الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابُ الرَّجْعَة
شَرْطُ الْمُرْتَجِع: أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ طَلَّقَ فَجُنَّ .. فَلِلْوَليِّ الرَّجْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ حَيْثُ لَهُ ابتِدَاءُ النِّكَاحِ
===
(كتاب الرجعة)
هي بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، قاله الجوهري، وقال الأزهري: الكسر أكثر (1)، وهي في اللغة: المرة من الرجوع، وفي الشرع: الرد إلى النكاح بعد طلاق غير بائن.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في العدة {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} أي: رجعة، قاله الشافعي (2).
وطلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها، كما رواه أبو داوود (3).
(شرط المرتجع: أهلية النكاح بنفسه) لأنها إنشاء نكاح.
وخرج بالأهلية: المرتد؛ لأن مقصود الرجعة الحل، والردة تنافيه.
واحترز بقوله: (بنفسه) عن الصبي والمجنون، فإنهما أهل للنكاح بوليهما لا بنفسهما، [ودخل فيه السكران والسفيه والعبد، فإنه يصح رجعتهم وإن لم يأذن السيد للعبد والولي للسفيه؛ لأنهما أهل النكاح بأنفسهم](4) وإن كان شرطه في العبد والسفيه إذن السيد والولي، كذا قاله في "الدقائق"(5).
والاحتراز عن الصبي فيه تجوز، إذ لا يتصور وقوع طلاقه حتى يقال: لا تصح رجعته.
(ولو طلق فجن .. فللولي الرجعة على الصحيح حيث له ابتداء النكاح) بناء على جواز التوكيل في الرجعة، وهو الصحيح.
(1) الصحاح (3/ 1012)، الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي (ص 214).
(2)
الأم (6/ 620).
(3)
سنن أبي داوود (2283)، وأخرجه ابن ماجه (2016) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(4)
ما بين المعقوفين زيادة من غير (أ).
(5)
دقائق المنهاج (ص 61).
وَتَحْصُلُ بِـ (رَاجَعْتُكِ) وَ (رَجَعْتُكِ) وَ (ارْتَجَعْتُكِ). وَالأَصَحّ: أَنَّ الرَّدَّ وَالإِمْسَاكَ صَرِيحَانِ، وَأَنَّ التَّزْوِيجَ وَالنِّكَاحَ كِنَايَتَانِ. وَلْيَقُلْ:(رَدَدْتُهَا إِلَيَّ أَوْ إِلَى نِكَاحِي).
===
(وتحصل بـ "راجعتك"، و"رجعتك"، و"ارتجعتك") وهذه الألفاظ صريحة؛ لشيوعها وورود الأخبار بها، وسواء أضاف إليه أو إلى نكاحه؛ كقوله:(إلي أو إلى نكاحي) أم لا، لكنه مستحب، ولا بد من إضافتها إلى مُظهرٍ؛ كـ (راجعت فلانة)، أو مضمر؛ كـ (راجعتك)، أو مشار إليه؛ كـ (راجعت هذه)، وأما مجرد (راجعت)، و (ارتجعت) .. فلا ينفع.
(والأصح: أن الرد والإمساك صريحان) لقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} ، وقوله تعالى:{فَأَمْسِكُوهُنَّ} وقوله صلى الله عليه وسلم لركانة: "اُرْدُدْهَا"(1)، والثاني: أنهما كنايتان؛ لعدم اشتهارهما اشتهار الرجعة، وصوبه في "المهمات" بالنسبة إلى الإمساك؛ لنقله في "البحر" إياه عن نصه في عامة كتبه (2).
(وأن التزويج والنكاح كنايتان) لعدم استعمالهما في الرجعة، والثاني: صريحان؛ لأنهما صالحان لابتداء العقد والحل فلأن يصلحا للتدارك أولى، والثالث: أنهما لغو؛ لعدم الإشعار بالتدارك، هذا كله إذا قال:(تزوجتك)، أو (نكحتك) وحده، فلو جرى العقد على صورة الإيجاب والقبول .. قال الروياني: الأصحُّ هنا: الصحة؛ لأنه آكد في الإباحة، وأقراه في "الشرح" و"الروضة"(3)، وقال المصنف في "فتاويه": إنه الصحيح. ولو قال: (اخترت رجعتك)، ونوى الرجعة .. حصلت الرجعة على الأصحِّ في "زيادة الروضة"(4).
(وليقل: "رددتها إلي أو إلى نكاحي") حتى يكون صريحًا؛ لأن الرد وحده قد يفهم الرد إلى أهلها بسبب الفراق.
(1) أخرجه ابن حبان (4274)، والحاكم (2/ 199)، وأبو داوود (2208)، والترمذي (1177) وابن ماجه (2051).
(2)
المهمات (7/ 451).
(3)
الشرح الكبير (9/ 173)، روضة الطالبين (8/ 216).
(4)
روضة الطالبين (8/ 216).
وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الإِشْهَادُ، فَتَصِحُّ بِكِنَايَةٍ. وَلَا تَقْبَلُ تَعْلِيقًا، وَلَا تَحْصُلُ بِفِعْلٍ كَوَطْءٍ. وَتَخْتَصُّ الرَّجْعَةُ بِمَوْطُوءَةٍ
===
وظاهر كلامه: أن هذا واجب، وهو ما رجحاه تبعًا للغزالي (1)، لكن قال ابن الرفعة: المشهور: عدم الاشتراط (2).
ولم يذكر المصنف الإضافة في الإمساك، ومقتضاه: عدم الاشتراط، لكن في "الشرح" و"الروضة": إذا جعلنا الإمساك صريحًا .. فيشبه أن يجيء في اشتراط الإضافة وجهان؛ كالرد، وجزم البغوي بعدم الاشتراط، وأنه مستحب (3).
(والجديد: أنه لا يشترط الإشهاد) لأن الرجعة في حكم استدامة النكاح السابق، ولذلك لا يحتاج إلى الولي ورضا المرأة، وإنما أشهد على النكاح؛ لإثبات الفراش، وهو ثابت هنا، والثاني: يشترط، ونص عليه في "الإملاء"، وهو من الجديد؛ لقوله تعالى:{فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، وحَمل الأولُ الأمر على الندب.
(فتصح بكناية) بناء على عدم اشتراط الإشهاد؛ لأنه مستقل بها؛ كالطلاق، فإن قلنا: باشتراطه .. لم تصح؛ كالنكاح؛ لعدم اطلاع الشهود على النية، وفيه احتمال للغزالي؛ لأن القرينة قد يفهمها الشهود (4).
(ولا تقبل تعليقًا) كالنكاح وسائر العقود (ولا تحصل بفعل؛ كوطء) ومقدماته؛ لأن الوطء يوجب العدة، فكيف يقطعها؟ !
نعم؛ الأخرس تصح منه بإشارته المفهمة.
(وتختص الرجعة بموطوءة) لأنه لا عدة على غيرها، والله تعالى إنما أثبت الرجعة في العدة بقوله:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في التربص المفهوم من قوله: {يَتَرَبَّصْنَ} .
(1) الشرح الكبير (9/ 172)، روضة الطالبين (8/ 215)، الوسيط (5/ 458).
(2)
كفاية النبيه (14/ 193).
(3)
الشرح الكبير (9/ 172)، روضة الطالبين (8/ 215)، التهذيب (6/ 115).
(4)
الوسيط (5/ 460).
طُلِّقَتْ بِلَا عِوَضٍ لَمْ يُسْتَوْفَ عَدَدُ طَلَاقِهَا، بَاقِيَةٍ فِي الْعِدَّةِ، مَحَلٍّ لِحِلٍّ، لَا مُرْتَدَّةٍ. وَإِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّةِ أَشْهُرٍ وَأَنْكَرَ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ وَضْعَ حَمْلٍ لِمُدَّةِ إِمْكَانٍ، وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ لَا آيِسَةٌ .. فَالأَصَحُّ: تَصْدِيقُهَا بِيَمِينٍ
===
وشمل إطلاقه: الموطوءة في الدبر، وهو الأصحُّ؛ بناءً على الصحيح أنه يوجب العدة، لكنه يخرج من استدخلت ماء الزوج، والأصحُّ: أنه يوجب العدة، فعلى هذا: تثبت به الرجعة، وبه جزم في "الروضة" في (باب مثبتات الخيار) في الكلام على العنة (1)، وتخرج الخلوة، وهو كذلك؛ بناء على المذهب: أنه لا عدة بها.
(طلقت بلا عوض) فالمفسوخ نكاحها لا رجعة فيها؛ لأن الله تعالى أناطها بالطلاق، فاختصت به، والمطلقة بعوض قد ملكت نفسها بما بذلته (لم يُستوف عدد طلاقها) فإن استوفي .. لم تحل إلا بعد نكاح زوج آخر؛ كما تقرر في موضعه (باقيةٍ في العدة) لقوله تعالى:{فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} ، ولو كان حق الرجعة باقيًا .. لما كان يباح لهن النكاح.
وكان ينبغي أن يقول: (في العدة الأولى) حتى يخرج ما إذا خالط الرجعية مخالطة الأزواج بلا وطء؛ فإن العدة لا تنقضي، ولا رجعة له بعد الأقراء والأشهر؛ كما سيأتي في (العدد).
(محلٍّ لحل) أي: قابلة للحل (لا مرتدة) لأن مقصود الرجعة الحل، والردة تنافيه، وشمل إطلاقه: الطلاق المبهم، والأصحُّ: أنه لا رجعة حال الإبهام؛ لأنها لا تقبل التعليق، فلا تقبل الإبهام.
(وإذا ادعت انقضاء عدة أشهر وأنكر .. صدق بيمينه) لأن الخلاف يرجع إلى وقت الطلاق، والقول قوله في أصل الطلاق، فكذا في وقته.
(أو وضع حمل لمدة إمكان، وهي ممن تحيض لا آيسة .. فالأصح: تصديقها بيمين) بالنسبة إلى انقضاء العدة خاصة؛ لأن النساء مؤتمنات على ما في أرحامهن، والثاني: لا، وتطالب بالبينة؛ لأنها مدعية، والغالب: أن القوابل يشهدن الولادة.
واحترز بقوله: (لمدة إمكان) عما إذا لم يمكن؛ كما سيأتي، وبقوله: (وهي
(1) روضة الطالبين (7/ 199).
وَإِنِ ادَّعَتْ وِلَادَةَ تَامٍّ .. فَإِمْكَانُهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَانِ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ، أَوْ سِقْطٍ مُصَوَّرٍ .. فَمِئَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أَوْ مُضْغَةٍ بِلَا صُورَةٍ .. فَثَمَانُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ. أَوِ انْقِضَاءَ أَقْرَاءٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً وَطُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ .. فَأَقَلُّ الإِمْكَانِ اثْنَانِ وَثَلَاثونَ
===
ممن تحيض) عن الآيسة والصغيرة، فإنهما لا تحبلان؛ فلا تصدقان في الوضع، وصرح بالآيسة بعد، وصرح في "المحرر" بالصغيرة أيضًا (1)، وحذفها المصنف؛ لأنه لا يقع الاختلاف معها؛ إذ لا حكم لقولها.
(وإن ادعت ولادة تام .. فإمكانه سته أشهر ولحظتان من وقت النكاح) وإمكان اجتماع الزوجين بعد النكاح؛ لأن الستة أقل مدة الحمل، واللحظتان: لحظة للوطء، ولحظة للوضع.
(أو سقط مصوَّر .. فمئة وعشرون يومًا ولحظتان) من وقت إمكان اجتماعهما بعد العقد؛ لحديث ابن مسعود: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا (2)، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ" متفق عليه (3).
واعتبرت اللحظتان لحظة للوطء، ولحظة للإسقاط، وذكر الرافعي وجمع من العراقيين في (باب العدد) أن الولد يتصور في ثمانين يومًا، وحمل على مبادئ التصوير، والمذكور هنا على تكامل التصوير.
(أو مضغة بلا صورة .. فثمانون يومًا ولحظتان) من إمكان الوطء بعد العقد؛ للحديث المذكور، وإنما يحكم بها إذا شهد القوابل أنها أصل آدمي.
(أو انقضاء أقراء؛ فإن كانت حرة وطلقت في طهر .. فأقل الإمكان اثنان وثلاثون
(1) المحرر (ص 344).
(2)
في (ز): (أربعين يومًا نطفة) هذه الزيادة غير موجودة في "الصحيحين"، وإنما ترد في بعض الكتب؛ مثل "الجامع الصغير"(2194)، وكذلك ذكرها العلامة المناوي في "فيض القدير"(2/ 413)، وشَرح عليها أيضًا العلامة ابن حجر في "الفتح المبين"(ص 205)، ولعله من اختلاف الروايات، والله تعالى أعلم.
(3)
صحيح البخاري (3208)، صحيح مسلم (2643).
يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أَوْ فِي حَيْضٍ .. فَسَبْعَة وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَلَحْظَة، أَوْ أَمَةً وَطُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ .. فَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ،
===
يومًا ولحظتان) وذلك بأن تطلق وقد بقي من الطهر لحظة، وهي قرء، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا (1)، وذلك قرء ثان، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، وذلك قرء ثالث، ثم تطعن في الحيضة، وهذه اللحظة ليست من العدة، بل لاستيقان انقضائها، فلا تصح الرجعة فيها، وقيل: هي من نفس العدة، وكلام المصنف يوهمه.
هذا في غير المبتدأة، أما المبتدأة إذا طلقت ثم حاضت وقلنا: بالأصح: أن القرء هو المُحْتَوش بدمين .. فأقل الإمكان في حقها ثمانية وأربعون يومًا ولحظة.
(أو في حيض .. فسبعة وأربعون يومًا ولحظة) وذلك بأن يطلق في آخر جزء من الحيض، كأن علق طلاقها بآخر جزء من حيضها، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر يومًا، وتطعن في الحيضة، وفي لحظة الطعن ما ذكرناه في المطلقة في الطهر، ولا يحتاج هنا إلى تقدير لحظة في الأول؛ لأن اللحظة هناك تحسب قرءًا، وحكم طلاقها في النفاس: حكم طلاقها في الحيض.
(أو أمة وطلقت في طهر .. فستة عشر يومًا ولحظتان) وذلك بأن يطلق وقد بقي لحظة من الطهر، فتحسب قرءًا، ثم تحيض بعدها يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تطعن في الدم لحظة يتبين بها تمام الطهر.
(1) فائدة: روى الترمذي [2563] من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه رفعه: "الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ .. كَانَ وَضْعُهُ وَحَمْلُهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي" ثم قال: حديث حسن غريب، قال: وقد اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: في الجنة جماع من غير حمل ولا ولد، يروى عن طاووس ومجاهد والنخعي، وقال البخاري: قال لي إسحاقِ ابن إبراهيم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ .. كَان كَمَا يَشْتَهِي فِي سَاعَةٍ، وَلَكِنْ لَا يَشْتَهِي" قال البخاري: وقد روى أبو رزين العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا وَلَدٌ". اهـ "العجالة"[3/ 1394]. اهـ هامش (أ).
أَوْ حَيْضٍ .. فَأَحَدٌ وَثَلَاثُونَ وَلَحْظَةٌ. وَتُصَدَّقُ إِنْ لَمْ تُخَالِفْ عَادَةً دَائِرَةً، وَكَذَا إِنْ خَالَفَتْ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ وَطِئَ رَجْعِيَّةً وَاسْتَأْنَفَتِ الأَقْرَاءَ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ .. رَاجَعَ فِيمَا كَانَ بَقِيَ
===
هذا في غير المبتدئة، فإن كانت مبتدئة .. فأقله اثنان وثلاثون يومًا ولحظة؛ بناءً على اشتراط الاحتواش.
(أو حيض .. فأحد وثلاثون ولحظة) وذلك بأن يطلق في آخر جزء من الحيض، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، وتحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تشرع في الحيض (وتصدق) بيمينها، حرة كانت أو أمة (إن لم تخالف عادة دائرة) لأنه لا يعرف إلا من جهتها.
(وكذا إن خالفت في الأصح) أي: كان لها عادة دائرة، فادعت مخالفتها إلى دونها مع الإمكان، فإنها تصدق؛ لأن العادة قد تتغير، وهي مؤتمنة، وهذا ما نقلاه عن الأكثرين (1)، والثاني: لا تصدق؛ لأنها تتهم بالاستعجال، قال الشيخ أبو محمد: وهو المذهب، وقال الروياني: إنه الاختيار في هذا الزمان، ونقله في "المهمات" عن نص "الأم"(2).
قال الروياني: وإذا قالت: (انقضت عدتي) .. وجب أن نسألها عن حالها: كيف الطهر والحيض؟ ونحلفها عند التهمة؛ لكثرة الفساد، وأقراه، وجزم به الما وردي أيضًا (3).
(ولو وطئ) الزوج (رجعية) بشبهة أو غيرها (واستأنفت الأقراء من وقت الوطء .. راجع فيما كان بقي) من أقراء الطلاق، فإن وقع الوطء بعد قرأين .. ثبتت الرجعة في واحد، وإن كان بعد قرء .. فله الرجعة في قرأين؛ لأن الرجعة تختص بعدة الطلاق.
(1) الشرح الكبير (9/ 181)، روضة الطالبين (8/ 220).
(2)
المهمات (7/ 455).
(3)
الشرح الكبير (9/ 181)، روضة الطالبين (8/ 220)، الحاوي الكبير (13/ 188).
وَيَحْرُمُ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا، فَإِنْ وَطِئَ .. فَلَا حَدَّ، وَلَا يُعَزَّرُ إِلَّا مُعْتَقِدُ تَحْرِيمِهِ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ إِنْ لَمْ يُرَاجِعْ، وَكَذَا إِنْ رَاجَعَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَصِحُّ إِيلَاءٌ وَظِهَارٌ وَطَلَاقٌ وَلِعَانٌ وَيَتَوَارَثَانِ
===
(ويحرم الاستمتاع بها) ولو بلمس ونظر، لأن النكاح يبيح الاستمتاع، فيحرمه الطلاق؛ لأنه ضده.
(فإن وطى .. فلا حد) وإن كان عالمًا بالتحريم؛ لاختلاف العلماء في إباحته، (ولا يعزر إلا معتقد تحريمه) لإقدامه على معصية عنده، فإن كان جاهلًا حله أو معتقده .. لم يعزر.
(ويجب مهر المثل إن لم يراجع) لأنها في تحريم الوطء كالبائن، فكذا في المهر.
(وكذا إن راجع على المذهب) هكذا نص عليه هنا، ونص فيما لو ارتدت فوطئها في العدة، ثم أسلمت فيها .. أن لا مهر لها وكذا لو أسلم أحد المجوسيين أو الوثنيين، ووطئها، ثم أسلم المتخلف في العدة .. فقيل: فيهما قولان: بالنقل والتخريج.
والأصحُّ: تقرير النصين.
والفرق: أن أثر الطلاق لا يرتفع بالرجعة، بل يبقى نقصان العدد، فيكون ما بعد الرجعة وما قبل الطلاق كعقدين، وأثر الردة يرتفع بالإسلام، فيكون الوطء مصادفًا للعقد الأول، ولم يرجح الرافعي في "شرحيه" واحدًا من هذين الطريقين، بل قال: الأظهر هنا: وجوب المهر، وهناك نفيه، وعبارة "الروضة": المذهب: تقرير النصين (1).
(ويصح إيلاء وظهار وطلاق ولعان، ويتوارثان) لأن الرجعية زوجة في هذه الأحكام الخمسة، ولا يثبت حكم الظهار وضرب مدة الإيلاء إلا بعد الرجعة، وخلعها كطلاقها، وتجب نفقتها؛ كما سيأتي في بابه.
(1) الشرح الكبير (9/ 184 - 185)، روضة الطالبين (8/ 221).
وَإِذَا ادَّعَى وَالْعِدَّةُ مُنْقَضيَةٌ رَجْعَةً فِيهَا فَأَنْكَرَتْ؛ فَإِنِ اتّفَقَا عَلَى وَقْتِ الانْقِضَاءِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ:(رَاجَعْتُ يَوْمَ الْخَمِيسِ) فَقَالَتْ: (بَلْ يَوْمَ السَّبْتِ) .. صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا، أَوْ عَلَى وَقْتِ الرَّجْعَةِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَتْ:(انْقَضَتِ الْخَمِيسَ)، وَقَالَ:(السَّبْتَ) .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ تنَازَعَا فِي السَّبْقِ بِلَا اتِّفَاقٍ .. فَالأَصَحُّ: تَرْجِيحُ سَبْقِ الدَّعْوَى؛ فَإِنِ ادَّعَتِ الانْقِضَاءَ ثُمَّ ادَّعَى رَجْعَةً قَبْلَهُ .. صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا، أَوِ ادَّعَاهَا قَبْلَ انْقِضَاءٍ فَقَالَتْ:(بَعْدَهُ) .. صُدِّقَ
===
(وإذا ادعى والعدة منقضية رجعةً فيها فأنكرت؛ فإن اتفقا على وقت الانقضاء؛ كيوم الجمعة، وقال: "راجعت يوم الخميس" فقالت: "بل يوم السبت" .. صدقت بيمينها) أنها لا تعلم أنه راجع يوم الخميس؛ لأن وقت انقضاء العدة متفق عليه، والأصل عدم الرجعة قبله.
(أو على وقت الرجعة؛ كيوم الجمعة، وقالت: "انقضت الخميس"، وقال: "السبت" .. صدق بيمينه) لأن وقت الرجعة متفق عليه، والأصل عدم انقضاء العدة قبله.
(وإن تنازعا في السبق بلا اتفاق .. فالأصح: ترجيح سبق الدعوى) لاستقرار الحكم بقوله.
(فإن ادعت الانقضاء) بأن قالت أولًا: (انقضت عدتي)(ثم ادعى رجعة قبله) بأن قال: (راجعتك قبل انقضائها)( .. صدقت بيمينها) لأنها إذا قالت: (انقضت عدتي) .. فلا بد من تصديقها، ولا التفات إلى قوله بعد التصديق.
(أو ادعاها قبل انقضاء) أي: قال: (راجعتك قبل انقضاء عدتك)(فقالت: "بعده") أي: بعد الانقضاء ( .. صدق) لأنه يملك الرجعة، وقد صحت في الظاهر، فلا يقبل قولها في إبطالها، ومقابل الأصحِّ أوجه:
أحدها: هي المصدقة.
والثاني: هو.
والثالث: يقرع، ويقدم قول من خرجت قرعته.
قُلْتُ: فَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا .. صُدِّقَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى ادَّعَاهَا وَالْعِدَّةُ بَاقِيَةٌ .. صُدِّقَ. وَمَتَى أَنْكَرَتْهَا وَصُدِّقَتْ ثُمَّ اعْتَرَفَتْ .. قُبِلَ اعْتِرَافُهَا. وَإِذَا طَلَّقَ دُونَ ثَلَاثٍ وَقَالَ:(وَطِئْتُ فَلِيَ الرَّجْعَةُ) وَأَنْكَرَتْ .. صُدِّقَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِالْمَهْرِ، فَإِنْ قَبَضَتْهُ .. فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِلَّا .. فَلَا تُطَالِبُهُ إِلَّا بِنِصْفٍ.
===
واختلف فقهاء اليمن في المراد بسبق الدعوى: فقال ابن عجيل: المراد: سبق الدعوى عند الحاكم، وقال الحضرمي: يظهر من كلامهم أنهم لا يرونه (1)، قال الزركشي: والظاهر: أن مرادهم أعم من ذلك.
(قلت: فإن ادعيا معًا) بأن قال: (قد راجعتك)، فقالت مع قوله:(قد انقضت عدتي)( .. صدقت) بيمينها (والله أعلم) لأن انقضاء العدة لا يعلم إلا من جهتها، والزوج يمكنه الإشهاد على الرجعة، ولم يترجح بسبق حتى يتقدم به.
(ومتى ادعاها) أي: الرجعة (والعدة باقية .. صدق) لقدرته على الإنشاء، فلو ادعاها بعد انقضاء العدة .. فهي المصدقة بالإجماع، (ومتى أنكرتها وصدقت ثم اعترفت .. قبل اعترافها) لأنها جحدت حقًّا ثم اعترفت به.
وهذا بخلاف ما لو أقرت أنها بنت زيد أو أخته ثم رجعت، وكذبت نفسها .. لا يقبل رجوعها.
وفرق الإمام بينهما: بأن ادعاء البنوة والأخوة إقرار بإثبات، فلا يصدر إلا عن ثبت، بخلاف قولها:(ما راجعت)، فإنه نفي قد يصدر بناء على الأصل (2)، وفرق غيره: بأن البنوة والأخوة تقتضي تأبد الحرمة، بخلاف مسألتنا.
(وإذا طلق دون ثلاث، وقال: "وطئت فلي الرجعة"، وأنكرت .. صدقت بيمين)؛ لأن الأصل عدم الوطء (وهو مقر لها بالمهر، فإن قبضته .. فلا رجوع له) لأنه مقر أنه لا حق له فيه، وأنها تستحقه جميعه.
(وإلا) أي: وإن لم تكن قبضته ( .. فلا تطالبه إلا بنصف) لأنها مقرة بأنها
(1) في (ز): (أنهم لا يريدونه).
(2)
نهاية المطلب (14/ 357).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لا تستحق غيره، فإذا أخذته ثم عادت واعترفت بالوطء .. فهل لها أخذ النصف الآخر أم لابدَّ من إقرار مستأنف من الزوج؟ فيه وجهان بلا ترجيح في "الشرح" و"الروضة"(1).
* * *
(1) الشرح الكبير (9/ 194)، روضة الطالبين (8/ 227).