الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمييع المائعين وكيد الكائدين، وأن يواجهوا كل موقف بما يمليه عليهم كتاب ربهم وسنة نبيهم، وليعلموا أنهم مفتقرون إلى معية الله وولايته لهم وأن كيد الشيطان كان ضعيفاً.
حكم التجسس على المسلمين
جرت عادة المصنفين من العلماء أن يدرجوا الحديث عن الجاسوس في باب الجهاد. وذلك لحكمة هامة وهي أن التجسس أبرز ما يكون في موضوع كشف عورات المسلمين لأعدائهم خاصة وقت نشوب الحرب، فلذلك يأتون بالحديث عن الجاسوس، وأحكامه في ذلك الموضع ولذلك اقتديت بهم فأوردت هذا المبحث في فصل الجهاد.
والتجسس خيانة عظمى، وكبيرة من الكبائر إذا فعله المسلم. وهو من صور موالاة الكفار التي يتراوح الحكم فيها بين الكفر المخرج من الملة إذا كان تجسسه حباً في انتصار الكفار وعلو شوكتهم على المسلمين وبين الكبيرة من كبائر الذنوب إذا كان لغرض شخصي أو دنيوي أو جاه أو ما أشبه ذلك.
وقد حذر الله من ذلك في قصة حاطب بن أبي بلتعه (1) رضي الله عنه في سورة الممتحنة.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ
(1) هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، حليف قريش، وقيل هو حليف للزبير بن العوام. شهد بدراً والحديبية ومات سنة ثلاثين بالمدينة وهو ابن خمس وستين سنة وصلى عليه عثمان رضي الله عنهم وقد شهد الله لحاطب بالإيمان في سورة الممتحنة. بعثه رسول صلى الله عليه وسلم سنة ست من الهجرة إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندرية فأتاه من عنده بهدايا منها مارية القبطية. انظر الاستيعاب (1/348) والإصابة (1/300) .
يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ { [سورة الممتحنة:1] .
قال الطبري: لا يدعونكم أرحامكم وقراباتكم وأولادكم إلى الكفر بالله واتخاذ أعدائه أولياء تلقون إليهم بالمودة، فإنه لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم عند الله يوم القيامة لأنه سيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معاصيه والكفر به النار (1) .
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن على رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود وقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها) فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي، إني امرءاً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي وما فعلت كفراً ولا ارتداداً ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (قد صدقكم) فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. قال: (إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا
(1) تفسير الطبري (28/61) .
ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)(1) الآيات.
قال العلامة ابن القيم: يؤخذ من هذه القصة جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلماً، لأن عمر رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل حاطب بن أبي بلتعة فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل قتله إنه مسلم بل قال: وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال (اعملوا ما شئتم) فأجاب بأن فيه مانعاً من قتله وهو شهوده بدراً. وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوس ليس له مثل هذا المانع. وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يقتل وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجون بقصة حاطب.
والصحيح: أن قتله راجع إلى رأي الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم (2) .
وقال أيضاً: ومن فوائد هذه القصة: أن الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية، كما وقع الجس من حاطب مكفراً بشهوده بدراً، فإن ما اشتملت عليه هذه الحسنة العظيمة من المصلحة وتضمنه من محبة الله لها ورضاه وفرحة بها، ومباهاته للملائكة بفاعلها: أعظم مما اشتملت عليه سيئة الجس من المفسدة، وتضمنه من بغض الله لها فغلب الأقوى على الأضعف، فأزاله وأبطل مقتضاه، وهذه حكمة الله في الصحة والمرض الناشئين من الحسنات والسيئات، الموجبين لصحة القلب ومرضه قال تعالى:
{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ { [سورة هود: 114] .
(1) صحيح البخاري كتاب التفسير تفسير سورة الممتحنة (8/633 ح 4890) .
(2)
زاد المعاد (3/422) بتصرف بسيط.
وقال: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم { [سورة النساء: 31] .
إلى أن قال قوة إيمان حاطب التي حملته على شهود بدر، وبذله نفسه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيثاره الله ورسوله على قومه وعشيرته وقرابته وهم بين ظهراني العدو وفي بلدهم ولم يثن ذلك عنان عزمه، ولا فل من حد إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهله وعشيرته وأقاربه عندهم، فلما جاء مرض الجس برزت إليه هذه القوة. وكان البحران (*) صالحاً فاندفع المرض وقام المريض كأن لم يكن به قلبه (**) ولما رأى الطبيب قوة إيمانه قد استعلت على مرض جسه وقهرته قال لمن أراد فصده: لا يحتاج هذا العارض إلى فصاد (وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال، اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وعكس هذا ذو الخويصرة التميمي (1)
وأضرابه من الخوارج الذين بلغ اجتهادهم في الصلاة والصيام والقراءة إلى حد يحقر أحد الصحابة عمله معه كيف قال فيهم: (لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)(2) . وقال (اقتلوهم فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم)(3) . ومن له لب وعقل يعلم قدر هذه المسألة: وشدة حاجته إليها وانتفاعه بها، ويطلع منها على باب عظيم من أبواب معرفة الله سبحانه وحكمته في
(1) *الأطباء يسمون التغير الذي يحدث للعليل دفعة واحدة في الأمراض الحادة: بحرانا انظر حاشية (ص425 ج 3) زاد المعاد.
**القلبة: الداء والتعب. انظر مادة قلب في القاموس المحيط.
ذو الخويصرة التميمي ذكره ابن الأثير في الصحابة مستدركاً على من قبله ولم يورد في ترجمته سوى ما أخرجه البخاري كتاب المناقب (6/617 ح 3610) ومسلم في الزكاة (2/740 ح1063) من حديث أبي سعيد قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ذات يوم قسماً فقال ذو الخويصرة رجل من بني تميم يا رسول الله: اعدل فقال: (ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل) الحديث انظر الإصابة لابن حجر (1/485) .
(2)
سبق تخريجه.
(3)
صحيح البخاري كتاب المناقب باب علامات النبوة (6/618 ح 3611) وصحيح مسلم (2/746 ح 1066) كتاب الزكاة.
خلقه وأمره وثوابه وعقابه، وأحكام الموازنة.. وتفاوت المراتب في ذلك بأسباب مقتضية بالغة ممن هو قائم على كل نفس بما كسبت (1) .
والذي يظهر لي – والله أعلم – هو ما ذهب إليه مالك وابن عقيل من أصحاب أحمد وغيرهما أن الجاسوس المسلم يقتل لأن التعليل في قصة حاطب (تعليل بعلة مانعة من القتل منفية في غيره ولو كان الإسلام مانعاً من قتله لم يعلل بأخص منه، لأن الحكم إذ علل بالأعم كان الأخص عديم التأثير وهذا أقوى والله أعلم)(2) .
ونزول الخطاب القرآني بقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) .
يدل على دخول حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب الدال على إرادته، مع أن في الآية ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة وأنه أبلغ بالمودة، فإن فاعل ذلك قد أضل سواء السبيل، لكن قوله صلى الله عليه وسلم (صدقكم خلوا سبيله) ظاهر في أنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمناً بالله ورسوله غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي، ولو كفر لما قيل (خلوا سبيله) (3) . أما الجاسوس الكافر فهذا يجب قتله لأنه صلى الله عليه وسلم قتل جاسوساً من المشركين. فعن أياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل فقال النبي صلى الله عليه وسلم (اطلبوه واقتلوه) . فقتلته فنفله سلبه (4) .
(1) بتصرف. زاد المعاد (3/424 – 427) .
(2)
زاد المعاد (3/114) وانظر أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم لابن فرج المكي (ص25) .
(3)
إرشاد الطالب للشيخ سليمان بن سحمان (ص15) .
(4)
صحيح البخاري كتاب الجهاد باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان (6/168 ح 3051) وأبي داود في الجهاد (3/112 ح 2653) .