الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْلٌ يُبَاحُ أَكْلُ الْجَرَادِ]
(7756)
فَصْلٌ: يُبَاحُ أَكْلُ الْجَرَادِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ الْجَرَادَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد. . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إذَا قَتَلَهُ الْبَرْدُ، لَمْ يُؤْكَلْ. وَعَنْهُ، لَا يُؤْكَلْ إذَا مَاتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَيَرْوِي أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ عليه السلام:«أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» فَالْمَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ ". وَلَمْ يُفَصِّلْ.
وَلِأَنَّهُ تُبَاحُ مَيْتَتُهُ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ سَبَبٌ، كَالسَّمَكِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ افْتَقَرَ إلَى سَبَبٍ، لَافْتَقَرَ إلَى ذَبْحٍ وَذَابِحٍ وَآلَةٍ، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
(7757)
فَصْلٌ: وَيُبَاحُ أَكْلُ الْجَرَادِ بِمَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ السَّمَكُ، يَجُوزُ أَنْ يُقْلَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهُ، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي السَّمَكِ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ رَجْعِيَّهُ نَجِسٌ. وَلَنَا، عُمُومُ النَّصِّ فِي إبَاحَتِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. وَإِنْ بَلَعَ إنْسَانٌ شَيْئًا مِنْهُ حَيًّا كُرِهَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لَهُ.
[فَصْلٌ حُكْم السَّمَكِ الْمُلْقَى فِي النَّارِ
؟]
(7758)
فَصْلٌ: وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ السَّمَكِ يُلْقَى فِي النَّارِ؟ فَقَالَ: مَا يُعْجِبُنِي. وَالْجَرَادُ أَسْهَلُ، فَإِنَّ هَذَا لَهُ دَمٌ. وَلَمْ يَكْرَهْ أَكْلَ السَّمَكِ إذَا أُلْقِيَ فِي النَّارِ، إنَّمَا كَرِهَ تَعْذِيبَهُ بِالنَّارِ. وَأَمَّا الْجَرَادُ فَسَهَّلَ فِي إلْقَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ، وَلِأَنَّ السَّمَكَ لَا حَاجَةَ إلَى إلْقَائِهِ فِي النَّارِ، لِإِمْكَانِ تَرْكِهِ حَتَّى يَمُوتَ بِسُرْعَةٍ، وَالْجَرَادُ لَا يَمُوتُ فِي الْحَالِ، بَلْ يَبْقَى مُدَّةً طَوِيلَةً.
وَفِي " مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ " أَنَّ كَعْبًا كَانَ مُحْرِمًا، فَمَرَّتْ بِهِ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ، فَنَسِيَ، وَأَخَذَ جَرَادَتَيْنِ، فَأَلْقَاهُمَا فِي النَّارِ، وَشَوَاهُمَا، وَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَلَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ تَرْكَهُمَا فِي النَّارِ. وَذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ الْجَرَادُ يُقْلَى لَهُ. فَقَالَ: إنَّمَا يُؤْخَذُ الْجَرَادُ فَتُقْطَعُ أَجْنِحَتُهُ، ثُمَّ يُلْقَى فِي الزَّيْتِ وَهُوَ حَيٌّ.
[مَسْأَلَةٌ ذَكَاة الْمَقْدُور عَلَيْهِ مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَنْعَامِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ]
(7759)
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَذَكَاةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَنْعَامِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ) قَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ، مِنْ الصَّيْدِ وَالْأَنْعَامِ، فَأَمَّا الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِالذَّكَاةِ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَتَفْتَقِرُ الذَّكَاةُ إلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ؛ ذَابِحٍ، وَآلَةٍ، وَمَحَلٍّ، وَفِعْلٍ، وَذِكْرٍ.
أَمَّا الذَّابِحُ فَيُعْتَبَرُ لَهُ شَرْطَانِ؛ دِينُهُ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، وَعَقْلُهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَا عَقْلٍ يَعْرِفُ الذَّبْحَ لِيَقْصِدَ، فَإِنْ
كَانَ لَا يَعْقِلُ، كَالطِّفْلِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّكْرَانِ، لَمْ يَحِلَّ مَا ذَبَحَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَصْدُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ضَرَبَ إنْسَانًا بِالسَّيْفِ فَقَطَعَ عُنُقَ شَاةٍ. وَأَمَّا الْآلَةُ، فَلَهَا شَرْطَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ تَكُونَ مُحَدَّدَةً، تَقْطَعُ أَوْ تَخْرِقُ بِحَدِّهَا، لَا بِثِقَلِهَا.
وَالثَّانِي، أَنْ لَا تَكُونَ سِنًّا وَلَا ظُفْرًا. فَإِذَا اجْتَمَعَ هَذَانِ الشَّرْطَانِ فِي شَيْءٍ، حَلَّ الذَّبْحُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ حَدِيدًا، أَوْ حَجَرًا، أَوْ بَلْطَةً، أَوْ خَشَبًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:«مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْت إنْ أَحَدُنَا أَصَابَ صَيْدًا، وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ، أَيَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشَقَّةِ الْعَصَا؟ فَقَالَ: اُمْرُرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت، وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ» . وَالْمَرْوَةُ: الصَّوَّانُ. وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، «أَنَّهُ كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً، فَأَخَذَهَا الْمَوْتُ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَنْحَرُهَا بِهِ، فَأَخَذَ وَتَدًا، فَوَجَأَهَا بِهِ فِي لَبَّتِهَا حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهَا، ثُمَّ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، إلَّا فِي السِّنِّ وَالظُّفْرِ، قَالَ: إذَا كَانَا مُتَّصِلَيْنِ، لَمْ يَجُزْ الذَّبْحُ بِهِمَا، وَإِنْ كَانَا مُنْفَصِلَيْنِ، جَازَ. وَلَنَا، عُمُومُ حَدِيثِ رَافِعٍ، وَلِأَنَّ مَا لَمْ تَجُزْ الذَّكَاةُ بِهِ مُتَّصِلًا، لَمْ تَجُزْ مُنْفَصِلًا، كَغَيْرِ الْمُحَدَّدِ. وَأَمَّا الْعَظْمُ غَيْرُ السِّنِّ، فَمُقْتَضَى إطْلَاقِ قَوْلِ أَحْمَدَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، إبَاحَةُ الذَّبْحِ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يُذَكَّى بِعَظْمِ الْحِمَارِ، وَلَا يُذَكَّى بِعَظْمِ الْقِرْدِ؛ لِأَنَّك تُصَلِّي عَلَى الْحِمَارِ وَتَسْقِيه فِي جَفْنَتِك. وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا يُذَكَّى بِعَظْمِ وَلَا ظُفْرٍ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: لَا يُذَكَّى بِالْعَظْمِ وَالْقَرْنِ. وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» . فَعَلَّلَهُ بِكَوْنِهِ عَظْمًا، فَكُلُّ عَظْمٍ فَقَدْ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْعَظْمَ دَخَلَ فِي عُمُومِ اللَّفْظِ الْمُبِيحِ، ثُمَّ اُسْتُثْنِيَ السِّنُّ وَالظُّفْرُ خَاصَّةً، فَيَبْقَى سَائِرُ الْعِظَامِ دَاخِلًا فِيمَا يُبَاحُ الذَّبْحُ بِهِ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْلِيلِ، وَلِهَذَا عَلَّلَ الظُّفْرَ بِكَوْنِهِ مِنْ مُدَى الْحَبَشَةِ، وَلَا يَحْرُمُ