الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني
الهجرة
هذا الفصل له أهمية خاصة، ذلك أن الهجرة مرتبطة بالولاء والبراء، بل هي من أهم تكاليفها. والحديث فيها متشعب لذلك سأقسمه إلى الفقرات التالية:
أ- الإقامة في دار الكفر
وحكم ذلك.
ب- الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.
أ- الإقامة في دار الكفر:
لا بد لنا أولاً أن نعرف دار الكفر ودار الإسلام. فقد قال أهل العلم رحمهم الله:
إن دار الكفر: هي التي يحكمها الكفار، وتجري فيها أحكام الكفر، ويكون النفوذ فيها للكفار وهي على نوعين:
1) بلاد كفار حربيين.
2) بلاد كفار مهادنين بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة. فتصير إذا كانت الأحكام للكفار: دار كفر، ولو كان بها كثير من المسلمين (1) .
ودار الإسلام: هي التي يحكمها المسلمون، وتجري فيها الأحكام الإسلامية ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفاراً (2) .
(1) الفتاوى السعدية للشيخ عبد الرحمن بن سعدي (1/92) الطبعة الأولى سنة 1388 هـ دار الحياة بدمشق.
(2)
المصدر السابق: (1/92) .
ولما كان الإسلام هو دين العزة ودين القوة: فإنه قد أبى على معتنقه أن يستذلوا للكفار، وبذلك جاء المنع من الإقامة بين ظهراني غير المسلمين، لأن إقامته بينهم تشعره بالوحدة والضعف وتربي فيه روح الاستخذاء والاستكانة، وقد تدعوه إلى المحاسنة ثم المتابعة. والإسلام يريد للمسلم أن يمتلئ قوة وعزة وأن يكون متبوعاً لا تابعاً، وأن يكون ذا سلطان ليس فوقه إلا سلطان الله لذلك حرم الإسلام على المسلم أن يقيم في بلد لا سلطان للإسلام فيه إلا إذا استطاع أن يظهر إسلامه ويعمل طبقاً لعقيدته دون أن يخشى الفتنة على نفسه، وإلا فعليه أن يهجر هذا البلد إلى بلد يعلو فيه سلطان الإسلام فإن لم يفعل فالإسلام بريء منه ما دام قادراً على الهجرة. وفي ذلك كله يقول المولى سبحانه:
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا {97} إِلَاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً {98} فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا { [سورة النساء: 97 - 99] .
وقال صلى الله عليه وسلم (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين) قيل: يا رسول الله ولم؟ قال: (لا تراءى ناراهما)(1) وقال (من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله)(2) ويقول (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)(3)(4)
(1) سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
المسند (4/99) أبي داود (3/7 ح 2479) كتاب الجهاد والدارمي (2/239) كتاب السير وقال الألباني: صحيح. انظر صحيح الجامع الصغير (6/186 ح 7346) .
(4)
المصدر السابق
وقال الحسن بن صالح:
(من أقام في أرض العدو - وإن انتحل الإسلام وهو يقدر على التحويل إلى المسلمين فأحكامه أحكام المشركين، وإذا أسلم الحربي فأقام ببلادهم وهو يقدر على الخروج فليس بمسلم، ويحكم فيه بما يحكم على أهل الحرب في ماله ونفسه)(1) .
وقال الحسن: إذا لحق الرجل بدار الحرب ولم يرتد عن الإسلام فهو مرتد بتركه دار الإسلام (2) .
وقال ابن حزم: من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين: فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها: من وجوب القتل عليه متى قدر عليه، ومن إباحة ماله وانفساخ نكاحه وغير ذلك.
(وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه، لأنه مضطر مكره.
أما من كان محارباً للمسلمين معيناً للكفار لخدمة أو كتابة فهو كافر.
وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها وهو كالذمي لهم، وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم فما يبعد عن الكفر، وما نرى له عذراً، ونسأل الله العافية.
وأما من سكن في أرض القرامطة مختاراً فكافر بلا شك لأنهم معلنون بالكفر وترك الإسلام. وأما من سكن في بلد تظهر فيه بعض الأهواء المخرجة إلى الكفر فهو ليس بكافر لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالك على كل حال من التوحيد والإقرار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم والبراءة من كل دين غير الإسلام وإقامة الصلاة وصيام رمضان وسائر الشرائع التي هي الإسلام والإيمان.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين)
(1) انظر: الإسلام وأوضاعنا القانونية للأستاذ عبد القادر عودة (ص81) .
(26)
" أحكام القرآن " للجصاص (ج 3/216) .
(2)
* كذا بالأصل والذي يظهر لي أن الصواب: مجاهراً لأن الكافر لا يسمى مجاهداً.
يبين ما قلناه، وأنه عليه السلام، إنما عنى بذلك دار الحرب، وإلا فقد استعمل عليه السلام عماله على خيبر وهم كلهم يهود.
(ولو أن كافراً مجاهداً (*) غلب على دار من دور الإسلام، وأقر المسلمين بها على حالهم إلا إنه هو المالك، المنفرد بنفسه في ضبطها وهو معلن بدين غير الإسلام: لكفر بالبقاء معه كل من عاونه وأقام معه وإن ادعى أنه مسلم - لما ذكرنا) (1) .
وللشيخ حمد بن عتيق (2)
رحمه الله رسالة قيمة حول هذا الموضوع (3) فقد قسم المقيمين في بلاد الحرب إلى ثلاثة أقسام.
أحدهما: أن يقيم عندهم رغبة واختياراً لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، أو يعاونهم على المسلمين بنفسه أو ماله أو لسانه: فهذا كافر عدو لله ولرسوله لقوله تعالى:
{لَاّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ { [سورة آل عمران: 28]
(1)" أحكام القرآن " للجصاص (ج 3/216) .
(2)
هو الشيخ المحقق حمد بن علي بن محمد بن عتيق ولد سنة 1227 هـ بالزلفى وحفظ القرآن، وكانت له همة وعلو نفس سمت به إلى معالي الأمور: تتلمذ على الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ صاحب كتاب فتح المجيد ولازمه. ولازم أيضاً غيره من العلماء. وجد واجتهد حتى صار من كبار العلماء. عين قاضياً في الخرج ثم الأفلاج ومن مؤلفاته إبطال التنديد شرح كتاب التوحيد. والنجاة والفكاك والدفاع عن أهل السنة والاتباع. والفرق المبين بين السلف وابن سبعين. وغير ذلك وتوفي سنة 1301 هـ عن عمر يناهز السبعين ورثاه تلميذه سليمان بن سحمان بقصيدة منها:
يعز علينا أن نرى اليوم مثله لحل عويص المشكلات البوادر
انظر ترجمته في كتاب علماء نجد خلال ستة قرون للبسام (1/229) .
(3)
اسمها: الدفاع عن أهل السنة والاتباع: نشرها حفيده إسماعيل بن سعد بن عتيق بدون تاريخ.
قال ابن جرير: قد برئ من الله وبرئ الله منه لارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. وقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ { [سورة المائدة: 51] .
وقال صلى الله عليه وسلم (من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله)(1)
وصح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: من بنى بأرض المشركين فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة (2) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وظاهر هذا أنه جعله كافراً بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: لما ذكر الأنواع التي يكفر بها الرجل: قال النوع الرابع: من سلم من هذا كله ولكن أهل بلده يصرون على عداوة التوحيد واتباع أهل الشرك وهو يعتذر أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده ويجاهد بماله ونفسه فهذا أيضاً كافر، فإنه لو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه ولا يمكنه ترك ذلك إلا بمخالفتهم فعل. وموافقته لهم مع الجهاد معهم بنفسه وماله مع أنهم يريدون بذلك قطع دين الله ورسوله أكبر من ذلك بكثير فهذا أيضاً كافر وهو ممن قال الله فيهم:
{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ
(1) الدفاع لابن عتيق (10-12) والحديث سبق تخريجه.
(2)
قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (ص200) إسناده صحيح.
أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا { (1)[سورة النساء:91] .
القسم الثاني: أن يقيم عندهم لأجل مال أو ولد أو بلاد وهو لا يظهر دينه مع قدرته على الهجرة، ولا يعينهم على المسلمين بنفس ولا مال ولا لسان، ولا يواليهم بقلبه ولا لسانه، فهذا لا يكفرونه لأجل مجرد الجلوس، ولكن يقولون أنه قد عصى الله ورسوله بترك الهجرة، وإن كان مع ذلك يبغضهم في الباطن لقول الله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا { [سورة النساء: 97] .
قال ابن كثير: (ظالمي أنفسهم) أي بترك الهجرة، ثم قال: فهذه الآية عامة لكل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر، وليس متمكناً من إقامة الدين فهو مرتكب حراماً بالإجماع وبنص هذه الآية (2) .
قلت: وقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما. أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي
(1) الدفاع (10 - 12) .
(2)
انظر تفسير ابن كثير (2/343) . والدفاع لابن عتيق: 13.
السهم فيرمى به فيصيب فيقتله أو يضرب فيقتل فأنزل الله هذه الآية (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم)(1) .
وقد سد الله باب الأعذار الواهية في قوله تعالى:
{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ { [سورة التوبة: 24] .
وما من أحد يترك الهجرة إلا وهو يعتذر بشيء من هذه الثمانية وقد سد الله على الناس باب الاعتذار بها وجعل من ترك الهجرة لأجلها أو لأجل واحد منها فاسقاً وإذا كانت مكة هي أشرف بقاع الأرض وقد أوجب الله الهجرة منها ولم يجعل محبتها عذراً فكيف بغيرها من البلدان؟ (2) .
القسم الثالث: من لا حرج عليه في الإقامة بين أظهرهم وهو نوعان:
(ا) أن يكون مظهراً دينة فيتبرأ منهم وما هم عليه، ويصرح لهم ببراءته منهم وأنهم ليسوا على حق، بل إنهم على باطل وهذا هو إظهار الدين الذي لا تجب معه الهجرة كما قال تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ {1} لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ {2} وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ {إلى آخر السورة.
(1) صحيح البخاري (8/262 ح 4596) كتاب التفسير.
(2)
الدفاع لابن عتيق (ص13 - 14) وانظر: بيان النجاة والفكاك له أيضاً من (70 - 72) .