الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
صورة الولاء والبراء في عصرنا الحاضر
إنه بعد أن سبق بيان قضية الولاء والبراء في التصور الإسلامي، ووقفنا على مدى أهمية هذا الموضوع، وبعد سياق تلك الأمثلة المشرقة من تاريخ الصدر الأول من هذه الأمة: لا بد أن نقف عند وضع المسلمين في العصر الحاضر، لنرى أين يقف المسلمون اليوم من هذه القضية وما مدى التزامهم بها أو تخليهم عنها؟ وما الذي حل بهم؟ وهل هناك مبشرات لتغيير هذا الواقع المؤلم؟
وإنه لمن البدهي هنا أن نقول: أن العالم الإسلامي في العصور المتأخرة قد بلغ دركات الانحطاط والتخلف في كل شيء.
انحطاط في عقيدته حيث ترك ما عليه السلف الصالح وذهب إلى خزعبلات وحواشي علم الكلام الدخيل والخوض في نقاشات بيزنطية لا تمت للواقع ولا تصلحه بأي حال بل تزيده فساداً وانهياراً.
وانحطاط في التزامه بمقتضيات هذه العقيدة من الجهاد والتميز والعزة حيث استبدل بذلك كله التصوف والخرافات والتواكل، مما أطمع العدو فيهم على هذه
الحال وتخلف في جميع المجالات العلمية وترك مكان القيادة إلى ذلة التبعية فبعد أن كان المسلمون هم الرواد في كل علم نافع جاء الخلف ليترك ذلك الميراث العظيم الذي أخذه أعداء هذا الدين واستفادوا به ودفعهم إلى ما وصلوا إليه الآن.
وأخيراً فقد أعطى هؤلاء الخلف للناس: صورة هزيلة رديئة عن الإسلام، جعلت أعداء هذا الدين يتكالبون عليه من كل حدب وصوب طامعين في إطفاء نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. ولقد غزت العالم الإسلامي جيوش كثيرة وعديدة، وهي على كثرتها وضراوتها العسكرية لم تكتف بهذا بل نوعت أساليب الهجوم، فاستخدمت بعد الهجوم العسكري – الغزو الفكري الخبيث الذي فعل في (المسلمين) ما لم تفعله الجيوش الجرارة!.
وأول ما حرص عليه الأعداء هو بث سموم التشكيك وقلب المفاهيم حيث أخذ ينشر أمثال هذه الأفكار: "ما للدين ونظام المجتمع؟ وما للدين والاقتصاد؟ ما للدين وعلاقات الفرد بالمجتمع وبالدولة؟ وما للدين والسلوك العملي في واقع الحياة، ما للدين والملبس وخاصة ملابس المرأة؟ ما للدين والفن؟ ما للدين والصحافة والإذاعة والسينما والتليفزيون؟ وباختصار: ما للدين والحياة؟ ما للدين والواقع الذي يعيشه البشر على الأرض؟ "(1) .
وكان هدف الاستعمار – كما يقول الشيخ محمد الغزالي – (تكوين جيل يستحي من الانتساب للإسلام، ويكره أن يرى وهو يقوم بشيء من شعائره، خصوصاً بين المثقفين الكبار! والطبقات التي تهيأ للحكم والنفوذ.
الواحد من هؤلاء يحب أن يراه الناس خارجاً من حانة، ولا يحب أن يروه خارجاً من مسجد ومن السهل عليه أن يوصف بأنه زنى بعشر نسوة، لكن وجهه يسود لو قيل: متزوج من اثنتين أما أن يفكر في تلاوة آيات من القرآن أو يرجع إلى شيء من سنة رسول الله فذلك ما لا يخطر له ببال (2) .
وأفلح الاستعمار أيضاً في تكوين جيل يرفض العمل تحت لواء الإسلام،
(1) هل نحن مسلمون؟ (ص110) .
(2)
كفاح دين (ص147 الطبعة الثالثة)
وهذا الجيل هو " الطابور الخامس" الذي ألحق بنا الهزائم في كل ميدان (1) .
وحتى لا يكون الحديث مجرد عاطفة أو هجوم – كما يقال ذلك – أرى أن أثبت هنا نصوصاً صريحة واضحة نطق بها أعداؤنا الكفار ونفذوها تدل على مدى عمق عداوتهم للإسلام والمسلمين وإنهم لا يريدون إلا الشر والكيد بهذا الدين وطمس معالمه، وفي هذه النصوص أيضاً عظة وعبرة للمتغافلين والمنهزمين والمبهورين بهم من أبناء جلدتنا ومن الذين ينطقون بلغتنا ويتسمون بأسمائنا. ثم يحكم المنصف بعد قراءتها هل تحقق شيء منها أم لا؟
يقول القس زويمر في مؤتمر القدس سنة 1935م وهو يخاطب المبشرين بالنصرانية في العالم الإسلامي ما نصه (.. إن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية – ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية – فإن في هذا هداية لهم وتكريماً (!!) وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، ولذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية. وهذا ما قمتم به خلال الأعوام المائة السالفة خير قيام، وهذا ما أهنئكم عليه وتهنئكم دول المسيحية والمسيحيون جميعاً من أجله كل التهنئة) (2) وسترد بقية هذه الكلمة. ومع وضوح هذا النص الصليبي الحاقد وجد من (المستسلمين) – وهو محسوب من العلماء – من يقول أن قضية زمالة الأديان والتسامح بينها والتقارب والالتقاء بينها أمر محبب كما قد سبق ذكر ذلك في الباب الثاني. مما يدل على مدى الغفلة وعمق الجهل بحقيقة الإسلام وبحقيقة عداوة أعدائه له.
ويقول لويس التاسع: إن الغزو العسكري لا يكفي لهزيمة المسلمين ولكن لا بد من غزو عقيدتهم.
ثم نجد عدواً آخر يقول – وهو يتابع عودة المسلمين إلى إسلامهم – (ألا إن
(1) انظر حصاد الغرور (ص39) .
(2)
جذور البلاء للأستاذ عبد الله التل (ص275) الطبعة الثانية.
ثمة قوة جديدة بدأت تظهر ألا وهي الدعوة إلى إسلام "متزمت" والسعي عن طريق الإسلام إلى نظام حياة لا يكون نسخة عن نظام آخر ولا تقليداً له. بل يكون خاصاً بهويته وتقاليده ومصالحه المعنوية والمادية) (1) .
ويقول وليم جيفورد بالكراف: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه (2) .
وبالرغم من مئات النصوص التي تشبه ما ذكرنا، والتي مؤداها جميعاً: طمس الإسلام وإخراج المسلمين من إسلامهم فقد وجد للأسف في بلاد المسلمين من كان عوناً لهؤلاء الأعداء على خططهم، أو من ميع قضايا الإسلام في سبيل ملاينة أعداء الله.
يقول الأستاذ عبد القادر عودة رحمه الله: إن بعض الأقطار التي تسمي نفسها إسلامية، تبيح للمبشرين من الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين والأمريكيين أن ينشئوا مدارس للتبشير بالدين المسيحي في بلادهم حتى تفتن أطفال المسلمين عن دينهم، بل إن بعض الأقطار منع تعليم الدين الإسلامي في المدارس الحكومية وأهمل دراسة التاريخ الإسلامي في الوقت الذي يركز فيه الاهتمام بتدريس تاريخ أوروبا وتمجيد حضارتها وأنها هي قبلة الرقي والمدنية (3) .
وإذا كان هذا على مستوى الحكومات، فإن الأفراد أشد إيغالاً في ذلك وهم صنفان:
(1)
صنف من العلماء الذين لهم مكانة في التاريخ الحديث، وكتب عنهم مجلدات فيها من المدح وألقاب الإصلاح ما الله به عليم، ولكن التاريخ كشف عن هوياتهم ومواقفهم. ومنهم عبد الرحمن الكواكبي، هذا الرجل الذي يعتبر من أسبق الناس ظهوراً في الدعوة إلى التفريق بين السلطة الدينية والسلطة
(1) الجنرال بيار غالوا. عن مجلة المجتمع الكويتية العدد 450 (ص4) سنة 1399 هـ.
(2)
الغارة على العالم الإسلامي (ص94) الطبعة الثانية.
(3)
انظر الإسلام وأوضاعنا القانونية (ص75) الطبعة الثانية.