الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(فهجرته إلى ما هاجر إليه) أتى بالضمير ليتناول ما ذكر من المرأة وغيرها، وإنما جيء بالظاهر في الجملة المحذوفة في قوله:"فهجرته إلى الله ورسوله"، لقصد الالتذاذ بذكر الله ورسوله وعظم شأنهما بخلاف الدنيا والمرأة؛ فإن السياق يشعر بالحث على الإعراض عنها.
2 - باب
2 -
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها، أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رضي الله عنه سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا
يَقُولُ» قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا.
(حدثنا عبد الله بن يوسف) هو التنيسي (عن عائشة أن الحارث بن هشام) هو أخو أبي جهل شقيقه، أسلم يوم الفتح، وظاهره: أن الحديث من مسند عائشة وعليه اعتمد أصحاب الأطراف، فكأنها حضرت القصة، ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك، فيكون مرسل صحابي وحكمه الوصل، ويؤيده أن في "مسند أحمد" وغيره من طريق عامر بن صالح الزبيري، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام قال:"سألت".
وعامر فيه ضعف، لكن له متابع عند ابن منده.
(أحيانًا يأتيني) بالنصب على الظرف، قيل: بالنصب نعت لصدر محذوف، أي: إتيانًا.
(مثل) قلت: ويحتمل أن يكون على نزع الخافض، لأن في رواية مسلم:"في مثل صلصلة الجرس".
(الصلصلة): بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة، في الأصل: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين، وقيل: هو صوت متدارك لا يفهم في أول وهلة. والجرس: الجلجل.
والصلصلة المذكورة: صوت الملك بالوحي، وقيل: صوت خفق أجنحته، والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه مكان لغيره وقيل: إنما كان يأتيه كذلك إذا نزلت آية وعيد أو تهديد.
(وهو أشده عليّ) فائدة: هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الزلفى في الدرجات.
(فيفصم) بفتح أوله وسكون الفاء وكسر المهملة، أي: يُقلع ويتجلى ما تغشاني، ويروى بضم أوله من الرباعي.
وفي رواية لأبي ذر بضمه وفتح الصاد على البناء للمفعول.
وأصل الفصم: القطع بلا إبانة، وبالقاف: القطع بإبانة، وذكر الأول للإشارة إلى أن الملك فارقه ليعود، والجامع بينهما بقاء العلقة.
(وعيت) بالفتح: فهمت وحفظت، ويقال في المال والمتاع: أوعيت.
(يتمثل) يتصور، مشتق من "المثل".
(الملك) اللام للعهد، أي: جبريل، وصرح به في رواية عند ابن سعد.
(رجلًا) أي: مثل رجل فنصبه على المصدرية، وقيل: تمييز، وقيل: حال على تأويله بمشتق، أي: مرئيا محسوسًا.
قال المتكلمون: الملائكة أجسام علوية لطيفة تتشكل أي شكل أرادوا، وقال إمام الحرمين: تمثُلُ جبريل معناه: أن الله أفنى الزوائد من خلقه أو أزاله عنه ثم يعيده إليه، وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء.
وقال البلقيني: يجوز أن يكون أتى بشكله الأصلي من غير فناء ولا إزالة إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته، ومثال ذلك: القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشا فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب.
والحق أن تمثُّل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أيضا أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط.
(فيكلمني) في رواية للبيهقي من طريق القعنبي عن مالك: بالعين بدل الكاف.
قال ابن حجر: والظاهر أنه تصحيف، فإنه في "الموطأ" رواية القعنبي بالكاف.
(فأعي ما يقول) زاد أبو عوانة في "صحيحه": "وهو أهونه عليّ" وعبر في الشق الأول بقوله: "وقد وعيت ما قال" بلفظ الماضي وهنا بلفظ المستقبل، لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم، وفي الثاني عقب المكالمة.
وقد روي ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون: أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل فيلقيه عليَّ كما يلقي الرجل على الرجل فذاك يتفلت مني، ويأتيني في شيء مثل صلصلة الجرس حتى يخالط قلبي فذاك الذي لا يتفلت مني".
(ليتفصَّد) بالفاء وتشديد المهملة من "الفصد" وهو قطع العرق لإسالة الدم، أي: يسيل كما يسيل العرق المفصود من كثرة العرق.
وصحفه ابن طاهر بالقاف، فرده عليه المؤتمن الساجي فأصَرَّ، وحكاه العسكري في "التصحيف" عن بعض شيوخه وقال: إن ثبت فهو من قولهم: تقصَّدَ الشيء: إذا تكسّر وتقطع، ولا يخفى بعده. انتهى.
(عرقًا) تمييز، زاد ابن أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي في "الدلائل": وإن كان ليوحى إليه وهو على ناقته فتضرب جرانها من ثقل ما يوحى إليه".
قال الإسماعيلي: هذا الحديث لا يناسب بدء الوحي، بل كيف يأتيك الوحي؟.