الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَذَاقَهُ، لَمْ يَحْنَثْ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُفْطِرْ بِهِ الصَّائِمُ. وَإِنْ حَلَفَ لَا يَذُوقُهُ، فَأَكَلَهُ أَوْ شَرِبَهُ، أَوْ مَصَّهُ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ ذَوْقٌ وَزِيَادَةٌ، وَإِنْ مَضَغَهُ وَرَمَى بِهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَاقَهُ.
[فَصْلٌ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ أَكْلَةً بِالْفَتْحِ]
(8155)
فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ أَكْلَةً، بِالْفَتْحِ، لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَأْكُلَ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ أَكْلَةً، وَهِيَ الْمَرَّةُ مِنْ الْأَكْلِ، وَالْأُكْلَةُ، بِالضَّمِّ، اللُّقْمَةُ، وَمِنْهُ:" فَلْيُنَاوِلْهُ فِي يَدِهِ أُكْلَةً، أَوْ أُكْلَتَيْنِ ".
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَا يَأْكُل تَمْرَة فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَة]
(8156)
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَّا يَأْكُلَ تَمْرَةً، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً، مُنِعَ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ الَّتِي وَقَعَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حَالِفَ هَذِهِ الْيَمِينِ لَا يَخْلُو مِنْ أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَتَحَقَّقَ أَكْلَ التَّمْرَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا، فَأَمَّا أَنْ يَعْرِفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِصِفَتِهَا، أَوْ يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ، أَوْ الْجَانِبَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ كُلَّهُ، فَهَذَا يَحْنَثُ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ التَّمْرَةَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا. الثَّانِي، أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْهَا؛ إمَّا بِأَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا، أَوْ أَكَلَ شَيْئًا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُهَا، فَلَا يَحْنَثُ أَيْضًا، بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ اجْتِنَابُ زَوْجَتِهِ. الثَّالِثُ، أَكَلَ مِنْ التَّمْرِ شَيْئًا؛ إمَّا وَاحِدَةً، أَوْ أَكْثَرَ، إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مِنْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَدْرِ هَلْ أَكَلَهَا أَمْ لَا؟ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَةَ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا، وَيَقِينُ النِّكَاحِ ثَابِتٌ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
فَعَلَى هَذَا، يَكُونُ حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيًا، فِي لُزُومِ نَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا وَمَسْكَنِهَا، وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا، إلَّا الْوَطْءَ؛ فَإِنَّ الْخِرَقِيِّ قَالَ: يُمْنَعُ وَطْأَهَا؛ لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي حِلِّهَا، فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الْحِلِّ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، كَسَائِرِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ حُكْمًا، فَأَثْبَتَ الْحِلَّ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَيَأْكُلَنَّ هَذِهِ التَّمْرَةَ، فَلَا يَتَحَقَّقُ بِرُّهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ أَكَلَهَا.
[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبهُ عَشَرَة أَسْوَاطٍ فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَة وَاحِدَة]
(8157)
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ، فَجَمَعَهَا، فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ)
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَبَرُّ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ، فِي الْمَرِيضِ عَلَيْهِ الْحَدُّ: يُضْرَبُ بِعِثْكَالِ النَّخْلِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا مَسَّتْهُ كُلُّهَا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَمَسَّهُ كُلُّهَا، لَمْ يَبَرَّ. وَإِنْ شَكَّ، لَا يَحْنَثْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ:{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} [ص: 44] . «وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَرِيضِ الَّذِي زَنَى: خُذُوا لَهُ عُثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَاضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً» . وَلِأَنَّهُ ضَرَبَهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، فَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ الضَّرْبَ.
وَلَنَا، أَنَّ مَعْنَى يَمِينِهِ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ، وَلَمْ يَضْرِبْهُ إلَّا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَلَمْ يَبَرَّ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ بِسَوْطٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ، يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَوْ عَادَ الْعَدَدُ إلَى السَّوْطِ، لَمْ يَبَرَّ بِالضَّرْبِ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، وَلِأَنَّ السَّوْطَ هَاهُنَا آلَةٌ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَصْدَرِ، وَانْتَصَبَ انْتِصَابَهُ، فَمَعْنَى كَلَامِهِ، لَأَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ بِسَوْطٍ. وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ يَمِينِهِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ لُغَةً، فَلَا يَبَرُّ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا أَيُّوبُ عليه السلام فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرْخَصَ لَهُ رِفْقًا بِامْرَأَتِهِ، لِبِرِّهَا بِهِ، وَإِحْسَانِهَا إلَيْهِ، لِيَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ بِرِّهِ فِي يَمِينِهِ وَرِفْقِهِ بِامْرَأَتِهِ، وَلِذَلِكَ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِهَذَا، وَذَكَرَهُ فِي جُمْلَةِ مَا مَنَّ عَلَيْهِ بِهِ، مِنْ مُعَافَاتِهِ إيَّاهُ مِنْ بَلَائِهِ، وَإِخْرَاجِ الْمَاءِ لَهُ، فَيَخْتَصُّ هَذَا بِهِ، كَاخْتِصَاصِهِ بِمَا ذُكِرَ مَعَهُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ عَامًّا لِكُلِّ وَاحِدٍ لَمَا اُخْتُصَّ أَيُّوبُ بِالْمِنَّةِ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِي يُخَافُ تَلَفُهُ، أُرْخِصَ لَهُ بِذَلِكَ فِي الْحَدِّ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَدَّهُ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْحَدِّ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ بِهِ فِيهِ، فَلِئَلَّا يَتَعَدَّاهُ إلَى الْيَمِينِ أَوْلَى، وَلَوْ خُصَّ بِالْبِرِّ مَنْ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ الْعُدُولَ فِي الْحَدِّ إلَى الضَّرْبِ بِالْعُثْكَالِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. وَأَمَّا تَعْدِيَتُهُ إلَى غَيْرِهِ فَبَعِيدَةٌ جِدًّا. وَلَوْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، فَجَمَعَهَا، فَضَرَبَهُ بِهَا، بَرَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لَمْ يَبَرَّ بِضَرْبِهِ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، دَفْعَةً وَاحِدَة، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ، فَكَذَلِكَ، إلَّا وَجْهًا لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يَبَرُّ. وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ بِأَسْوَاطٍ، وَلِهَذَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: مَا ضَرَبْتُهُ إلَّا ضَرْبَةً وَاحِدَةً. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ أَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. فَفَعَلَ هَذَا، لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ. (8158) فَصْلٌ: وَلَا يَبَرُّ حَتَّى يَضْرِبَهُ ضَرْبًا يُؤْلِمُهُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبَرُّ بِمَا لَا يُؤْلِمُ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ، فَوَقَعَ الْبِرُّ بِهِ. كَالْمُؤْلِمِ،