الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بابُ نكاح المشرك
أَسْلَمَ كِتَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ وَتَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ .. دَامَ نِكَاحُهُ، أَوْ وَثنَيَّةٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ فَتَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ .. تنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ وَأَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ .. دَامَ نِكَاحُهُ، وَإِلَّا .. فَالْفُرْقَةُ مِنْ إِسْلَامِهِ. وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَأَصَرَّ .. فَكَعَكْسِهِ. وَلَوْ أَسْلَمَا مَعًا .. دَامَ النِّكاحُ،
===
(باب نكاح المشرك)
وهو الكافر على أيِّ ملةٍ كان.
(أسلم كتابي أو غيره) كمجوسي ووثني ولو تبعًا لأحد أبويه (وتحته كتابية) يحل ابتداء نكاحها لمسلم ( .. دام نكاحه) إذ له الآن أن ينكحها، فدوامه أولى.
(أو وثنية أو مجوسية) أو غيرهما ممن لا يحل لمسلم نكاحها من الكافرات (فتخلَّفت قبل دخولٍ) واستدخال ماء ( .. تنجّزت الفرقة) لأن النكاح غير متأكد؛ بدليل أنه يرتفع بالطلقة الواحدة، (أو بعده وأسلمت في العدة .. دام نكاحه) بالإجماع إلا من شذ.
(وإلا) أي: وإن أصرت حتى انقضت العدة ( .. فالفرقة من إسلامه) بالإجماع؛ كما أشار إليه في "الأم" وهي فرقة فسخ لا طلاق (1).
(ولو أسلمت) المرأة (وأصرّ) الزوج على كفره ( .. فكعكسه) أي: يكون كما لو أسلم هو وأصرت هي، ولا فرق هنا بين الكتابي وغيره؛ ولهذا لم يقيده، بخلاف الزوجة.
(ولو أسلما معًا .. دام النكاح) بالإجماع؛ كما نقله ابن عبد البر (2).
ولو نكح كافر لابنه الصغير صغيرة .. فإسلام الأبوين أو أحدهما قبل بلوغهما كإسلام الزوجين أو أحدهما.
ولو نكح لطفله بالغة وأسلم أبو الطفل والمرأة معًا .. قال البغوي: يبطل النكاح؛ لأن إسلام الولد يحصل عقب إسلام الأب، فيقدم إسلامها على إسلام الزوج، قال
(1) الأم (6/ 122).
(2)
التمهيد (12/ 23).
وَالْمَعِيَّةُ بِآخِرِ اللَّفْظِ. وَحَيْثُ أَدَمْنَا .. لَا تَضُرُّ مُقَارَنَةُ الْعَقْدِ لِمُفْسِدٍ هُوَ زَائِلٌ عِنْدَ الإِسْلَامِ وَكَانَتْ بِحَيْثُ تَحِلُّ لَهُ الآنَ. وَإِنْ بَقِيَ الْمُفْسِدُ .. فَلَا نِكَاحَ؛ فَيُقَرُّ عَلَى نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَشُهُودٍ، وَفِي عِدَّةٍ هِيَ مُنْقَضِيَة عِنْدَ الإِسْلَامِ،
===
الرافعي: لكن ترتُّب إسلام الولد على إسلام الأب لا يقتضي تقدمًا ولا تأخرًا بالزمان، فلا يظهر تقدم إسلامها على إسلام الزوج، قال السبكي: وهذا مبني على ما صححوه من كون العلة الشرعية مع المعلول، والمختار عندي: تقدمها، فيتجه قول البغوي. انتهى.
وإن أسلمت عقب إسلام الأب .. بطل النكاح أيضًا؛ لأن إسلام الولد يحصل حكمًا، وإسلامهما يحصل بالقول، والحكمي يسبق القولي، فلا تتحقق المعية (1).
(والمعيّة بآخر اللفظ) لا بأوله؛ إذ به يحصل الإسلام (وحيث أدمنا .. لا تضر مقارنة العقد) الواقع في الكفر (لمفسد هو زائل عند الإسلام وكانت بحيث تحل له الآن) تنزيلًا لحال الإسلام حال ابتداء العقد، هذا إذا لم يعتقدوا فساد المقارن للعقد، فإن اعتقدوا فساده وانقطاعه .. فلا تقرير، بل يرتفع النكاح في "الروضة" و"أصلها"(2).
وإنما حكمنا بالاستمرار مع اقتران المفسد بالعقد على سبيل الرخصة والتخفيف، وقد أقرّ صلى الله عليه وسلم من أسلم من غير بحث وأمر (3).
(وإن بقي المفسد) الذي قارن العقد في الكفر إلى وقت الإسلام كنكاح محرم أو مطلقته ثلاثًا قبل تحليل أو ملاعنة ( .. فلا نكاح) لأنه لا يجوز ابتداؤه في الإسلام (فيُقَرُّ على نكاح بلا ولي وشهود) إذ لا مفسد عند الإسلام، ونكاحها الآن جائز، وكذا إذا أجبر البكر غير الأب والجد، أو أجبرت الثيب، أو راجع في القرء الرابع وهم يعتقدون امتداد الرجعة إليه.
(وفي عدة) ولو بشبهة (هي منقضية عند الإسلام) لأنها إذا كانت منقضية .. جاز
(1) التهذيب (5/ 391)، الشرح الكبير (8/ 87).
(2)
الشرح الكبير (8/ 89)، روضة الطالبين (7/ 145).
(3)
أخرجه أبو داوود (2243)، والترمذي (1129)، وابن ماجه (1951) عن فَيْرُوزَ الديلمي رضي الله عنه.
وَمُؤَقَّتٍ إِنِ اعْتَقَدُوهُ مُؤَبَّدًا، وَكَذَا لَوْ قَارَنَ الإِسْلَامَ عِدَّةُ شُبْهَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا نِكَاحُ مَحْرَمٍ. وَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَهُوَ مُحْرِمٌ .. أُقِرَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ نَكَحَ حُرَّةً وَأَمَةً وَأَسْلَمُوا .. تَعَيَّنَتِ الْحُرَّةُ،
===
ابتداء نكاحها، فجاز التقرير، بخلاف ما إذا كانت باقية.
(ومؤقت إن اعتقدوه مؤبدًا) فإن اعتقدوه مؤقتًا .. فلا، صرّح به في "المحرر"(1)، سواء أسلما بعد تمام المدة أو قبلها؛ لأن بعد المدة لا نكاح في اعتقادهم، وقبلها يعتقدونه مؤقتًا، ومثله لا يجوز ابتداؤه.
(وكذا لو قارن الإسلامَ عدّةُ شبهة على المذهب) وإن كان لا يجوز ابتداء نكاح المعتدة؛ لأن عدة الشبهة لا تقطع نكاح المسلم، فهنا أولى؛ لأنا نحتمل في أنكحة الكفار ما لا نحتمله في أنكحة المسلمين.
وتعبيره بـ (المذهب): هو ما عبر به في "الروضة"، وهو يقتضى نقل طريقين، والذي في "الرافعي": إنما هو نصٌّ مقابلُه وجه، وعبارته: المشهور: الاستمرار، وقيل: يندفع (2).
(لا نكاح مَحْرم) كبنته وأمه وزوجة أبيه أو ابنه .. فإنه لا يقر عليه؛ لأنه لا يجوز ابتداؤه، فاندفع عند الإسلام، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع (3)، وكذا لو نكح مطلقته ثلاثًا قبل التحليل.
(ولو أسلم ثم أحرم ثم أسلمت) في العدة (وهو مُحْرِم .. أُقرّ على المذهب) لأن طروّ، الإحرام لا يؤثر في نكاح المسلم، فههنا أولى، وفي قول: لا يقر؛ إلحاقًا للدوام بالابتداء، والطريق الثاني: القطع بهذا؛ كما لو أسلم وتحته أمة وهو موسر لا يجوز إمساكها.
(ولو نكح حرة وأمة) معًا أو مرتبًا (وأسلموا) أي: الزوج والحرة والأمة ( .. تعيَّنت الحرة) إذا كانت صالحة للاستمتاع، والزوج ممن لا يحل له نكاح الأمة
(1) المحرر (ص 301).
(2)
روضة الطالبين (7/ 147)، الشرح الكبير (8/ 92).
(3)
الإجماع (ص 104).
وَانْدَفَعَتِ الأَمَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَنكَاحُ الْكُفَّار صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: فَاسِدٌ، وَقِيلَ: إِنْ أَسْلَمُوا وَقُرِّرَ .. تبَيَّنَّا صِحَّتَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا
===
(واندفعت الأمة على المذهب) لأنا لا ننظر في نكاح الأختين إلى التقدم والتأخر، فكذلك في نكاح الحرة والأمة، ومنهم: من خرج اندفاع نكاح الأمة على قولين؛ بناء على أن الاختيار والإمساك كابتداء العقد أو كاستدامته، وهو المقابل للمذهب في كلامه.
اعلم: أن ترجيح الاندفاع مخالف لما مرّ من تجويز الإمساك في عدة الشبهة والإحرام الطارئين؛ فإن ذلك على الاستدامة، وهذا على الابتداء، وفرق الرافعي بينهما: بأن نكاح الأمة بدل يعدل إليه عند تعذر الحرة، والأبدال أضيق حكمًا من الأصول، فجرينا على التضييق اللائق به (1).
(ونكاح الكفار صحيح على الصحيح) لقوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} ، {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ} ، ولأنا لا نبطله بالترافع إلينا، ونقرره بالإسلام، والفاسد لا ينقلب صحيحًا ولا يقرر عليه.
وقوله: (صحيح) منتقد؛ إذ الصحة حكم شرعي ولم يَرِد به، وعبارة "الروضة" محكوم بصحته (2)، قال السبكي: ونعمّا هي، والمختار عندي: أنه صحيح إن وقع على وفق الشرع، وإلا .. فمحكوم بصحته رخصة.
(وقيل: فاسد) لعدم مراعاتهم الشروط لكن لا يفرق بينهم لو ترافعوا إلينا؛ رعاية للعهد والذمة، ونقرهم بعد الإسلام رخصة وخشية من التنفير.
(وقيل: إن أسلموا وقُرِّر .. تبينّا صحته، وإلا .. فلا)(3) إذ لا يمكن القول بصحتها؛ لمخالفتها الشرع، ولا بالفساد؛ لأنه يقرّ عليها بعد الإسلام، والصواب في "الروضة": تخصيص الخلاف بالعقود التي يحكم بفساد مثلها في الإسلام لا في كل عقودهم، فلو عقدوا على وفق الشرع .. صح بلا خلاف (4).
(1) الشرح الكبير (8/ 94).
(2)
روضة الطالبين (7/ 150).
(3)
في (ز): (وقيل: إن أسلما وقرر).
(4)
روضة الطالبين (7/ 150).
فَعَلَى الصَّحِيحِ: لَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمَا .. لَمْ تَحِلَّ إِلَّا بِمُحَلِّلٍ. وَمَنْ قُرِّرَتْ .. فَلَهَا الْمُسَمَّى الصَّحِيحُ، وَأَمَّا الْفَاسِدُ كَخَمْرٍ؛ فَإِنْ قَبَضَتْهُ قَبْلَ الإِسْلَامِ .. فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِلَّا .. فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِنْ قَبَضَتْ بَعْضَهُ .. فَلَهَا قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ. وَمَنِ انْدَفَعَتْ بِإِسْلَامٍ بَعْدَ دُخُولٍ .. فَلَهَا الْمُسَمَّى الصَّحِيحُ إِنْ صُحِّحَ نِكَاحُهُمْ، وَإِلَّا .. فَمَهْرُ مِثْلٍ، أَوْ قَبْلَهُ وَصُحِّحَ؛ فَإِنْ كَانَ الانْدِفَاعُ بِإِسْلَامِهَا .. فَلَا شَيْءَ لَهَا،
===
(فعلى الصحيح) وهو صحة أنكحتهم (لو طلق ثلاثًا ثم أسلما .. لم تحل إلا بمحلل) لظهور أثر الصحة، وإن قلنا بفساد أنكحتهم .. لم يحتج إلى محلل؛ لأن الطلاق في النكاح الفاسد لا يقع.
(ومن قُرِّرت .. فلها المسمى الصحيح) لأنه كما .. ثبتت الصحة للنكاح .. ثبتت للمُسمَّى.
(وأما الفاسد كخمر؛ فإن قبضته قبل الإسلام .. فلا شيء لها) لانفصال الأمر بينهما، ويستثنى من الفاسد: ما لو أصدقها حرًّا مسلمًا استرقوه ثم أسلما بعد قبضه .. فإنه لا يقر بيدها، ولها مهر المثل.
(وإلا) أي: وإن لم تقبضه قبل الإسلام ( .. فمهر مثل) لأنها لم ترض إلا بالمهر، والمطالبة بالخمر في الإسلام ممتنعة، ولا فرق بين أن يكون المُسمَّى خمرًا في الذمة، أو خمرًا معينة.
(وإن قبضت بعضه .. فلها قسط ما بقي من مهر مثل) لا ما بقي من المُسمَّى؛ لتعذره بالإسلام إلحاقًا للجزء بالكل في القبض وعدمه.
(ومن اندفعت بإسلام) منها أو من زوجها (بعد دخول .. فلها المسمى الصحيح إن صُحِّح نكاحهم) لاستقراره بالدخول، (وإلا) أي: وإن لم نصححه أو كان قد سمي فاسدًا ( .. فمهر مثل) عملًا بالقاعدة.
نعم؛ لو نكحها تفويضًا وعندهم لا مهر للمفوضة بحال ثم أسلما .. فلا مهر وإن كان قبل المسيس؛ لأنه سبقه استحقاق وطء بلا مهر.
(أو قبله) أي: قبل الدخول (وصحِّح) أي: نكاحهم (فإن كان الاندفاع بإسلامها .. فلا شيء لها) لأن الفراق جاء من جهتها، وقيل: لها النصف؛ لأنها
أَوْ بِإِسْلَامِهِ .. فَنِصْفُ مُسَمَّى إِنْ كَانَ صَحِيحًا، وَإِلَّا .. فَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ. وَلَوْ تَرَافَعَ إِلَيْنَا ذِمِّيٌّ وَمُسْلِمٌ .. وَجَبَ الْحُكْمُ، أَوْ ذِمِّيَّانِ .. وَجَبَ فِي الأَظْهَرِ،
===
محسنة بإسلامها، والتخلف منه.
وأفهم قوله: (وصحح): أنه إذا قلنا بفساده .. لا مهر لها من طريق الأولى؛ إذ المهر لا يجب في النكاح الفاسد، وهذا أولى من جعله قيدًا في عدم الوجوب؛ لأنه لا شيء لها على كل قول.
(أو بإسلامه .. فنصفُ مسمى إن كان صحيحًا) لأن الفرقة جاءت من قبله، (وإلا) أي: وإن لم يكن صحيحًا؛ كنحو خمر ( .. فنصف مهر مثل) عملًا بالقاعدة في التسمية الفاسدة.
(ولو ترافع إلينا ذمي ومسلم .. وجب الحكم) قطعًا؛ لأن المسلم لا يمكنه التحاكم لحكام الكفار، والمعاهد كالذمي.
(أو ذمّيان .. وجب في الأظهر) لقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ، والثاني: لا يجب، لقوله تعالى:{فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} ، لكن صحّ عن ابن عباس أن هذه منسوخة بالأولى (1).
ومنهم من حمل الآية الثانية على المعاهدين؛ ولذا قيد المصنف بالذميين؛ ليخرج المعاهدين، فلا يجب على المذهب؛ لعدم التزامهم الأحكام.
ومحل الخلاف: إذا اتفقت ملّتهما؛ فإن اختلفت، كيهودي ونصراني .. وجب قطعًا، وقيل: بالقولين.
ولو ترافع ذمي ومعاهد .. فكالذميين، وقيل: يجب قطعًا.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو ترافعوا إلينا في شرب بالخمر .. فإنهم لا يحدون وإن رضوا بحكمنا؛ لأنهم لا يعتقدون تحريمه، كذا قاله الرافعي في (باب حد الزنا)، وأسقطه من "الروضة"(2).
وحيث يجب الحكم .. فقضية كلام الغزالي: اعتبار رضا الخصمين، وعامة
(1) أخرجه أبو داوود (3590)، والنسائي في "الكبرى"(6336).
(2)
الشرح الكبير (11/ 139)، روضة الطالبين (10/ 90).