الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ديانتهم فعليهم دفع الجزية للمسلمين وإلا فالسيف بينهم وبين المسلمين (1) .
ومن هنا: فإن
أهداف الجهاد
في الإسلام أهداف سامية عالية فهو:
(1)
يقاتل الكفار لتقرير حرية العقيدة.
(2)
ويجاهد ثانياً لتقرير حرية الدعوة.
(3)
ويجاهد ثالثاً: لإقامة نظام الإسلام في الأرض. وتحقيق حرية الإنسان، حينما يقرر أن هناك عبودية واحدة لله الكبير المتعال، ويلغي من الأرض عبودية البشر للبشر في جميع أشكالها وصورها.
فليس هناك فرد ولا طبقة ولا أمة تشرع الأحكام للناس، وتستذلهم عن طريق التشريع، وإنما هناك رب واحد للناس جميعاً هو الذي يشرع لهم وهو الذي يتوجهون إليه وحده بالطاعة والخضوع كما يتوجهون إليه بالإيمان والعبادة على السواء (2) .
وعبودية الجهاد من أشرف وأوجب أنواع العبودية لله سبحانه وتعالى لأنه (لو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها. ومن الموالاة فيه سبحانه، والمعادة فيه والحب فيه والبغض فيه، وبذل النفس له في محاربة عدوه، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر ومخالفة الهوى، وإيثار محاب الرب على محاب النفس)(3) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه (لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه.. لأن الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، وهو مشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، ففيه من محبة الله، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له والصبر والزهد وذكر الله وسائر أنواع
(1) انظر تفسير (لا إكراه في الدين) في ابن كثير (1/459) وانظر فصل الجهاد في معالم في الطريق (ص74) .
(2)
انظر طريق الدعوة (1/288 - 289) .
(3)
مدارج السالكين (2/196) .
الأعمال ما لا يشتمل عليه عمل آخر، والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائماً: إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة) (1) .
وقد وردت نصوص كثيرة جداً في فضيلة الجهاد نذكر طرفاً منها:
قال تعالى في بيان منزلة الشهيد وأنه حي عند ربه
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ {169} فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ { [سورة آل عمران: 169 - 170] .
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ { [سورة الحجرات: 15] .
والجهاد هو التجارة الرابحة مع الله كما قال سبحانه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ {10} تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {11} يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ
(1) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (ص118) طبع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة 1389 هـ.
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {12} وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ { [سورة الصف:10-13] .
أما السنة النبوية فقد ورد فيها أحاديث كثيرة في فضيلة الجهاد نذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم (إن الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض (1) .
وقال أيضاً (ما اغبرتا قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار)(2) .
وفي الصحيح: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد قال: لا أجده. قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ فقال ومن يستطيع ذلك (3) .
وفي السنن أنه صلى الله عليه وسلم قال (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى)(4) .
والجهاد ذروة سنام الإسلام كما جاء ذلك في الحديث (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد)(5) وقال أيضاً (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري (6) ومسلم.
(1) صحيح البخاري باب درجات المجاهدين في سبيل الله (6/11 ح 2790) كتاب الجهاد.
(2)
صحيح البخاري (6/29 ح 2811) كتاب الجهاد.
(3)
صحيح البخاري (6/4 ح 2785) كتاب الجهاد.
(4)
سنن أبي داود كتاب الجهاد (3/12 ح 2486) ومستدرك الحاكم (2/73) وسنده حسن. انظر مشكاة المصابيح (1/225 ح 724) .
(5)
سنن الترمذي: أبواب الإيمان (7/281 ح 2619) وابن ماجه (2/1314 ح 3973) وقال الألباني: حديث صحيح. انظر صحيح الجامع (5/30 ح 5012) .
(6)
البخاري (6/13 ح 2792) كتاب الجهاد وصحيح مسلم (3/1499 ح 1880) كتاب الإمارة.
وفي مقابل هذا الثناء الجميل: ورد الذم للتاركين للجهاد، بل إن الله وصفهم بالنفاق ومرض القلوب فقال تعالى:
وقال سبحانه:
{فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ {20} طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ {21} فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ {22} أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ { [سورة محمد: 20-23] .
والجهاد ضرورة للدعوة وسنة ربانية في الابتلاء والتمحيص. قال تعالى
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ { [سورة آل عمران: 142] .
(إن الجهاد في سبيل الله هو طريق الدعوة إلى الله، والجهاد ليس ملابسة طارئة من ملابسات فترة الدعوة الأولى. وإنما هو ضرورة مصاحبة لركب هذه الدعوة، ولو كان الجهاد ملابسة طارئة في حياة الأمة المسلمة ما استغرق كل هذه الفصول الواسعة من صلب كتاب الله ولما استغرق فصولاً طويلة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(والله يعلم أن هذا المنهج الإلهي تكرهه الطواغيت، ويعلم أنه لا بد لأصحاب السلطان أن يقاوموه لأنه طريق غير طريقهم، ومنهج غير منهجهم، ليس بالأمس فقط ولكن اليوم وغداً، وفي كل أرض وفي كل جيل، وأن الله سبحانه يعلم أن الشر متبجح ولا يمكن أن يكون منصفاً، ولا يمكن أن يدع الخير ينمو مهما يسلك هذا من طرق سليمة موادعة فإن مجرد نمو الخير يحمل الخطورة على الشر، ومجرد وجود الحق يحمل الخطر على الباطل ولا بد أن يجنح الشر إلى العدوان، ولا بد أن يدافع الباطل عن نفسه بمحاولته قتل الحق وخنقه بالقوة هذه فطرة وليست حالة طارئة.. ومن ثم لابد من الجهاد.. لابد منه في كل صورة، ولا بد أن يبدأ في عالم الضمير ثم يظهر فيشمل عالم الحقيقة والواقع. ولا بد من مواجهة الشر المسلح بالخير المسلح، ولا بد من لقاء الباطل
المتترس بالعدد بالحق المتوشح بالعدة. إلا كان الأمر هزلاً لا يليق بالمؤمنين ولا بد من بذل الأموال والنفس كما طلب الله من المؤمنين) (1) .
ويوم أدرك المسلمون معنى قوله تعالى:
{فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا { [سورة النساء: 74] .
انطلقت كتائب الفتح الإسلامي في الأرض تنشر الخير، وتلقن الإيمان وتكسر شوكة الطاغوت من أجل أن يعبد الله وحده في الأرض.
ووجد في ذلك التاريخ المشرق نماذج رفيعة أجادت - بحق - صناعة الموت لأنها تريد الحياة الكريمة سواء كانت الحياة على هذه الأرض بالنصر وإعلاء كلمة الله. أم بالحياة عند الله
{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون { [سورة آل عمران: 169] .
لقد كانت هذه النماذج الإيمانية تستبطئ أن تحول بينها وبين الجنة تمرات كما في قصة الصحابي الجليل عمير بن الحمام الأنصاري: (2) حين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في غزوة بدر (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) قال: يا رسول الله: جنة عرضها السموات والأرض! قال: نعم قال: بخ بخ قال
(1) طريق الدعوة (1/303 - 304) .
(2)
هو عمير بن الحمام بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي: ذكره موسى بن عقبة وغيره فيمن شهد بدراً. وهو أول قتيل قتل في سبيل الله في الحرب. وانظر ترجمته في الإصابة (3/31) .
رسول الله: وما يحملك على قول بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: (فإنك من أهلها) ثم أخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بها ثم قاتلهم وهو يقول:
ركضاً إلى الله بغير زاد
…
إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
…
وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد
فما زال يقاتل حتى قتل (1) .
وهذا غسيل الملائكة الصحابي الجليل حنظلة بن أبي عامر يخرج من بيته حين سمع نداء الحرب في معركة أحد وكان حديث عهد بعرس لم يكن ليتأخر حتى يغتسل من جنابته، بل هرع إلى ساحة الوغى حتى لا يفوته الجهاد فلما قتل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهيعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك تغسله الملائكة)(2) .
هذا غيض من فيض، ونقطة من بحر، من تلك البطولات التي بعث الإيمان فيها شجاعة خارقة للعادة وحنيناً إلى الجنة واستهانة نادرة بالحياة، تمثلوا الآخرة وتجلت لهم الجنة بنعمائها كأنهم يرونها رأى العين، فطاروا إليها طيران الحمام الزاجل لا يلوي على شيء (3) .
هذا هو مفهوم الجهاد، وهؤلاء المؤمنون هم أصحاب الجهاد، ويلحق بهم من سار على نهجهم لأنهم يقاتلون في سبيل الله أما غيرهم فيقاتل في سبيل الطاغوت:
(1) مسند أحمد (3/137) وصحيح مسلم (3/1509 ح 1899) كتاب الإمارة بدون ذكر الأبيات وانظر فقه السيرة للشيخ الغزالي (ص244) .
(2)
الإصابة لابن حجر (1/360) وانظر فقه السيرة للغزالي 272.
(3)
انظر مزيداً من تلك البطولات في ماذا خسر العالم للندوي (ص 104 - 108) .
{الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ { [سورة النساء: 76] .
وليس ما يقوله المنهزمون اليوم هو الجهاد، بل إنه من الوجهة الصحيحة فساد. إنهم يدعون إلى عدم مقاتلة أولياء الشيطان، ويدعون إلى موالاتهم وإلى مودتهم وإلى الاستكانة إليهم وإلى تمييع نصوص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مقابل شبهات الملاحدة انهزموا وذلوا واستكانوا لأنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام ولا يمثلون إلا اسماً مسمى، همهم التقليد الأعمى، وديدنهم الركض خلف كل ناعق ولو كان الأمر هكذا لهان الخطب لأنه لا عبرة بهم ففي أرض الله من يقوم بدين الله والله متكفل بذلك. ولكن أن يمتد جبنهم وذلتهم إلى الالتواء على النصوص القرآنية والسنة النبوية فيقال: إن الجهاد في الإسلام هو الدفاع فقط فهذا ما يجب أن نعريه، ولا نسكت عنه، مهما كانت ألقابهم ومهما كانت شهرتهم، فإن دين الله هو الحق والحق أحق أن يتبع ولست بحاجة إلى الإطالة في هذا فقد ذكرت في الفصول السابقة (1) مجموعة من العلماء الفضلاء في القديم والحديث تولوا تعرية هذا الفكر الغريب على التصور الإسلامي. فلتراجع في مظانها.
وعوداً على بدء نقول: إنه لا حياة شريفة في ظل هذا الدين الحنيف إلا بالعودة إلى ينابيعه الصافية كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم العقيدة الصحيحة وسيرة سلف الأمة وإدراك معنى لا إله إلا الله ومعنى العبادة ومعنى الدين، ومعنى الجهاد في سبيل الله. وليس في سبيل الأرض أو الوطن أو الجنس أو اللون أو الشخص أو.. أو.. الخ.
وعلى المسلمين اليوم إدراك هذه المعاني والاستعلاء بأنفسهم وعقيدتهم من
(1) راجع ص 217.