الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَسُمِّيَ الْأَوَّلُ كَاذِبًا لِأَنَّهُ يُضِيءُ ثُمَّ يَسْوَدُّ وَيَذْهَبُ.
وَالثَّانِي صَادِقًا لِأَنَّهُ يُصَدِّقُ عَنْ الصُّبْحِ وَيُبَيِّنُهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ إطْلَاقُ الْكَذِبِ عَلَى مَا لَا يَعْقِلُ وَهُوَ «صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك» لِمَا أَوْهَمَهُ مِنْ عَدَمِ حُصُولِ الشِّفَاءِ بِشُرْبِ الْعَسَلِ.
وَذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ لِلْعِشَاءِ أَرْبَعَةَ أَوْقَاتٍ: الْوَقْتَانِ الْمَذْكُورَانِ، وَوَقْتُ فَضِيلَةٍ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَوَقْتُ عُذْرٍ، وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ لِمَنْ يَجْمَعُ (وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) لِخَبَرِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ (وَفِي قَوْلٍ عَنْ نِصْفِهِ) لِخَبَرِ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَخَّرْت صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ» وَرَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَكَلَامُهُ فِي الْمَجْمُوعِ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَيْهِ: قَالَ السُّبْكِيُّ: فَلَا أَدْرِي تَصْحِيحَهُ عَنْ عَمْدٍ فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا فِي كُتُبِهِ أَمْ لَا وَهُوَ الْأَقْرَبُ.
(وَالصُّبْحُ) بِضَمِّ الصَّادِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا لُغَةً أَوَّلُ النَّهَارِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا (بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ) لِخَبَرِ جِبْرِيلَ فَإِنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ وَإِنَّمَا يَحْرُمَانِ بِالصَّادِقِ (وَهُوَ الْمُنْتَشِرُ ضَوْءُهُ مُعْتَرِضًا بِالْأُفُقِ) كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَيَّدَ هُنَا بِالصَّادِقِ وَأَطْلَقَ فِي خُرُوجِ وَقْتِ الْعِشَاءِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْحُكْمَ دَائِرٌ عَلَى الصَّادِقِ الْآتِي فِي كَلَامِهِ (وَيَبْقَى) وَقْتُهَا (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) لِلْخَبَرِ وَهُوَ
(وَقْتُ الصُّبْحِ
مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ) أَيْ بَعْضُهَا كَمَا مَرَّ (وَالِاخْتِيَارُ أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْ الْإِسْفَارِ) أَيْ الْإِضَاءَةِ لِخَبَرِ جِبْرِيلَ الْمَارِّ.
وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَوْقَاتِ فَضِيلَةٍ، وَهِيَ: أَوَّلُهُ ثُمَّ اخْتِيَارٌ إلَى الْإِسْفَارِ، ثُمَّ جَوَازٌ بِلَا كَرَاهَةٍ إلَى الْحُمْرَةِ قَبْلَ طُلُوعِهَا، ثُمَّ جَوَازٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا الْوُسْطَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238] الْآيَةَ إذْ لَا قُنُوتَ إلَّا فِيهَا، وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ «قَالَتْ عَائِشَةُ لِمَنْ يَكْتُبُ لَهَا مُصْحَفًا: اُكْتُبْ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ قَالَتْ: سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» إذْ الْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْحَاوِي: صَحَّتْ الْأَحَادِيثُ أَنَّهَا الْعَصْرُ كَخَبَرِ «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ فَصَارَ هَذَا مَذْهَبَهُ، وَلَا يُقَالُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ كَمَا وَهِمَ فِيهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: نَعَمْ الْأَصَحُّ أَنَّهَا الْعَصْرُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي تَسْمِيَةِ الصُّبْحِ غَدَاةً كَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
نَعَمْ الْأَوْلَى عَدَمُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَالْجَمْعُ سَرَاحِينُ، وَيُقَالُ لِلْفَجْرِ الْكَاذِبِ عَلَى التَّشْبِيهِ اهـ (قَوْلُهُ: يُصَدِّقُ عَنْ الصُّبْحِ) أَيْ يَكْشِفُ (قَوْلُهُ: وَيُبَيِّنُهُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ: أَرْبَعَةَ أَوْقَاتٍ) أَيْ زِيَادَةً عَلَى وَقْتَيْ الضَّرُورَةِ وَالْحُرْمَةِ (قَوْلُهُ: الْوَقْتَانِ الْمَذْكُورَانِ) أَيْ وَهُمَا قَوْلُهُ: فِيمَا مَضَى فِي أَوْقَاتِ الظُّهْرِ، وَلَهَا أَيْضًا وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَسَيَأْتِي، وَوَقْتُ حُرْمَةٍ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي لَا يَسَعُهَا وَإِنْ وَقَعَتْ أَدَاءً لَكِنَّهُمَا يَجْرِيَانِ فِي غَيْرِ الظُّهْرِ، وَقَوْلُهُ وَوَقْتُ فَضِيلَةٍ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَوَقْتُ عُذْرٍ إلَخْ عَطْفٌ عَلَى الْوَقْتَانِ (قَوْلُهُ وَرَجَّحَهُ) أَيْ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ.
(قَوْلُهُ: عَنْ الْإِسْفَارِ) يُقَالُ سَفَّرَ الصُّبْحُ وَأَسْفَرَ، وَيَجِبُ حَمْلُ عَنْ الْإِسْفَارِ عَلَى اسْتِعْمَالِ عَنْ بِمَعْنَى إلَى لِتُوَافِقَ عِبَارَةَ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا، أَوْ يُرَادُ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْإِسْفَارِ فَإِنَّهَا إذَا وَقَعَتْ فِيهِ صُدِّقَ أَنَّهَا أُخِّرَتْ عَنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، لَكِنَّ هَذَا الْأَخِيرَ يَقْتَضِي أَنَّ مُقَارَنَةَ آخِرِهَا لِلْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ الِاخْتِيَارِ، فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بَلْ مُتَعَيَّنٌ اهـ عَمِيرَةُ؟ (قَوْلُهُ: ثُمَّ) اخْتِيَارُ التَّعْبِيرِ بِثُمَّ يُفِيدُ أَنَّ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لَا يُشَارِكُ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ، وَقَوْلُ الْمَنْهَجِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَالِاخْتِيَارِ مِنْ ذَلِكَ: أَيْ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ إلَخْ، وَتَعْبِيرُهُ بِمِثْلِهِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ يَقْتَضِي أَنَّ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاخْتِيَارِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ اخْتِيَارٌ لَا غَيْرُ، وَمِثْلُ مَا فِي
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: الْمَذْكُورَانِ) أَيْ فِي الْمَتْنِ قَبْلُ وَبَعْدُ، فَقَوْلُهُ، وَيَبْقَى إلَى الْفَجْرِ الصَّادِقِ هُوَ وَقْتُ الْجَوَازِ، وَالْآتِي وَقْتُ الِاخْتِيَارِ
[وَقْتُ الصُّبْح]
(قَوْلُهُ: ثُمَّ اخْتِيَارُ) أَيْ: فَقَطْ وَإِلَّا، فَهُوَ يُشَارِكُ الْفَضِيلَةَ فِي وَقْتِهَا.
وَتُسَمَّى فَجْرًا وَصُبْحًا لِوُرُودِ الْفَجْرِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِهِمَا مَعًا (قُلْت: يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ عِشَاءً وَ) تَسْمِيَةُ (الْعِشَاءِ عَتَمَةً) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ، قَالَ: وَتَقُولُ الْأَعْرَابُ هِيَ الْعِشَاءُ» وَلِقَوْلِهِ «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ أَلَا إنَّهَا الْعِشَاءُ وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ» وَمَا وَرَدَ عَنْ تَسْمِيَتِهَا عَتَمَةً فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ أَنَّهُ خَاطَبَ بِهِ مَنْ يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ بِالْمَغْرِبِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْيِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ كَرَاهَةِ تَسْمِيَتِهَا عَتَمَةً هُوَ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَالتَّحْقِيقِ، لَكِنَّهُ فِي الْمَجْمُوعِ نَقَلَ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى بِذَلِكَ، وَذَهَبَ إلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ تُكْرَهُ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: فَظَهَرَ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ، وَقَدْ فَهِمَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُخَالَفَةَ، وَأَفَادَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَدَمَهَا إذْ لَيْسَ فِي النَّصِّ حُكْمُ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ، وَقَدْ سَكَتَ عَنْهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَصَرَّحَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى بِكَرَاهَتِهَا وَهُوَ الْوَجْهُ لِوُرُودِ النَّهْيِ الْخَاصِّ فِيهَا.
(وَ) يُكْرَهُ (النَّوْمُ قَبْلَهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ اسْتِمْرَارِهِ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ وَلِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنَّ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ تَعُمُّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ، وَسِيَاقُ كَلَامِهِمْ يُشْعِرُ بِتَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ أَيْضًا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الْمَنْهَجِ فِي مَتْنِ الرَّوْضِ (قَوْلُهُ: يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ عِشَاءً) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بِالتَّغْلِيبِ كَالْعِشَاءَيْنِ، وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ حَيْثُ قَالَ: وَغَلَبَ فِي التَّثْنِيَةِ الْعَصْرُ لِشَرَفِهَا وَالْمَغْرِبُ لِلنَّهْيِ عَنْ تَسْمِيَتِهَا عِشَاءً، لَكِنْ نَقَلَ سم فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ عَنْ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ: أَيْ مَعَ التَّغْلِيبِ (قَوْلُهُ: وَتَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ) لَا يُقَالُ: كَانَ الْأَوْلَى عَدَمَ تَقْدِيرِ التَّسْمِيَةِ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمَعْطُوفِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ: لِأَنَّا نَقُولُ: الْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْعَامِلَ فِيهِ التَّسْمِيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَتْنِ كَمَا أَجَابُوا بِهِ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ قِيلَ لَمْ يَقُمْ وَلَمْ يَقْعُدْ زَيْدٌ مِنْ قَوْلِهِمْ ذِكْرُ لَمْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ تَقْدِيرَ عَامِلٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ، بَلْ مُرَادُهُمْ بِهِ مُجَرَّدُ بَيَانِ الْعَامِلِ الْمُتَقَدِّمِ (قَوْلُهُ: عَدَمَهَا) أَيْ عَدَمَ الْمُخَالَفَةِ (قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ الْكَرَاهَةُ وَقَوْلُهُ: الْوَجْهُ مُعْتَمَدٌ.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ) عِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ: بَلْ وَلَا يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ رَمْلِيٌّ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعِشَاءِ فَلَا يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَشَامِلٌ لِلْجُمُعَةِ أَيْضًا فَلَا يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهُ وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِهَا قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ السَّعْيِ عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَعِيدُ الدَّارِ لَا يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ إلَى الْجُمُعَةِ إلَّا بِالسَّعْيِ قَبْلَهَا نُزِّلَ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ السَّعْيُ مَنْزِلَةَ وَقْتِ الْجُمُعَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ لَأَدَّى إلَى عَدَمِ طَلَبِهَا مِنْهُ، وَالنَّوْمُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُسْتَلْزِمًا لِتَفْوِيتِ الْجُمُعَةِ اعْتَبَرَ لِحُرْمَتِهِ خِطَابَهُ بِالْجُمُعَةِ وَهُوَ لَا يُخَاطَبُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، لَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ أَنَّ حُرْمَةَ النَّوْمِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ هُوَ قِيَاسُ وُجُوبِ السَّعْيِ عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ.
قَالَ: وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعِيدُ الدَّارِ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: لِوُرُودِ الْفَجْرِ فِي الْكِتَابِ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ بِالثَّانِي أَيْ: الْفَجْرِ وَالسُّنَّةُ بِهِمَا مَعًا (قَوْلُهُ: عَدَمَهَا) أَيْ الْمُخَالِفَةِ لِمَا بَيَّنَهُ بَعْدُ.
وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ الَّذِي فَهِمَهُ مِنْهُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْأُمِّ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُكْمِ التَّسْمِيَةِ، إذْ الَّذِي فِيهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تُسَمَّى فَيَبْقَى إذَا سُمِّيَتْ هَلْ يَكُونُ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى؟ لَا تَعَرُّضَ فِي النَّصِّ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمُحَقِّقُونَ التَّابِعُونَ لِلنَّصِّ سَاكِتُونَ عَنْ ذَلِكَ، فَرَجَعْنَا إلَى الْكَرَاهَةِ الْمُصَرَّحِ بِهَا فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ وَالتَّحْقِيقِ الْوَارِدِ بِهَا النَّصُّ
قَوْلُهُ: (وَسِيَاقُ كَلَامِهِمْ يُشْعِرُ بِتَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ) أَيْ: فَالْكَرَاهَةُ خَاصَّةٌ بِهِ فَمَا نَقَلَهُ بَعْدُ عَنْ بَحْثِ الْإِسْنَوِيِّ مُخَالِفٌ لَهُ وَمِنْ ثَمَّ اعْتَمَدَ الزِّيَادِيُّ خِلَافَهُ، وَسَيَأْتِي أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إذَا ظَنَّ يَقَظَتَهُ فِي الْوَقْتِ وَإِلَّا حَرُمَ
قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ فِعْلِ الْمَغْرِبِ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ (وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا) مَكْرُوهًا كَانَ أَوْ مُبَاحًا لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ وَلَكِنَّ الْمَكْرُوهَ أَشَدُّ كَرَاهَةً هُنَا، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ نَوْمَهُ قَدْ يَتَأَخَّرُ فَيَخَافُ فَوْتَ الصُّبْحِ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ عَنْ أَوَّلِهِ أَوْ يَفُوتُهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ إنْ اعْتَادَهَا وَلِتَقَعَ الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ خَاتِمَةَ عَمَلِهِ، وَالنَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَرُبَّمَا مَاتَ فِي نَوْمِهِ وَبِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ سَكَنًا وَهَذَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ، وَأَظْهَرُ الْمَعَانِي الْأَوَّلُ، وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ مَا لَوْ جَمَعَ الْعِشَاءَ مَعَ الْمَغْرِبِ تَقْدِيمًا، وَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ خِلَافُهُ، وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْلَهَا إذَا ظَنَّ تَيَقُّظَهُ فِي الْوَقْتِ وَإِلَّا حَرُمَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ نَامَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يَحْرُمْ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ تَيَقُّظِهِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِهَا، وَلَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَعَزْمِهِ عَلَى الْفِعْلِ وَأَزَالَ تَمْيِيزَهُ فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ مُطْلَقًا وَلَا كَرَاهَةَ، وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَدَمَ كَرَاهَةِ الْحَدِيثِ قَبْلَهَا، لَكِنَّ قَضِيَّةَ التَّعْلِيلِ بِخَوْفِ الْفَوْتِ عَدَمُ الْفَرْقِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ إبَاحَةَ الْكَلَامِ قَبْلَ الصَّلَاةِ تَنْتَهِي بِالْأَمْرِ بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلَا ضَابِطَ لَهُ فَخَوْفُ الصَّلَاةِ فِيهِ أَكْثَرُ اهـ (إلَّا فِي خَيْرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) كَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَحَدِيثٍ وَمُذَاكَرَةِ فِقْهٍ وَإِينَاسِ ضَيْفٍ وَتَكَلُّمٍ بِمَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ كَحِسَابٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ نَاجِزٌ فَلَا يُتْرَكُ لِمَفْسَدَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُنَا عَامَّةَ لَيْلِهِ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ» وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمُسَافِرَ.
وَمِنْ كَرَاهَتِهِ قَبْلَهَا إنْ قُلْنَا بِهَا الْمُنْتَظِرَ جَمَاعَةً بَعْدَ مُضِيِّ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِحَدِيثِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَبْلَ الْوَقْتِ وَحَرُمَ النَّوْمُ الْمُفَوِّتُ لِذَلِكَ السَّعْيِ الْوَاجِبِ (قَوْلُهُ: قَبْلَهُ) قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ عَدَمُ تَحْرِيمِ النَّوْمِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَسْتَيْقِظُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِخِفَّةِ أَمْرِهَا تَوَسَّعُوا فِيهَا فَأَثْبَتُوهَا لِمُجَرَّدِ الِاحْتِيَاطِ وَلَا كَذَلِكَ التَّحْرِيمُ (قَوْلُهُ: وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ فِعْلِهَا.
قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَالْمُرَادُ الْحَدِيثُ الْمُبَاحُ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ.
أَمَّا الْمَكْرُوهُ فَهُوَ هُنَا أَشَدُّ كَرَاهَةً وَكَذَا الْمُحَرَّمُ.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: كَسِيرَةِ الْبَطَّالِ وَغَيْرِهِ وَالْأَخْبَارِ الْكَاذِبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ سَمَاعُهَا لِعَدَمِ صِحَّتِهَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي الِاعْتِكَافِ، وَعَدَمُ صِحَّتِهَا لَا يَكْفِي فِي التَّعْلِيلِ إلَّا إنْ أُرِيدَ بِهِ تَحَقُّقُ كَذِبِهَا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي سِيرَةِ الْبَطَّالِ وَغَيْرِهِ اهـ. وَأُلْحِقَ بِالْحَدِيثِ نَحْوُ الْخِيَاطَةِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَغَيْرِهِ اهـ سم عَلَى حَجّ (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ) أَيْ فَلَا يُكْرَهُ.
قَالَ ع بَعْدَ هَذَا قَالَ: أَيْ الْإِسْنَوِيُّ: فَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ فَهَلْ يَكُونُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ أَوْ بِمُضِيِّ قَدْرِ زَمَنِ الْفِعْلِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي.
وَنَقَلَهُ سم عَنْ حَجّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لَكِنْ جَزَمَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمَنْهَجِ بِالْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ: إلَّا إذَا جَمَعَهَا تَقْدِيمًا مَعَ الْمَغْرِبِ فَلَا يُكْرَهُ بَعْدَهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا اهـ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يَسَعُ فِعْلَهَا (قَوْلُهُ: وَإِلَّا حَرُمَ) مِثْلُهُ مَا لَوْ وَهِمَ عَدَمَ اسْتِيقَاظِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ (قَوْلُهُ وَإِينَاسِ ضَيْفٍ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا وَإِلَّا حَرُمَ إلَّا لِعُذْرٍ كَخَوْفٍ مِنْهُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَهَذَا إذَا كَانَ إينَاسُهُ لَهُ لِكَوْنِهِ فَاسِقًا.
أَمَّا لَوْ كَانَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ شَيْخَهُ أَوْ مُعَلِّمَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، فَإِنْ لَمْ يُلَاحَظْ فِي إينَاسِهِ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَيَظْهَرُ إلْحَاقُهُ بِالْأَوَّلِ فَيَحْرُمُ (قَوْلُهُ: بِمَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ) وَمِنْهَا مُحَادَثَةُ الزَّوْجَةِ (قَوْلُهُ: عَامَّةَ لَيْلِهِ) أَيْ أَكْثَرَهُ (قَوْلُهُ: الْمُسَافِرَ) أَيْ فَلَا يُكْرَهُ فِي حَقِّهِ الْحَدِيثُ بَعْدَهَا مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي خَيْرٍ أَوْ حَاجَةِ السَّفَرِ (قَوْلُهُ: إنْ قُلْنَا بِهَا) أَيْ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ (قَوْلُهُ: مَضَى وَقْتُ الِاخْتِيَارِ) أَيْ فَلَا يُكْرَهُ، وَمَعْلُومٌ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ قَبْلَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ فَرْقَ الْإِسْنَوِيِّ بَيْنَ الْحَدِيثِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ قَبْلَهَا بَعْدَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ.
هَذَا، وَفِي حَجّ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا قَبْلَهَا فَإِنْ فَوَّتَ الِاخْتِيَارَ كُرِهَ: أَيْ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَتُسَمَّى كَرَاهَةً خَفِيفَةً وَإِلَّا فَلَا إلَّا لِمُنْتَظِرِ الْجَمَاعَةِ لِيُعِيدَهَا مَعَهُمْ وَلَوْ بُعَيْدَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ وَلِلْمُسَافِرِ ثُمَّ قَالَ: وَإِلَّا لِعُذْرٍ أَوْ فِي خَيْرٍ.
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«لَا سَمَرَ بَعْدَ الْعِشَاءِ إلَّا لِمُصَلٍّ أَوْ مُسَافِرٍ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
وَتَجِبُ الصَّلَاةُ بِأَوَّلِ وَقْتِهَا وُجُوبًا مُوَسَّعًا فَلَا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهِ إلَى آخِرِهِ إنْ عَزَمَ فِي أَوَّلِهِ عَلَى فِعْلِهَا فِيهِ وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِهَا إلَّا مَا يَسَعُهَا فَقَطْ، بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ مُوَسَّعٌ وَلَكِنَّهُ يَأْثَمُ بِالْمَوْتِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ إذْ لَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِعِصْيَانِهِ لَأَدَّى إلَى فَوَاتِ مَعْنَى الْوُجُوبِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَهَا حَالَةٌ أُخْرَى يَعْصِي فِيهَا وَهُوَ إخْرَاجُهَا عَنْ وَقْتِهَا، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مَوْتُهُ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ تَعَيَّنَتْ فِيهِ ثُمَّ لَوْ لَمْ يَمُتْ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ تَصِرْ بِفِعْلِهَا فِي بَاقِيهِ قَضَاءً، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَوَّلَ وَقْتِهَا كَمَا قَالَ (وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ) وَلَوْ عِشَاءً لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: 238] وَمِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا تَعْجِيلُهَا، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]
ــ
[حاشية الشبراملسي]
كَعِلْمٍ شَرْعِيٍّ اهـ.
وَمُرَادُهُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِالشَّرْعِ لَا خُصُوصُ الشَّرْعِيِّ بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْفِقْهُ وَالْحَدِيثُ وَالتَّفْسِيرُ وَمِنْهُ النَّحْوُ وَالصَّرْفُ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، أَوْ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحَدِيثَ بَعْدَهَا لِانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ يُعِيدُهَا مَعَهُمْ غَيْرُهُ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ خِلَافُ مَا فَرَضَ الشَّارِحُ الْكَلَامَ فِيهِ مِنْ أَنَّ انْتِظَارَ الْجَمَاعَةِ قَبْلَهَا لَا يُكْرَهُ فَيَصِيرُ الْحَاصِلُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْحَدِيثُ لِانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ لَا قَبْلَ فِعْلِهَا وَلَا بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: لَا سَمَرَ) أَيْ لَا حَدِيثَ (قَوْلُهُ: أَوْ مُسَافِرٍ) نَازَعَ فِيهِ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ بِأَنَّ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى مَا حَاصِلُهُ أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ الْمُسَافِرُ لِإِعَانَتِهِ عَلَى السَّتْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: إنْ عَزَمَ) أَيْ فَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ أَثِمَ وَإِنْ فَعَلَهَا فِي الْوَقْتِ وَهَذَا عَزْمٌ خَاصٌّ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا عَزْمٌ عَامٌّ، وَهُوَ أَنْ يَعْزِمَ عَقِبَ الْبُلُوغِ عَلَى فِعْلِ كُلِّ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ كُلِّ الْمَعَاصِي كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ سم فِي الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ إلَخْ) أَقُولُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصَّلَاةَ وَقْتٌ مَحْدُودٌ فَيَتَحَقَّقُ الْإِثْمُ بِفَوَاتِهِ، بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ فَلَوْ لَمْ نُؤَثِّمْهُ بِالْمَوْتِ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُوبُهُ (قَوْلُهُ: إذْ لَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِعِصْيَانِهِ) يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ مَا فَاتَ بِعُذْرٍ مِنْ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ كَالْحَجِّ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: وَمِثْلُ الْحَجِّ فَائِتَةٌ بِعُذْرٍ لِأَنَّ وَقْتَهَا الْعُمْرُ أَيْضًا اهـ، وَمُقْتَضَى تَشْبِيهِهِ بِالْحَجِّ أَنَّهُ بِالْمَوْتِ يَتَبَيَّنُ إثْمُهُ مِنْ آخِرِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْضًا: فَإِنْ قُلْت: مَرَّ فِي النَّوْمِ أَنَّهُ لَوْ تَوَهَّمَ الْفَوْتَ مَعَهُ حَرُمَ فَهَلْ قِيَاسُهُ هَذَا حَتَّى يَتَضَيَّقَ بِتَوَهُّمِ الْفَوْتِ؟ قُلْت: نَعَمْ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ النَّوْمِ التَّفْوِيتَ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا مَعَ ظَنِّ الْإِدْرَاكِ بِخِلَافِهِ هُنَا اهـ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مَوْتُهُ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ تَعَيَّنَتْ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ تَوَهَّمَ مَوْتَهُ لَمْ يَأْثَمْ بِالتَّأْخِيرِ بِنَاءً عَلَى مَا اقْتَضَاهُ الْعَطْفُ لِلشَّكِّ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ فَلَا يَكُونُ التَّوَهُّمُ مُلْحَقًا بِتَوَهُّمِ الْفَوَاتِ بِالنَّوْمِ، فَإِنْ حُمِلَ الشَّكُّ عَلَى مُطْلَقِ التَّرَدُّدِ اقْتَضَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْفَوَاتِ بِالنَّوْمِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ) .
[تَنْبِيهٌ] فَرَّقَ ابْنُ الْقَيِّمِ بَيْنَ الْمُبَادَرَةِ وَالْعَجَلَةِ بِأَنَّ الْمُبَادَرَةَ انْتِهَازُ الْفُرْصَةِ فِي وَقْتِهَا فَلَا يَتْرُكُهَا حَتَّى إذَا فَاتَتْ طَلَبَهَا فَهُوَ لَا يَطْلُبُ الْأُمُورَ فِي إدْبَارِهَا وَلَا قَبْلَ وَقْتِهَا، بَلْ إذَا حَضَرَ وَقْتُهَا بَادَرَ إلَيْهَا وَوَثَبَ عَلَيْهَا، وَالْعَجَلَةُ طَلَبُ أَخْذِ الشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِهِ اهـ مُنَاوِيٌّ فِي شَرْحِهِ لِلْجَامِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «بَادِرُوا بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ» إلَخْ، وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ التَّعْبِيرَ هُنَا بِالتَّعْجِيلِ لِلْمُبَالَغَةِ وَهُوَ مَجَازٌ عَنْ الْمُبَادَرَةِ لَكِنَّهُ لِشِدَّتِهَا كَأَنَّهُ طَلَبَ الصَّلَاةَ قَبْلَ وَقْتِهَا، أَوْ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ الِاشْتِغَالُ بِأَسْبَابِهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا فَذَلِكَ كَالطَّلَبِ لَهَا قَبْلَ وَقْتِهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ عِشَاءً) أَخَذَهَا غَايَةً تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ بَعْدُ: وَفِي قَوْلٍ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] أَيْ ابْتَدِرُوهَا.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148] فَابْتَدِرُوهَا انْتِهَازًا لِلْفُرْصَةِ وَحِيَازَةً لِفَضْلِ السَّبْقِ وَالتَّقَدُّمِ اهـ.
وَالْفُرْصَةُ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَفَارَصَ الْقَوْمُ الْمَاءَ الْقَلِيلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ نَوْبَةٌ، فَيُقَالُ يَا فُلَانُ جَاءَتْ فُرْصَتُك: أَيْ نَوْبَتُك وَوَقْتُك الَّذِي تَسْتَقِي فِيهِ فَيُسَارِعُ لَهُ.
وَانْتَهَزَ الْفُرْصَةَ: أَيْ شَمَّرَ لَهَا مُبَادِرًا،
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَقَوْلِهِ {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133] وَالصَّلَاةُ مِنْ الْخَيْرَاتِ، وَسَبَبُ الْمَغْفِرَةِ، وَلِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه «سَأَلْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا» وَأَمَّا خَبَرُ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» فَمُعَارَضٌ بِذَلِكَ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْفَارِ ظُهُورُ الْفَجْرِ الَّذِي بِهِ يُعْلَمُ طُلُوعُهُ، فَالتَّأْخِيرُ إلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ تَعْجِيلِهِ عِنْدَ ظَنِّ طُلُوعِهِ، وَأَمَّا خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ» فَجَوَابُهُ أَنَّ تَعْجِيلَهَا هُوَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَفِي آخِرِهِ عَفْوُ اللَّهِ» قَالَ إمَامُنَا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إنَّمَا يَكُونُ لِلْمُحْسِنِينَ، وَالْعَفْوُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُقَصِّرِينَ، وَلَا يُمْنَعُ تَحْصِيلُ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَوْ اشْتَغَلَ أَوَّلَهُ بِأَسْبَابِهَا مِنْ طَهَارَةٍ وَأَذَانٍ وَسَتْرٍ وَأَكْلِ لُقَمٍ وَتَقْدِيمِ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ بَلْ لَوْ أَخَّرَ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِهَا حَصَّلَ فَضِيلَةَ أَوَّلِهِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ، وَلَا يُكَلَّفُ السُّرْعَةَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
وَالْجَمْعُ فُرَصٌ مِثْلَ: غَرْفَةٌ وَغُرَفٌ (قَوْلُهُ: وَقَوْلِهِ وَسَارِعُوا) قَالَ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: مَعْنَى الْمُسَارَعَةِ إلَى الْمَغْفِرَةِ وَالْجَنَّةِ الْإِقْبَالُ عَلَى مَا يُوَصِّلُ إلَيْهِمَا ثُمَّ قِيلَ هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ أَوْ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى أَوْ الطَّاعَةُ أَوْ الْإِخْلَاصُ أَوْ التَّوْبَةُ أَوْ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ.
(قَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ) أَيْ وَأَمَّا التَّأْخِيرُ فَكَانَ لِعُذْرٍ وَمَصْلَحَةٍ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ. وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ كَانَ تُفِيدُ التَّكْرَارَ.
لِأَنَّا نَقُولُ: أَمَّا أَوَّلًا فَإِفَادَتُهَا التَّكْرَارَ لَيْسَ مِنْ وَضْعِهَا بَلْ بِحَسَبِ الْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَتَقُولُ سَلَّمْنَا إفَادَتَهَا التَّكْرَارَ لَكِنَّهُ يَصْدُقُ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ وَتَكَرُّرُهَا بِتَكَرُّرِ الْعُذْرِ وَالْأَكْثَرُ التَّعْجِيلُ بَلْ هُوَ الْأَصْلُ (قَوْلُهُ: لَوْ اشْتَغَلَ) هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ: أَيْ اشْتِغَالُهُ لِأَنَّ لَوْ مِنْ الْحُرُوفِ الْمَصْدَرِيَّةِ الَّتِي تُسْبَكُ بِالْمَصْدَرِ (قَوْلُهُ: وَأَكْلِ لُقَمٍ) أَيْ مُوَفِّرَةٍ لِلْخُشُوعِ كَمَا فِي حَجّ، وَلَعَلَّ جَعْلَهُ سَبَبًا لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْخُشُوعِ فِيهَا وَإِلَّا فَالْأَكْلُ لَيْسَ مِنْ أَسْبَابِهَا.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الشِّبَعَ يُفَوِّتُ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ، وَقَدْ يُخَالِفُهُ مَا مَرَّ لَهُ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَالْأَقْرَبُ إلْحَاقُ مَا هُنَا بِمَا هُنَاكَ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ سم عَلَى حَجّ الْمَذْكُورِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ نَقْلًا عَنْ الزَّرْكَشِيّ، وَلَعَلَّ الْعِبْرَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْوَسَطُ مِنْ غَالِبِ النَّاسِ لِئَلَّا يَخْتَلِفَ وَقْتُ الْفَضِيلَةِ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُصَلِّينَ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْهُودٍ وَعُمُومُهُ شَامِلٌ لِهَذِهِ، فَلَوْ خَالَفَ عَادَةَ الْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَاتَتْهُ سُنَّةُ التَّعْجِيلِ فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ وَنَوَى أَنَّهُ لَوْ خَلَا عَنْ الْعُذْرِ عَجَّلَ فَمِنْ الظَّاهِرِ عَدَمُ حُصُولِ السُّنَّةِ، وَلَكِنْ لَا مَانِعَ أَنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ لَهُ ثَوَابًا مِثْلَ ثَوَابِهِ لَوْ عَجَّلَ لِامْتِثَالِهِ أَمْرَ الشَّارِعِ (قَوْلُهُ: بِقَدْرِ ذَلِكَ) أَيْ أَسْبَابِهَا وَمِثْلُهُ فِي حَجّ لَكِنَّ ابْنَ حَجّ بَيَّنَ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْبَابِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي وَقْتِ الْفَضِيلَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بِالْفِعْلِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ بِالْفِعْلِ حَتَّى لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ الْأَسْبَابَ عَلَى الْوَقْتِ وَأَخَّرَ بِقَدْرِهَا مِنْ أَوَّلِهِ حَصَلَ سُنَّةُ التَّعْجِيلِ، وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ عَلَى الْجَدِيدِ زَمَنُ مَا يَجِبُ وَيُنْدَبُ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ وَإِنْ نَدَرَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ) أَيْ بِأَنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا (قَوْلُهُ: حَصَّلَ فَضِيلَةَ أَوَّلِهِ إلَخْ) أَيْ لَكِنَّ الْفِعْلَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَ بَعْدُ صُدِّقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ فِي وَقْتِ الْفَضِيلَةِ كَمَنْ أَدْرَكَ التَّحَرُّمَ مَعَ الْإِمَامِ، وَمَنْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ فَالْحَاصِلُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ لَكِنَّ دَرَجَاتِ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ (قَوْلُهُ: كَمَا فِي الذَّخَائِرِ) هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (قَوْلُهُ: وَلَا يُكَلَّفُ السُّرْعَةَ إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ: وَيُنْدَبُ لِلْإِمَامِ الْحِرْصُ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ لَكِنْ بَعْدَ مُضِيِّ قَدْرِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَفِعْلِهِمْ لِأَسْبَابِهَا عَادَةً، وَبَعْدَهُ يُصَلِّي بِمَنْ حَضَرَ وَإِنْ قَلَّ، لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الْقَلِيلَةَ أَوَّلَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْكَثِيرَةِ آخِرَهُ، وَلَا يَنْتَظِرُ وَلَوْ هُوَ شَرِيفٌ وَعَالِمٌ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَأَكْلِ لُقَمٍ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْبَابِ أَعَمُّ مِمَّا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ أَوْ كَمَالُهَا، بِخِلَافِ صَنِيعِ الشِّهَابِ حَجّ حَيْثُ جَعَلَهَا مِنْ الشُّغْلِ الْخَفِيفِ، إذْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْبَابِ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ فَحَسْبُ
عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَلَوْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شُغْلًا خَفِيفًا أَوْ أَتَى بِكَلَامٍ قَصِيرٍ أَوْ أَخْرَجَ حَدَثًا يُدَافِعُهُ أَوْ حَصَلَ مَاءٌ وَنَحْوُهُ لَمْ يَمْنَعْهَا أَيْضًا (وَفِي قَوْلٍ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ) مَا لَمْ يُجَاوِزْ وَقْتَ الِاخْتِيَارِ لِلْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي أُجِيبَ عَنْهَا، وَالْمَشْهُورُ اسْتِحْبَابُ التَّعْجِيلِ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ، وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ التَّعْجِيلِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ، فَإِنْ عَارَضَهُ وَذَلِكَ فِي نَحْوِ أَرْبَعِينَ صُورَةً فَلَا يَكُونُ مَطْلُوبًا: مِنْهَا نَدْبُ التَّأْخِيرِ لِمَنْ يَرْمِي الْجِمَارَ وَلِمُسَافِرٍ سَائِرٍ وَقْتَ الْأُولَى وَلِلْوَاقِفِ بِعَرَفَةَ فَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَإِنْ كَانَ نَازِلًا وَقْتَهَا لِيَجْمَعَهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ وَلِمَنْ تَيَقَّنَ وُجُودَ الْمَاءِ أَوْ السُّتْرَةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ آخِرَ الْوَقْتِ.
نَعَمْ الْأَفْضَلُ كَمَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ أَنْ يُصَلِّيَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا ثُمَّ فِي الْجَمَاعَةِ أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ آخِرَ الْوَقْتِ، وَلِدَائِمِ الْحَدَثِ إذَا رَجَا الِانْقِطَاعَ، وَلِمَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ فِي يَوْمِ غَيْمٍ حَتَّى يَتَيَقَّنَهُ أَوْ يَظُنَّ فَوَاتَهُ لَوْ أَخَّرَهَا.
وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا تَرَجَّحَتْ مَصْلَحَةُ فِعْلِهِ وَلَوْ أُخِّرَ فَاتَتْ يُقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَأَنَّ كُلَّ كَمَالٍ كَالْجَمَاعَةِ اقْتَرَنَ بِالتَّأْخِيرِ وَخَلَا عَنْهُ التَّقْدِيمُ يَكُونُ التَّأْخِيرُ مَعَهُ أَفْضَلَ.
وَقَدْ أَشَارَ لِبَعْضِ الصُّوَرِ بِقَوْلِهِ (وَيُسَنُّ الْإِبْرَادُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فَإِنْ انْتَظَرَ كُرِهَ. وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا اشْتَغَلَ صلى الله عليه وسلم: أَيْ بِحَيْثُ تَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِ عَادَتِهِ أَقَامَ الصَّلَاةَ، فَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً وَابْنُ عَوْفٍ أُخْرَى مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَطُلْ تَأَخُّرُهُ بَلْ أَدْرَكَ صَلَاتَيْهِمَا وَاقْتَدَى بِهِمَا وَصَوَّبَ فِعْلَهُمَا.
نَعَمْ يَأْتِي فِي تَأَخُّرِ الرَّوَاتِبِ تَفْصِيلٌ لَا يُنَافِيهِ هَذَا لِعِلْمِهِمْ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم بِالْحِرْصِ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ اهـ.
وَقَدْ يُشْكِلُ قَوْلُهُ إنَّ الْجَمَاعَةَ الْقَلِيلَةَ أَوَّلَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْكَثِيرَةِ آخِرَهُ إلَخْ عَلَى قَوْلِهِ كَالرَّمْلِيِّ إنَّ كُلَّ كَمَالٍ اقْتَرَنَ بِالتَّأْخِيرِ وَخَلَا عَنْهُ التَّقْدِيمُ يَكُونُ التَّأْخِيرُ مَعَهُ أَفْضَلَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ مُرَادَهُ بِالْكَمَالِ السُّنَّةُ الَّتِي تَحْصُلُ مَعَ التَّأْخِيرِ وَتَفُوتُ مِنْ أَصْلِهَا بِالتَّقْدِيمِ، بِخِلَافِ صُورَةِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهَا حَاصِلَةٌ مَعَ كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَإِنْ فَاتَ بِتَقْدِيمِهَا صِفَةُ كَمَالٍ فِيهَا.
وَيُعَارِضُهُ مَا قَالَهُ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ قَصَدَ الصَّلَاةَ فِي نَحْوِ مَسْجِدٍ بَعِيدٍ لِنَحْوِ كِبَرِهِ أَوْ فِقْهِ إمَامِهِ نُدِبَ لَهُ الْإِبْرَادُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ فِي قَرِيبٍ عَلَى الْأَوْجَهِ اهـ (قَوْلُهُ: وَلِلْوَاقِفِ بِعَرَفَةَ فَيُؤَخِّرُ إلَخْ) بَقِيَ مَا لَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ فَوْتُ عَرَفَةَ وَانْفِجَارُ الْمَيِّتِ فَهَلْ يُقَدِّمُ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِي فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ تَقْدِيمُ الثَّانِي لِأَنَّ فِيهِ هَتْكًا لِحُرْمَتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ (قَوْلُهُ: ثُمَّ فِي الْجَمَاعَةِ) وَمِثْلُهَا السُّتْرَةُ وَالْمَاءُ فَيُعِيدُ إذَا وَجَدَهَا فِي الْوَقْتِ وَلَوْ مُنْفَرِدًا، وَيَكُونُ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ تَوَقُّفِ صِحَّةِ الْمُعَادَةِ عَلَى جَمَاعَةٍ (قَوْلُهُ: إذَا رَجَا) أَمَّا إذَا تَحَقَّقَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ، وَهَلْ الْجَرِيحُ الْمُتَيَمِّمُ عَنْ الْجِرَاحَةِ إذَا تَحَقَّقَ الْبُرْءُ آخِرَ الْوَقْتِ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ لِيُصَلِّيَ بِالْوُضُوءِ الْكَامِلِ أَوْ يَكُونُ أَوْلَى لَهُ فَقَطْ؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ دَائِمَ الْحَدَثِ يُصَلِّي مَعَ الْحَدَثِ، فَالْقِيَاسُ بُطْلَانُ صَلَاتِهِ دُونَ الْمُتَيَمِّمِ عَنْ الْجِرَاحَةِ، فَإِنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ (قَوْلُهُ يَكُونُ التَّأْخِيرُ مَعَهُ) زَادَ حَجّ: لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى لَا يُنَافِيَ مَا يَأْتِي فِي الْإِبْرَادِ مَعَهُ اهـ.
وَيُفِيدُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ قَبْلُ: نَعَمْ الْأَفْضَلُ كَمَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ الْإِبْرَادُ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ.
وَقَدْ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ التَّعْجِيلِ إلَخْ وَهَذَا مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الدَّجَّالِ.
أَمَّا هِيَ فَلَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى فِيهَا زَوَالُ الْحَرِّ فِي وَقْتٍ يَذْهَبُ فِيهِ لِمَحَلِّ الْجَمَاعَةِ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ، وَنَقَلَ بِالدَّرْسِ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ مُعَلِّلًا بِانْتِفَاءِ الظِّلِّ اهـ. أَقُولُ: وَأَمَّا الْبَوَادِي الَّتِي لَيْسَ فِيهَا حِيطَانٌ يَمْشِي فِيهَا طَالِبُ الْجَمَاعَةِ فَالظَّاهِرُ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ سَنُّ الْإِبْرَادِ فِيهَا لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ يَنْكَسِرُ سَوْرَةُ الْحَرِّ وَقَدْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بِالظُّهْرِ) أَيْ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهِ (فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) إلَى أَنْ يَصِيرَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» أَيْ هَيَجَانِهَا وَانْتِشَارِ لَهَبِهَا.
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ فِي التَّعْجِيلِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ مَشَقَّةً تَسْلُبُ الْخُشُوعَ أَوْ كَمَالَهُ فَسُنَّ لَهُ التَّأْخِيرُ، كَمَنْ حَضَرَهُ طَعَامٌ وَنَفْسُهُ تَتُوقُ إلَيْهِ أَوْ دَافَعَهُ الْخَبَثُ، وَمَا وَرَدَ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَمَنْسُوخٌ وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ نِصْفَ الْوَقْتِ، وَخَرَجَ بِالصَّلَاةِ الْأَذَانُ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُمْ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمَطْلَبِ وَحُمِلَ أَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم بِالْإِبْرَادِ بِهِ عَلَى مَا إذَا عُلِمَ مِنْ حَالِ السَّامِعِينَ حُضُورُهُمْ عَقِبَ الْأَذَانِ لِتَنْدَفِعَ عَنْهُمْ الْمَشَقَّةُ، ثُمَّ قَالَ: وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ وَلَا بُعْدَ فِيهِ وَإِنْ اُدُّعِيَ بُعْدُهُ، فَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ التَّصْرِيحُ بِهِ، وَبِالظُّهْرِ الْجُمُعَةُ فَلَا إبْرَادَ فِيهَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ» وَلِشِدَّةِ الْخَطَرِ فِي فَوَاتِهَا الْمُؤَدِّي إلَيْهِ تَأْخِيرُهَا بِالتَّكَاسُلِ وَلِأَنَّ النَّاسَ مَأْمُورُونَ بِالتَّبْكِيرِ إلَيْهَا فَلَا يَتَأَذَّوْنَ بِالْحَرِّ، وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُبْرِدُ بِهَا بَيَانٌ لِلْجَوَازِ فِيهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ (وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهُ) أَيْ الْإِبْرَادِ (بِبَلَدٍ حَارٍّ) كَمَكَّةَ وَبَعْضِ الْعِرَاقِ (وَجَمَاعَةِ) نَحْوِ (مَسْجِدٍ) مِنْ رِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ (يَقْصِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ) فَلَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ وَلَوْ بِقُطْرٍ حَارٍّ وَلَا فِي قُطْرٍ بَارِدٍ أَوْ مُعْتَدِلٍ وَإِنْ اتَّفَقَ فِيهِ شِدَّةُ الْحَرِّ، وَلَا لِمَنْ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً بِبَيْتِهِ أَوْ بِمَحَلٍّ حَضَرَهُ جَمَاعَةٌ لَا يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ أَوْ يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ قُرْبٍ أَوْ مِنْ بُعْدٍ لَكِنْ يَجِدُ ظِلًّا يَمْشِي فِيهِ، إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ مَشَقَّةٍ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ لِمُنْفَرِدٍ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ.
وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ إشْعَارٌ بِسَنِّهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَوْ حَضَرَ مَوْضِعَ جَمَاعَةٍ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ كَانَ مُقِيمًا بِهِ لَكِنْ يَنْتَظِرُ غَيْرَهُ سُنَّ لَهُ الْإِبْرَادُ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا كَمَا اقْتَضَاهُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
يَكُونُ فِيهَا ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ بِأَنْ يَكُونَ فِيهَا شَاخِصٌ لَهُ ظِلٌّ كَالْأَشْجَارِ (قَوْلُهُ: فِي شِدَّةِ الْحَرِّ) . [فَرْعٌ] سَأَلَ سَائِلٌ هَلْ يُسَنُّ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ إلَى أَنْ يَخِفَّ الْبَرْدُ الشَّاغِلُ السَّالِبُ لِلْخُشُوعِ قِيَاسًا عَلَى. مَا وَرَدَ فِي الْحَرِّ؟ فَأَجَابَ م ر إنَّهُ لَا يُسَنُّ لِأَنَّ الْإِبْرَادَ فِي الْحَرِّ رُخْصَةٌ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ أَقُولُ: الْأَوْلَى الْجَوَابُ أَنَّ زِيَادَةَ الظِّلِّ مُحَقَّقَةٌ، فَلِزَوَالِ الْحَدِّ أَمَدٌ يُنْتَظَرُ وَلَا كَذَلِكَ الْبَرْدُ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ زِيَادَتُهُ مَعَ التَّأْخِيرِ لِعَدَمِ وُجُودِ عَلَامَةٍ تَدُلُّ عَلَى زَوَالِهِ عَادَةً، وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِي الرُّخَصِ عَلَى مَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ (قَوْلُهُ: ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ إلَخْ) وَلَا يُجَاوِزُ نِصْفَ الْوَقْتِ حَجّ وَسَيَأْتِي (قَوْلُهُ: مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْفَيْحُ سُطُوعُ الْحَرِّ وَفَوَرَانُهُ وَيُقَالُ بِالْوَاوِ وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَفَاحَتْ الْقِدْرُ تَفِيحُ وَتَفُوحُ: إذَا غَلَتْ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ: أَيْ كَأَنَّهُ نَارُ جَهَنَّمَ فِي حَرِّهَا اهـ.
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِهِ: اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ مَظِنَّةُ وُجُودِ الرَّحْمَةِ فَفِعْلُهَا مَظِنَّةُ طَرْدِ الْعَذَابِ فَكَيْفَ أَمَرَ بِتَرْكِهَا؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ وَقْتَ ظُهُورِ الْغَضَبِ لَا يَنْجَحُ فِيهِ الطَّلَبُ إلَّا مِمَّنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ اهـ رحمه الله.
وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذَا الْإِشْكَالِ مِنْ أَصْلِهِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ شِدَّةِ الْحَرِّ قَدْ تَكُونُ نِعْمَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ لِإِصْلَاحِ مَعَايِشِهِمْ فَلَا تَكُونُ بِمُجَرَّدِهَا عَلَامَةً عَلَى الْغَضَبِ، وَكَوْنُ الْإِنْسَانِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَشَقَّةٌ مِنْهَا لَا يُنَافِي كَوْنَهَا نِعْمَةً مِنْ اللَّهِ عز وجل وَإِنْ صَحِبَهَا مَشَقَّةٌ (قَوْلُهُ: أَيْ هَيَجَانِهَا) هُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ (قَوْلُهُ: وَانْتِشَارِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ (قَوْلُهُ التَّصْرِيحُ) أَيْ بِتَأْخِيرِ الْإِقَامَةِ (قَوْلُهُ: كَانَ يُبْرِدُ بِهَا) لَكِنَّهُ يُعَارِضُهُ خَبَرُ سَلَمَةَ السَّابِقُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً (قَوْلُهُ: فَلَا يُسَنُّ الْإِبْرَادُ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ) مُحْتَرَزُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ (قَوْلُهُ: وَلَا فِي قُطْرٍ بَارِدٍ) الَّذِي وَقَعَ التَّعْبِيرُ بِهِ فِي الْمَتْنِ الْبَلَدُ فَالْمُنَاسِبُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: وَلَا فِي بَلَدٍ بَارِدٍ، فَلَعَلَّهُ حَمَلَ الْبَلَدَ عَلَى الْقُطْرِ أَوْ أَشَارَ إلَى أَنَّ فِي الْمَتْنِ حَذْفًا، وَالْأَصْلُ وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهُ بِقُطْرٍ حَارٍّ بِبَلَدٍ حَارٍّ.
أَوْ إلَى أَنَّ مَحَلَّ اعْتِبَارِ الْقُطْرِ فِيمَنْ عَبَّرَ بِهِ حَيْثُ لَمْ يُخَالِفْ الْبَلَدَ، فَإِنْ خَالَفَتْهُ فَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) أَيْ سَنُّ الْإِبْرَادِ (قَوْلُهُ: إمَامًا كَانَ) وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ فِعْلُهَا أَوَّلًا ثُمَّ فِعْلُهَا مَعَهُمْ لِأَنَّ سَنَّ
ــ
[حاشية الرشيدي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .