الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول
الحديث المنكر عند أهل المصطلح
المبحث الأول: تعريف الحديث المنكر:
المنكر: لغة: اسم مفعول، وفعله: أنكره بمعنى جحده أو لم يعرفه وأنه يقابل المعروف (1).، قال ابن فارس: "ونكر الشيء وأنكره لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه
…
" (2).وقال الراغب: " المنكر كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه أو استحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة
…
" (3).
ويطلق المنكر في اللغة على عدة معانٍ منها: الدهاء والفطنة، والصعوبة، والأمر الشديد، وخلاف الاعتراف، والتغيير، والجهل .. " (4).
وفي الاصطلاح:
لم أجد تعريفاً صريحاً، أو باباً مستقلاً في كتب المصطلح الأولى ككتاب "المحدث الفاصل " للإمام الرامهرمزي (360)، ولا في كتاب "معرفة علوم الحديث "لأبي عبد الله الحاكم (ت405) وأما عن الخطيب البغدادي (ت 463) فقد بوّب باباً سماه:"باب ترك الاحتجاج بمن غلب على حديثه الشواذ ورواية المناكير والغرائب من الأحاديث"(5) ولم يصرح بتعريف مستقل، وإنما اكتفى بإيراد الأحاديث الشاذة المستنكرة، وحتى أنّ أبا حفص الميانشي (ت 581) لم يفرده بتعريف.
وأول من عرفه من علماء المصطلح، وأفرده قسماً من علوم الحديث - بحدود اطلاعي - الحافظ ابن الصلاح ت (643) فقال:" المنكر ينقسم قسمين على ما
(1) انظر القاموس المحيط فصل النون
…
?اب الراء 2/ 148 ومختار الصحاح مادة نكر ص 679.
(2)
معجم مقاييس اللغة 5/ 476.
(3)
المفردات ص505.
(4)
انظر لسان العرب، ابن منظور 14/ 281، وتاج العروس، الزبيدي 14/ 287، والحديث المنكر دراسة نظرية وتطبيقية في كتاب علل الحديث لابن أبي حاتم، لزميلنا الشيخ عبد السلام أبو سمحة ص 11 - 12.
(5)
الكفاية في علم الرواية ص140.
ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه مثال الأول، وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم"(1) فخالف مالك غيره من الثقات في قوله عمر بن عثمان، بضم العين، وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب " التمييز " (2): أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: عمرو بن عثمان يعني بفتح العين، وذكر أن مالكاً كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان كأنه علم أنهم يخالفونه، وعمرو وعمر جميعاً ولدا عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو بفتح العين وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه والله أعلم.
ومثال الثاني، وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يتحمل معه تفرده: ما رويناه من حديث أبي زكريا يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه ويقول عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق"(3).
تفرد به أبو زكريا وهو شيخ صالح، أخرج عنه مسلم في كتابه غير أنه لم يبلغ مبلغ من يتحمل تفرده والله أعلم " (4).
وقال النووي ت (676): " قال الحافظ البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه، وكذا أطلقه كثيرون، والصواب فيه التفصيل الذي تقدم في الشاذ "(5).
وقال ابن دقيق العيد ت (702): " وهو كالشاذ، وقيل هو ما انفرد به الراوي وهو قول منقوض بالأفراد الصحيحة "(6).
وقال الذهبي ت (748):"المنكر ما تفرد الراوي الضعيف به، وقد يعد مفرد
(1) أخرجه الشيخان، انظر تخريجه في المسند الجامع 1/ (139).
(2)
قلت: لم أقف عليه في النسخة الظاهرية التي حققها الأعظمي، فلعلها في غير نسخة، أو هي سبق قلم من الابن الصلاح والله أعلم.
(3)
أخرجه الحاكم 4/ 135.
(4)
مقدمة ابن الصلاح ص80.
(5)
تقريب النواوي بشرحه تدريب الراوي 1/ 199.
(6)
الاقتراح ص198.
الصدوق منكراً " (1).
وقال ابن جماعة ت (773):" هو ما تفرد به من ليس بثقة ولا ضابط فهو المنكر "(2).
وقال ابن كثير الدمشقي ت (774):" المنكر: وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلاً ضابطاً وإن لم يخالف فمنكر مردود "(3).
وقال الحافظ العراقي ت (806):
والمنكر الفرد كذا البرديجي
…
أطلق والصواب في التخريج
إجراء تفصيل لدى الشذوذ مر
…
فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر (4)
وقال الحافظ ابن حجر (852): " وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث "(5).
وقال: "إن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجح يقال له المعروف ومقابله يقال له المنكر، وعرف بهذا أنّ بين الشاذ والمنكر عموماً وخصوصاً من وجه لأن بينهما اجتماعاً في اشتراط المخالفة وافترافاً في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق والمنكر راويه ضعيف وقد غفل من سوى بينهما"(6).
وقال: " وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشئ لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث، وإن خولف بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلاً منهما يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة "(7).
(1) انظر الموقظة ص42.
(2)
المنهل الروي ص51.
(3)
اختصار علوم الحديث بشرحه الباعث الحثيث ص 55.
(4)
ألفية الحديث بشرحها فتح المغيث 1/ 222.
(5)
النكت على ابن الصلاح 2/ 675.
(6)
نزهة النظر ص52.
(7)
النكت 2/ 675.