المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌التمهيد لكي نتحدث عن الولاء والبراء من واقع التصور الإسلامي الصحيح - الولاء والبراء في الإسلام

[محمد بن سعيد القحطاني]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة فضيلة الشيخ العلامةعبد الرزاق عفيفي

- ‌التمهيد

- ‌شروط لا إله إلا الله

- ‌الولاء والبراء من لوازم لا إله الله

- ‌الرد على من زعم أن كلمة التوحيد لفظ فقطمع بيان المذهب الصحيح في الأحاديث الواردة بخصوصها

- ‌آثار الإقرار بلا إله إلا الله في حياة الإنسان

- ‌تعليق لا بد منه

- ‌الفصل الأولتعريفه وأهميته في الكتاب والسنة

- ‌الولاء في اللغة:

- ‌ البراء في اللغة:

- ‌أهمية هذا الموضوع في الكتاب والسنةونصيبه من الدراسة والتأليف

- ‌ طريقة القرآن والسنة في غرس عقيدة (الولاء والبراء

- ‌من لوازم محبة الله اتباع رسول الله

- ‌الفصل الثاني

- ‌أولياء الرحمن وأولياء الشيطانوطبيعة العداوة بينهما

- ‌طبيعة العداوة بين الفريقين

- ‌الفصل الثالث

- ‌عقيدة أهل السنة والجماعة في الولاء والبراء

- ‌الولاء والبراء القلبي:

- ‌موقف أهل السنة والجماعة من أصحاب البدع والأهواء:

- ‌أسوة حسنة في الولاء والبراء من الأمم الماضية

- ‌أ- إبراهيم الخليل عليه السلام:

- ‌(ب) أمثلة أخرى على طريق الحق والهدى:

- ‌الفصل الخامس

- ‌الولاء والبراء في العهد المكي

- ‌الملتقى الأولوأولى خطوات الطريق

- ‌سمات العلاقة بينالمسلمين وأعدائهم في العهد المكي

- ‌بر الأقارب المشركين

- ‌كيف كانت صورة البراء في العهد المكي

- ‌لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ

- ‌فرج من الله قريب

- ‌صيغة البيعة

- ‌الفصل السادس

- ‌الولاء والبراء في العهد المدني

- ‌نبذة تاريخية

- ‌وقفة عند المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

- ‌سمات الولاء والبراء في العهد المدني

- ‌ثانياً: النفاق والمنافقون:

- ‌أ- صور البراءة من المشركين:

- ‌ب- البراء من أهل الكتاب:

- ‌ج- البراء من المنافقين:

- ‌د- قطع الموالاة مع الأقارب إذا كانوا محادين لله ورسوله:

- ‌الفصل السابع

- ‌صور الموالاة ومظاهرها

- ‌ما يقبل من الأعذاروما لا يقبل في هذه الصور

- ‌موقف المسلم تجاه هذه الصور:

- ‌الفصل الثامن

- ‌الرد على الخوارج والرافضةفي عقيدة الولاء والبراء

- ‌الفصل الأول

- ‌حق المسلم على المسلم

- ‌الفصل الثاني

- ‌الهجرة

- ‌أ- الإقامة في دار الكفر

- ‌ المراد بإظهار الدين:

- ‌ب- الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام

- ‌ الهجرة هجرتان

- ‌الفصل الثالث

- ‌الجهاد في سبيل الله

- ‌ أهداف الجهاد

- ‌حكم التجسس على المسلمين

- ‌الفصل الرابع

- ‌هجر أصحاب البدع والأهواء

- ‌كيفية مخالطة الناس

- ‌موقف المسلم من أصحاب البدع

- ‌الفصل الخامس

- ‌انقطاع التوارث والنكاح بين المسلم والكافر

- ‌الفصل السادس

- ‌النهي عن التشبه بالكفار والحرصعلى حماية المجتمع الإسلامي

- ‌أصل المشابهة:

- ‌متى تكون الموافقة ومتى تكون المخالفة

- ‌ما بين التشبه والولاء من علاقة

- ‌مثال واحد من مشابهة اليهود والنصارى(العيد)

- ‌صورة مشرقة من صورالتميز في المجتمع الإسلامي الأول

- ‌الأمكنة التي يمنع أعداء اللهمن دخولها والإقامة فيها

- ‌اعتراض وجوابه

- ‌الفصل السابع

- ‌تعامل المسلمين مع غير المسلمين

- ‌ المبحث الأول: الفرق بين الموالاة وحسن المعاملة:

- ‌(كلمة حول ما يسمى بزمالة الأديان)

- ‌الفرق بين الموالاة والمعاملة بالحسنى

- ‌ المبحث الثاني التعامل مع الكفار:

- ‌1- البيع والشراء:

- ‌2- الوقف عليهم أو وقفهم على المسلمين:

- ‌3- عيادتهم وتهنئتهم:

- ‌4- حكم السلام عليهم:

- ‌ المبحث الثالث: الانتفاع بالكفار وبما عندهم:

- ‌التقية والإكراه

- ‌متى تكون التقية

- ‌الإكراه:

- ‌شروط الإكراه

- ‌أنواع الإكراه:

- ‌الفصل الأولكيف طبق السلف الولاء والبراء

- ‌ موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي

- ‌الفصل الثانيصورة الولاء والبراء في عصرنا الحاضر

- ‌ محمد عبده

- ‌ عباس محمود العقاد

- ‌ طه حسين

- ‌1- التربية والتعليم:

- ‌ الابتعاث

- ‌ رفاعة الطهطاوي

- ‌صورة من صورالولاء الفكري المعاصر

- ‌2- وسائل الإعلام:

- ‌3- نشر كتب المستشرقين:

- ‌4- المذاهب اللادينية:

- ‌ القومية والوطنية

- ‌الخاتمة

- ‌الإسلام طريق الخلاص وسبيل النجاة

الفصل: ‌ ‌التمهيد لكي نتحدث عن الولاء والبراء من واقع التصور الإسلامي الصحيح

‌التمهيد

لكي نتحدث عن الولاء والبراء من واقع التصور الإسلامي الصحيح لا بد أن نتحدث في هذا التمهيد عن حقائق ثلاث هي:

(1)

حقيقة الإسلام الممثلة في كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومدلول هذه الكلمة وشروطها.

(2)

الولاء والبراء من لوازم كلمة التوحيد.

(3)

نواقض الإسلام: الشرك والكفر والنفاق والردة.

وهدفي من هذا هو: أن أحاول - بقدر الطاقة - إبراز حقيقة الإسلام، وحقيقة ما يناقضه. مع إبراز حقيقة قضية الولاء والبراء ودورهما في حياة المسلمين. لأن الولاء والبراء جزء من هذه العقيدة فالحديث عنه يستلزم الحديث عن أساس هذه العقيدة وهي كلمة التوحيد. ومعرفة هذه العقيدة معرفة صحيحة أمر ضروري للمسلم ليكون ولاؤه وبراؤه بحبسها. إذ من المحال أن تكون هناك عقيدة سليمة بدون تحقيق الموالاة والمعاداة الشرعية.

ثم إن الوقوف على حقيقة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحدثته هذه الدعوة من تحول في تاريخ البشرية، وما بنته من حضارة سعد بها الإنسان المسلم منذ أول لحظة عرف فيها ربه ودينه ونبيه: لأمر جدير بالتأمل، تلك الدعوة التي جاءت وقد كان الناس يعيشون في جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، ثم أنقذتهم وأحيتهم بعد ممات:

{أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ { [سورة الأنعام: 122] .

ص: 17

ولقد أوضح حقيقة تلك الحال التي كانوا عليها الصحابي الجليل المقداد (1) بن الأسود رضي الله عنه فيما رواه أبو نعيم في الحلية (.. والله لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليه نبي من الأنبياء، في فترة وجاهلية. ما يرون ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل، وفرق بين الوالد وولده، حتى أن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً – وقد فتح الله تعالى قفل قلبه للإيمان – ليعلم أنه قد هلك من دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه في النار، وإنها للتي قال الله عز وجل:

{رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ { [سورة الفرقان: 74](2) .

هذه الجاهلية التي تحدث القرآن عنها وهو يمتن على المسلمين بالهداية. قال تعالى:

{وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فأنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ { [سورة آل عمران:103] .

(1) هو المقداد بن الأسود. أسلم قديماً وشهد بدراً والمشاهد، وكان فارساً يوم بدر. توفي سنة 33 هـ قال بعضهم وهو ابن سبعين سنة. وكان ذلك بالجوف على بعد ثلاثة أميال من المدينة وحمل إلى المدينة ودفن بها. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني (10/285) .

(2)

حلية الأولياء لأبي نعيم (1/175) وذكر صاحب كتاب حياة الصحابة (1/241) وقال إن الطبراني أخرجه أيضاً بمعناه بأسانيد في أحدهما يحيى بن صالح. وثقه الذهبي، وقد تكلموا فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/17) .

ص: 18

ولما عرف الصحابة رضوان الله عليهم الجاهلية، ثم عرفوا الإسلام خرجوا – نتيجة للتربية القرآنية والعناية النبوية – وهم أعظم جيل عرفه تاريخ هذه الدعوة.

ترى، ما سر تلك العظمة التي نقرأ عنها ونسمع، وكأنها شبه أحلام، نظراً للهوة السحيقة التي وصلنا إليها؟ ذلك الجيل الذي كان الواحد منهم إذا دخل في الإسلام خلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية، وانتقل نقلة بعيدة من عالم مظلم سحيق، وتصور قاصر، ومفاهيم كليلة، وعبودية للمال والعبيد، إلى حياة رحبة فسيحة، وعالم يملؤه نور الله، وتصور كامل شامل، واستعلاء على كل عبودية إلا العبودية لله عز وجل. (1) .

إن سر ذلك النجاح، وتلك العظمة هو نقطة البدء التي بدأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هذه الكلمة التي مزقت كل رابطة، وأهدرت كل وشيجة إلا وشيجة العقيدة. رابطة الحب في الله، رابطة المؤاخاة الإيمانية التي يتهاوى دونها كل عرق ودم وتراب وجنس ولون.

ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي. اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظلي إلا ظلي)(2)

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم

(1) انظر معالم في الطريق للأستاذ سيد قطب (ص16) فصل جيل قرآني فريد. طبع دار الشروق. وانظر كتاب: أبو بصير قمة في العزة الإسلامية للأستاذ محمد حسن بريغش (ص47) ط -2 سنة 1397 هـ الناشر مكتبة الحرمين بالرياض.

(2)

صحيح مسلم ط - 4 (4/1988)(ح 2566) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي كتاب البر الطبعة الأولى سنة 1374هـ /دار إحياء الكتب العربية وانظر المسند للإمام أحمد (ج16/192)(ح8436) تحقيق الشيخ أحمد شاكر الطبعة الرابعة سنة 1373 هـ دار المعارف بمصر والموطأ (ج2/952) تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

ص: 19

من الله تعالى) قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: (هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس) وقرأ هذه الآية:

{أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ { (1)[سورة يونس: 62] .

ولقد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشر عاماً يدعو الناس إلى هذه العقيدة ويمكنها في نفوس العصبة المسلمة، مما جعل آثار ذلك تنعكس في أفعالهم الحميدة، وجهادهم المستمر لنشر كلمة الله في الأرض، حيث قامت دولة المصطفي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة.

إن الذي يجعلنا نتحدث عن قضية الألوهية، ومفهومها الصحيح الذي جاء به الإسلام هو الحاجة الماسة لشرحها اليوم، وبيانها للناس. بعد أن انحرف الناس - إلا من رحم الله - عن العقيدة الصافية التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم.

لقد أصبحت هذه القضية عند سواد الناس اليوم مجرد لفظة ترددها الألسنة دون وعي وتدبر لمعناها ولوازمها، ولم يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل تعداه إلى إيراد بعض النصوص للاستشهاد بها على ما يرون من معتقد، دون نظر لكامل النصوص في هذه القضية، ودون رجوع إلى بيان ذلك في كتب أهل العلم من كتب الحديث وشروحها وكتب التفسير وشروح جهابذة رجال الدعوة والإصلاح على مدار تاريخ هذه الأمة.

ومسخ أيضاً مفهوم العبادة الشامل الكامل للحياة الدنيا والآخرة إلى جزء يسير منها وهو الشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج.

أما النظام الذي تقوم عليه الحياة. أما الولاء لمن يكون؟ والبراء ممن يكون؟

(1) سنن أبي داود (ج3/799)(ح 3527) كتاب البيوع وإسناده صحيح. تعليق عزت الدعاس الطبعة الأولى سنة 1391 هـ الناشر محمد علي السيد بسوريا.

ص: 20

أما الحب لمن؟ والبغض لمن؟ فهذه معان بعيدة عن تصورهم ومجال تفكيرهم!!

إن هذا الدين لم يكن توحيد ربوبية فحسب. وإنما هو أيضاً توحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات تليق بجلال الله وعظمته.

وتأمل - كما يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:

(حال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قام ينذر المشركين عن الشرك، ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا واستحسنوا، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يشتم عيسى وأمه، ولا الملائكة، ولا الصالحين، ولكن لما ذكر أنهم لا يدعون ولا ينفعون، ولا يضرون: جعلوا ذلك شتماً.

فإذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام - ولو وحد الله وترك الشرك - إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعدواة والبغض، كما قال تعالى في سورة المجادلة:

{لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان { [سورة المجادلة: 22] .

(فإذا فهمت هذا جيداً عرفت أن كثير من الذين يدعون الدين لا يعرفونها - أي لا إله إلا الله - وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك والعذاب والأسر، والضرب، والهجرة للحبشة، مع أنه صلى الله عليه وسلم أرحم الناس لو يجد لهم رخصة لأرخص لهم)(1) .

(1) مجموعة التوحيد لابن تيمية وابن عبد الوهاب وغيرهم (ص19) الناشر دار الفكر بالقاهرة.

ص: 21

وما دام أن هناك من يجهل حقيقة (لا إله إلا الله) فلا بد من الشرح لها، والبيان لمدلولها وحقيقتها، وشروطها ونواقضها ولوازمها وإليك ذلك مفصلاً.

ومن الله نستمد العون والسداد.

ص: 22

كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله)

ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وبذلك تنفي الإلهية عما سوى الله ونثبتها لله وحده (1) .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

(ليس للقلوب سرور ولا لذة تامة إلا في محبة الله، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تمكن محبته إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة (لا إله إلا الله) وهي ملة إبراهيم الخليل عليه السلام وسائر الأنبياء والمرسلين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين) (2) أما شقها الثاني (محمد رسول الله) فمعناه تجريد متابعته صلى الله عليه وسلم فيما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر.

ومن هنا كانت (لا إله إلا الله) ولاء وبراء، نفياً وإثباتاً.

ولاء لله ولدينه وكتابه وسنة نبيه وعباده الصالحين.

وبراء من كل طاغوت عبد من دون الله (3) :

{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ { [سورة البقرة:256] .

(1) انظر فتح المجيد ص 36.

(2)

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (ج 28/32) . جمع عبد الرحمن بن قاسم ط أولى مطبعة الحكومة سنة 1381 هـ.

(3)

عرف ابن القيم الطاغوت تعريفاً جامعاً فقال: الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله انظر فتح المجيد لعبد الرحمن بن حسين ص 16 ط 7 سنة 1377 هـ مطبعة أنصار السنة

ص: 23

وفي هذا يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمناً بالله إلا بالكفر بالطاغوت والدليل هذه الآية (1) يعني الآية السابقة 256 سورة البقرة.

وكلمة التوحيد ولاء لشرع الله: {

اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ { [سورة الأعراف:3] .

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا { [سورة الروم:30] .

وبراء من حكم الجاهلية:

{أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون} [سورة المائدة:50] .

وبراء من كل دين غير دين الإسلام:

{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ {. [سورة آل عمران:85] .

ثم هي نفي وإثبات تنفي أربعة أمور. وتثبت أربعة أمور.

(تنفي: الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب.

(1) الدرر السنية (ج1/95) جمع عبد الرحمن بن قاسم.

ص: 24

فالآلهة: ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، فأنت متخذه إلهاً.

والطواغيت: من عبد وهو راض، أو رشح للعبادة.

والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام، من أهل، أو مسكن، أو عشيرة، أو مال: فهو ند لقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ { [سورة البقرة: 165] .

والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته، مصداقاً لقوله تعالى:

{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله { [سورة التوبة:31] .

وتثبيت أربعة أمور:

القصد: وهو كونك ما تقصد إلا الله.

والتعظيم والمحبة: لقوله تعالى:

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ { [سورة البقرة:165] .

والخوف والرجاء: لقوله تعالى:

{وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا راد لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ { [سورة يونس: 107] .

فمن عرف هذا قطع العلاقة مع غير الله ولا تكبر عليه جهامة الباطل، كما

ص: 25

أخبر تعالى عن إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بتكسير الأصنام وتبريه من قومه:

{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ { [سورة الممتحنة: 4] . (1)

ولقد جاء القرآن من أوله إلى آخره يبين معنى لا إله إلا الله، بنفي الشرك وتوابعه، ويقرر الإخلاص وشرائعه، فكل قول وعمل صالح يحبه الله ويرضاه هو من مدلول كلمة الإخلاص، لأن دلالتها على الدين كله إما مطابقة وإما تضمناً وإما التزاماً (2) ، يقرر ذلك أن الله سماها كلمة التقوى.

والتقوى: أن يتقي سخط الله وعقابه بترك الشرك والمعاصي، وإخلاص العبادة بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله) (3) .

أما كيف تم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة هذه الكلمة والتزام أحكامها والعمل بمقتضياتها ولوازمها فيشرح ذلك الإمام الجليل سفيان بن عيينة: (4) .

(1) بضع رسائل في عقائد الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص35) تحقيق محمد رشيد رضا الطبعة الأولى سنة 1349 مطبعة المنار بمصر.

(2)

دلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على كل معناه.

دلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جزء معناه.

دلالة الالتزام: هي دلالة اللفظ على معنى خارج عنه لكنه لازم له.

(3)

انظر المورد العذب الزلال ضمن مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (ج4/99) تحقيق رشيد رضا. الطبعة الأولى سنة 1346 هـ مطبعة المنار بمصر.

(4)

هو الإمام أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي، الحافظ، أحد أعلام الإسلام ولد سنة 107 هـ وتوفي سنة 198هـ وله إحدى وتسعون سنة قال فيه الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز وقال فيه أحمد بن حنبل: ما رأيت أحداً أعلم بالسنن من ابن عيينة وكان كبير القدر. ومن العباد. حج سبعين سنة. انظر شذرات الذهب (1/354) والأعلام (3/105) ط - 4.

ص: 26

(حدث محمد بن عبد الملك المصيصي قال: كنا عند سفيان بن عيينة في سنة سبعين ومائة، فسأله رجل عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل. قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذه، وأشار سفيان بيده. قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون: أن الإيمان قول بلا عمل؟ قال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تقرر أحكام الإيمان وحدوده.

إن الله عز وجل بعث نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كلهم كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله، وأنه رسول الله. فلما قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل، فلما علم الله عز وجل صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم (1) .

(فلما علم الله جل وعلا صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله تبارك وتعالى صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبنائهم حتى يقولوا كقولهم، ويصلوا صلاتهم ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا، حتى أتى أحدهم برأس أبيه فقال: يا رسول الله: هذا رأس شيخ الكافرين، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم، ولا قتالهم، فلما علم الله عز وجل صدق ذلك أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبداً، وأن يحلقوا رؤسهم تذللاً ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم، فلما علم الله عز وجل صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها، فأمرهم ففعلوا حتى أتوا بها قليلها وكثيرها، والله لو لم يفعلوا

(1) هكذا بالنص، والذي يبدو لي - والله أعلم - أن سياق الكلام يقتضي أن يكون هكذا (ما نفعهم الإقرار الأول) يدل على ذلك ما سيأتي في بقية النص.

ص: 27

ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، ولا هجرتهم، ولا قتلهم آباءهم، ولا طوافهم. فلما علم الله تبارك وتعالى الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده قال عز وجل: قل لهم:

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا { [سورة المائدة:3] .

(قال سفيان: فمن ترك خله من خلال الإيمان كان بها عندنا كافراً، ومن تركها كسلاً أو تهاوناً بها، أدبناه وكان بها عندنا ناقصاً. هكذا السنة أبلغها عني من سألك من الناس)(1) .

وقد ذكر العلماء رحمهم الله شروطاً سبعة لـ (لا إله إلا الله) لا تنفع صاحبها إلا باجتماع هذه الشروط فيه. وإليك شرحها:

(1) كتاب (الشريعة) لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري (ص104) الطبعة الأولى سنة 1369 هـ تحقيق محمد حامد الفقي. الناشر: مطبعة أنصار السنة المحمدية بمصر.

ص: 28