الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
طبيعة العداوة بين الفريقين
بعد أن بينا سمات الفريقين، نتحدث الآن عن العداوة بينهما، ومعرفة هذه العداوة أمر لا بد منه لتمييز الخبيث من الطيب.
{مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ { [سورة آل عمران: 179] .
ومعرفة العداوة بين الفريقين أمر هام يكشف ألعوبة بعض المتسمين بأسماء إسلامية وهم يسعون لتذويب المسلم في خضم الجو الجاهلي المعاصر وتمييع ولائه لربه ودينه وإخوانه المسلمين. وأمانة براءته وعداوته لكل عدو لهذا الدين.
هذه الحقيقة الهامة الناصعة يحاول أعداؤنا تزييفها: بأن الكفار أصدقاء أوفياء شرفاء يجب أن يكون لهم الحب والتقدير، والإجلال والإكبار والتعظيم، يقولون أننا متأخرون وهؤلاء القوم متقدمون يجب أن نسلك مسلكهم، وننهج نهجهم نقتفي آثارهم في كل وضع وحال، نأخذ حضارتهم بكاملها حلوها ومرها، حقها وباطلها، بل إنه لا باطل فيها (1) .
ولكن هيهات خسئوا وخابوا، إن حزب الله هم الأعلون عند الله قدراً، وهم الأعلون ولو كانوا أقل عدداً، وحزب الشيطان هم الخاسرون ولو كانوا عدد الحصى.
ولا بد أن يسبق حديث العداوة بين الفريقين، نبذة بسيطة عن عداوة إبليس للإنسان حتى نعلم مداخل الشيطان لهذه النفس البشرية، ومدى تلبيسه الحق بالباطل على أوليائه فيبين الحق للمؤمن فيأخذ الحذر على نفسه ومن معه، ويعبد الله على بصيرة منه ونور من شرعه.
(1) ممن تزعم هذا الاتجاه طه حسين وأضرابه. انظر إذا شئت كتابه مستقبل الثقافة في مصر.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن عداوة الشيطان للإنسان تتمثل في سبع مراتب أذكرها هنا بالاختصار.
(1)
الكفر والشرك، ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر الشيطان بذلك من ابن آدم برد أنينه، واستراح من تعبه معه، وهو أول ما يريد من العبد، فإن ظفر به صيره من عسكره ونوابه، فصار من دعاة إبليس، فإن يئس من ذلك نقله للمرتبة الثانية من الشر وهي.
(2)
البدعة: لأنها أحب إليه من: الفسوق والعصيان، وذلك أن ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعد، وهي مخالفة لدعوة الرسل، فإن كان الشخص ممن يعادي أهل البدع والضلال نقله إلى المرتبة الثالثة وهي:
(3)
الكبائر على اختلاف أنواعها، فيحرص أن يوقعه فيها، خاصة إذا كان عالماً متبوعاً لينفر الناس عنه. ومن المعلوم أن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم، هذا إذا أحبوا إشاعتها، فكيف إذا تولوا هم إذاعتها؟ فإن عجز عن هذه نقله للتي بعدها وهي:
(4)
الصغائر التي إذا اجتمعت ربما أهلكت صاحبها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل ذلك قوم نزلوا بفلاة من الأرض)(1) . وذكر حديثاً معناه أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا ناراً عظيمة فطبخوا واشتووا. ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها. فيكون صاحب الكبيرة الخائف أحسن حالاً منه، فإن أعجزه العبد عن هذه نقله للخامسة.
(5)
إشغاله بالمباحات التي لا ثواب ولا عقاب، بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها، فإن أعجزه العبد عن هذه بأن كان حافظاً لوقته شحيحاً به، يعلم مقدار أنفاسه وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله للتي بعدها.
(1) الحديث في مسند أحمد (ج5/331) وهو حديث صحيح انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (ح389) وصحيح الجامع (ج2/386 ح 2683 و 2684) .
(6)
إشغاله بالعمل المفضول عن الفاضل ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل، ويفتح له أبواب خير كثيرة، كما ورد أنه يأمر بسبعين باباً من أبواب الخير إما ليتوصل إلى باب واحد من الشر وإما ليفوت بها خيراً أعظم من تلك السبعين وأجل وأفضل. وهذا أمر لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد، يكون سببه تجريد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله، وأحبها إليه، وأرضاها له، وهذا لا يعرفه إلا من كان من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم ونوابه في الأمة، وخلفائه في الأرض والله يمن بفضله على من يشاء من عباده (1) .
(7)
فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست: سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفاءه ليشوش عليه قلبه، ويمنع الناس من الانتفاع به فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه لا يفتر ولا يني فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أسر أو أصيب فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله.
وما دام أن هذا هو كيد الشيطان للإنسان فما هو سبب العداوة ومثيرتها بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؟
والجواب على ذلك أحد أمور أربعة أو الأربعة مجتمعة.
(1)
الكبر: فأولياء الشيطان استكبروا على الحق وعلى الرسول وعلى الرسالة.
قال الله تعالى فيهم:
{إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَاّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ { [سورة غافر: 56] .
(1) بدائع الفوائد (2/260 - 262) بتصرف.
وقال تعالى:
{أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون { [سورة البقرة: 7] .
وقال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ { [سورة لقمان: 7] .
(2)
استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، واللصوق بالشهوات واللذائذ قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ { [سورة النحل: 107] .
{الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ { [سورة إبراهيم: 3] .
وإذا وجد الكبر وحب الدنيا على الآخرة أو أحدهما: فإن أرباب ذلك ينزعجون من وجود عباد الله المخلصين، حتى ولو لم يظهر لهم منهم أي احتكاك فإن وجودهم بهذا النقاء وبهذه الطهارة وبذلك الاستعلاء أمر يغيظ أعداء الله قال تعالى: {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء { [سورة النساء: 89] .
ذلك أن وجود الفريق الطاهر يشعر الفريق الدنس بخبث طويته وقبيح فعله، فمن هنا يبدأ كيد أعداء الله لأولياء الله بكل ما تعني كلمة (كيد) سواء كان ذلك بالسخرية أو الاستهزاء، أو العذاب والاضطهاد، أو التربص للمؤمنين بكل ما يسوء.
(3)
الحسد: فثائرة أولياء الشيطان لا تهدأ، ولذلك يكنون للمؤمنين الحسد والحقد، وقد بين الله ذلك في كتابه العزيز بقوله تعالى:
{وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ { [سورة البقرة:109] .
أجل هذه هي أمنيتهم أن يكفر عباد الله ليتساووا معهم في الكفر والضلال، وقد بين الله عظيم حقدهم وحسدهم لو ظهروا على المؤمنين فقال تعالى: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلَا ذِمَّةً { [سورة التوبة:8] .
(4)
سلب الهيمنة والولاء: وهذا أمر يختص بـ (الملأ) أي السادة والطواغيت الذين يستعبدون الناس، حيث يتقدم الناس لهم بالإجلال والتعظيم والرغبة والرهبة، والخوف والرجاء. فإذا جاء دين الله وشرعه الذي يحرر الناس من عبودية العبيد إلى عبادة الواحد القهار فإن (الملأ) يثورون ويعادون عادة الخير، لأنهم يشعرون حينئذ أن سلطانهم قد سلب وأن شرفهم قد زال، وأن الناس لم يعودوا يخشونهم أو يرهبونهم، لأن دين الله قد حررهم وأعزهم
وعبدهم لله فخوفهم من الله، وحبهم لله، وولاؤهم لله، وبغضهم في الله.
ودليل هذا فعل كسرى حين جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الدخول في الإسلام فاستكبر في نفسه وكأنه يقول: أمر عجيب الأعراب الذين كانوا رعاة لنا يأتون إلي لأدخل في دينهم الجديد! وظن أن ملكه سيزول إذا دخل في الدين الجديد، فما كان منه إلا أن مزق الكتاب. وقد استجاب الله دعوة نبيه فمزق الله ملك كسرى شر ممزق، فهكذا الطواغيت التي لا تدين لله بالولاء والسلطة والحاكمية تعادي أولياء الرحمن وتصب عليهم أشد أنواع العذاب كما قال تعالى:
{وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَاّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ { [سورة البروج: 8] .
(والجاهلية لا تكره الإسلام لأنها - في دخيلة نفسها - لا تعرف ما فيه من الحق والخير، أو لأنها بينها وبين نفسها - تعتقد حقاً أن باطلها الذي تعيش فيه أصوب وأقوم من الإسلام! كلا! فهي تكرهه وهي عالمة بما فيه من الحق والخير وبأنه هو الذي يقوم ما آعوج من شؤون الحياة، وإنما تكرهه لأنها حريصة على هذا العوج لا تريد تقويمه، وتود أن تبقى الأمور على آعوجاجها ولا تستقيم،! تكرهه لأنها هي الجاهلية.. وهو الإسلام!
{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى { (1)[سورة فصلت:17] .
(1) جاهلية القرن العشرين للأستاذ محمد قطب (ص322) .
أما طبيعة عداوة أولياء الرحمن لأعدائهم: فهي جزء من عقيدتهم وأحسب أني فصلت القول في هذا في التمهيد حين تكلمت عن لوازم لا إله إلا الله – أنهم يبغضون في الله من حاد الله ورسوله قال تعالى:
{لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { [سورة المجادلة: 22] .
إنهم لا يلتقون مع أعدائهم في منتصف الطريق بل يقولون كما قال إمامهم إبراهيم عليه السلام:
{إِنَّا بُرَاءؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ { [سورة الممتحنة:4] .
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:
(إنه لا يستقيم للإنسان إسلام – ولو وحد الله وترك الشرك – إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغض كما قال تعالى:
{لا تَجِدُ قَوْمًا
…
{ [سورة المجادلة: 22](1)
(1) مجموعة التوحيد (ص19)(ستة مواضع من السيرة) طبعة دار الفكر.
وما دمنا قد عرفنا منطلق العداوة وحقيقتها فيجب أن نعلم أن هذا هو (القاسم المشترك) بين أعداء الإسلام بشتى أصنافهم كفار ومشركين ومنافقين وكل من كره الإسلام وعاداه.
إن طبيعة المنهج الإسلامي التي يعرفها جيداً أصحاب المناهج الأخرى طبيعة الإصرار على إقامة مملكة الله في الأرض، وإخراج الناس كافة من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وتحطيم الحواجز المادية التي تحول بين الناس كافة وبين حرية الاختيار الحقيقية.. ثم إنها طبيعة التعارض بين منهجين للحياة، لا التقاء بينهما في صغيرة ولا كبيرة وحرص أصحاب المناهج الأرضية على سحق المنهج الرباني الذي يهدد وجودهم ومناهجهم وأوضاعهم قبل أن يسحقهم، فهي حتمية لا اختيار فيها في الحقيقة لهؤلاء ولا لهؤلاء
…
وهذه الظاهرة يقررها القرآن بقوله (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)(1) .
ونذكر بعض عداوات هذه الأصناف حسبما نص عليه القرآن الكريم فأما الكفار فقد قال الله تعالى عنهم:
{يُرِيدُونَ ليطْفِؤُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ { [سورة الصف: 8] .
وقال في شأن "المشركين ":
{مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ { [سورة البقرة: 105] .
(1) انظر طريق الدعوة في ظلال القرآن (ج1/80) .
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ { [سورة الصف:9] .
وأما عداوة " أهل الكتاب" فالله يقول عنهم:
{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ { [سورة البقرة: 120] .
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ { [سورة المائدة:82] .
{ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل { [سورة النساء:44] .
{وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ { [سورة آل عمران: 119]
أما عداوة " المنافقين ": فقد نبه القرآن الكريم على ذلك في مواضع كثيرة ومن ذلك ما ورد في أول سورة البقرة حيث ذكرهم في ثلاث عشرة آية من آية 8 – 20 (وذلك لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جداً، لأنهم منسوبون إليه، وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب، يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد.
(فلله كم معقل للإسلام قد هدموه! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه، وكم من لواء مرفوع قد وضعوه.. اتفقوا على مفارقة الوحي فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون:
{فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون { [سورة المؤمنون:53] .
(رأس مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والختر، وعندهم العقل المعيشي: إن الفريقين عنهم راضون وهم بينهم آمنون.
{يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَاّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ { [سورة البقرة: 9]
(من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق، ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق، خرجوا في طلب التجارة البائرة في بحار الظلمات فركبوا مراكب الشبه والشكوك، تجري بهم في موج الخيالات، فلعبت
بسفنهم الريح العاصف، فألقتها بين سفن الهالكين.
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ { (1)[سورة البقرة: 16] .
وقد نزل بخصوصهم سورة كاملة في القرآن هي سورة (المنافقون) وقد ورد فيها صريح عداوتهم للمؤمنين في قوله تعالى عنهم:
{هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ {7} يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ { [سورة المنافقون: 7-8] .
وما دمنا قد عرفنا عداوات هذه الأصناف للإسلام، فإنه لجدير بنا أن نؤكد خطورة عداوة اليهود والنصارى لأنهم هم المسيطرون اليوم على معظم بقاع الأرض، وهم الذين يثبتون غزوهم بشتى الأساليب، وهم رمز (البهرج
(1) مدارج السالكين (ج1/347 – 349) بتصرف.
والانبهار) أمام المخدوعين من أبناء المسلمين.
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله:
(إن حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة هي من أجل العقيدة. وهم قد يختصمون فيما بينهم ولكنهم يلتقون دائماً في المعركة ضد الإسلام والمسلمين.
(وقد يرفعون لهذه المعركة أعلاماً شتى – في خبث ومكر وتورية – لأنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة، فخوفاً من حماس العقيدة الإسلامية وجيشانها: أعلنوا الحرب باسم الأرض والاقتصاد والسياسة والمراكز العسكرية، وألقوا في روع المخدوعين منا: إن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها! ولا يجوز رفع رايتها، وخوض المعركة باسمها، فهذه سمة المتخلفين المتعصبين! وذلك ليأمنوا جيشان العقيدة من جديد، بينما هم في قرارة نفوسهم جميعاً: يخوضون المعركة أولاً وقبل كل شيء لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلاً فأدمتهم جميعاً!
فإذا نحن خدعنا بخدعتهم فلا نلومن إلا أنفسنا، ونحن نبتعد عن توجيه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأمته وهو سبحانه أصدق القائلين:
{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ { [سورة البقرة:120] .
(هذا هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه وما سواه فمرفوض ومردود. ولكن الأمر الحازم والتوجيه الصادق ((قل إن هدى الله هو الهدى)) على سبيل القصر والحصر هدى الله هو الهدى وما عداه فليس بهدى) (1) .
(1) بتصرف: في ظلال القرآن (ج1/108) .
وخلاصة القول:
إن حقيقة العداوة وطبيعتها هو اختلاف الدينين، وافتراق المنهجين. فإما دين الله واتباع شرعه وموالاة عباده المؤمنين.
وإما دين الباطل واتباع الهوى والشهوات والانضمام إلى حزب الشيطان، فعلى أولياء الله أن يعتزوا بدينهم، وأن يستعلوا فوق وطأة الباطل فإنهم هم المنصورون، وإذا كان أعداء الله يتباهون بقوتهم وكثرة عددهم وعدتهم فإن المؤمنين يفخرون بنصر الله وكريم معيته وعونه لهم.
فقد ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال (يقول الله تعالى ((من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)) (1) .
ويقول الله تبارك وتعالى:
{إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ { [سورة النحل:128] .
ويقول:
{ذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ { [سورة الأنفال: 12] .
(1) سبق تخريجه.
ويقول تعالى:
{فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ { [سورة محمد: 35] .
وإذا قلبنا صفحات التاريخ وجدنا مصداق ذلك، ففي غزوة بدر نصر الله القلة المؤمنة على الكثرة الكافرة، وأعز دينه ونصر حزبه، وفتوحات المسلمين شرقاً وغرباً وتحطيم عروش كسرى وقيصر ليست بغائبة عن الأذهان.
ونصر الله وتأييده للمؤمنين في معركتهم مع التتار ومع الصليبين الحاقدين. وغيرها من مئات الحوادث سواء كانت على مستوى الفرد أم الجماعة خير شاهد على ما نقول.
وسيبقى النصر والعون والمدد لأولياء الله إن شاء الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وما على المؤمنين إلا الصدق مع الله والإخلاص في العمل ابتغاء مرضاته هو وحده، والعمل وفق كتابه وسنة نبيه ولن يضيع الله أجر من أحسن عملاً.