الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يلاحظ أنه في كل حالة وراء كلمة "التقدم" يختفي ضلال وزيغ عن الحق (1) .
وأحسب أن كل عاقل سيقف بروية عند قولهم "وحالما يفقد الشعب تدريجياً نعمة التفكير المستقل بنفسه سيهتف جميعاً معنا.. الخ.
ولكن مع هذا أيضاً نقول: إن هذا الغزو الفكري مهما كان من الشراسة والحنكة والتخطيط مع الدقة وضبط التوقيت المناسب للمادة المناسبة مع هذا كله فإن المسلمين أو أكثر المحسوبين على الإسلام قد أسهموا في عمل هذه الوسائل الخبيثة لأنهم ابتعدوا عن دينهم وتخلوا عن مفاهيم عقيدتهم والله سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
3- نشر كتب المستشرقين:
لئن كانت حركة الترجمة الأولى قد صحبها من الانحرافات ما سبق الإشارة إليه، فإن حركة الترجمة المعاصرة أشد خبثاً من سابقتها وأكثر إفساداً منها.
ذلك أن الترجمة الحديثة لم تكن في غالب الأحوال عن طريق غير المسلمين فحسب، بل اتجهت إلى ترجمة كتب المستشرقين الحاقدين الذين قاموا بأعمال فكرية كثيرة هدفها الأساسي تشويه مصادر التلقي عند المسلمين وتكديرها بالأفكار المغرضة والدسائس الحاقدة. لينشأ جيل إسلامي مفصول العرى عن دينه وأمته، يتخذ من الطرائق الغربية في التفكير والبحث قبلته الوحيدة، ولا يشعر بالانتماء للإسلام ديناَ ومنهجاً وحضارة.
وكتابة المستشرقين تتفق في معظمها على أسلوب واحد هو: إنها دراسات
(1) بروتوكولات حكماء صهيون (ص 168) ترجمة محمد خليفة التونسي الطبعة الرابعة وانظر مكائد يهودية للميداني (ص 346) .
موجهة من قبل المستشرقين أنفسهم ومن قبل من يمولهم في عملهم فهي ليست دراسات علمية يقصد بها وجه العلم، يدل على ذلك قول "سمث" في كتابه "الإسلام في التاريخ الحديث" في الفصل الثالث الذي تكلم فيه عن العرب: إن الإسلام كان عاملاً أساسياً وسبباً مهماً من أسباب وجود الهوة التي تفصل بين الغرب والعرب ثم يقول: "لقد أصبح من الحقائق الجديدة في مدنيتنا العصرية أن من الواجب سد هذه الثغرات ببناء قنطرة فوق مثل هذه الهوة، وخلق الأسباب الموصلة للتفاهم والتواصل
…
وخلق مثل هذا التفاهم بين المدنيات المختلفة والأديان المتباينة يتطلب جهوداً مبتكرة لا يتوصل إليها إلا بصعوبة (1) .
"ولقد قام المستشرقون بجهود كبيرة تمثلت في إحياء بعض النصوص والمخطوطات الإسلامية وكان لهم في ذلك طرق منظمة إلى حد ما، ولهم أيضاً في ذلك أخطاء كثيرة في فهم النصوص وتفسير الأحداث، ولكن مع كل ذلك فليست العبرة بالجهد الذي بذل وإنما العبرة بالهدف الذي بذل هذا الجهد من أجله هل كان هذا الهدف هو "خدمة" الإسلام أم تشويه الإسلام وتلويث صورته في النفوس"(2) ؟
ويدعي المستشرقون في كل ما يكتبون الروح العلمية أو الروح المتجردة! وغير ذلك من الشعارات التي تكذبها كتابة المستشرقين أنفسهم، ودليل ذلك أن مرجليوث - وهو من أئمتهم - يقول في فصل له منشور في موسوعة "تاريخ العلم" إن محمداً صلى الله عليه وسلم رجل مجهول النسب لأنه محمد " بن عبد الله" وقد كان العرب يطلقون على من لا يعرفون نسبه اسم عبد الله!!!
أوليس منبع هذا هو الحقد الصليبي لا الروح العلمية المتجردة؟
أوليس دافع هذا: التشكيك في الحقائق المسلمة البدهية؟
كيف يقال هذا الكلام ورسوله صلى الله عليه وسلم من قوم لا تعرف شيئاً كما تعرف
(1)(ص 102 - 103) نقلاً عن الإسلام والحضارة الغربية (ص109) .
(2)
هل نحن مسلمون (ص174) بتصرف بسيط.
الأنساب ولا تعتز بشيء كاعتزازها بالأنساب؟
أي سخف وأي تفاهة في هذا التفكير الاستشراقي الخبيث؟ (1)
وماذا ينتظر من هؤلاء وواحد من زعمائهم "جولد تسيهر" يقول في كتابه "العقيدة والشريعة" إن النظام الفقهي الإسلامي الدقيق مستمد من "القانون الروماني" ونظامه السياسي متأثر بالنظريات السياسة الفارسية، وتصوفه يمثل الآراء الهندية والأفلاطونية الجديدة!!! (2) .
ولو أردنا تتبع الأمثلة لطال الحديث في ذلك.
ولكننا نقول: ما دام هؤلاء الناس بهذه الروح الحاقدة والنية السيئة والفعل الخبيث. سلاحهم التشكيك، ودينهم الكذب والتزوير وطابعهم الحقد الصليبي القديم، ما داموا كذلك فما هو - يا ترى - قيمة كل ما كتبوه؟
وماذا يرتجي من تلاميذهم الذين ينظرون إليهم بروح الإجلال والإكبار وأنهم هم أساطين البحث العلمي المتجرد؟
إن كثيراً من تلاميذهم يستطيع أن يغالط نفسه وغيره ممن هو على شاكلته كثيراً ولكنه لا يستطيع أن ينكر واقعاً مشهوداً في حياة المستشرقين أنفسهم غير ما ذكرنا من الأمثلة السابقة.
ذلك أن الطلاب المبتعثين للدراسة على أيدي المستشرقين لا بد أن يختاروا بحوثهم العلمية على ما يريده لهم أساتذتهم. فإن لم يكن كذلك وأعطي الطالب حرية الاختيار فلا بد أن تكون الكتابة في أي موضوع خاضعة لما يمليه هذا المستشرقين وما يصبوا إليه من الطعن في الإسلام شريعة وعقيدة ونظام حياة خاصة إذا كان البحث في "قضايا الإسلام"
وخير مثال على ذلك ما ذكره الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله حيث قال: (حدثني البروفسور "اندرسون" نفسه أنه أسقط أحد المتخرجين من الأزهر الذين أرادوا نوال شهادة الدكتوراه في التشريع الإسلامي من جامعة
(1) انظر المصدر السابق (ص172) .
(2)
المصدر السابق (ص176) .
لندن، لسبب واحد هو أنه قدم أطروحته عن حقوق المرأة في الإسلام، وقد برهن فيها على أن الإسلام أعطى المرأة حقوقها الكاملة، فعجبت من ذلك، وسألت هذا المستشرق: وكيف أسقطته ومنعته من نوال الدكتوراه لهذا السبب، وأنتم تدعون حرية الفكر في جامعاتكم؟
قال: لأنه يقول: الإسلام يمنح المرأة كذا والإسلام قرر للمرأة كذا، فهل هو ناطق رسمي باسم الإسلام؟) (1) !!
لقد أحدثت كتب المستشرقين زعزعة كبيرة في نفوس ضعاف الإيمان، فخرج من هذه المدرسة التشكيلية أجيال تولت القيادات الفكرية والعلمية في العالم الإسلامي وأخذت تردد كالببغاء ما أملاه عليها أساتذتها "العلماء".
ولقد كان من أهم أهداف المستشرقين وتلاميذهم الطعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاولة النيل منها. ومصداق ذلك أن أحد هؤلاء التلاميذ وهو الدكتور علي حسن عبد القادر قال لتلاميذه بعد أن رجع "دكتوراً" إني سأدرس لكم تاريخ التشريع الإسلامي ولكن على طريقة علمية لا عهد للأزهر بها، وإني اعترف لكم بأني تعلمت في الأزهر قرابة أربعة عشر عاماً فلم أفهم الإسلام ولكني فهمت الإسلام حين دراستي في ألمانيا (2) !! قال الأستاذ السباعي رحمه الله: ثم تبين لنا فيما بعد أنه يملي علينا ترجمة حرفية لكتاب "جولد شهير" دراسات إسلامية!! (3) .
أما أكثر ما يعتمدون عليه في الطعن في السنة من غير الشبه والشكوك فهو حكاية عرض الحديث على "العقل" وهي حكاية قديمة نادى بها المعتزلة، وتبعهم عليها المستشرقون وتلاميذهم أمثال أحمد أمين وأبي رية وغيرهم كثير.
وللمستشرقين أيضاً كتابات أخرى دس فيها السم بالعسل وذلك أنهم
(1) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي (ص 13) الطبعة الثانية وذكر أيضاً رحمه الله أمثلة كثيرة حول هذا الموضوع فليراجعها من شاء في ذلك الكتاب القيم.
(2)
السنة للسباعي (ص19) .
(3)
نفس المصدر (ص 19) .
يصدون كتاباتهم بقليل من المدح للإسلام وأنه فعل كذا كذا.. الخ، وهم يهدفون من وراء ذلك إلى كسب ثقة القارىء، ثم يبدأون بنفث الحقد الدفين في نفوسهم بأن يشككوا في العقيدة والشريعة ويوردوا سيلاً من الشبه التافهة من أجل زعزعة ثقة المسلم بدينة (1) تحقيقاً لقوله تعالى:
{وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ { [سورة آل عمران: 72] .
ومما لاشك فيه أن هناك أموالاً وحكومات وراء نشر كتب المستشرقين في العالم الإسلامي لأن هذا الغزو يحقق لأعداء الإسلام ما لم يحققه لهم الغزو العسكري.
على أنه من المهم أن نقول هنا: أن تخلي المسلمين عن منهجهم العلمي بعد تخليهم عن مفاهيم العقيدة الصحيحة وترك منهج المحدثين الذي هو أعظم منهج علمي وضع في تاريخ البشرية سبب مباشر يقف إلى جانب كيد المستشرقين في ازدياد هوة الانحراف الذي وقع في حياة المسلمين:
وخلاصة القول: إن كل من تأثر بالمستشرقين - فكراً أو منهجاً - لا يمكن أن يكون ولاؤه لدينه وأمته صافياً صادقاً كما أن براءه لن يكون وفق التصور الإسلامي الصحيح.
(1) الأستاذ الدكتور محمد محمد حسين جزاه الله خيراً تتبع مزيداً من هذه البحوث في كتابه الإسلام والحضارة الغربية خاصة في الفصول الرابع والخامس والسادس فليراجع.