الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
«نُهِينَا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهَذَا خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ، وَالنَّهْيُ الْمَنْسُوخُ كَانَ عَامًا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ خَاصًّا لِلرِّجَالِ. وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا كَوْنَ الْخَبَرِ فِي لَعْنِ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، بَعْدَ أَمْرِ الرِّجَالِ بِزِيَارَتِهَا، فَقَدْ دَارَ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ. وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَلِيلَةُ الصَّبْرِ، كَثِيرَةُ الْجَزَعِ، وَفِي زِيَارَتِهَا لِلْقَبْرِ تَهْيِيجٌ لِحُزْنِهَا، وَتَجْدِيدٌ لِذِكْرِ مُصَابِهَا، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُفْضِيَ بِهَا ذَلِكَ إلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ، وَلِهَذَا اخْتَصَصْنَ بِالنُّوحِ وَالتَّعْدِيدِ، وَخُصِصْنَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْحَلْقِ وَالصَّلْقِ وَنَحْوِهِمَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يُكْرَهُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ عليه السلام:«كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا» .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ النَّهْيِ وَنَسْخِهِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَقُلْت لَهَا: قَدْ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَدْ نَهَى، ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا» ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ عَائِشَةَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ شَهِدْته مَا زُرْته.
[فَصْلُ يُكْرَهُ النَّعْيُ]
(1689)
فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ النَّعْيُ، وَهُوَ أَنْ يَبْعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: إنَّ فُلَانًا قَدْ مَاتَ. لِيَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ؛ لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ، قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يُعْلَمَ النَّاسُ بِجَنَائِزِهِمْ؛ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَصْحَابُهُ عَلْقَمَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ، وَعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ.
قَالَ عَلْقَمَةُ: لَا تُؤْذِنُوا بِي أَحَدًا. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إذَا أَنَا مِتَّ فَلَا أُنْعَى إلَى أَحَدٍ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَعْلَمَ بِالرَّجُلِ إخْوَانُهُ وَمَعَارِفُهُ وَذَوُو الْفَضْلِ، مِنْ غَيْرِ نِدَاءٍ. قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَا بَأْسَ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ أَنْ يُؤْذِنَ صَدِيقَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُطَافَ فِي الْمَجَالِسِ: أَنْعِي فُلَانًا. كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي هَذَا؛ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ سِيرِينَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نُعِيَ إلَيْهِ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: كَيْفَ تُرِيدُونَ أَنْ تَصْنَعُوا بِهِ؟ قَالَ: نَحْبِسُهُ حَتَّى نُرْسِلَ إلَى قُبَاءَ، وَإِلَى مِنْ قَدْ بَاتَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ لِيَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ. قَالَ: نَعَمْ مَا رَأَيْتُمْ.
وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «فِي الَّذِي دُفِنَ لَيْلًا: أَلَا آذَنْتُمُونِي» . وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ
إلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ:«إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ» . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَنَّهُ قَالَ: لَا يَمُوتُ فِيكُمْ أَحَدٌ إلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ» . أَوْ كَمَا قَالَ.
وَلِأَنَّ فِي كَثْرَةِ الْمُصَلَّيْنَ عَلَيْهِ أَجْرًا لَهُمْ، وَنَفْعًا لِلْمَيِّتِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ مِنْهُمْ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ. وَجَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا أَوْجَبَ» ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، فَالْتَفَتَ فَقَالَ: اسْتَوُوا. وَلْتَحْسُنْ شَفَاعَتُكُمْ، أَلَا وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلِيطٍ، عَنْ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ مَيْمُونَةُ، وَكَانَ أَخَاهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ النَّاسِ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» . فَسَأَلْت أَبَا الْمَلِيحِ عَنْ الْأُمَّةِ؟ فَقَالَ: أَرْبَعُونَ. .