأَلِفَ سَقَطَا مِنْ الْكَتَبَةِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ عَرَّفَهَا الْمُصَنِّفُ) لَا مَوْقِعَ لِثُمَّ هُنَا فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إذْ الثَّلَاثَةُ) لَوْ عَبَّرَ بِالْوَاوِ بَدَلَ إذْ لِيَكُونَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ لَكَانَ وَاضِحًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ إلَخْ) كَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ
شُرُوحِ الْحَاوِي مِنْ نَجَاسَةِ الْحَشِيشَةِ غَلَطٌ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّ الْبَنْجَ وَالْحَشِيشَ طَاهِرَانِ مُسْكِرَانِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ الْخَمْرَةُ الْمُنْعَقِدَةُ فَإِنَّهَا جَامِدَةٌ وَهِيَ نَجِسَةٌ وَالْحَشِيشَةُ الْمُذَابَةُ فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ، لِأَنَّ الْخَمْرَةَ الْمُنْعَقِدَةَ مَائِعَةٌ فِي الْأَصْلِ بِخِلَافِ الْحَشِيشَةِ الْمُذَابَةِ.
وَقَدْ سُئِلَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْكِشْكِ هَلْ هُوَ نَجِسٌ لِأَنَّهُ يَتَخَمَّرُ كَالْبُوظَةِ، وَهَلْ يَكُونُ جَفَافُهُ كَالتَّخَلُّلِ فِي الْخَمْرِ فَيَطْهُرُ أَوْ يَكُونُ كَالْخَمْرِ الْمُنْعَقِدَةِ فَلَا يَطْهُرُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ، فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ كَوْنُهُ مُسْكِرًا لَكَانَ طَاهِرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَائِعٍ انْتَهَى.
أَيْ حَالَ إسْكَارِهِ لَوْ كَانَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْبُوظَةَ نَجِسَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ لَوْ نَظَرَ إلَى جُمُودِهَا قَبْلَ إسْكَارِهَا لَوَرَدَ عَلَى ذَلِكَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ الْجَامِدَاتِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ جَلِيٌّ.
وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ ابْنُ النَّقِيبِ وَغَيْرُهُ الْحَدُّ بِأَنَّهُ حَدٌّ لِلنَّجِسِ لَا لِلنَّجَاسَةِ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ، لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا تَحْرِيمُ مُلَابَسَةِ الْمُسْتَقْذِرَاتِ فَهِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَكَيْفَ تُفَسَّرُ بِالْأَعْيَانِ؟ رَدَّ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ تُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَعْيَانِ وَعَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَحَدُّهَا بِالْأَعْيَانِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يُرِدْ بِهَا مَعْنَاهَا الثَّانِي بَلْ الْأَوَّلَ، وَهِيَ حَقِيقَةٌ فِيهِ أَوْ مَجَازٌ مَشْهُورٌ، عَلَى أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: إنَّ النَّجَاسَةَ وَالنَّجِسَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، ثُمَّ الْأَعْيَانُ جَمَادٌ وَحَيَوَانٌ، فَالْجَمَادُ كُلُّهُ طَاهِرٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ لِمَنَافِعِ عِبَادِهِ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلَا يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ أَوْ يَكْمُلُ إلَّا بِالطَّهَارَةِ إلَّا مَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ: كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ، وَالْحَيَوَانُ كُلُّهُ طَاهِرٌ لِمَا مَرَّ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ:
(وَكَلْبٌ) وَلَوْ مُعَلَّمًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» وَخَبَرِ مُسْلِمٍ «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الْمَاءَ لَوْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا لَمَا أَمَرَنَا بِإِرَاقَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إتْلَافِ الْمَالِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَالْأَفْيُونُ زَادَ حَجّ وَجَوْزَةُ الطِّيبِ اهـ (قَوْلُهُ: وَقَدْ صَرَّحَ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى جَوَابِ اعْتِرَاضٍ وَارِدٍ عَلَى الْمَتْنِ تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْبَنْجَ وَالْحَشِيشَةَ مُخَدِّرَانِ لَا مُسْكِرَانِ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ مَائِعٍ لِيَخْرُجَ بِهِ الْبَنْجُ وَالْحَشِيشَةُ لِأَنَّهُمَا خَارِجَانِ بِقَيْدِ الْإِسْكَارِ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّهُمَا مُسْكِرَانِ لَا مُخَدِّرَانِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا طَاهِرَةٌ) أَيْ مَا لَمْ يَصِرْ لَهَا شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ) أَيْ مُسْكِرًا (قَوْلُهُ: وَهَذَا ظَاهِرٌ جَلِيٌّ) قَدْ يُفَرِّقُ بِأَنَّ التَّمْرَ وَنَحْوَهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ تَغَيُّرٌ حَالَ كَوْنِهِ جَامِدًا، بِخِلَافِ الْبُوظَةِ فَإِنَّ الْإِسْكَارَ قَامَ بِهَا حَالَ جُمُودِهَا فَهِيَ كَالْحَشِيشَةِ الْمُذَابَةِ بِالْمَاءِ (قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ الثَّانِي) هُوَ قَوْلُهُ: وَعَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالْأَوَّلُ هُوَ قَوْلُهُ: يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَعْيَانِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ) أَيْ فَلَا يَرِدُ أَنَّ فِي كَثِيرٍ مِنْهُ ضَرَرًا ظَاهِرًا.
لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ لَكِنْ فِيهِ نَفْعٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنْ خَلْقِهِ.
وَيُقَالُ مِثْلُهُ فِي الْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ مَا لَيْسَ حَيَوَانًا وَلَا جُزْءَ حَيَوَانٍ وَلَا خَرَجَ مِنْ حَيَوَانٍ، وَأَرَادُوا بِالْحَيَوَانِ مَا عَدَا الْجَمَادَ فَيَدْخُلُ فِيهِ جُزْؤُهُ وَمَا خَرَجَ مِنْهُ كَاللَّبَنِ وَالْبَوْلِ
(قَوْلُهُ: طَهُورُ إنَاءِ إلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْأَشْهَرُ فِيهِ ضَمُّ الطَّاءِ، وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا لُغَتَانِ هَكَذَا بِخَطِّ الزِّيَادِيِّ.
وَقَوْلُ الْمَحَلِّيِّ: أَيْ مُطَهِّرُهُ ظَاهِرٌ فِي الْفَتْحِ لِأَنَّ الْمُطَهِّرَ هُوَ الْآلَةُ وَمُحْتَمِلٌ لِلضَّمِّ بِأَنْ يُرَادَ بِهِ الْفِعْلُ الْمُطَهِّرُ (قَوْلُهُ: أَنْ يَغْسِلَهُ) عِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ (قَوْلُهُ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ) أَيْ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
فِي كُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَمْرِ، وَفِي أَحَدِهِمَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَعْدَهَا لِلْقَرِينَةِ (قَوْلُهُ: وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ ابْنُ النَّقِيبِ وَغَيْرُهُ الْحَدَّ) أَيْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا تَحْرِيمُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ التَّحْرِيمَ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ، وَفِي إطْلَاقِ لَفْظِ النَّجَاسَةِ عَلَى خِطَابِهِ تَعَالَى غَايَةُ الْبُعْدِ، وَالْبَشَاعَةِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعِبَارَةِ غَيْرُ ظَاهِرِهَا (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْأَعْيَانُ جَمَادٌ) الْمُرَادُ بِالْجَمَادِ هُنَا مَا لَيْسَ حَيَوَانًا وَلَا جُزْأَهُ وَلَا خَرَجَ مِنْهُ بِقَرِينَةِ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ، لَكِنْ قَدْ يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَصْيَةِ لِدُخُولِهَا فِي الْجَمَادِ الْمُتَقَدِّمِ
(قَوْلُهُ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الْمَاءَ) لَعَلَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ
الْمَنْهِيِّ عَنْ إضَاعَتِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَبُّدِ إلَّا لِدَلِيلٍ، وَأَنَّ الطَّهَارَةَ تُسْتَعْمَلُ إمَّا عَنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ، وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ فَتَعَيَّنَ طَهَارَةُ الْخَبَثِ فَثَبَتَتْ نَجَاسَةُ فَمِهِ وَهُوَ أَطْيَبُ أَجْزَائِهِ، بَلْ هُوَ أَطْيَبُ الْحَيَوَانِ نَكْهَةً لِكَثْرَةِ مَا يَلْهَثُ، فَبَقِيَّتُهَا أَوْلَى وَإِرَاقَةُ مَا وَلَغَ فِيهِ وَاجِبَةٌ إنْ أُرِيدَ اسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ، وَإِلَّا فَمُسْتَحَبَّةٌ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ إلَّا الْخَمْرَةَ غَيْرَ الْمُحْتَرَمَةِ فَتَجِبُ إرَاقَتُهَا فَوْرًا لِطَلَبِ النَّفْسِ تَنَاوُلَهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ الشَّرْعِ إذَا دَارَتْ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ حُمِلَتْ عَلَى الثَّانِي، إلَّا إذَا قَامَ دَلِيلٌ.
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْغَسْلَ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ لِأَنَّهُ رِجْسٌ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ، وَلِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم دُعِيَ إلَى دَارٍ فَلَمْ يُجِبْ، وَإِلَى أُخْرَى فَأَجَابَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: فِي دَارِ فُلَانٍ كَلْبٌ، قِيلَ وَفِي دَارِ فُلَانٍ هِرَّةٌ، فَقَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ»
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: عَدَمُ التَّعَبُّدِ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي وَالْأَوَّلِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الطَّهَارَةَ تُسْتَعْمَلُ) أَيْ وَالْأَصْلُ أَنَّ الطَّهَارَةَ، وَاحْتَرَزَ بِالْأَصْلِ بِالنِّسْبَةِ لَهَا عَنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لِلتَّكَرُّمَةِ وَلَيْسَ عَنْ حَدَثٍ وَلَا خَبَثٍ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ دَفْعُ النَّظَرِ الْآتِي عَنْ الزِّيَادِيِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا عُطِفَ عَلَى الْأَصْلِ أَوْ جُعِلَ مُسْتَأْنَفًا، وَحَيْثُ عُطِفَ عَلَى عَدَمِ التَّعَبُّدِ لَمْ يَرِدْ (قَوْلُهُ: إمَّا عَنْ حَدَثٍ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ قَدْ لَا تَكُونُ عَنْ حَدَثٍ وَلَا نَجَسٍ كَمَا فِي غَسْلِ الْمَيِّتِ زِيَادِيٌّ (قَوْلُهُ: أَطْيَبُ الْحَيَوَانِ نَكْهَةً) أَيْ حَتَّى مِنْ الْآدَمِيِّ (قَوْلُهُ: فَبَقِيَّتُهَا أَوْلَى) قِيلَ قَدْ تُمْنَعُ الْأَوْلَوِيَّةُ بَلْ وَالْمُسَاوَاةُ بِأَنَّ فَمَهُ يُخَالِطُ النَّجَاسَةَ كَثِيرًا لِتَنَاوُلِهِ إيَّاهَا، وَلَا كَذَلِكَ بَقِيَّةُ أَجْزَائِهِ فَإِنَّهَا قَدْ لَا تُلَاقِي نَجَاسَةً أَلْبَتَّةَ أَوْ تَقِلُّ مُلَاقَاتُهَا لَهَا.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَائِهِ فَضَلَاتُهُ كَالْبَوْلِ وَالرَّوْثِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْتِقْذَارَهَا أَشَدُّ مِنْ اسْتِقْذَارِ فَمِهِ وَإِنْ كَانَ مُلَاقِيًا لِلنَّجَاسَةِ كَثِيرًا، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مُلَاقَاةُ فَمِهِ لِلنَّجَاسَةِ لَقِيلَ بِنَجَاسَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْوُحُوشِ الَّتِي لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كَثِيرًا، فَتَنْجِيسُ الشَّارِعِ لِفَمِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَجَاسَتَهُ لِمَعْنًى فِيهِ مَعَ اتِّصَافِهِ بِطِيبِ النَّكْهَةِ الْمُوجِبِ لِتَرَجُّحِ فَمِهِ عَلَى بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ حَتَّى نَحْوِ ظَهْرِهِ وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِثُبُوتِ النَّجَاسَةِ فِي بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ بِالْأَوْلَى.
[فَرْعٌ] قَالَ سم عَلَى حَجّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَالِكِيَّ الَّذِي أَصَابَهُ مُغَلَّظٌ وَلَمْ يُسَبِّعْهُ مَعَ التُّرَابِ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ عَمَلًا بِاعْتِقَادِهِ، لَكِنْ هَلْ لِلْحَاكِمِ مَنْعُهُ لِتَضَرُّرِ غَيْرِهِ بِدُخُولِهِ حَيْثُ يَتَلَوَّثُ الْمَسْجِدُ مِنْهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ اهـ رحمه الله.
أَقُولُ: الْأَقْرَبُ لَا يَمْنَعُهُ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ مَا وَقَعَ بِتَقْلِيدٍ صَحِيحٍ لَا يُعْتَرَضُ مِنْ الْحَاكِمِ عَلَى صَاحِبِهِ وَأَنَّ دَعْوَةَ الْحِسْبَةِ لَا تَدْخُلُ فِي الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ.
وَقَدْ يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنَّ مَحِلَّ ذَاكَ فِيمَا ضَرَرُهُ قَاصِرٌ عَلَى الْمُقَلِّدِ كَمَا لَوْ مَسَّ فَرْجَهُ ثُمَّ صَلَّى لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ، أَمَّا مَا يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إلَى غَيْرِ الْمُقَلِّدِ كَمَا هُنَا فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ مَنْعُهُ.
وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى حَجّ أَنَّ لَهُ مَنْعَهُ حَيْثُ خِيفَ التَّلْوِيثُ، وَيُوَجَّهُ مَا أَفْتَى بِهِ بِأَنَّ عَدَمَ مَنْعِهِ يُلْزِمُ عَلَيْهِ إفْسَادَ عِبَادَةِ غَيْرِهِ اهـ.
وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ) وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ، وَمَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إلَى اسْتِعْمَالِهَا كَاحْتِيَاجِهِ إلَى السِّرْجِينِ (قَوْلُهُ: فَتَجِبُ إرَاقَتُهَا فَوْرًا لِطَلَبِ النَّفْسِ تَنَاوُلَهَا) هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمُحْتَرَمَةِ فَيُزَادُ لِإِخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِ دَاعٍ لِبَقَائِهَا سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ (قَوْلُهُ: حُمِلَتْ عَلَى الثَّانِي) أَيْ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
فِي ذِكْرِ الْمَاءِ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي فِي الْخَبَرَيْنِ أَعَمُّ (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ الشَّرْعِ إلَخْ) تَوْطِئَةٌ لِمَا يَأْتِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَوْلُهُ: حُمِلَتْ عَلَى الثَّانِي) ، وَهُوَ هُنَا حَمْلُ الرِّجْسِ عَلَى خُصُوصِ النَّجِسِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ كُلَّ مُسْتَقْذَرٍ
فَدَلَّ إيمَاؤُهُ لِلْعِلَّةِ بِأَنَّ الَّتِي هِيَ مِنْ صِيَغِ التَّعْلِيلِ عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ نَجِسٌ.
(وَخِنْزِيرٌ) بِكَسْرِ الْخَاءِ لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْكَلْبِ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَنَى بِحَالٍ، وَلِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى قَتْلِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فِيهِ وَمَنْصُوصٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَلَا يَنْتَقِضُ بِالْحَشَرَاتِ وَنَحْوِهَا إذْ لَا تَقْبَلُ الِانْتِفَاعَ وَالِاقْتِنَاءَ، بِخِلَافِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقْبَلُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَجَازَ ذَلِكَ فِي الْكَلْبِ وَامْتَنَعَ فِي الْخِنْزِيرِ لِمَا تَقَدَّمَ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى نَجَاسَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] إذْ الْمُرَادُ جُمْلَتُهُ لِأَنَّ لَحْمَهُ دَخَلَ فِي عُمُومِ الْمَيْتَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ (وَفَرْعَهُمَا) أَيْ فَرْعُ كُلٍّ مِنْهُمَا تَبَعًا لِأَصْلِهِ وَتَغْلِيبًا لِلنَّجَاسَةِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَلَدُ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ فَرْعٌ بِالْوَاسِطَةِ وَإِنْ سَفُلَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ النَّجَسُ أَبًا أَمْ أُمًّا إذْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْفَرْعَ يَتْبَعُ الْأَبَ فِي النَّسَبِ، وَالْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَأَشْرَفَهُمَا فِي الدِّينِ، وَإِيجَابِ الْبَدَلِ وَتَقْرِيرِ الْجِزْيَةِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: مَنْدُوبٌ إلَى قَتْلِهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ عَقُورًا، لَكِنْ فِي الْعُبَابِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وُجُوبُ قَتْلِ الْعَقُورِ وَجَوَازُ قَتْلِ غَيْرِهِ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: أَنَّ الْفَرْعَ يَتْبَعُ الْأَبَ إلَخْ) وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
يَتْبَعُ الْفَرْعُ فِي انْتِسَابٍ أَبَاهُ
…
وَالْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةْ
وَالزَّكَاةَ الْأَخَفَّ وَالدِّينَ الْأَعْلَى
…
وَاَلَّذِي اشْتَدَّ فِي جَزَاءٍ وَدِيَهْ
وَأَخَسَّ الْأَصْلَيْنِ رِجْسًا وَذَبْحًا
…
وَنِكَاحًا وَالْأَكْلَ وَالْأُضْحِيَّهْ
(قَوْلُهُ: وَالْأُمَّ فِي الرِّقِّ) قَدْ يَشْمَلُ بِإِطْلَاقِهِ الْمَوْطُوءَةَ بِالْمِلْكِ مَعَ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَتْبَعُهَا فِي الرِّقِّ قب (قَوْلُهُ: وَأَشْرَفَهُمَا فِي الدِّينِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَوَثَنِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ كِتَابِيٌّ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ، وَلَا يُنَافِيهِ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُتَوَلِّدَةِ بَيْنَهُمَا لِجَوَازِ أَنَّ ذَلِكَ احْتِيَاطًا لِلنِّكَاحِ مَعَ كَوْنِهَا كِتَابِيَّةً، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا كِتَابِيَّةً حِلُّ الْمُنَاكَحَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ عَطْفُ قَوْلِهِ وَإِيجَابُ الْبَدَلِ عَلَيْهِ فِي الْمُتَوَلِّدِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كِتَابِيًّا لَمَا اُحْتِيجَ لِذِكْرِهِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ ذِكْرَهُ لِيُدْخِلَ مَا لَوْ تَوَلَّدَ صَيْدٌ بَيْنَ أَهْلِيٍّ وَوَحْشِيٍّ، فَإِنَّهُ إذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ يَجِبُ فِيهِ الْبَدَلُ، وَحُكْمُهُ لَا يُعْلَمُ مِنْ تَبَعِيَّةِ الْأَشْرَفِ فِي الدِّينِ.
قَالَ حَجّ رحمه الله: وَقَضِيَّةُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْحُكْمِ بِتَبَعِيَّتِهِ الْأَخَسَّ لِأَبَوَيْهِ أَنَّ الْآدَمِيَّ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ آدَمِيٍّ أَوْ آدَمِيَّةٍ وَمُغَلَّظٍ لَهُ حُكْمُ الْمُغَلَّظِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ فِي النَّجَاسَةِ وَنَحْوِهَا، وَبَحْثُ طَهَارَتِهِ نَظَرًا لِصُورَتِهِ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِهِمْ، بِخِلَافِهِ فِي التَّكْلِيفِ لِأَنَّ مَنَاطَهُ الْعَقْلُ، وَلَا يُنَافِيهِ نَجَاسَةُ عَيْنِهِ لِلْعَفْوِ عَنْهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، بَلْ وَإِلَى غَيْرِهِ نَظِيرَ مَا يَأْتِي فِي الْوَشْمِ وَلَوْ بِمُغَلَّظٍ إذَا تَعَذَّرَتْ إزَالَتُهُ فَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَيُمَاسُّ النَّاسَ وَلَوْ مَعَ الرُّطُوبَةِ وَيَؤُمُّهُمْ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةٌ.
وَمَالَ الْإِسْنَوِيُّ إلَى عَدَمِ حِلِّ مُنَاكَحَتِهِ، وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُهُ لِأَنَّ فِي أَحَدِ أَصْلَيْهِ مَا لَا يَحِلُّ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً وَلَوْ لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الدِّينِ، وَقَضِيَّةُ مَا يَأْتِي فِي النِّكَاحِ مِنْ أَنَّ شَرْطَ حِلِّ التَّسَرِّي حِلُّ الْمُنَاكَحَةِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ أَمَتِهِ بِالْمِلْكِ أَيْضًا، لَكِنْ لَوْ قِيلَ بِاسْتِثْنَاءِ هَذَا إذَا تَحَقَّقَ الْعَنَتُ لَمْ يَبْعُدْ اهـ.
وَانْظُرْ لَوْ كَانَتْ أُنْثَى وَتَحَقَّقَتْ الْعَنَتَ فَهَلْ يَحِلُّ لَهَا التَّزَوُّجُ أَمْ لَا لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْغَيْرِ نِكَاحُهَا، لِأَنَّ فِي أَحَدِ أُصُولِهَا مَا لَا يَحِلُّ نِكَاحُهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَتَعَذَّرُ تَزْوِيجُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الصَّبْرُ وَمَنْعُ نَفْسِهَا عَنْ الزِّنَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
وَكَتَبَ سم عَلَى قَوْلِ حَجّ: وَلَوْ آدَمِيًّا تَغْلِيبًا لِلنَّجِسِ هُوَ كَمَا قَالَ: وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَةِ آدَمِيٍّ تَوَلَّدَ بَيْنَ آدَمِيٍّ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ الْكَلْبَ (قَوْلُهُ: فَدَلَّ إيمَاؤُهُ لِلْعِلَّةِ بِأَنَّ) أَيْ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ وَتَشْدِيدِ نُونِهَا (قَوْلُهُ: وَلَا يُنْتَقَضُ) أَيْ التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَنَى (قَوْلُهُ: إذْ لَا تَقْبَلُ الِانْتِفَاعَ وَالِاقْتِنَاءَ) الْمُرَادُ بِالِانْتِفَاعِ هُنَا مَا يُرَادِفُ الِاقْتِنَاءَ فَعَطَفَهُ عَلَيْهِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ، إذْ الْحَشَرَاتُ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْخَوَاصِّ (قَوْلُهُ: الْمُرَادُ جُمْلَتُهُ) أَيْ: فَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ الَّذِي هُوَ أَصْلُ مَنْ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ (قَوْلُهُ: أَيْ فَرْعُ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ مَعَ الْآخَرِ أَوْ مَعَ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، وَقَوْلُهُ تَبَعًا لِأَصْلِهِ يَصِحُّ تَعْلِيلًا لَهُمَا
وَأَخَفَّهُمَا فِي عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَأَخَسَّهُمَا فِي النَّجَاسَةِ وَتَحْرِيمِ الذَّبِيحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ.
(وَمَيِّتَةُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ) وَلَوْ نَحْوَ ذُبَابٍ كَدُودِ خَلٍّ مَعَ شَعْرِهَا وَصُوفِهَا وَوَبَرِهَا وَرِيشِهَا وَعَظْمِهَا وَظِلْفِهَا وَظُفْرِهَا وَحَافِرِهَا وَسَائِرِ أَجْزَائِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] وَتَحْرِيمُ مَا لَيْسَ بِمُحْتَرَمٍ وَلَا مُضِرٍّ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَيْتَةِ شَرْعًا مَا زَالَتْ حَيَاتُهُ لَا بِذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ فَدَخَلَ فِيهَا مُذَكَّى غَيْرِ الْمَأْكُولِ، وَمُذَكَّى الْمَأْكُولِ تَذْكِيَةً غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِ وَالْمُحْرِمِ بِضَمِّ الْمِيمِ، أَمَّا الْمُذَكَّاةُ شَرْعًا فَطَاهِرَةٌ وَلَوْ جَنِينًا فِي بَطْنِهَا وَصَيْدًا لَمْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهُ وَبَعِيرًا نَدَّ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ ذَلِكَ ذَكَاتَهُمَا، أَمَّا الْآدَمِيُّ وَلَوْ كَافِرًا فَطَاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] وَقَضِيَّةُ تَكْرِيمِهِمْ أَنْ لَا يُحْكَمَ بِنَجَاسَتِهِمْ بِالْمَوْتِ وَلِخَبَرِ الْحَاكِمِ «لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا» وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَوْ آدَمِيَّةٍ وَمُغَلَّظٍ فَمَحِلُّهُ فِيمَا ذُكِرَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّ خِلَافًا لِلشَّارِحِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ حِينَئِذٍ وَإِنْ تَكَلَّمَ وَمَيَّزَ وَبَلَغَ مُدَّةَ بُلُوغِ الْآدَمِيِّ إذْ هُوَ بِصُورَةِ الْكَلْبِ: أَيْ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ آدَمِيَّتِهِ، وَلَوْ مُسِخَ آدَمِيٌّ كَلْبًا فَيَنْبَغِي طَهَارَتُهُ اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى مَا يَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ.
وَكَتَبَ سم عَلَى قَوْلِ حَجّ نَظِيرُ مَا يَأْتِي فِي الْوَشْمِ يُتَأَمَّلُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيمَا سَيَأْتِي فِي الْوَشْمِ تَصْرِيحًا بِالْعَفْوِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ إذَا مَسَّهُ مَعَ الرُّطُوبَةِ بِلَا حَاجَةٍ.
وَقَدْ يُؤَيِّدُ عَدَمَ الْعَفْوِ فِي أَنَّهُ لَوْ مَسَّ نَجَاسَةً مَعْفُوَّةً عَلَى غَيْرِهِ مَعَ الرُّطُوبَةِ بِلَا حَاجَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ اهـ سم.
قَالَ حَجّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ وَطِئَ آدَمِيٌّ بَهِيمَةً فَوَلَّدَهَا الْآدَمِيُّ مِلْكٌ لِمَالِكِهَا وَهُوَ مَقِيسٌ اهـ.
أَقُولُ: وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَأْكُولَةً، لِأَنَّ الْمُتَوَلَّدَ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ وَطِئَ خَرُوفٌ آدَمِيَّةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْخَرُوفِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ أُمُّهُ حُرَّةً فَهُوَ حُرٌّ تَبَعًا لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ رَقِيقَةً فَهُوَ مِلْكٌ لِمَالِكِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُجْزِئَ فِي الْكَفَّارَةِ تَبَعًا لِأَخَسِّ أَصْلَيْهِ، كَمَا لَا يُجْزِئُ الْمُتَوَلَّدُ بَيْنَ مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِهِ فِيهَا، بَلْ لَعَلَّ هَذَا أَوْلَى مِنْهُ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ لِانْتِفَاءِ اسْمِ الْآدَمِيِّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى صُورَتِهِ فَتَنَبَّهْ لَهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ.
وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ مَأْكُولَيْنِ مَا هُوَ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّ وَصَارَ مُمَيِّزًا عَاقِلًا هَلْ تَصِحُّ إمَامَتُهُ وَبَقِيَّةُ الْعِبَادَاتِ مِنْهُ وَهَلْ يَجُوزُ ذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا مَاتَ هَلْ يُعْطَى حُكْمَ الْآدَمِيِّ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ بِصِحَّةِ إقَامَتِهِ وَسَائِرِ عِبَادَاتِهِ، وَأَنَّهُ يُعَدُّ مِنْ الْأَرْبَعِينَ فِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّهَا مَنُوطَةٌ بِالْعَقْلِ، وَقَدْ وُجِدَ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ تَبَعًا لِأَصْلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْطَى حُكْمَ الْآدَمِيِّ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ لَا فِي الْحَيَاةِ وَلَا فِي الْمَمَاتِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا يُحْسَبُ مِنْ الْأَرْبَعِينَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّرَدُّدَ فِي أَنَّ الْجُمُعَةَ هَلْ تَنْعَقِدُ مِنْ الْجِنِّ بِحَيْثُ يُحْسَبُونَ مِنْ الْعَدَدِ مَعَ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالِاتِّفَاقِ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الِانْعِقَادِ بِهِمْ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ يُعْلَمُ مِنْهُ بِالْأُولَى عَدَمُ حُسْبَانِهِمْ مِنْ الْعَدَدِ وَإِنْ قُلْنَا بِتَكْلِيفِهِمْ.
(قَوْلُهُ: وَظِلْفِهَا) اسْمٌ لِحَافِرِ الْغَنَمِ وَنَحْوِهِ، وَالظُّفْرُ لِلطَّيْرِ وَالْحَافِرُ لِلْفَرَسِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: وَلَا مُضِرٍّ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: الِاسْتِدْلَال عَلَى نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ بِالْإِجْمَاعِ أَحْسَنُ لِأَنَّ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ ضَرَرًا سم عَلَى بَهْجَةٌ.
وَفِي قَوْلِ الشَّارِحِ: وَلَا مُضِرَّ، تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ الضَّرَرِ عَنْ الْمَيْتَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا حَجّ حَيْثُ قَالَ: وَزَعْمُ إضْرَارِهَا: أَيْ الْمَيْتَةِ مَمْنُوعٌ (قَوْلُهُ: عَلَى نَجَاسَتِهِ) فِي نُسْخَةِ النَّجَاسَةِ (قَوْلُهُ: كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِ) أَيْ وَمَا ذُبِحَ بِالْعَظْمِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: وَالْمُحْرِمُ) أَيْ إذَا كَانَ مَا ذَكَّاهُ صَيْدًا وَحْشِيًّا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، أَمَّا لَوْ كَانَ مَذْبُوحُهُ غَيْرَ وَحْشِيٍّ كَعَنْزٍ مَثَلًا فَلَا يَحْرُمُ.
(قَوْلُهُ: الْآدَمِيُّ إلَخْ) وَمِثْلُ الْآدَمِيِّ الْمَلَكُ وَالْجِنُّ فَإِنَّ مَيْتَتَهُمَا طَاهِرَةٌ، كَذَا بِهَامِشِ شَرْحِ الْبَهْجَةِ بِخَطِّ
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَتَغْلِيبًا لِلنَّجَاسَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا تَعْلِيلًا لِلثَّانِي
(قَوْلُهُ: لَمْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهُ) أَيْ الْمَعْهُودَةُ فَلَا يُنَافِيهِ مَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إلَخْ) ذِكْرُ الْمُؤْمِنِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ كَذَا قَالُوا.
وَقَدْ يُقَالُ: مَا الْمَانِعُ أَنَّ وَجْهَ الدَّلَالَةِ
لَمَا أَمَرَ بِغُسْلِهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ.
لَا يُقَالُ: وَلَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمَا أَمَرَ بِغُسْلِهِ كَسَائِرِ الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: غُسْلُ الطَّاهِرِ مَعْهُودٌ فِي الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ النَّجِسِ، عَلَى أَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ تَكْرِيمُهُ وَإِزَالَةُ الْأَوْسَاخِ عَنْهُ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] الْمُرَادُ نَجَاسَةُ الِاعْتِقَادِ أَوْ أَنَّا نَجْتَنِبُهُمْ كَالنَّجَاسَةِ لَا نَجَاسَةَ الْأَبَدَانِ، وَلِهَذَا «رَبَطَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْأَسِيرَ فِي الْمَسْجِدِ» ، وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْخِلَافُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي غَيْرِ مَيْتَةِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتِ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ: وَفِي غَيْرِ الشَّهِيدِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا مَيْتَةُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى طَهَارَتِهِمَا وَلَوْ كَانَ السَّمَكُ طَافِيًا وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ سَمَكًا، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَسَوَاءٌ أَمَاتَا بِاصْطِيَادٍ أَمْ بِقَطْعِ رَأْسٍ وَلَوْ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ ذَبْحُهُ مِنْ الْكُفَّارِ أَمْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ» .
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» .
وَالْجَرَادُ اسْمُ جِنْسٍ وَاحِدَتُهُ جَرَادَةٌ تُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
(وَ) الْمُسْتَحِيلُ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ نَجِسٌ فَمِنْهُ (دَمٌ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِهَا وَلَوْ تَحَلَّبَ مِنْ سَمَكٍ وَكَبِدٍ وَطِحَالٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام: 145] أَيْ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الزِّيَادِيِّ.
وَفِي فَتَاوَى الشِّهَابِ الرَّمْلِيِّ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ.
أَقُولُ: وَيُوَجَّهُ بِمَا وُجِّهَ بِهِ طَهَارَةُ الْمُتَوَلَّدِ بَيْنَ الْكَلْبِ وَالْآدَمِيِّ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا» حَيْثُ لَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِالْآدَمِيِّ، وَلَا يُشْكِلُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي نَجَاسَةَ الْكَافِرِ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمُؤْمِنِ فِي هَذَا وَنَظَائِرِهِ لَيْسَ لِإِخْرَاجِ الْكَافِرِ بَلْ لِلثَّنَاءِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ النَّجَسِ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ عَظْمَ الْمَيْتَةِ إذَا تَنَجَّسَ بِمُغَلَّظَةٍ وَأُرِيدَ تَطْهِيرُهُ مِنْهُ لِيَرْجِعَ لِأَصْلِهِ لَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّجَسَ لَمْ يُعْهَدْ غَسْلُهُ لِلتَّطْهِيرِ.
وَبِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ صَرَّحَ سم عَلَى حَجّ فِيمَا يَأْتِي حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ: وَإِنْ سَبَّعَ وَتَرَّبَ إلَخْ، يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ وَهُوَ مَا لَوْ بَالَ كَلْبٌ عَلَى عَظْمِ مَيْتَةِ غَيْرِ الْمُغَلَّظَةِ فَغُسِلَ سَبْعًا إحْدَاهَا بِتُرَابٍ فَهَلْ يَطْهُرُ مِنْ حَيْثُ النَّجَاسَةُ الْمُغَلَّظَةُ، حَتَّى لَوْ أَصَابَ ثَوْبًا رَطْبًا مَثَلًا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُحْتَجْ لِتَسْبِيعٍ؟ وَالْجَوَابُ لَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا ذُكِرَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَسْبِيعِ ذَلِكَ الثَّوْبِ اهـ.
لَكِنْ فِي فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ مَا نَصُّهُ: فَرْعٌ: سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ الْإِنَاءِ الْعَاجِ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَوْ نَحْوُهُ وَغُسِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ إحْدَاهَا بِتُرَابٍ، فَهَلْ يُكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ تَطْهِيرِهِ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْعَاجَ يَطْهُرُ بِمَا ذُكِرَ عَنْ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ اهـ مِنْ بَابِ الْأَوَانِي وَهُوَ الْأَقْرَبُ.
(قَوْلُهُ: وَالْخِلَافُ إلَخْ) لَمْ يَتَقَدَّمْ حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِي كَلَامِهِ فِي مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ لَكِنَّهُ ثَابِتٌ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: وَكَذَا مَيْتَةُ الْآدَمِيِّ فِي الْأَظْهَرِ (قَوْلُهُ: وَفِي غَيْرِ الشَّهِيدِ) ضَعِيفٌ (قَوْلُهُ: طَافِيًا) بِأَنْ ظَهَرَ بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ (قَوْلُهُ: حَتْفَ أَنْفِهِ) أَيْ بِأَنْ مَاتَ بِلَا جِنَايَةٍ (قَوْلُهُ: ابْنُ أَبِي أَوْفَى) هُوَ بِتَحْرِيكِ الْوَاوِ كَمَا ضَبَطَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَكِنْ فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ " أَبُو أَوْفَى " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الْفَاءِ مَقْصُورًا اسْمُهُ عَلْقَمَةُ بْنُ خَالِدٍ (قَوْلُهُ: وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ) يُفِيدُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مَرْفُوعًا، وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ حَيْثُ قَالَ: لَكِنَّ الصَّحِيحَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ الْقَائِلَ أُحِلَّتْ لَنَا إلَخْ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما لَكِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَرِوَايَةُ رَفْعِ ذَلِكَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَحْمَدُ: إنَّهَا مُنْكَرَةٌ اهـ (قَوْلُهُ: وَلَوْ تَحَلَّبْ) أَيْ سَالَ (قَوْلُهُ: وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ) أَيْ وَإِنْ سُحِقَا وَصَارَا
ــ
[حاشية الرشيدي]
مِنْهُ لِطَهَارَةِ الْكَافِرِ أَنَّ الْخَصْمَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْكَافِرِ فِي النَّجَاسَةِ بِالْمَوْتِ، فَإِذَا ثَبَتَتْ طَهَارَةُ الْمُسْلِمِ فَالْكَافِرُ مِثْلُهُ لِعَدَمِ الْفَرْقِ اتِّفَاقًا (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ) أَيْ تَبَعًا لِغَيْرِهِ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي كَلَامِ غَيْرِ الشَّارِحِ وَإِلَّا فَابْنُ الْعَرَبِيِّ قَبْلَ الزَّرْكَشِيّ بِكَثِيرٍ، وَالْعِبَارَةُ تُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ
سَائِلًا وَلِخَبَرِ «فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» وَخَرَجَ بِالْمَسْفُوحِ فِي الْآيَةِ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ، وَأَمَّا الدَّمُ الْبَاقِي عَلَى اللَّحْمِ وَعِظَامِهِ مِنْ الْمُذَكَّاةِ فَنَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَفْوَ لَا يُنَافِي النَّجَاسَةَ، فَمُرَادُ مِنْ عَبَّرَ بِطَهَارَتِهِ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
(وَقَيْحٌ) لِكَوْنِهِ دَمًا يَسْتَحِيلُ إلَى نَتِنٍ وَفَسَادٍ وَمَاءِ قَرْحٍ وَنَفْطٍ وَجُدَرِيٍّ مُتَغَيِّرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ.
(وَقَيْءٌ) اتِّفَاقًا وَهُوَ الرَّاجِعُ بَعْدَ الْوُصُولِ إلَى الْمَعِدَةِ وَلَوْ مَاءً وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ كَمَا قَالَاهُ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ وُصُولُهُ لِمَا جَاوَزَ مَخْرَجَ الْحَرْفِ الْبَاطِنِ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ فِيمَا يَظْهَرُ.
نَعَمْ لَوْ رَجَعَ مِنْهُ حَبٌّ صَحِيحٌ صَلَابَتُهُ بَاقِيَةٌ بِحَيْثُ لَوْ زُرِعَ نَبَتَ كَانَ مُتَنَجِّسًا لَا نَجِسًا، وَيُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ نَجَاسَتَهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ تِلْكَ الْقُوَّةِ.
وَمَنْ أَطْلَقَ كَوْنَهُ مُتَنَجِّسًا عَلَى بَقَائِهَا فِيهِ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ الرَّوْثِ، وَقِيَاسُهُ فِي الْبَيْضِ لَوْ خَرَجَ مِنْهُ صَحِيحًا بَعْدَ ابْتِلَاعِهِ بِحَيْثُ تَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ خُرُوجِ الْفَرْخِ أَنْ يَكُونَ مُتَنَجِّسًا لَا نَجِسًا.
وَلَوْ اُبْتُلِيَ شَخْصٌ بِالْقَيْءِ عُفِيَ عَنْهُ مِنْهُ فِي الثَّوْبِ وَغَيْرِهِ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَإِنْ كَثُرَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَجِرَّةً وَمَرَّةً، وَمِثْلُهُمَا سُمُّ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَسَائِرِ الْهَوَامِّ فَيَكُونُ نَجِسًا.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِلَسْعَةِ الْحَيَّةِ لِأَنَّ سُمَّهَا يَظْهَرُ عَلَى مَحِلِّ اللَّسْعَةِ، لَا الْعَقْرَبِ لِأَنَّ إبْرَتَهَا تَغُوصُ فِي بَاطِنِ اللَّحْمِ وَتَمُجُّ السُّمَّ فِي بَاطِنِهِ وَهُوَ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ بُطْلَانِهَا بِالْحَيَّةِ دُونَ الْعَقْرَبِ هُوَ الْأَوْجَهُ، إلَّا إنْ عَلِمَ مُلَاقَاةَ السُّمِّ لِلظَّاهِرِ أَوْ لِمَا لَاقَى سُمَّهَا، وَمَحَلُّ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَرَارَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِيهَا.
أَمَّا هِيَ فَمُتَنَجِّسَةٌ كَالْكَرِشِ فَتَطْهُرُ بِغَسْلِهَا، وَأَمَّا الْخَرَزَةُ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْمَرَارَةِ وَتَسْتَعْمِلُ فِي الْأَدْوِيَةِ فَيَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ فِي الْخَادِمِ نَجَاسَتُهَا لِأَنَّهَا تَجَسَّدَتْ مِنْ النَّجَاسَةِ فَأَشْبَهَتْ الْمَاءَ النَّجِسَ إذَا انْعَقَدَ مِلْحًا، وَالْبَلْغَمُ الصَّاعِدُ مِنْ الْمَعِدَةِ نَجِسٌ، بِخِلَافِ النَّازِلِ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ أَوْ الصَّدْرِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ، وَالْمَاءُ السَّائِلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ نَجِسٌ إنْ كَانَ مِنْ الْمَعِدَةِ كَأَنْ خَرَجَ مُنْتِنًا بِصُفْرَةٍ لَا إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
كَالدَّمِ فِيمَا يَظْهَرُ
(قَوْلُهُ: فَنَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ) صَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالدَّمِ الْبَاقِي عَلَى اللَّحْمِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِطْ بِشَيْءٍ كَمَا لَوْ ذُبِحَتْ شَاةٌ وَقُطِعَ لَحْمُهَا فَبَقِيَ عَلَيْهِ أَثَرٌ مِنْ الدَّمِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ كَمَا يُفْعَلُ فِي الْبَقَرِ الَّتِي تُذْبَحُ فِي الْمَحِلِّ الْمُعَدِّ لِذَبْحِهَا الْآنَ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِإِزَالَةِ الدَّمِ عَنْهَا، فَإِنَّ الْبَاقِيَ مِنْ الدَّمِ عَلَى اللَّحْمِ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ لَا يُعْفَى عَنْهُ وَإِنْ قَلَّ لِاخْتِلَاطِهِ بِأَجْنَبِيٍّ وَهُوَ تَصْوِيرٌ حَسَنٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ، وَلَا فَرْقَ فِي عَدَمِ الْعَفْوِ عَمَّا ذُكِرَ بَيْنَ الْمُبْتَلَى بِهِ كَالْجَزَّارِينَ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَيْءِ عُفِيَ عَنْهُ فِي ثَوْبِهِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَثُرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ، فَقِيَاسُهُ هُنَا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْقَيْءَ لَمَّا كَانَ ضَرُورِيًّا لَهُ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ عُفِيَ عَنْهُ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الدَّمِ لَمَّا كَانَ بِفِعْلِهِ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ وَلَوْ شَكَّ فِي الِاخْتِلَاطِ وَعَدَمِهِ لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ.
(قَوْلُهُ: كَمَا سَيَأْتِي) لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، وَإِلَّا فَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا ذَكَرَ التَّغَيُّرَ بِالرِّيحِ فَقَطْ، أَوْ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى أَنَّ الرِّيحَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِثَالٌ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا فِي التَّغْيِيرِ الدَّالِّ عَلَى النَّجَاسَةِ بَيْنَ الرِّيحِ وَغَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: الْحَرْفِ الْبَاطِنِ) أَيْ وَهُوَ الْحَاءُ الْمُهْمَلَةُ (قَوْلُهُ: بِالْقَيْءِ عُفِيَ عَنْهُ) وَمِثْلُهُ بِالْأَوْلَى لَوْ اُبْتُلِيَ بِدَمِ اللِّثَةِ، وَالْمُرَادُ بِالِابْتِلَاءِ بِهِ أَنْ يَكْثُرَ وُجُودُهُ بِحَيْثُ يَقِلُّ خُلُوُّهُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَجِرَّةً) هِيَ مَا يُخْرِجُهُ الْبَعِيرُ مَثَلًا عِنْدَ الِاجْتِرَارِ (قَوْلُهُ: بِلَسْعَةِ الْحَيَّةِ) وَمِثْلُهَا الثُّعْبَانُ (قَوْلُهُ: فِي الْمَرَارَةِ) لَمْ يُعَبَّرْ فِيمَا مَرَّ بِالْمِرَارِ.
بَلْ بِالْمُرَّةِ، وَهِيَ اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي فِي الْجِلْدَةِ، وَالْجِلْدَةُ تُسَمَّى مَرَارَةٌ.
وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّقْيِيدِ، وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ: الْمَرَارَةُ الَّتِي فِيهَا الْمُرَّةُ (قَوْلُهُ: وَالْبَلْغَمُ الصَّاعِدُ) وَيُعْرَفُ كَوْنُهُ مِنْهَا بِمَا يَأْتِي فِي الْمَاءِ السَّائِلِ مِنْ فَمِ النَّائِمِ (قَوْلُهُ: كَأَنْ خَرَجَ مُنْتِنًا) قَضِيَّةُ عِبَارَتِهِ أَنَّهُ مَعَ النَّتَنِ وَالصُّفْرَةِ يُقْطَعُ بِأَنَّهُ مِنْ الْمَعِدَةِ وَلَا يَكُونُ مِنْ مَحِلِّ الشَّكِّ
ــ
[حاشية الرشيدي]
لِلْإِجْمَاعِ وَسَقَطَتْ الْوَاوُ مِنْ الْكَتَبَةِ
(قَوْلُهُ: مُلَاقَاةُ السُّمِّ لِلظَّاهِرِ) لَعَلَّ صَوَابَ الْعِبَارَةِ مُلَاقَاةُ الظَّاهِرِ لِلسُّمِّ حَتَّى يَنْسَجِمَ مَعَهُ مَا بَعْدَهُ. .
أَوْ شُكَّ فِي أَنَّهُ مِنْهَا أَوْ لَا فَإِنَّهُ طَاهِرٌ، نَعَمْ لَوْ اُبْتُلِيَ بِهِ شَخْصٌ فَالظَّاهِرُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ الْعَفْوُ.
وَالزَّبَادُ طَاهِرٌ.
وَهُوَ لَبَنُ سِنَّوْرٍ بَحْرِيٍّ أَوْ عِرْقُ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ، وَيَتَّجِهُ الْعَفْوُ عَنْ يَسِيرِ شَعْرِهِ عُرْفًا وَلَمْ يُبَيِّنُوا أَنَّ الْمُرَادَ الْقَلِيلُ فِي الْمَأْخُوذِ لِلِاسْتِعْمَالِ أَوْ فِي الْإِنَاءِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ جَامِدًا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِيهِ بِمَحَلِّ النَّجَاسَةِ فَقَطْ، فَإِنْ كَثُرَتْ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ وَإِلَّا عُفِيَ، بِخِلَافِ الْمَائِعِ فَإِنَّ جَمِيعَهُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَإِنْ قَلَّ الشَّعْرُ فِيهِ عُفِيَ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا نَظَرَ لِلْمَأْخُوذِ.
وَالْعَنْبَرُ طَاهِرٌ وَهُوَ نَبْتٌ يَلْفِظُهُ الْبَحْرُ، وَالْمِسْكُ طَاهِرٌ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «الْمِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ» وَكَذَا فَأْرَتُهُ بِشَعْرِهَا إنْ انْفَصَلَتْ فِي حَالِ حَيَاةِ الظَّبْيَةِ وَلَوْ احْتِمَالًا فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ بَعْدَ ذَكَاتِهَا وَإِلَّا فَنَجِسَانِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ فِي الْمِسْكِ قِيَاسًا عَلَى الْإِنْفَحَةِ.
(وَرَوْثٌ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَلَوْ مِنْ طَيْرٍ مَأْكُولٍ أَوْ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً أَوْ سَمَكٍ أَوْ جَرَادٍ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا جِيءَ لَهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَنْجِيَ بِهَا أَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَدَّ الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ وَالرِّكْسُ النَّجَسُ» وَالْعَذِرَةُ وَالرَّوْثُ قِيلَ بِتَرَادُفِهِمَا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّ الْعَذِرَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْآدَمِيِّ وَالرَّوْثُ أَعَمُّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقَدْ يُمْنَعُ بَلْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِغَيْرِ الْآدَمِيِّ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: أَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ مِنْهَا) مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَكَلَ شَيْئًا نَجِسًا أَوْ مُتَنَجِّسًا وَغَسَلَ مَا يَظْهَرُ مِنْ الْفَمِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَلْغَمٌ مِنْ الصَّدْرِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ، لِأَنَّ مَا فِي الْبَاطِنِ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ فَلَا يَنْجُسُ مَا مَرَّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ مُرُورَهُ عَلَى مَحِلٍّ نَجِسٍ (قَوْلُهُ: فَالظَّاهِرُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ الْعَفْوُ) أَيْ وَإِنْ كَثُرَ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَسِيلَ عَلَى مَلْبُوسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْفَى عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ إذَا مَسَّهُ بِلَا حَاجَةٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ سم عَلَى حَجّ: إنَّهُ لَوْ مَسَّ نَجَاسَةً مَعْفُوًّا عَنْهَا عَلَى غَيْرِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهَا فِي حَقِّهِ حَيْثُ كَانَ مَسُّهُ بِلَا حَاجَةٍ اهـ بِالْمَعْنَى.
وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ شَرِبَ مِنْ إنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ أَوْ أَكَلَ مِنْ طَعَامٍ وَمَسَّ الْمِلْعَقَةَ مَثَلًا بِفَمِهِ وَوَضَعَهَا فِي الطَّعَامِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ مَا فِي الْإِنَاءِ مِنْ الْمَاءِ وَلَا مِنْ الطَّعَامِ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ وَلَوْ انْصَبَّ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِهِ شَيْءٌ لَا يُنَجِّسُهُ لِأَنَّا لَمْ نَحْكُمُ بِنَجَاسَةِ الطَّعَامِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ لَبَنُ سِنَّوْرٍ بَحْرِيٍّ) عِبَارَةُ حَجّ: وَهُوَ لَبَنٌ مَأْكُولٌ بَحْرِيٌّ كَمَا فِي الْحَاوِي رِيحُهُ كَالْمِسْكِ وَبَيَاضُهُ بَيَاضُ اللَّبَنِ فَهُوَ طَاهِرٌ (قَوْلُهُ: نَبْتٌ) يُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ.
قَالَ إمَامُنَا الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: كَالرَّافِعِيِّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ فَوَقَعَ إلَى جَزِيرَةٍ، فَنَظَرَ إلَى شَجَرَةٍ مِثْلِ عُنُقِ الشَّاةِ وَإِذَا ثَمَرُهَا عَنْبَرٌ، قَالَ: فَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَكْبُرَ ثُمَّ نَأْخُذَ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَأَلْقَتْهُ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالسَّمَكُ وَدَوَابُّ الْبَحْرِ تَبْتَلِعُهُ أَوَّلَ مَا يَقَعُ لِأَنَّهُ لَيِّنٌ، فَإِذَا ابْتَلَعَتْهُ قَلَّمَا تَسْلَمُ إلَّا قَتَلَتْهَا لِفَرْطِ الْحَرَارَةِ الَّتِي فِيهِ فَإِذَا أَخَذَ الصَّيَّادُ السَّمَكَةَ وَجَدَهُ فِي بَطْنِهَا فَيُقَدِّرُ أَيْ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْهَا وَإِنَّمَا هُوَ ثَمَرٌ نَبَتَ (قَوْلُهُ: يَلْفِظُهُ الْبَحْرُ) وَعِبَارَةُ حَجّ: وَلَيْسَ الْعَنْبَرُ رَوْثًا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ بَلْ هُوَ نَبَاتٌ فِي الْبَحْرِ، فَمَا تَحَقَّقَ مِنْهُ أَنَّهُ مَبْلُوعٌ مُتَنَجَّسٌ لِأَنَّهُ مُتَجَسِّدٌ غَلِيظٌ لَا يَسْتَحِيلُ (قَوْلُهُ: فَأْرَتُهُ) بِالْهَمْزِ وَتَرَكَهُ، بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ بِالْهَمْزِ فَقَطْ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ احْتِمَالًا) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ رَأَى ظَبْيَةً مَيِّتَةً وَفَأْرَةً مُنْفَصِلَةً عِنْدَهَا وَاحْتَمَلَ أَنَّ انْفِصَالَهَا قَبْلَ مَوْتِهَا حُكِمَ بِطَهَارَتِهَا وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِأَنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً قَبْلَ الْمَوْتِ فَتُسْتَصْحَبُ طَهَارَتُهَا وَلَمْ يُعْلَمْ مَا يُزِيلُ الطَّهَارَةَ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَرَوْثٌ) أَيْ وَلَوْ مِنْ الْجِنِّ حَيْثُ تَحَقَّقْنَاهُ رَوْثًا، وَلَوْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ جِنِّيًّا ثَبَتَ لَهُ مَا يَثْبُتُ لَنَا مِنْ الْأَحْكَامِ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا قَالَهُ حَجّ مِنْ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ إلَّا مَا عُلِمَ النَّصُّ بِخِلَافِهِ (قَوْلُهُ: لِمَا رَوَاهُ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْمَحَلِّيُّ بَلْ قَالَ: وَرَوْثٌ بِالْمُثَلَّثَةِ كَالْبَوْلِ اهـ.
وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَهُ حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهِ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ لَعَلَّ الْمَحَلِّيَّ عَدَلَ عَمَّا قَالَهُ الشَّيْخُ إدْخَالًا لَهُ فِي الرَّوْثِ الْمَقِيسِ عَلَى الْبَوْلِ، وَقَوْلُهُ: صلى الله عليه وسلم: هَذَا رِكْسٌ إلَى وَاحِدٍ مِنْ مُطْلَقِ الرَّوْثِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّنْجِيسَ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْحَيَوَانُ الَّتِي هِيَ مِنْهُ، فَيَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ ذَلِكَ النَّوْعِ كَالْحِمَارِ مَثَلًا فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ مُطْلَقِ الرَّوْثِ (قَوْلُهُ: وَالْعَذِرَةُ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَالْعَذِرَةُ وِزَانُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَابْنِ الْأَثِيرِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِذِي الْحَافِرِ قَالَ: وَعَلَيْهِ فَاسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ لَهُ فِي سَائِرِ الْبَهَائِمِ تَوَسُّعٌ انْتَهَى.
وَعَلَى قَوْلِ التَّرَادُفِ فَأَحَدُهُمَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ، وَعَلَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ الرَّوْثُ يُغْنِي عَنْ الْعَذِرَةِ، وَهَلْ الْعَسَلُ خَارِجٌ مِنْ دُبُرِ النَّحْلَةِ أَوْ مِنْ فِيهَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَشْبَهُ الثَّانِي، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ الضَّابِطِ فِي الْخَارِجِ.
(وَبَوْلٌ) لِلْأَمْرِ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ فِي بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ، وَقِيسَ بِهِ سَائِرُ الْأَبْوَالِ، وَأَمَّا «أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم الْعُرَنِيِّينَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ» فَكَانَ لِلتَّدَاوِي، وَهُوَ جَائِزٌ بِصَرْفِ النَّجَاسَةِ غَيْرُ الْخَمْرَةِ، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ الشِّفَاءَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ مَحْمُولٌ عَلَى صَرْفِ الْخَمْرِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ نَجَاسَةَ الْفَضَلَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مَا صَحَّحَاهُ وَحَمَلَ الْقَائِلُ بِذَلِكَ الْأَخْبَارَ الَّتِي يَدُلُّ ظَاهِرُهَا لِلطَّهَارَةِ كَعَدَمِ إنْكَارِهِ صلى الله عليه وسلم شُرْبَ أُمِّ أَيْمَنَ بَوْلَهُ عَلَى التَّدَاوِي، لَكِنْ جَزَمَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ بِطَهَارَتِهَا، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ الْعِمْرَانِيُّ عَنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَصَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَالْبَارِزِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ الَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَلْقَى اللَّهَ بِهِ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: إنَّ بِهِ الْفَتْوَى، وَصَحَّحَهُ الْقَايَاتِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ الْحَقُّ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: تَكَاثَرَتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَدَّهُ الْأَئِمَّةُ فِي خَصَائِصِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى خِلَافِهِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي كُتُبِ كَثِيرٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ عَلَى الْقَوْلِ بِالطَّهَارَةِ انْتَهَى.
وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَحُمِلَ تَنَزُّهُهُ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَمَزِيدِ النَّظَافَةِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيَنْبَغِي طَرْدُ الطَّهَارَةِ فِي فَضَلَاتِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَنَازَعَهُ الْجَوْجَرِيُّ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْحَصَاةُ الَّتِي تَخْرُجُ مَعَ الْبَوْلِ أَوْ بَعْدَهُ أَحْيَانَا وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ الْحَصِيَّةَ، فَأَفْتَى فِيهَا الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ إنْ أَخْبَرَ طَبِيبٌ عَدْلٌ بِأَنَّهَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
كَلِمَةٍ الْخُرْءُ وَلَا يُعْرَفُ تَخْفِيفُهَا، وَتُطْلَقُ الْعَذِرَةُ عَلَى فِنَاءِ الدَّارِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُلْقُونَ الْخُرْءَ فِيهِ، فَهُوَ مَجَازٌ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الظَّرْفِ بِاسْمِ الْمَظْرُوفِ وَالْجَمْعُ عَذِرَاتٌ (قَوْلُهُ: فَأَحَدُهُمَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ) وَعَلَيْهِ فَالْمُتَبَادَرُ أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، لَكِنْ فِي حَجّ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ عَلَى التَّرَادُفِ خَاصٌّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْآدَمِيِّ (قَوْلُهُ: فَعَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ وَعَلَى الثَّانِي يُسْتَثْنَى مِنْ الْقَيْءِ اهـ حَجّ.
وَفِيهِ: وَقِيلَ مِنْ ثُقْبَتَيْنِ تَحْتَ جَنَاحِهَا فَلَا اسْتِثْنَاءَ إلَّا بِالنَّظَرِ إلَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ كَاللَّبَنِ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ الْمَأْكُولِ نَجِسٌ.
(قَوْلُهُ: عَلَى صِرْفِ الْخَمْرِ) أَيْ فَلَا يَجُوز التَّدَاوِي بِهِ، بِخِلَافِ صِرْفٍ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ حَيْثُ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ عَلَى مَا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: بِطَهَارَتِهَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَمَا كَانَ بَعْدَهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ تَكْرِيمًا لَهُ صلى الله عليه وسلم، وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ بِنَاءً عَلَى إلْحَاقِهِمْ بِنَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم كَمَا يَأْتِي، وَصُورَةُ مَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ أَنْ يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ فَضَلَاتِهِ الْحَاصِلَةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ إلَى مَا بَعْدَهَا، أَوْ ثَوْبًا مَثَلًا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْهَا وَبَقِيَ بِلَا غَسْلٍ لِمَا بَعْدَ النُّبُوَّةِ (قَوْلُهُ: الْعِمْرَانِيُّ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ نِسْبَةٌ إلَى الْعِمْرَانِيَّةِ قَرْيَةٌ بِنَاحِيَةِ الْمُوصِلِ أَنْسَابٌ لِلسُّيُوطِيِّ (قَوْلُهُ: طَرْدُ الطَّهَارَةِ) هَذَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ طَهَارَتِهَا حِلُّ تَنَاوُلِهَا فَيَنْبَغِي تَحْرِيمُهُ إلَّا لِغَرَضٍ كَالْمُدَاوَاةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّهَارَةِ أَيْضًا احْتِرَامُهَا بِحَيْثُ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا لَوْ وُجِدَتْ بِأَرْضٍ، وَعَلَيْهِ فَيَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهَا إذَا جَمَدَتْ (قَوْلُهُ: سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: طَبِيبٌ) وَلَعَلَّ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْخَرَزَةِ عَلَى مَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُهُ فِيمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهَا إخْبَارُ طَبِيبٍ بِانْعِقَادِهَا مِنْ النَّجَسِ أَنَّ وُجُودَهَا فِي الْمَرَارَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ قَرِينَةٌ عَلَى انْعِقَادِهَا مِنْ النَّجَسِ دُونَ الْخُصْيَةِ لِجَوَازِ دُخُولِهَا إلَى الْجَوْفِ مِنْ خَارِجٍ كَدُخُولِهَا فِي الْمَاءِ الْمَشْرُوبِ، أَوْ أَنَّهَا كَمَا نَقَلَهُ سم عَنْ وَالِدِ الشَّارِحِ: حَجَرٌ خَلَقَهُ اللَّهُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: فَعَلَى الْأَوَّلِ يُسْتَثْنَى ذَلِكَ إلَخْ) أَيْ وَعَلَى الثَّانِي يُسْتَثْنَى مِنْ الْقَيْءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: مِنْ الضَّابِطِ) أَيْ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِهِمْ فِي الْخَارِجِ مِنْ الدُّبُرِ
مُنْعَقِدَةٌ مِنْ الْبَوْلِ فَنَجِسَةٌ وَإِلَّا فَمُتَنَجِّسَةٌ لِدُخُولِهَا فِي الْجَمَادِ الْمُتَقَدِّمِ حِينَئِذٍ.
(وَمَذْيٌ) بِالْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِهَا، وَقِيلَ بِكَسْرِهَا مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ وَبِكَسْرِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ لِلْأَمْرِ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه، وَهُوَ مَاءٌ أَصْفَرُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ بِلَا شَهْوَةٍ عِنْدَ فَوَرَانِهَا، وَفِي تَعْلِيقِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الشِّتَاءِ أَبْيَضَ ثَخِينًا وَفِي الصَّيْفِ أَصْفَرَ رَقِيقًا، وَرُبَّمَا لَا يُحَسُّ بِخُرُوجِهِ، وَهُوَ أَغْلَبُ فِي النِّسَاءِ مِنْهُ فِي الرِّجَالِ خُصُوصًا عِنْدَ هَيَجَانِهِنَّ.
(وَوَدِيٌّ) بِالْمُهْمَلَةِ وَقِيلَ بِالْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِهَا وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ، وَقِيلَ وَتَشْدِيدِهَا بِالْإِجْمَاعِ فِيهِمَا وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ ثَخِينٌ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ أَوْ عِنْدَ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ.
(وَكَذَا مَنِيِّ غَيْرِ الْآدَمِيِّ) وَنَحْوِ الْكَلْبِ (فِي الْأَصَحِّ) كَسَائِرِ الْمُسْتَحِيلَاتِ.
أَمَّا مَنِيُّ نَحْوِ الْكَلْبِ فَنَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَأَمَّا مَنِيُّ الْآدَمِيِّ فَطَاهِرٌ فِي الْأَظْهَرِ، لِأَنَّهُ أَصْلُهُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ وَهُوَ لَا يُؤَثِّرُ، فَالْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَسَوَاءٌ فِي الطَّهَارَةِ مَنِيُّ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ فَيَنْجُسُ وَالْمَجْبُوبِ وَالْمَمْسُوحِ، فَكُلُّ مَنْ تَصَوَّرَ لَهُ مَنِيٌّ مِنْهُمْ كَانَ كَغَيْرِهِ، وَخَرَجَ مَنْ لَا يُمْكِنُ بُلُوغُهُ لَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنِيٍّ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها كَانَتْ تَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ» ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «فَيُصَلِّي فِيهِ» .
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ فَضَلَاتِهِ صلى الله عليه وسلم.
وَأُجِيبُ بِصِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مُطْلَقًا وَلَوْ قُلْنَا بِطَهَارَةِ فَضَلَاتِهِ، لِأَنَّ مَنِيَّهُ عليه السلام كَانَ مِنْ جِمَاعٍ فَيُخَالِطُ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ فَلَوْ كَانَ مَنِيُّهَا نَجَسًا لَمْ يُكْتَفَ فِيهِ بِفَرْكِهِ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَنِيِّهِ فَيُنَجِّسُهُ، وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ نَجِسٌ مُطْلَقًا لِاسْتِحَالَتِهِ فِي الْبَاطِنِ، وَقِيلَ بِنَجَاسَتِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِهَا، وَلَوْ بَال الشَّخْصُ وَلَمْ يَغْسِلْ مَحِلَّهُ تَنَجَّسَ مَنِيُّهُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَجْمِرًا بِالْأَحْجَارِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ جَامَعَ رَجُلٌ مَنْ اسْتَنْجَتْ بِالْأَحْجَارِ تَنَجَّسَ مَنِيُّهُمَا،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فِي هَذَا الْمَحِلِّ وَلَيْسَ مُنْعَقِدًا مِنْ نَفْسِ الْبَوْلِ اهـ.
لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِهِ فِي الْخَرَزَةِ فَلَا يَتِمُّ الْفَرْقُ.
قَوْلُهُ: بِالْمُعْجَمَةِ) وَيَجُوزُ إهْمَالُهَا ابْنُ حَجَرٍ (قَوْلُهُ: عِنْدَ هَيَجَانِهِنَّ) أَيْ هَيَجَانِ شَهْوَتِهِنَّ
(قَوْلُهُ: أَوْ عِنْدَ حَمْلِ شَيْءٍ. إلَخْ) أَيْ فَلَا يَخْتَصُّ بِالْبَالِغِينَ، وَأَمَّا الْمَذْيُ فَيُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُهُ بِالْبَالِغِينَ لِأَنَّ خُرُوجَهُ نَاشِئٌ عَنْ الشَّهْوَةِ.
(قَوْلُهُ: وَغَايَتُهُ) أَيْ غَايَةُ غَايَةِ الْخَارِجِ مِنْ الْخُنْثَى (قَوْلُهُ: بِنَجَاسَةٍ) أَيْ مِنْ الْخُنْثَى (قَوْلُهُ: لَوْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ) أَيْ عَلَى صُورَةِ الْمَنِيِّ، وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلُ " شَيْءٍ " مَنِيٍّ، وَيُنَافِيهَا قَوْلُهُ: لَيْسَ بِمَنِيٍّ (قَوْلُهُ: لَيْسَ بِمَنِيٍّ) أَيْ وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ خَوَاصُّ الْمَنِيِّ، لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ كَنَظِيرِهِ فِي الْمَنِيِّ يَقْتَضِي خِلَافَهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا يَأْتِي مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا خَرَجَ فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ فِيهِ مَنِيًّا، لَكِنْ فِي قم الْجَزْمُ بِنَجَاسَتِهِ حَيْثُ خَرَجَ فِي دُونِ التِّسْعِ، وَوَجْهُهُ بِأَنَّ الْمَنِيَّ إنَّمَا حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ لِكَوْنِهِ مَنْشَأٌ لِلْآدَمِيِّ وَفِيمَا دُونَ التِّسْعِ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ مُطَّرِدٌ فِيمَا وُجِدَتْ فِيهِ خَوَاصُّ الْمَنِيِّ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: كَانَ مِنْ جِمَاعٍ) أَيْ لَا مِنْ احْتِلَامٍ وَلَا أَثَرَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ خَرَجَ بِمَرَضٍ أَوْ غَزَارَةِ مَنِيٍّ لِأَنَّهُ نَادِرٌ (قَوْلَةُ مَنْ اسْتَنْجَتْ بِالْأَحْجَارِ) وَكَذَا
ــ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: بِالْمُعْجَمَةِ إلَخْ) قَالَ الدَّمِيرِيِّ فِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: أَفْصَحُهَا إسْكَانُ الذَّالِ، وَثَانِيهَا كَسْرُهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَثَالِثُهَا كَسْرُهَا مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ كَشَجَّ وَعَمَّ (قَوْلُهُ بِلَا شَهْوَةٍ) أَيْ قَوِيَّةٍ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ فَلَا يُنَافِيهِ مَا بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ بِالْمُهْمَلَةِ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِلشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ بِمُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ، وَيُقَالُ بِالْمُعْجَمَةِ وَبِكَسْرِ الدَّالِ مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ
(قَوْلُهُ: رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً إلَخْ) تَعْمِيمٌ فِي الْآدَمِيِّ الْخَارِجِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَغَايَتُهُ) أَيْ مَنِيُّ الْخُنْثَى (قَوْلُهُ: لَمْ يَكْتَفِ فِيهِ) أَيْ فِي مَنِيِّهِ (قَوْلُهُ: وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ نَجِسٌ مُطْلَقًا) صَرِيحٌ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ فِي أَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَنَّهُ لِمُطْلَقِ الْمَنِيِّ الشَّامِلِ لِمَنِيِّ الْآدَمِيِّ، وَفِيهِ أُمُورٌ مِنْهَا أَنَّهُ قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى مَنِيِّ الْآدَمِيِّ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْآدَمِيِّ أَقْوَالٌ، لَا أَوْجُهٌ مِنْهَا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِجَعْلِ خُصُوصِ هَذَا مُقَابِلَ الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مُقَابِلِ الْأَصَحِّ مَا سَيَأْتِي تَصْحِيحُهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَمَا بَعْدَهُ
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْجُسُ ذَكَرُهُ (قُلْت: الْأَصَحُّ طَهَارَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعُ أَحَدِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِكَوْنِهِ أَصْلُ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ كَالْبَيْضِ فَأَشْبَهَ مَنِيَّ الْآدَمِيِّ.
وَيُسَنُّ غَسْلُ الْمَنِيِّ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ طَهَارَتُهُ مِنْ الْمَأْكُولِ وَنَجَاسَتُهُ مِنْ غَيْرِهِ كَاللَّبَنِ وَالْبَيْضِ الْمَأْخُوذِ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ وَإِنْ لَمْ يُؤْكَلْ طَاهِرٌ، وَمِثْلُهُ الْمَأْخُوذُ مِنْ مَيْتَةٍ إنْ كَانَ مُتَصَلِّبًا، وَبَزَرَ الْقَزِّ طَاهِرٌ.
وَلَوْ اسْتَحَالَتْ الْبَيْضَةُ دَمًا وَصَلُحَ لِلتَّخَلُّقِ فَطَاهِرَةٌ وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَبَنُ مَا لَا يُؤْكَلُ غَيْرُ) لَبَنِ (الْآدَمِيِّ) كَلَبَنِ الْأَتَانِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْمُسْتَحِيلَاتِ فِي الْبَاطِنِ، أَمَّا لَبَنُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَلَبَنِ الْفَرَسِ وَإِنْ وَلَدَتْ بَغْلًا فَطَاهِرٌ.
وَكَذَا لَبَنُ الشَّاةِ أَوْ الْبَقَرَةِ إذَا أَوْلَدَهَا كَلْبٌ أَوْ خِنْزِيرٌ فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ فِي خَادِمِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ لَبَنِ الْبَقَرَةِ وَالْعِجْلَةِ وَالثَّوْرِ وَالْعِجْلِ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ أَوْ لَا إنْ وُجِدَتْ فِيهِ خَوَاصُّ اللَّبَنِ كَنَظِيرِهِ فِي الْمَنِيِّ.
أَمَّا مَا أُخِذَ مِنْ ضَرْعِ بَهِيمَةٍ مَيْتَةٍ فَإِنَّهُ نَجِسٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالْأَصْلُ فِي طَهَارَةِ مَا ذُكِرَ قَوْله تَعَالَى {لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66] .
وَأَمَّا لَبَنُ الْآدَمِيِّ فَطَاهِرٌ أَيْضًا إذْ لَا يَلِيقُ بِكَرَامَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَنْشَؤُهُ نَجِسًا، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النِّسْوَةَ أُمِرْنَ فِي زَمَنٍ بِاجْتِنَابِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ ذَكَرٍ أَمْ أُنْثَى وَلَوْ صَغِيرَةً لَمْ تَسْتَكْمِلْ تِسْعَ سِنِينَ أَمْ مُشْكِلٍ قِيَاسًا عَلَى الذَّكَرِ، وَأَوْلَى انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهِ أَمْ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّ التَّكْرِيمَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
لَوْ كَانَ هُوَ مُسْتَجْمِرًا بِالْحَجَرِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ جِمَاعُهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ وَلَا تَصِيرُ بِالِامْتِنَاعِ نَاشِزَةً، وَعَلَيْهِ لَوْ فَقَدَ الْمَاءَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ وَلَا يَكُونُ فَقْدُهُ عُذْرًا فِي جَوَازِهِ.
نَعَمْ إنْ خَافَ الزِّنَا اتَّجَهَ أَنَّهُ عُذْرٌ فَيَجُوزُ الْوَطْءُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَجْمِرُ بِالْحَجَرِ الرَّجُلَ أَوْ الْمَرْأَةَ.
وَيَجِبُ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُسْتَجْمِرًا بِالْحَجَرِ وَهِيَ بِالْمَاءِ (قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ وَعَلَيْهَا أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ غَسْلُ الْمَنِيِّ) أَيْ مُطْلَقًا رَطْبًا كَانَ أَوْ جَافًّا، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ مَا قَالَهُ حَجّ عَنْ الْمَحَامِلِيِّ.
قُلْت: لَوْ قِيلَ بِاسْتِحْبَابِهِ مُطْلَقًا خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، لَكِنْ يُعَارِضُهُ أَنَّ مَحِلَّ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ مَا لَمْ تَثْبُتْ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ بِخِلَافِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ فَرْكُهُ يَابِسًا هُنَا فَلَا يُلْتَفَتُ لِخِلَافِهِ.
وَقَالَ حَجّ: وَيُسَنُّ غَسْلُهُ رَطْبًا وَفَرْكُهُ يَابِسًا لَكِنَّ غَسْلَهُ أَفْضَلُ اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَأَمَّلَ مَعْنَى اسْتِحْبَابِ فَرْكِهِ مَعَ كَوْنِ غَسْلِهِ أَفْضَلَ، فَإِنَّ كَوْنَ الْغَسْلِ أَفْضَلَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْفَرْكَ خِلَافُ الْأَوْلَى، فَكَيْفَ يَكُونُ سُنَّةً إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُمَا سُنَّتَانِ إحْدَاهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْأُخْرَى كَمَا قِيلَ فِي الْإِقْعَاءِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ إنَّهُ سُنَّةٌ وَالِافْتِرَاشُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ: أَعْنِي حَجّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيُسَنُّ مَسْحُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ خُطُوطًا مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَنْ قَالَ: الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: وَالْأَكْمَلُ مَسْحُ أَعْلَاهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ سُنَّةٌ بِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ عَجِيبٌ اهـ.
فَأَفَادَ أَنَّ الْأَكْمَلَ وَالسُّنَّةَ بِمَعْنًى، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَفْضَلَ كَالْأَكْمَلِ وَلَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ غَسْلُهُ رَطْبًا إلَخْ عِبَارَةُ شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَيُسَنُّ غَسْلُهُ رَطْبًا وَفَرْكُهُ يَابِسًا لِحَدِيثٍ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَلَا نَظَرَ لِعَدَمِ إجْزَاءِ الْفَرْكِ عِنْدَ الْمُخَالِفِ لِمُعَارَضَتِهِ لِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ (قَوْلُهُ: مُتَصَلِّبًا) أَيْ أَمَّا الْخَارِجُ فِي الْحَيَاةِ وَالْمَأْخُوذُ مِنْ الْمُذَكَّاةِ فَطَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَتَصَلَّبْ كَالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَا) مِنْ ذَلِكَ الْبَيْضُ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ الْحَيَوَانِ بِلَا كَبْسِ ذَكَرٍ فَإِنَّهُ إذَا صَارَ دَمًا كَانَ نَجِسًا لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي مِنْهُ حَيَوَانٌ اهـ حَجّ بِالْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ: الْآدَمِيِّ) أَيْ وَالْجِنِّيِّ أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: خَوَاصُّ اللَّبَنِ)
ــ
[حاشية الرشيدي]
كَمَا لَا وَجْهَ لِجَعْلِ مُقَابِلِ الْأَصَحِّ الْآتِي مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَصَنِيعُهُ. هُنَا فِيهِ اخْتِلَالٌ مِنْ وُجُوهٍ يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَةِ كَلَامِهِمْ. وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: وَأَمَّا الْمَنِيُّ فَمَنِيُّ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ. وَقِيلَ فِيهِ قَوْلَانِ. وَقِيلَ الْقَوْلَانِ فِي مَنِيِّ الْمَرْأَةِ خَاصَّةً، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مَنِيُّ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فَمِنْ الْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعُ أَحَدِهِمَا نَجِسٌ، وَمِنْ غَيْرِهِمَا فِيهِ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا نَجِسٌ وَالثَّانِي طَاهِرٌ وَالثَّالِثُ طَاهِرٌ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ نَجِسٌ مِنْ غَيْرِهِ كَاللَّبَنِ. قُلْت: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَالْأَكْثَرِينَ الْوَجْهُ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَتْ.
الثَّابِتَ لِلْآدَمِيِّ الْأَصْلُ شُمُولُهُ لِلْجَمِيعِ وَلِأَنَّهُ أَوْلَى بِالطَّهَارَةِ مِنْ الْمَنِيِّ.
وَقَدْ يَشْمَلُ ذَلِكَ تَعْبِيرُ الصَّيْمَرِيِّ بِقَوْلِهِ: أَلْبَانُ الْآدَمِيِّينَ وَالْآدَمِيَّاتِ لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ فِي طَهَارَتِهَا وَجَوَازِ بَيْعِهَا.
وَالْإِنْفَحَةُ طَاهِرَةٌ وَهِيَ لَبَنٌ فِي جَوْفٍ نَحْوَ سَخْلَةٍ فِي جِلْدَةٍ تُسَمَّى إنْفَحَةٌ أَيْضًا إنْ كَانَتْ مِنْ مُذَكَّاةٍ لَمْ تُطْعَمْ غَيْرَ اللَّبَنِ، وَسَوَاءٌ فِي اللَّبَنِ لَبَنُ أُمِّهَا أَمْ غَيْرُهُ شَرِبَتْهُ أَمْ سُقِيَ لَهَا كَانَ طَاهِرًا أَمْ نَجِسًا وَلَوْ مِنْ نَحْوِ كَلْبَةٍ خَرَجَ عَلَى هَيْئَتِهِ حَالًّا أَمْ لَا، وَلَا فَرْقَ فِي طَهَارَتِهَا عِنْدَ تَوَفُّرِ الشُّرُوطِ بَيْنَ مُجَاوَزَتِهَا زَمَنًا تُسَمَّى فِيهِ سَخْلَةً أَوْ لَا فِيمَا يَظْهَرُ، وَقَدْ ذَكَرْت الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُسْلِ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيِّ بَعْدَ حَوْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ سِوَى اللَّبَنَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
نَعَمْ يُعْفَى عَنْ الْجُبْنِ الْمَعْمُولِ بِالْإِنْفَحَةِ مِنْ حَيَوَانٍ تَغَذَّى بِغَيْرِ اللَّبَنِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إذْ مِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ وَأَنَّ الْأَمْرَ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وَصَرَّحَ الْأَئِمَّةُ بِالْعَفْوِ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ الْمَشَقَّةُ فِيهَا أَخَفُّ مِنْ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ.
(وَالْجُزْءُ الْمُنْفَصِلُ) بِنَفْسِهِ أَوْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ (مِنْ) الْحَيَوَانِ (الْحَيِّ)(كَمَيْتَتِهِ) طَهَارَةً وَضِدَّهَا لِخَبَرِ «مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ» فَالْيَدُ مِنْ الْآدَمِيِّ طَاهِرَةٌ وَلَوْ مَقْطُوعَةً فِي سَرِقَةٍ أَوْ كَانَ الْجُزْءُ مِنْ سَمَكٍ أَوْ جَرَادٍ وَمِنْ نَحْوِ الشَّاةِ نَجِسَةٌ، وَمِنْهُ الْمَشِيمَةُ الَّتِي فِيهَا الْوَلَدُ طَاهِرَةٌ مِنْ الْآدَمِيِّ، نَجِسَةٌ مِنْ غَيْرِهِ.
أَمَّا الْمُنْفَصِلُ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَهُ حُكْمُ مَيْتَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ جِلْدِ نَحْوِ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ فِي حَيَاتِهَا بِطَهَارَتِهِ كَالْعَرَقِ: أَيْ بِخِلَافِ سُمِّهَا كَمَا مَرَّ وَكَلَامُهُمْ يُخَالِفُهُ (إلَّا شَعْرَ الْمَأْكُولِ فَطَاهِرٌ) بِالْإِجْمَاعِ فِي الْمَجْزُوزِ وَعَلَى الصَّحِيحِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
لَمْ يُبَيِّنْ خَوَاصَّهُ الَّتِي تُوجَدُ فِيهِ وَلَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: فِي جِلْدَةٍ) قَالَ: أَمَّا إذَا قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ لَا أَدْرِي أَمَأْكُولَةٌ أَمْ لَا؟ قَالَ الرُّويَانِيُّ: تُؤْكَلُ بِرّ اهـ سم عَلَى بَهْجَةٌ.
وَعِبَارَةُ حَجّ: وَجِلْدَةُ الْإِنْفَحَةِ مِنْ مَأْكُولٍ طَاهِرَةٌ تُؤْكَلُ، وَكَذَا مَا فِيهَا إنْ أُخِذَتْ مِنْ مَذْبُوحٍ لَمْ يَأْكُلْ غَيْرَ اللَّبَنِ وَإِنْ جَاوَزَ سَنَتَيْنِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطِّفْلِ الْآتِي غَيْرُ خَفِيٍّ (قَوْلُهُ: أَوْلَى) وَإِنْ جَاوَزَتْ الْحَوْلَيْنِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُعْفَى إلَخْ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْعَفْوِ الطَّهَارَةَ اهـ م ر عَلَى الْعُبَابِ: أَيْ فَتَصِحُّ صَلَاةُ حَامِلِهِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الْفَمِ مِنْهُ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَلْ يَلْحَقُ بِالْإِنْفَحَةِ الْخُبْزُ الْمَخْبُوزُ بِالسِّرْجِينِ أَمْ لَا؟ الظَّاهِرُ الْإِلْحَاقُ كَمَا نَقَلَ عَنْ الزِّيَادِيِّ بِالدَّرْسِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ) أَيْ وَلَا يُكَلَّفُ غَيْرَهُ إذَا سَهُلَ تَحْصِيلُهُ (قَوْلُهُ: وَأَنَّ الْأَمْرَ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ) أَيْ وَمِنْ قَوَاعِدِهِ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا اتَّسَعَ ضَاقَ: أَيْ إذَا كَثُرَ الْوُقُوعُ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَكَادُ يُتَخَلَّفُ عَادَةً عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَحَرَكَةِ الْيَدِ فِي الصَّلَاةِ أَبْطَلُوهَا بِثَلَاثَةِ أَفْعَالٍ مُتَوَالِيَةٍ وَلَوْ سَهْوًا.
وَعِبَارَةُ حَجّ عَلَى الْعُبَابِ: وَمِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيِّ الرَّشِيقَةِ: " إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ ".
وَقَدْ أَجَابَ بِهَا لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ أَوَانِي الْخَزَفِ الْمَعْمُولَةِ بِالسِّرْجِينِ ثُمَّ قَالَ: وَوَضَعَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فَقَالَ: لَمَّا وُضِعَتْ الْأَشْيَاءُ فِي الْأُصُولِ عَلِمُوا أَنَّهَا إذَا اتَّسَعَتْ ضَاقَتْ وَإِذَا ضَاقَتْ اتَّسَعَتْ، وَمَثَّلَ لِمَا اضْطَرَّ بِقَلِيلِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ سُومِحَ بِهِ بِخِلَافِ كَثِيرِهِ مِمَّا لَمْ يُحْتَجْ لَهُ لَمْ يُسَامَحْ بِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْجُزْءُ الْمُنْفَصِلُ إلَخْ) اُنْظُرْ لَوْ اتَّصَلَ الْجُزْءُ الْمَذْكُورُ بِأَصْلِهِ وَحَلَّتْهُ الْحَيَاةُ هَلْ يَطْهُرُ وَيُؤْكَلُ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ أَوْ لَا؟ وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ أَحْيَا اللَّهُ الْمَيْتَةَ ثُمَّ ذُكِّيَتْ وَلَا يَظْهَرُ فِي هَذِهِ إلَّا الْحِلُّ فَكَذَا الْأَوْلَى شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ (قَوْلُهُ: كَالْعَرَقِ) وَفِيهِ نَظَرٌ لِبُعْدِ تَشْبِيهِهِ بِالْعَرَقِ، بَلْ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَجَسِّدٌ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ كَمَيِّتَتِهِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَكَلَامُهُمْ يُخَالِفُهُ)
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: نَعَمْ يُعْفَى إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِهِ لِلْعُبَابِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ بَعْضُهُمْ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْعَفْوِ الطَّهَارَةَ انْتَهَى. وَكَانَ الضَّمِيرُ فِي مُرَادِهِ رَاجِعٌ لِوَالِدِهِ الَّذِي أَفْتَى بِذَلِكَ فَلْتُرَاجَعْ عِبَارَتُهُ، وَعَلَيْهِ فَالْجُبْنُ طَاهِرٌ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا
(قَوْلُهُ: أَوْ كَانَ الْجُزْءُ) لَمْ يَظْهَرْ مَا هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ.
فِي الْمُنْتَتَفِ وَصُوفِهِ وَوَبَرِهِ وَرِيشِهِ مِثْلُهُ سَوَاءٌ انْتَتَفَ مِنْهُ أَمْ اُنْتُتِفَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا أُخِذَ حَالَ الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ وَهُوَ مُخَصَّصٌ لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ، وَالشَّعْرُ الْمَجْهُولُ انْفِصَالُهُ هَلْ هُوَ فِي حَالِ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ أَوْ كَوْنُهُ مَأْكُولًا أَوْ غَيْرُهُ طَاهِرٌ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَقِيَاسُهُ أَنَّ الْعَظْمَ كَذَلِكَ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْجَوَاهِرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَأَيْنَا قِطْعَةَ لَحْمٍ مُلْقَاةٍ وَشَكَكْنَا هَلْ هِيَ مِنْ مُذَكَّاةٍ أَوْ لَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّذْكِيَةِ، وَلَوْ قُطِعَ عُضْوٌ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ وَعَلَيْهِ شَعْرٌ فَهُوَ نَجِسٌ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ مَعَ الشَّعْرِ شَيْءٌ مِنْ أُصُولِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ مَعَ رُطُوبَةٍ فَهُوَ مُتَنَجِّسٌ يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(وَلَيْسَتْ الْعَلَقَةُ) وَهِيَ دَمٌ غَلِيظٌ يَسْتَحِيلُ إلَيْهِ الْمَنِيُّ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَعْلَقُ لِرُطُوبَتِهَا بِمَا تُلَاقِيهِ (وَالْمُضْغَةُ) وَهِيَ لَحْمَةٌ مُنْعَقِدَةٌ مِنْ ذَلِكَ.
سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا بِقَدْرِ مَا يُمْضَغُ (وَرُطُوبَةُ الْفَرْجِ) وَهِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْمَذْيِ وَالْعَرَقِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ أَنَّ الْخَارِجَةَ مِنْ بَاطِنِ الْفَرْجِ نَجِسَةٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا مَتَى خَرَجَتْ مِنْ مَحِلٍّ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَهِيَ نَجِسَةٌ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَالشَّعْرُ) وَمِثْلُهُ اللَّبَنُ قح وَعِبَارَتُهُ: لَوْ شُكَّ فِي اللَّبَنِ أَمِنْ مَأْكُولٍ أَوْ آدَمِيٍّ أَوْ لَا، فَهُوَ طَاهِرٌ خِلَافًا لِلْأَنْوَارِ وَإِنْ كَانَ مُلْقًى فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ.
وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِحِفْظِ مَا يُلْقَى مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ، بِخِلَافِ اللَّحْمَةِ فَلِهَذَا فَصَّلَ فِيهَا تَفْصِيلَهَا الْمَعْرُوفَ (قَوْلُهُ: مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَهُ) وَمِنْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي مِصْرِنَا مِنْ الْفِرَاءِ الَّتِي تُبَاعُ وَلَا يُعْرَفُ أَصْلُ حَيَوَانِهَا الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ هَلْ هُوَ مَأْكُولُ اللَّحْمِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ أُخِذَ مِنْهُ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ (قَوْلُهُ: فِي الْجَوَاهِرِ) أَيْ وَإِنْ وَجَدَهُ مَرْمِيًّا فَلَيْسَ كَاللَّحْمِ " قح " وَعِبَارَتُهُ عَلَى حَجّ قَوْلُهُ: وَقِيَاسُهُ إلَخْ: أَيْ وَإِنْ كَانَ مَرْمِيًّا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِرَمْيِ الْعَظْمِ الطَّاهِرِ م ر (قَوْلُهُ: قِطْعَةَ لَحْمٍ) عِبَارَتُهُ عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَبَقَ وَلَوْ أُخْبِرَ بِتَنَجُّسِهِ إلَخْ، نَصُّهَا:" وَلَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ فِي إنَاءٍ أَوْ خِرْقَةٍ بِبَلَدٍ لَا مَجُوسَ فِيهِ فَهِيَ طَاهِرَةٌ أَوْ مَرْمِيَّةٌ مَكْشُوفَةٌ فَنَجِسَةٌ أَوْ فِي إنَاءٍ أَوْ خِرْقَةٍ وَالْمَجُوسُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ الْمُسْلِمُونَ أَغْلَبَ فَكَذَلِكَ، فَإِنْ غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ فَطَاهِرَةٌ ".
(قَوْلُهُ: بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ) أَيْ فَلَوْ كَانَ يَسِيرًا لَا وَقْعَ لَهُ كَقِطْعَةِ لَحْمٍ يَسِيرَةٍ انْفَصَلَتْ مَعَ الرِّيشِ لَمْ يَضُرَّ وَيَكُونُ الرِّيشُ طَاهِرًا م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: تَعْلَقُ) مِنْ بَابِ طَرِبَ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَرُطُوبَةُ الْفَرْجِ) وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا يُلَاقِيهِ بَاطِنُ الْفَرْجِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ هَلْ يَتَنَجَّسُ بِذَلِكَ فَيَتَنَجَّسُ بِهِ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ أَوْ لَا؟ لِأَنَّ مَا فِي الْبَاطِنِ لَا يُنَجِّسُ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ نَجِسٌ كَالنَّجَاسَاتِ الَّتِي فِي الْبَاطِنِ فَإِنَّهَا مَحْكُومٌ بِنَجَاسَتِهَا، وَلَكِنَّهَا لَا تُنَجِّسُ مَا أَصَابَهَا إلَّا إذَا اتَّصَلَتْ بِالظَّاهِرِ، وَمَعَ هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ، فَلَا يَنْجَسُ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ لِكَثْرَةِ الِابْتِلَاءِ بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا مَا لَوْ أَدْخَلَتْ أُصْبُعَهَا لِغَرَضٍ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ الِابْتِلَاءُ بِهِ كَالْجِمَاعِ لَكِنَّهَا قَدْ تَحْتَاجُ إلَيْهِ كَأَنْ أَرَادَتْ الْمُبَالَغَةَ فِي تَنْظِيفِ الْمَحِلِّ.
وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ طَالَ ذَكَرُهُ وَخَرَجَ عَنْ الِاعْتِدَالِ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ بِمَا أَصَابَهُ مِنْ الرُّطُوبَةِ الْمُتَوَلَّدَةِ مِنْ الْبَاطِنِ الَّذِي لَا يَصِلُ إلَيْهِ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ الْمُعْتَدِلِ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَفُّظِ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اُبْتُلِيَ النَّائِمُ بِسَيَلَانِ الْمَاءِ مِنْ فَمِهِ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ فَكَذَا هَذَا (قَوْلُهُ: وَالْحَاصِلُ) يُتَأَمَّلُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ بِعَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِ ذَكَرِ الْمُجَامِعِ فَإِنَّهُ يَصِلُ إلَى مَا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الْقِيَاسُ نَجَاسَتُهُ.
نَعَمْ فِي كَلَامِ سم عَلَى بَهْجَةٌ مَا يُفِيدُ أَنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ يُعْفَى عَنْهُ.
وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ أَنَّ مَحِلَّ نَجَاسَةِ مَا يَخْرُجُ مِمَّا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الْفَرْجِ حَيْثُ خَرَجَ بِنَفْسِهِ كَأَنْ سَالَ.
أَمَّا مَا يَخْرُجُ عَلَى ذَكَرِ الْمُجَامِعِ أَوْ عَلَى أُصْبُعِ الْمَرْأَةِ إذَا أَدْخَلَتْهُ فِي فَرْجِهَا فَطَاهِرٌ اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ نَجِسٌ غَايَتُهُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ فَلَا يَنْجَسُ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ كَمَا فُهِمَ مِنْ حَاشِيَةِ الْبَهْجَةِ لسم (قَوْلُهُ: فَهِيَ نَجِسَةٌ) خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ بِطَهَارَتِهَا إنْ خَرَجَتْ مِمَّا يَصِلُ إلَيْهِ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ: أَيْ فَلَا
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رُطُوبَةٌ جَوْفِيَّةٌ، وَهِيَ إذَا خَرَجَتْ إلَى الظَّاهِرِ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا فَلَا يَنْجَسُ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ عِنْدَ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ فِي حَيَاةِ أُمِّهِ، وَالْأَمْرُ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَا تَنَجَّسَ مَنِيُّ الْمَرْأَةِ عَلَى مَا مَرَّ (بِنَجَسٍ فِي الْأَصَحِّ) مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ وَلَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ مِنْ الْآدَمِيِّ أَفَادَ بِهِ مَعَ قَوْلِهِ آخِرَ الْمَقَالَةِ وَالثَّلَاثَةُ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ أَوْلَى بِالنَّجَاسَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الثَّلَاثَةِ جَارٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ الْآدَمِيِّ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّ مُقَابِلَ الْأَصَحِّ فِي الثَّلَاثَةِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ أَقْوَى مِنْ مُقَابِلِهِ فِيهَا مِنْ الْآدَمِيِّ، فَمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ تَقْيِيدًا مُخْرِجًا لِلثَّلَاثَةِ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنْ الطَّهَارَةِ.
هَكَذَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَتَاوِيهِ، وَخَرَجَ بِالطَّاهِرِ النَّجِسِ كَكَلْبٍ وَنَحْوِهِ.
وَمِنْ الْمَحْكُومِ بِنَجَاسَتِهِ الْبُخَارُ الْخَارِجُ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُتَصَاعِدُ عَنْهَا بِوَاسِطَةِ نَارٍ، إذْ هُوَ مِنْ أَجْزَائِهَا تَفْصِلُهُ النَّارُ مِنْهَا لِقُوَّتِهَا لِأَنَّهُ رَمَادٌ مُنْتَشِرٌ لَكِنْ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ، وَشَمِلَ ذَلِكَ دُخَانُ النَّدِّ الْمَعْجُونِ بِالْخَمْرِ وَإِنْ جَازَ التَّبَخُّرُ بِهِ لِأَنَّ الْمُتَنَجِّسَ هُنَا كَالنَّجِسِ، وَمَا لَوْ انْفَصَلَ دُخَانٌ مِنْ لَهَبِ شَمْعَةٍ وُقُودُهَا نَجَسٌ أَوْ مِنْ دُخَانِ خَمْرٍ أُغْلِيَتْ وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهَا، أَوْ مِنْ دُخَانِ حَطَبٍ أُوقِدَ بَعْدَ تَنَجُّسِهِ بِنَحْوِ بَوْلٍ.
وَأَمَّا النُّوشَادِرُ وَهُوَ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ انْعَقَدَ مِنْ دُخَانِ النَّجَاسَةِ أَوْ قَالَ عَدْلَانِ خَبِيرَانِ إنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا مِنْ دُخَانِهَا فَنَجِسٌ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ، وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَعْرِ نَجِسٍ مِنْ غَيْرِ نَحْوِ كَلْبٍ، وَعَنْ كَثِيرِهِ مِنْ مَرْكُوبٍ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَعَنْ رَوْثِ سَمَكٍ فَلَا يَنْجُسُ الْمَاءُ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُغَيِّرَهُ فَيَنْجُسُ، وَلِمَا يَغْلِبُ تَرَشُّحُهُ كَدَمْعٍ وَبُصَاقٍ وَمُخَاطٍ حُكْمُ حَيَوَانِهِ طَهَارَةً وَضِدَّهَا.
(وَلَا يَطْهُرُ نَجِسُ الْعَيْنِ) بِالْغَسْلِ مُطْلَقًا وَلَا بِالِاسْتِحَالَةِ كَمَيِّتَةٍ وَقَعَتْ فِي مَلَّاحَةٍ فَصَارَتْ مِلْحًا أَوْ أُحْرِقَتْ فَصَارَتْ رَمَادًا (إلَّا) شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا (خَمْرٌ) وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحْتَرَمَةٍ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
يَنْجَسُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ لَهُ (قَوْلُهُ: بِنَجَسٍ فِي الْأَصَحِّ) أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُ الْمُضْغَةِ وَالْعَلَقَةِ مِنْ الْمُذَكَّاةِ فِيمَا يَظْهَرُ، ثُمَّ رَأَيْت شَرْحَ الرَّوْضِ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ) وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِفِعْلِهِ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِاغْتِفَارِ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِابْتِلَاءِ بِهِ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَلْصَقَ بِثَوْبِهِ ذُبَابَةً مُتَنَجِّسَةً بِنَحْوِ غَائِطٍ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ الطَّرَفَ مَا أَصَابَهُ مِنْهَا لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ وَلَوْ شَكَّ فِي الْقِلَّةِ وَعَدَمِهَا لَمْ يَنْجَسْ عَمَلًا بِالْأَصْلِ (قَوْلُهُ: وَمَا لَوْ انْفَصَلَ دُخَانٌ) أَفْهَمُ أَنَّهُ لَوْ نَشَّفَ شَيْئًا رَطْبًا عَلَى اللَّهَبِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الدُّخَانِ لَا يَتَنَجَّسُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي ابْنِ الْعِمَادِ مِنْ كِتَابِهِ [رَفْعُ الْإِلْبَاسِ عَنْ وَهْمِ الْوِسْوَاسِ] مَا نَصُّهُ: السَّابِعُ إذَا أُوقِدَ بِالْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ تَصَاعَدَتْ النَّارُ وَتَصَاعَدَ مِنْ النَّارِ الدُّخَانُ، وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُ الدُّخَانِ.
وَأَمَّا النَّارُ الْمُتَصَاعِدَةُ فِي حَالِ الْوُقُودِ فَلَيْسَتْ مِنْ نَفْسِ الْوُقُودِ، وَإِنَّمَا هِيَ تَأْكُلُ الْوُقُودَ وَيَخْرُجُ مِنْهُ الدُّخَانُ، وَالدُّخَانُ أَجْزَاءٌ لَطِيفَةٌ تَنْفَصِلُ مِنْ الْوَقُودِ، وَلِهَذَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ الْهِبَابُ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ النَّارَ الْمُتَصَاعِدَةَ طَاهِرَةٌ حَتَّى لَوْ صَعِدَتْ صَافِيَةً مِنْ الدُّخَانِ وَمَسَّتْ ثَوْبًا رَطْبًا لَمْ يُحْكَمْ بِتَنَجُّسِهِ، إلَّا أَنَّهَا فِي الْغَالِبِ تَخْتَلِطُ بِالدُّخَانِ بِدَلِيلِ أَنَّ الدُّخَانَ يَصْعَدُ مِنْ أَعْلَاهَا فِي حَالِ التَّلَهُّبِ وَالدُّخَانُ يَخْتَلِطُ بِهَا، وَلِهَذَا إذَا لَاقَتْ النَّارُ شَيْئًا رَطْبًا أَسْوَدَ مِنْ الدُّخَانِ الَّذِي هُوَ مُخْتَلِطٌ بِهَا، فَعَلَى هَذَا إذَا لَاقَاهَا شَيْءٌ رَطْبٌ تَنَجَّسَ اهـ.
وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْهِبَابَ الْمَعْرُوفَ الْمُتَّخَذَ مِنْ دُخَانِ السِّرْجِينِ أَوْ الزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ إذَا أُوقِدَ بِهِ نَجِسٌ كَالرَّمَادِ، وَقَدْ يُقَالُ بِالْعَفْوِ عَنْ قَلِيلِهِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ السَّابِقِ.
إذْ مِنْ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ (قَوْلُهُ: نَحْوِ كَلْبٍ) أَيْ أَمَّا هُوَ فَلَا يُعْفَى مِنْهُ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى رُكُوبِهِ لِغِلَظِ أَمْرِهِ وَنُدْرَةِ وُقُوعِ مِثْلِهِ (قَوْلُهُ: لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ) أَيْ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ وَأَصَابَهُ لَمْ يَضُرَّ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا تُنَجِّسُ مَنِيُّ الْمَرْأَةِ) الضَّمِيرُ فِي تُنَجِّسُ رَاجِعٌ إلَى الرُّطُوبَةِ (قَوْلُهُ: وَمِنْ الْمَحْكُومِ بِنَجَاسَتِهِ الْبُخَارُ) يَعْنِي الدُّخَانَ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُغَيِّرَهُ) أَيْ وَإِلَّا أَنْ يَضَعَ السَّمَكَ فِي الْمَاءِ عَبَثًا كَمَا قَدَّمَهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ
حَقِيقَةً كَانَتْ الْخَمْرَةُ وَهِيَ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَمْ غَيْرَهَا وَهِيَ الْمُعْتَصَرَةُ مِنْ غَيْرِهِ، فَقَدْ ذُكِرَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ أَنَّهَا اسْمٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ، وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ طَهَارَةِ النَّبِيذِ بِالتَّخَلُّلِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا صَحَّحَاهُ فِي بَابَيْ الرِّبَا وَالسَّلَمِ لِإِطْبَاقِهِمْ عَلَى صِحَّةِ السَّلَمِ فِي خَلِّ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِطَهَارَتِهِمَا، لِأَنَّ النَّجِسَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا السَّلَمُ فِيهِ اتِّفَاقًا، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِهِمْ ثَمَّ عَلَى خَلٍّ لَمْ يَتَخَمَّرْ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، وَإِنَّمَا طَهُرَ لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ ضَرُورَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِإِخْرَاجِ مَا بَقِيَ فِيهِ لَا مِنْ أَصْلِ ضَرُورَةِ عَصْرِهِ لِسُهُولَتِهِ بِدُونِهِ، وَإِذَا تُسُومِحَ فِي هَذَا الْمَاءِ فَمَا يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ أَصْلُ الْعَصْرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (تَخَلَّلَتْ) بِنَفْسِهَا فَتَطْهُرُ بِالتَّخَلُّلِ لِأَنَّ عِلَّةَ النَّجَاسَةِ وَالتَّحْرِيمِ الْإِسْكَارُ وَقَدْ زَالَتْ، وَلِأَنَّ الْعَصِيرَ لَا يَتَخَلَّلُ إلَّا بَعْدَ التَّخَمُّرِ غَالِبًا، فَلَوْ لَمْ نَقُلْ بِالطَّهَارَةِ لِرُبَّمَا تَعَذَّرَ الْخَلُّ وَهُوَ حَلَالٌ إجْمَاعًا وَلَوْ بَقِيَ فِي قَعْرِ الْإِنَاءِ دُرْدِيُّ خَمْرٍ فَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ أَنَّهُ يَطْهُرُ تَبَعًا لِلْإِنَاءِ سَوَاءٌ اسْتَحْجَرَ أَمْ لَا، كَمَا يَطْهُرُ بَاطِنُ جَوْفِ الدَّنِّ، بَلْ هَذَا أَوْلَى، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْعَصِيرِ بَيْنَ الْمُتَّخَذِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَغَيْرِهِ.
فَلَوْ جُعِلَ فِيهِ عَسَلًا أَوْ سُكَّرًا أَوْ اتَّخَذَهُ مِنْ نَحْوِ عِنَبٍ وَرُمَّانٍ أَوْ بُرٍّ وَزَبِيبٍ طَهُرَ بِانْقِلَابِهِ خَلًّا، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْعِمَادِ وَلَيْسَ فِيهِ تَخْلِيلٌ بِمُصَاحَبَةِ عَيْنٍ لِأَنَّ نَفْسَ الْعَسَلِ أَوْ الْبُرِّ وَنَحْوِهِمَا يَتَخَمَّرْ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَكَذَلِكَ السُّكَّرُ فَلَمْ يَصْحَبْ الْخَمْرَ عَيْنٌ أُخْرَى، وَلَوْ جُعِلَ مَعَ نَحْوِ الزَّبِيبِ طِيبًا مُتَنَوِّعًا وَنُقِعَ ثُمَّ صُفِّيَ وَصَارَتْ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ الطِّيبَ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الزَّبِيبِ تَنَجَّسَ، وَإِلَّا فَلَا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ أُلْقِيَ عَلَى عَصِيرٍ خَلٌّ دُونَهُ تَنَجَّسَ.
وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالظَّاهِرَ عَدَمُ التَّخَمُّرِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالرَّائِحَةِ حِينَئِذٍ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَهُوَ أَوْجَهُ، وَيَكْفِي زَوَالُ النَّشْوَةِ وَغَلَبَةُ الْحُمُوضَةِ وَلَا تُشْتَرَطُ نِهَايَتُهَا بِحَيْثُ لَا تَزِيدُ (وَكَذَا إنْ نُقِلَتْ مِنْ شَمْسٍ إلَى ظِلٍّ وَعَكْسُهُ فِي الْأَصَحِّ) أَوْ مِنْ دَنٍّ إلَى آخَرَ أَوْ فَتَحَ رَأْسَ ظَرْفِهِ لِلْهَوَاءِ لِزَوَالِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ خَلَّفَتْهَا سَوَاءٌ أَقَصَدَ بِكُلٍّ مِنْهَا التَّخَلُّلَ أَمْ لَا، وَالثَّانِي لَا تَطْهُرُ لِمَا سَيَأْتِي (فَإِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ) فِيهَا وَلَوْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِلْقَاءِ نَحْوَ رِيحٍ (فَلَا) تَطْهُرُ لِأَنَّ مَنْ اسْتَعْجَلَ شَيْئًا قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ غَالِبًا، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ دَخْلٌ فِي التَّخْلِيلِ كَبَصَلٍ وَخُبْزٍ حَارٍّ أَمْ لَا كَحَصَاةٍ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: لِسُهُولَتِهِ بِدُونِهِ. إلَخْ) كَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ قَالُوا بِطَهَارَةِ الْخَمْرِ وَإِنْ اخْتَلَطَ بِهِ مَا تَوَقَّفَ كَمَالُ عَصْرِهِ عَلَيْهِ، وَإِذَا قَالُوا بِذَلِكَ فِي الْخَمْرِ الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ الْمَاءِ فَلْيَقُولُوا بِهِ فِي النَّبِيذِ لِكَوْنِ الْمَاءِ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهِ بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ: بِنَفْسِهَا) قَالَ سم فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ وَجَزَمَ م ر فِي تَقْرِيرِهِ بِحُرْمَةِ الِاسْتِعْجَالِ وَاعْتَمَدَهُ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ التَّطْهِيرَ اهـ.
وَنُقِلَ فِي حَوَاشِي حَجّ عَدَمُ الْحُرْمَةِ فَلْيُرَاجَعْ، وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ صَرِيحَةٌ فِي الْحُرْمَةِ أَيْضًا حَيْثُ جَعَلَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ طَهَارَتِهَا إذَا نُقِلَتْ مِنْ شَمْسٍ إلَى ظِلٍّ مَبْنِيًّا عَلَى حُرْمَةِ الِاسْتِعْجَالِ بِالنَّقْلِ (قَوْلُهُ: دُرْدِيٌّ) هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ (قَوْلُهُ: فَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ. إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ أَسْكَرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ، كَمَا حُكِمَ بِطَهَارَةِ الدَّنِّ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى نَجَاسَةِ الْخَلِّ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْحَشِيشَةِ الْجَامِدَةِ، عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ أَوْ الْمُطَّرِدَ أَنَّهُ إذَا تَخَلَّلَ لَا يَبْقَى الدُّرْدِيُّ مُسْكِرًا، وَلَعَلَّهُ إذَا بَقِيَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْإِسْكَارِ فَهُوَ أَثَرٌ لَا يَزِيدُ عَلَى مَا يَحْصُلُ مِنْ الْحَشِيشِ وَنَحْوِهِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ يَطْهُرُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ (قَوْلُهُ: فَلَوْ جُعِلَ فِيهِ) أَيْ فِي الدَّنِّ الَّذِي فِيهِ الْعَصِيرُ (قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ) أَيْ وَأَنَّهُ طَاهِرٌ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَوْجَهُ) وَجَزَمَ حَجّ بِالتَّفْصِيلِ (قَوْلُهُ: وَيَكْفِي) أَيْ فِي الطَّهَارَةِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ مَنْ اسْتَعْجَلَ شَيْئًا) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ: فَإِنْ خَلَّلْت إلَخْ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا زَادَهُ مِنْ نَحْوِ الرِّيحِ.
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: اسْمٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ) أَيْ حَقِيقَةً كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، فَفِي اسْتِشْهَادِ الشَّارِحِ بِهِ عَلَى مَا قَدَّمَهُ صُعُوبَةٌ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: هَلْ الْخَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْمُعْتَصَرَةِ مِنْ الْعِنَبِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهَا. أَوْ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ مُسْكِرٍ؟ (قَوْلُهُ: مُتَنَوِّعًا) لَيْسَ بِقَيْدٍ فِي الْحُكْمِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ الْوَاقِعَ (قَوْلُهُ: فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ الطِّيبَ إنْ كَانَ أَقَلَّ) أَيْ عَيْنَ الطِّيبِ لَا مُجَرَّدَ رَائِحَتِهِ (قَوْلُهُ: وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ) أَيْ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ مُطْلَقًا كَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّخَمُّرِ وَمَا بَعْدَهُ، وَلَا بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ طَاهِرَةً أَوْ نَجِسَةً، نَعَمْ إنْ كَانَتْ طَاهِرَةً وَنُزِعَتْ مِنْهَا قَبْلَ التَّخَلُّلِ طَهُرَتْ، أَمَّا النَّجِسَةُ فَلَا وَإِنْ نُزِعَتْ قَبْلَهُ لِأَنَّ النَّجَسَ يَقْبَلُ التَّنْجِيسَ.
وَلَوْ عُصِرَ نَحْوُ الْعِنَبِ وَوَقَعَ فِيهِ بَعْضُ حَبَّاتٍ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا لَمْ تَضُرَّ فِيمَا يَظْهَرُ، وَكَالْمُتَنَجِّسِ بِالْعَيْنِ الْعَنَاقِيدُ وَحَبَّاتُهَا إذَا تَخَمَّرَتْ فِي الدَّنِّ ثُمَّ تَخَلَّلَتْ، وَكَذَا لَوْ صُبَّ عَصِيرٌ فِي دَنٍّ مُتَنَجِّسٍ أَوْ كَانَ الْعَصِيرُ مُتَنَجِّسًا، أَوْ نَقَصَ مِنْ خَمْرِ الدَّنِّ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا، أَوْ أُدْخِلَ فِيهِ شَيْءٌ فَارْتَفَعَتْ بِسَبَبِهِ ثُمَّ أُخْرِجَ فَعَادَتْ كَمَا كَانَتْ، إلَّا إنْ صُبَّ عَلَيْهَا خَمْرٌ حَتَّى ارْتَفَعَتْ إلَى الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ.
وَاعْتَبَرَ الْبَغَوِيّ كَوْنَهُ قَبْلَ جَفَافِهِ، وَاعْتَمَدَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَطْهُرُ الدَّنُّ تَبَعًا لَهَا وَإِنْ تَشَرَّبَ بِهَا أَوْ غَلَتْ، وَلَوْ اخْتَلَطَ عَصِيرٌ بِخَلٍّ مَغْلُوبٍ ضَرَّ أَوْ غَالِبٍ فَلَا، فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا فَكَذَلِكَ إنْ أَخْبَرَ بِهِ عَدْلَانِ يَعْرِفَانِ مَا يَمْنَعُ التَّخَمُّرَ وَعَدَمَهُ، أَوْ عَدْلٌ وَاحِدٌ فِيمَا يَظْهَرُ، أَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ خَبِيرٌ أَوْ وُجِدَ وَشَكَّ فَالْأَوْجَهُ إدَارَةُ الْحُكْمِ عَلَى الْغَالِبِ حِينَئِذٍ.
وَيَحِلُّ إمْسَاكُ خَمْرٍ مُحْتَرَمَةٍ لَا غَيْرَهَا وَهِيَ الْمُعْتَصَرَةُ بِقَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ فَتَجِبُ إرَاقَتُهَا فَوْرًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجْرِي فِيهِ (قَوْلُهُ: أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ) وَلَيْسَ مِنْ الْعَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ الدُّودُ الْمُتَوَلَّدُ مِنْ الْعَصِيرِ فَلَا يَضُرُّ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ تَخَمَّرَ مَا فِي أَجْوَافِ الْحَبَّاتِ ثُمَّ تَخَلَّلَ حَيْثُ قَالُوا بِطَهَارَتِهِ، وَمِمَّا يَتَسَاقَطُ مِنْ الْعِنَبِ عِنْدَ الْعَصْرِ مِنْ النَّوَى فَإِنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ ذَلِكَ أَسْهَلُ مِنْ الِاحْتِرَازِ عَنْ الدُّودِ فَتَنَبَّهْ لَهُ (قَوْلُهُ: قَبْلَ التَّخَلُّلِ) أَيْ إنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ شَيْءٌ مِنْ الْعَيْنِ.
بَقِيَ مَا لَوْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ التَّخَلُّلُ ثُمَّ أَخْبَرَ مَعْصُومٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ مِنْهُ شَيْءٌ هَلْ يَطْهُرُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِمَّا أَقَامَ الشَّارِعُ فِيهِ الْمَظِنَّةَ مَقَامَ الْيَقِينِ، بَلْ مِمَّا بَنَى فِيهِ الْحُكْمَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ مِنْ التَّخَلُّلِ مِنْ الْعَيْنِ وَبِإِخْبَارِ مَعْصُومٍ قَطَعَ بِانْتِفَاءِ ذَلِكَ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ بِالتَّخَلُّلِ (قَوْلُهُ: ثُمَّ تَخَلَّلَتْ) قَرَّرَ م ر أَنَّهُ يَضُرُّ الْعَنَاقِيدَ وَالْحَبَّاتِ إنْ تَخَمَّرَتْ فِي الدَّنِّ وَتَخَلَّلَتْ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَخَمَّرَ مَا فِي أَجْوَافِ الْحَبَّاتِ ثُمَّ تَخَلَّلَ يَطْهُرُ لِأَنَّهُ كَالظُّرُوفِ لِمَا فِي جَوْفِهَا اهـ.
وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا يُخَالِفُهُ فَرَاجِعْهُ اهـ سم.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا نَقَلَهُ سم عَنْ الشَّارِحِ وَمَا هُنَا، لِإِمْكَانِ حَمْلِ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُتَخَمِّرُ الْعَنَاقِيدَ مَعَ الْحَبَّاتِ فَلَا يَطْهُرُ مَا فِي بَاطِنِ الْحَبَّاتِ، وَهَذَا هُوَ الشِّقُّ الْأَوَّلُ مِمَّا نَقَلَهُ سم عَنْ م ر وَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ إلَخْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا أُخِذَتْ الْحَبَّاتُ مُجَرَّدَةً عَنْ الْعَنَاقِيدِ وَطُرِحَتْ فِي الدَّنِّ إنْ تَخَمَّرَتْ ثُمَّ تَخَلَّلَتْ، لَكِنْ تُشْكِلُ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، فَإِنَّ قُشُورَ الْحَبَّاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْخَمْرِ كَالظُّرُوفِ لَهَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَمُجَاوَرَتُهَا لِلْعَنَاقِيدِ فِي الْأُولَى لَا تَضُرُّ فِي طَهَارَتِهَا لِأَنَّ غَايَتَهَا أَنَّ الْعَنَاقِيدَ مُجَاوِرَةٌ لِلْحَبَّاتِ وَمُجَرَّدُ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي نَجَاسَةَ مَا فِي الْبَاطِنِ.
نَعَمْ إنَّ فَرْضَ الْكَلَامِ فِيمَا لَوْ انْعَصَرَتْ الْحَبَّاتُ وَاخْتَلَطَتْ الْعَنَاقِيدُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا اتَّضَحَ الْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهَا وَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ فَلْيُتَأَمَّلْ وَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ فَإِنَّ الْخَلَّ وَإِنْ طَهُرَ بِانْقِلَابِ الْخَمْرِ إلَيْهِ تَنَجَّسَ بِمُلَاقَاتِهِ الْجُزْءَ الَّذِي أُزِيلَتْ الْخَمْرَةُ عَنْهُ (قَوْلُهُ: أَوْ غَلَتْ) أَيْ حَتَّى ارْتَفَعَتْ وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: وَيَطْهُرُ بِطُهْرِهَا ظَرْفُهَا وَمَا ارْتَفَعَتْ إلَيْهِ لَكِنْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ تَبَعًا لَهَا اهـ (قَوْلُهُ: مَغْلُوبٌ) أَيْ بِأَنْ كَانَ دُونَ الْعَصْرِ (قَوْلُهُ: إنْ أَخْبَرَ بِهِ) لَمْ يَذْكُرْ حَجّ هَذَا الْقَيْدَ (قَوْلُهُ: لَمْ يُوجَدْ خَبِيرٌ) أَيْ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ الذَّهَابُ إلَيْهِ لَوْ أُقِيمَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ فِيمَا يَظْهَرُ (قَوْلُهُ: عَلَى الْغَالِبِ) يُتَأَمَّلُ مَعْنَى الْغَالِبِ فَإِنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْخَلَّ مُسَاوٍ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يُعْرَفُ حَالُهُ فَمَا مَعْنَى الْغَلَبَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ أَنَّهُ يَنْظُرُ لِغَالِبِ مَا يُعْرَضُ لِلْعَصِيرِ الْمُخْتَلِطِ بِخَلٍّ مُسَاوٍ لَهُ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ حَالٌ أَلْبَتَّةَ فَيَنْبَغِي عَدَمُ طَهَارَتِهِ نَظَرًا إلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْعَصِيرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مِنْ تَخَمُّرِهِ قَبْلَ التَّخَلُّلِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ الْغَيْرُ، فَالْمُحْتَرَمَةُ هِيَ الَّتِي عُصِرَتْ بِقَصْدِ الْخَلِّيَّةِ أَوْ لَا بِقَصْدِ شَيْءٍ، وَهَلْ عَصْرُهَا بِقَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ كَبِيرَةٌ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَكَالْمُتَنَجِّسِ بِالْعَيْنِ الْعَنَاقِيدُ إلَخْ) مُرَادُهُ بِهِ الرَّدُّ عَلَى الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، لَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ مُسَامَحَةٌ، وَعِبَارَةُ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ: وَتُسْتَثْنَى الْعَنَاقِيدُ وَحَبَّاتُهَا فَلَا تَضُرُّ مُصَاحَبَتُهَا لِلْخَمْرِ إذَا تَخَلَّلَتْ
فِي بَابِ الْغَصْبِ وَذُكِرَتْ فِيهَا فَوَائِدُ جُمْلَةٌ هُنَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
(وَ) ثَانِيهِمَا (جِلْدٌ نَجِسٌ بِالْمَوْتِ) مَأْكُولًا كَانَ أَمْ غَيْرَهُ (فَيَطْهُرُ بِدَبْغِهِ) أَيْ بِانْدِبَاغِهِ وَلَوْ بِوُقُوعِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِلْقَاءِ رِيحٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَوْ بِإِلْقَاءِ الدَّابِغِ عَلَيْهِ وَلَوْ بِنَحْوِ رِيحٍ (ظَاهِرُهُ وَكَذَا بَاطِنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ) لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» وَحَدِيثُ «طَهُورُ كُلِّ أَدِيمٍ دِبَاغُهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَوَرَدَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ «هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ» .
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْخَادِمِ: وَالْمُرَادُ بِبَاطِنِهِ مَا بَطُنَ وَبِظَاهِرِهِ مَا ظَهَرَ مِنْ وَجْهَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: إذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ ظَاهِرِهِ فَقَطْ جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لَا فِيهِ، فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ، فَقَدْ رَأَيْت مَنْ يَغْلَطُ فِيهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ طَهَارَةِ بَاطِنِهِ بِهِ أَنَّهُ لَوْ نَتَفَ الشَّعْرَ بَعْدَ دَبْغِهِ صَارَ مَوْضِعُهُ مُتَنَجِّسًا يَطْهُرُ بِغَسْلِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالثَّانِي يَقُولُ آلَةُ الدِّبَاغِ لَا تَصِلُ إلَى الْبَاطِنِ.
وَرَدَّ بِوُصُولِهَا إلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْمَاءِ أَوْ رُطُوبَةِ الْجِلْدِ وَخَرَجَ بِالْجِلْدِ الشَّعْرُ فَلَا يَطْهُرُ بِهِ وَإِنْ أُلْقِيَ فِي الْمَدْبَغَةِ وَعَمَّهُ الدَّابِغُ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ لَكِنْ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَإِنْ قَالَ الشَّيْخُ إنَّهُ يَطْهُرُ تَبَعًا وَإِنْ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِالدَّبْغِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ كَمَا يَطْهُرُ دَنُّ الْخَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَخَلُّلُ مَحِلِّ وَقْفَةٍ، إذْ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّعْرِ وَالدَّنِّ بِأَنَّ الثَّانِيَ مَحِلُّ ضَرُورَةٍ، إذْ لَوْلَا الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ لَمْ يُمْكِنْ طَهَارَةُ خَلٍّ أَصْلًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لَا ضَرُورَةَ إلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ لِإِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ لَا مِنْ جِهَةِ الشَّعْرِ وَخَرَجَ بِنَجِسٍ بِالْمَوْتِ جِلْدُ الْمُغَلَّظَةِ فَلَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، إذْ سَبَبُ نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ تَعَرُّضُهَا لِلْعُفُونَةِ وَالْحَيَاةُ أَبْلَغُ فِي دَفْعِهَا، فَإِذَا لَمْ تُفِدْ الطَّهَارَةَ فَالِانْدِبَاغُ أَوْلَى (وَالدَّبْغُ نَزْعُ فُضُولِهِ) وَهِيَ مَائِيَّتُهُ وَرُطُوبَتُهُ الْمُفْسِدُ لَهُ بَقَاؤُهَا، وَيُطَيِّبُهُ نَزْعُهَا بِحَيْثُ لَوْ نُقِعَ فِي الْمَاءِ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ النَّتِنُ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ عَبَّرَ بِالْفَسَادِ أَوْ هُوَ أَعَمُّ لِيَشْمَلَ نَحْوَ شِدَّةٍ نَحْوِ تَصَلُّبِهِ وَسُرْعَةً نَحْوَ بَلَائِهِ، لَكِنْ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَوْ صَغِيرَةٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: جِلْدٌ نَجِسٌ بِالْمَوْتِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ سُلِخَ جِلْدُ حَيَوَانٍ وَهُوَ حَيٌّ لَمْ يَطْهُرْ بِالدَّبْغِ وَلَيْسَ مُرَادًا.
وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِكَوْنِهِ نَجِسًا بِالْمَوْتِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَوْتِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْجُزْءَ الْمُنْفَصِلَ مِنْ الْحَيِّ كَمَيِّتَتِهِ، فَانْفِصَالُهُ مَعَ الْحَيَاةِ بِمَنْزِلَةِ انْفِصَالِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ (قَوْلُهُ: أَدِيمٌ) أَيْ جِلْدٌ (قَوْلُهُ: مِنْ وَجْهَيْهِ) شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ الدِّبَاغُ مُلَاقِيًا لِلطَّبَقَةِ الَّتِي تَلِي اللَّحْمَ دُونَ الْمُلَاقِي لِلشَّعْرِ، كَمَا يُفْعَلُ فِي دَبْغِ الْفِرَاءِ بِوَضْعِ نَحْوِ الْقَرَظِ عَلَى الْمُلَاقِي لِلَّحْمِ دُونَ غَيْرِهِ وَيُعَالَجُ حَتَّى تَزُولَ عُفُونَتُهُ، فَإِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ عَلَى هَذَا طَهَارَةُ الْمُلَاقِي لِلشَّعْرِ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مِنْ وَجْهَيْهِ دُونَ مَا بَيْنَ طَبَقَتَيْ الْجِلْدِ وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ وُصُولُ أَثَرِ الدِّبَاغِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِلْمُلَاقِي لِلشَّعْرِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا بَيْنَ الطَّبَقَتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْمُلَاقِي لِلشَّعْرِ إلَّا بَعْدَ مُجَاوَرَةِ مَا بَيْنَ الطَّبَقَتَيْنِ، وَصَوَّرَهُ الْبَكْرِيُّ بِمَا إذَا وَضَعَ الدِّبَاغَ عَلَى كُلٍّ مِنْ وَجْهَيْهِ وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ، لَكِنْ يَرُدُّهُ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ هُنَا: وَيُؤْخَذُ مِنْ طَهَارَةِ بَاطِنِهِ بِهِ أَنَّهُ لَوْ نَتَفَ الشَّعْرَ بَعْدَ دَبْغِهِ صَارَ مَوْضِعُهُ مُتَنَجِّسًا، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَوْضِعَ الشَّعْرِ طَهُرَ بِالدِّبَاغِ ثُمَّ تَنَجَّسَ بِمُلَاقَاتِهِ لِلشَّعْرِ فَإِنَّ الدِّبَاغَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ (قَوْلُهُ: لَا ضَرُورَةَ) قَدْ تُمْنَعُ الضَّرُورَةُ بِأَنْ يُقَالَ: يُعْفَى عَنْ مُلَاقَاةِ الدَّنِّ لِلْخَلِّ مَعَ نَجَاسَةِ الدَّنِّ لِلضَّرُورَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ، فَالْفَرْقُ حِينَئِذٍ فِيهِ نَظَرٌ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَرُطُوبَتُهُ) عَطْفٌ مُغَايِرٌ (قَوْلُهُ: بَقَاؤُهَا) أَيْ الْفُضُولِ (قَوْلُهُ: بَلَائِهِ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: بَلِيَ الثَّوْبُ بِالْكَسْرِ بِلًى بِالْقَصْرِ، فَإِنْ فَتَحْت يَاءَ الْمَصْدَرِ مَدَدْته اهـ.
وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: هُنَا بَلَائِهِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ) أَيْ فِي ذَاتِ الدَّنِّ (قَوْلُهُ: أَوْ هُوَ) أَيْ الْفَسَادُ
فِي إطْلَاقِ ذَلِكَ نَظَرٌ.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّ مَا عَدَا النَّتِنَ إنْ قَالَ خَبِيرَانِ إنَّهُ لِفَسَادِ الدَّبْغِ ضُرٌّ وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّا نَجِدُ مَا اُتُّفِقَ عَلَى إتْقَانِ دَبْغِهِ يَتَأَثَّرُ بِالْمَاءِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ لِمُطْلَقِ التَّأَثُّرِ بِهِ بَلْ التَّأَثُّرُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الدَّبْغِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا (بِحِرِّيفٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهُوَ مَا يَلْذَعُ اللِّسَانَ بِحِرْفَتِهِ كَشَبٍّ وَشَثٍّ وَقَرَظٍ وَعَفْصٍ وَلَوْ بِنَجِسٍ كَذَرْقِ حَمَامٍ وَزِبْلٍ لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ (لَا شَمْسٍ وَتُرَابٍ) وَمِلْحٍ وَكُلِّ مَا لَا يَنْزِعُ الْفُضُولَ وَإِنْ جَفَّ بِهِ الْجِلْدُ وَطَابَتْ رَائِحَتُهُ لِبَقَاءِ عُفُونَتِهِ كَامِنَةً فِيهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نُقِعَ فِي الْمَاءِ عَادَتْ عُفُونَتُهُ (وَلَا يَجِبُ الْمَاءُ فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ الدَّبْغُ (فِي الْأَصَحِّ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إحَالَةٌ لَا إزَالَةٌ وَلِهَذَا جَازَ بِالنَّجِسِ الْمُحَصِّلِ لِذَلِكَ، وَأَمَّا خَبَرُ «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ الطَّهَارَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ: وَمَنْ تَبِعَهُ لَا بُدَّ فِي الْجَافِّ مِنْ الْمَاءِ لِيَصِلَ الدَّوَاءُ بِهِ إلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ، مَرْدُودٌ إذْ الْقَصْدُ وُصُولُهُ وَلَوْ بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ فَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمَاءِ، إذْ لَا نَظَرَ إلَى أَنَّ لَطَافَتَهُ تُوَصِّلُ الدَّوَاءَ إلَى بَاطِنِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُوَصِّلُهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِحَالَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ الدَّوَاءُ إلَى بَاطِنِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَجِبُ الْمَاءُ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الْإِزَالَةِ (وَ) يَصِيرُ (الْمَدْبُوغُ) وَالْمُنْدَبِغُ (كَثَوْبٍ نَجِسٍ) أَيْ مُتَنَجِّسٍ لِمُلَاقَاتِهِ لِلْأَدْوِيَةِ النَّجِسَةِ أَوْ الْمُتَنَجِّسَةِ بِمُلَاقَاتِهَا قَبْلَ طُهْرِ عَيْنِهِ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِغَسْلِهِ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ الْجِلْدِ، سَوَاءٌ أَدُبِغَ بِطَاهِرٍ أَمْ نَجِسٍ ثُمَّ يُصَلَّى فِيهِ وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي مَائِعٍ، وَيَحْرُمُ أَكْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ حَيَوَانِهِ مَأْكُولًا لِخُرُوجِ حَيَوَانِهِ بِمَوْتِهِ عَنْ الْمَأْكُولِ.
ثُمَّ النَّجَاسَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُغَلَّظَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ وَمُتَوَسِّطَةٌ، وَبَدَأَ بِأَوَّلِهَا فَقَالَ (وَمَا نَجِسَ بِمُلَاقَاةِ شَيْءٍ مِنْ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
يَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الْبَاءِ مَعَ الْقَصْرِ وَفَتْحُهَا مَعَ الْمَدِّ (قَوْلُهُ: النَّتِنُ) أَيْ أَمَّا هُوَ فَيَضُرُّ مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: كَشَبٍّ وَشَثٍّ) الْأَوَّلُ بِالْمُوَحَّدَةِ وَالثَّانِي بِالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ شَجَرٌ مُرُّ الطَّعْمِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ يُدْبَغُ بِهِ، وَالْأَوَّلُ مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ مَعْرُوفٌ يُشْبِهُ الزَّاجَ (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ) أَيْ فِي غَيْرِ الْغَنِيَّةِ، أَمَّا فِيهَا فَقَالَ: فَلَا بُدَّ مِنْ تَلْيِينِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِالْمَاءِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الْأَوْلَى وَهُوَ كَمَا قَالَ اهـ قب (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ أَدُبِغَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ قَبْلَ الدَّبْغِ لَا يُكْتَفَى بِغَسْلِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ حَجّ حَيْثُ قَالَ: فَيَجِبُ غَسْلُهُ بِمَاءٍ طَهُورٍ مَعَ التَّتْرِيبِ وَالتَّسْبِيعِ إنْ أَصَابَهُ مُغَلَّظٌ، وَإِنْ سَبَّعَ وَتَرَّبَ قَبْلَ الدَّبْغِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَقْبَلُ الطَّهَارَةَ اهـ.
وَفِيهِ مَا مَرَّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَمَيْتَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَالسَّمَكِ إلَخْ (قَوْلُهُ: عَنْ الْمَأْكُولِ) عَلَّلَهُ حَجّ بِأَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ طَبْعِ اللُّحُومِ إلَى طَبْعِ الثِّيَابِ وَهُوَ يُفِيدُ حُرْمَةَ أَكْلِ الثِّيَابِ أَيْضًا.
أَقُولُ: لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ جِلْدَ الْمُذَكَّاةِ إذَا دُبِغَ يَحِلُّ أَكْلُهُ مَعَ أَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى طَبْعِ الثِّيَابِ، وَلَا يَرُدُّ مِثْلُهُ عَلَى قَوْلِ الشَّارِحِ لِخُرُوجِ حَيَوَانِهِ بِمَوْتِهِ إلَخْ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ جِلْدَ الْمُذَكَّاةِ لَمَّا كَانَ قَبْلَ الدَّبْغِ مَأْكُولًا اسْتَصْحَبَ حَالُهُ قَبْلَ الدَّبْغِ وَلَا كَذَلِكَ الثِّيَابُ.
(قَوْلُهُ: نَجِسٌ) بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ كَمَا فِي مِصْبَاحِ الْقُرْطُبِيِّ (قَوْلُهُ: بِمُلَاقَاةِ شَيْءٍ) زَادَ حَجّ: غَيْرِ دَاخِلِ مَاءٍ كَثِيرٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ اهـ وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم قَوْلُهُ: غَيْرُ. إلَخْ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَعَ مَسِّ الدَّاخِلِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّهُ مَاسٌّ لِلنَّجَاسَةِ قَطْعًا، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مُصَاحَبَةَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ مَانِعَةٌ مِنْ التَّنْجِيسِ، وَمَسُّ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ مُبْطِلٌ لَهَا وَإِنْ لَمْ يَنْجَسْ، كَمَا لَوْ مَسَّ فَرْجَهُ الدَّاخِلَ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ، وَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّهُ مَاسٌّ قَطْعًا، وَيَأْتِي مَا يُصَرِّحُ بِمَا قَالَهُ حَجّ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَتَكُونُ كَثْرَةُ الْمَاءِ مَانِعَةً مِنْ تَنَجُّسِهِ.
[فَرْعٌ] لَوْ وَصَلَ شَيْءٌ مِنْ مُغَلَّظٍ وَرَاءَ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الْفَرْجِ فَهَلْ يُنَجِّسُهُ فَيَتَنَجَّسُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ كَذَكَرِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: كَشَبٍّ) الشَّبُّ بِالْمُوَحَّدَةِ مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ يُشْبِهُ الزَّاجَ، وَبِالْمُثَلَّثَةِ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ مُرُّ الطَّعْمِ يُدْبَغُ بِهِ أَيْضًا، قَالَهُ الدَّمِيرِيِّ (قَوْلُهُ: لِخُرُوجِ حَيَوَانِهِ بِمَوْتِهِ عَنْ الْمَأْكُولِ) خَرَجَ بِهِ جِلْدُ الْمُذَكَّى، وَإِنْ كَانَ مَدْبُوغًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ كَمَا قَدَّمَهُ فِي فَصْلِ الِاسْتِنْجَاءِ وَمَرَّ مَا فِيهِ، وَرُبَّمَا تُوهِمُ مُنَاقَضَتَهُ لِمَا هُنَا.
كَلْبٍ) سَوَاءٌ أَكَانَ بِجُزْءٍ مِنْهُ أَمْ مِنْ فَضَلَاتِهِ، أَمْ بِمَا تَنَجَّسَ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا كَأَنْ وَلَغَ فِي بَوْلٍ أَوْ مَاءٍ كَثِيرٍ مُتَغَيِّرٍ بِنَجَاسَةٍ ثُمَّ أَصَابَ ذَلِكَ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ ثَوْبًا وَلَوْ مَعَضَّهُ مِنْ صَيْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ جَافًّا وَلَاقَى رَطْبًا أَمْ عَكْسَهُ (غُسِلَ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ) فِي غَيْرِ أَرْضٍ تُرَابِيَّةٍ (بِتُرَابٍ) وَلَوْ طِينًا رَطْبًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْغَزَالِيُّ لِأَنَّهُ تُرَابٌ بِالْقُوَّةِ، وَيَكْفِي الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ بِشَرْطِهِ وَإِنْ تَعَدَّدَ الْوَالِغُ أَوْ الْوُلُوغُ أَوْ لَاقَتْهُ نَجَاسَةٌ أُخْرَى.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «أُولَاهُنَّ، أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» وَفِي أُخْرَى «وَعَفَّرَهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» أَيْ بِأَنْ تُصَاحِبَ السَّابِعَةَ لِرِوَايَةِ: السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ الْمُعَارِضَةُ لِرِوَايَةِ أُولَاهُنَّ فِي مَحِلِّهِ فَيَتَسَاقَطَانِ فِي تَعْيِينِ مَحِلِّهِ، وَيَكْفِي فِي وَاحِدَةٍ مِنْ السَّبْعِ كَمَا فِي رِوَايَةِ «إحْدَاهُنَّ بِالْبَطْحَاءِ» عَلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِحَمْلِ رِوَايَةِ أُولَاهُنَّ عَلَى الْأَكْمَلِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى تَتْرِيبِ مَا يَتَرَشْرَشُ مِنْ جَمِيعِ الْغَسَلَاتِ، وَرِوَايَةُ: السَّابِعَةُ عَلَى الْجَوَازِ، وَرِوَايَةُ إحْدَاهُنَّ عَلَى الْأَجْزَاءِ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْجَوَازَ أَيْضًا، وَقَدْ أَمَرَ بِالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغِهِ بِفَمِهِ وَهُوَ أَطْيَبُ أَجْزَائِهِ فَغَيْرُهُ مِنْ بَوْلِهِ وَعَرَقِهِ وَرَوْثِهِ وَنَحْوِهَا أَوْلَى، وَالْغَسَلَاتُ الْمُزِيلَةُ لِلْعَيْنِ تُعَدُّ وَاحِدَةً
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الْمُجَامِعِ أَوْ لَا، لِأَنَّ الْبَاطِلَ لَا يُنَجِّسُهُ مَا لَاقَاهُ، كُلٌّ مُحْتَمَلٌ.
فَعَلَى الثَّانِي يُسْتَثْنَى هَذَا مِنْ الْمَتْنِ اهـ حَجّ.
وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: فَيَتَنَجَّسُ إلَخْ.
أَقُولُ: أَمَّا أَصْلُ تَنَجُّسِ مَا وَصَلَ إلَيْهِ فَلَا يَنْبَغِي التَّوَقُّفُ فِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْغِلَظَ الْوَاصِلَ إلَى مَا ذُكِرَ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَمُلَاقَاةِ الظَّاهِرِ كَذَكَرِ الْمُجَامِعِ لِلنَّجَاسَةِ فِي الْبَاطِنِ تَقْتَضِي التَّنْجِيسَ، وَلَيْسَ كَلَامُهُ فِي أَصْلِ التَّنْجِيسِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَعَلَى الثَّانِي إلَخْ، وَأَمَّا تَنَجُّسُهُ بِتَنَجُّسِ الْمُغَلَّظِ فَقَدْ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ مُغَلَّظًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ تَسْبِيعُ الْمَخْرَجِ.
وَقَدْ يُقَالُ ذَاكَ إذَا وَصَلَ لِمَحِلِّ الْإِحَالَةِ وَهُوَ الْمَعِدَةُ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ (قَوْلُهُ: كَأَنْ وَلَغَ فِي بَوْلٍ أَوْ مَاءٍ كَثِيرٍ) فِي التَّمْثِيلِ بِهَذَيْنِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّجِسَ يَقْبَلُ التَّنْجِيسَ وَهَلْ يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ؟ فِيهِ مَا مَرَّ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ بِخِلَافِ النَّجِسِ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَمَيْتَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ إلَخْ (قَوْلُهُ: مُتَغَيِّرٌ بِنَجَاسَةٍ) أَوْ بِطَاهِرٍ لِلْمَاءِ عَنْهُ غِنًى تَغَيُّرًا كَثِيرًا لِمَا مَرَّ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ كَالْمَائِعِ يَنْجَسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالنَّجَسِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ النَّجِسَ يَقْبَلُ التَّنْجِيسَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ مَعَضَّهُ) غَايَةٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَا نَجِسَ إلَخْ: أَيْ وَلَوْ كَانَ مَا نَجَس مَعَضُّ الْكَلْبِ (قَوْلُهُ: إحْدَاهُنَّ) وَفِي نُسْخَةٍ إحْدَاهَا، وَمَا فِي الْأَصْلِ أَوْلَى لِأَنَّ مَا لَا يُعْقَلُ إنْ كَانَ مُسَمَّاهُ عَشَرَةً فَمَا دُونَ فَالْأَكْثَرُ الْمُطَابَقَةُ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ فَالْأَكْثَرُ الْإِفْرَادُ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ عَلَى قَوْله تَعَالَى {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ} [التوبة: 36] الْآيَةَ، فَأَفْرَدَ فِي قَوْلِهِ مِنْهَا لِرُجُوعِهِ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ، وَجَمَعَ فِي قَوْلِهِ {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ} [التوبة: 36] لِرُجُوعِهِ لِلْأَرْبَعَةِ (قَوْلُهُ: كَمَا أَفْتَى بِهِ الْغَزَالِيُّ) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَزْجِهِ بِالْمَاءِ كَمَا يُفِيدُهُ «إحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ» فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمُطَهِّرَ الْمَاءَ الْمَمْزُوجَ بِالتُّرَابِ وَإِنْ كَانَ التُّرَابُ الَّذِي مُزِجَ بِالْمَاءِ طِينًا رَطْبًا (قَوْلُهُ: بِشَرْطِهِ) وَهُوَ امْتِزَاجُهُ بِالتُّرَابِ (قَوْلُهُ: طُهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ) هُوَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ وَالْأَوَّلُ هُنَا أَوْلَى لِلْإِخْبَارِ عَنْهُ بِالْغَسْلِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ، وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ الطَّهُورِ بِالْمُطَهِّرِ أَوْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ نَحْوَ اسْتِعْمَالُ طَهُورِ إنَاءِ أَحَدِكُمْ الْمُزِيلُ لِلنَّجَاسَةِ أَنْ يَغْسِلَهُ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ الْأَشْهَرُ فِيهِ ضَمُّ الطَّاءِ، وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا فَهُمَا لُغَتَانِ (قَوْلُهُ: إذَا وَلَغَ فِيهِ) وَلَغَ الْكَلْبُ وَغَيْرُهُ مِنْ السِّبَاعِ يَلَغُ وَلْغًا مِنْ بَابِ نَفَعَ وَوُلُوغًا شَرِبَ بِلِسَانِهِ وَسُقُوطُ الْوَاوِ كَمَا فِي يَقَعُ، وَوَلِغَ يَلِغُ: مِنْ بَابِ وَرِثَ وَوَسَعَ لُغَةٌ وَيَوْلَغُ مِثْلُ وَجِلَ يَوْجَلُ لُغَةٌ أَيْضًا اهـ مِصْبَاحٌ (قَوْلُهُ: يُصَاحِبُ السَّابِعَةَ) أَيْ فَنَزَلَ التُّرَابُ الْمُصَاحِبُ السَّابِعَةَ مَنْزِلَةَ الثَّامِنَةِ وَسَمَّاهُ بِاسْمِهَا (قَوْلُهُ: بِالْبَطْحَاءِ) الْمُرَادُ بِهِ التُّرَابُ وَأَصْلُهُ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى.
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الْأَبْطَحُ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى، وَالْجَمْعُ الْأَبَاطِحُ وَالْبِطَاحُ بِالْكَسْرِ، وَالْبَطِيحَةُ وَالْبَطْحَاءُ كَالْأَبْطَحِ وَمِنْهُ بَطْحَاءُ مَكَّةَ (قَوْلُهُ: الْمُزِيلَةُ لِلْعَيْنِ) هَلْ الْمُرَادُ بِالْعَيْنِ الْجِرْمُ أَوْ الْمُرَادُ بِهَا مَا يَشْمَلُ الصِّفَةَ؟ الْأَوْفَقُ بِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي تَفْسِيرُ الْعَيْنِ وَهِيَ مَا نَجَّسَ إلَخْ الثَّانِي، ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامِ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ مَا ذُكِرَ نَقْلًا عَنْ م ر وَمِثْلُهُ عَلَى حَجّ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .