الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابُ الصَّدَاق
يُسَنُّ تَسْمِيَتُهُ فِي الْعَقْدِ، وَيَجُوزُ إِخْلَاؤُهُ مِنْهُ. وَمَا صَحَّ مَبِيعًا. . صَحَّ صَدَاقًا.
===
(كتاب الصداق)
هو بفتح الصاد وكسرها، وأصله من الصِّدْقِ؛ لإشعاره بصدق رغبة الزوج في الزوجة، وله ثمانية أسماء مجموعة في بيت واحد:[من الطويل]
صَدَاقٌ وَمَهْرٌ نِحْلَةٌ وَفَرِيَضَةٌ
…
حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عُقْرٌ عَلَائِقُ
والأصل فيه: قوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} ، وقوله عليه السلام:"الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"(1)، وهو مجمع عليه.
(يسن تسميته في العقد) للاتباع، ولأنه أقطع للنزاع بل يكره إخلاؤه منه؛ كما قاله الماوردي والمتولي (2).
(ويجوز إخلاؤه منه) بالإجماع؛ لقوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} .
(وما صح مبيعًا. . صح صداقًا) ولا يتقدر بشيء؛ لأنه عوض في العقد، فإن انتهى في القلة إلى حدٍّ لا يتمَّول. . فسدت التسمية؛ كما اقتضاه كلامه؛ لأن مثل هذا لا يصح مبيعًا.
ويستحب: ألا ينقص عن عشرة دراهم خالصةً؛ لأن أبا حنيفة لا يُجوِّز أقلَّ منها، وألا يزيد على خمس مئة درهم؛ اقتداءً بنساء النبي صلى الله عليه وسلم (3).
ومقتضى كلام المصنف: أنه يستحب التسمية فيما إذا زوج أمته من عبده، وهو الجديد في "الروضة" تبعًا لبعض نسخ الرافعي، وفي بعض النسخ: أن الجديد: عدم الاستحباب، قال في "المهمات": والصواب الذي ذكره أئمة المذهب هو: استحبابه في القديم، وعدمه في الجديد، بل إن شاء. . سمَّى، وإن شاء. . لم يسم،
(1) صحيح البخاري (5135)، صحيح مسلم (76/ 1425) عن سهل بن سعد رضي الله عنه.
(2)
الحاوي الكبير (12/ 6).
(3)
أخرجه مسلم (78/ 1426) عن عائشة رضي الله عنها.
وَإِذَا أَصْدَقَ عَيْنًا فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ. . ضَمِنَهَا ضَمَانَ عَقْدٍ، وَفِي قَوْلٍ: ضَمَانَ يَدٍ، فَعَلَى الأَوَّلِ: لَيْسَ لَهَا بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ. . وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ، وَإِنْ أَتْلَفَتْهُ. . فَقَابِضَةٌ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ. . تَخَيَّرَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ،
===
كذا صرح به ابن الصباغ والمتولي والروياني والعمراني وابن الرفعة.
واستثنى ابن الرفعة من هذا الضابط: جعل رقبة العبد صداقًا لزوجته الحرة، وجعل الأب أُمَّ ابنه صداقًا عن ابنه، وجعل إحدى أبوي الصغيرة صداقًا لها، فإن ذلك لا يثبت صداقًا مع صحة كونه مبيعًا.
وأجيب: بأن هذه تصح صداقًا في الجملة، والقصد بيان ما يصح إصداقه، وإنما امتنع في هذه الصور لمعنىً.
واستثنى بعضهم: الجواهر والقسي؛ فإن الشيخ أبا حامد قال: لا يجوز السلم فيها، كما لا يجوز جعلها صداقًا.
ورُدَّ: بأنه لا يصح بيعها في الذمة، ويصح بيعها وإصداقها إن كانت معينة. . فالضابط منطبقٌ عليها.
(وإذا أصدق عينًا فتلفت في يده. . ضمنها ضمان عقد) لأنها مملوكة بعقد معاوضة، فأشبهت المبيع في يد البائع، (وفي قول: ضمانَ يدٍ) كالمستعار والمستام؛ لعدم الانفساخ بالتلف.
والفرق بين الضمانين: أن ضمان العقد ما يضمن بمهر المثل، وضمان اليد يضمن بالبدل؛ المثل إن كان مثليًّا، والقيمة إن كان من ذوات القيم.
(فعلى الأول: ليس لها بيعه قبل قبضه) كالمبيع، وعلى الثاني: يجوز.
(ولو تلف في يده. . وجب مهر مثلٍ) لأنه بدل البضع، ويتلف على ملك الزوج حتى لو كان عبدًا. . لزمه تجهيزه، وعلى الثاني: يجب بدله من مثل أو قيمة؛ كما ذكرناه، ويتلف على ملكها.
(وإن أتلفته. . فقابضة) ويبرأ الزوج؛ لأنها أتلفت حقها، وهذا على كل من القولين.
(وإن أتلفه أجنبي. . تخيرت على المذهب) كنظيره في البيع.
فَإِنْ فَسَخَتِ الصَّدَاقَ. . أَخَذَتْ مِنَ الزَّوْجِ مَهْرَ مِثْلٍ، وَإِلَّا. . غَرَّمَتِ الْمُتْلِفَ. وَإِنْ أَتْلفَهُ الزَّوْجُ. . فَكَتَلَفِهِ، وَقِيلَ: كَأَجْنَبِيٍّ. وَلَوْ أَصْدَقَ عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ عَبْدٌ قَبْلَ قَبْضِهِ. . انْفَسَخَ فِيهِ لَا فِي الْبَاقِي عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَهَا الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَتْ. . فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِلَّا. . فَحِصةُ التَّالِفِ مِنْهُ. وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهِ. . تَخَيَّرَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ،
===
(فإن فسخت الصداق. . أخذت من الزوج مهر مثل) إن قلنا ضمان عقد، وعلى مقابله: المثل أو القيمة، والزوج يرجع على المتلف، (وإلا) أي: وإن لم تفسخ (غرَّمت المتلف) المثل أو القيمة، وليس لها مطالبة الزوج إن قلنا بضمان العقد، فإن قلنا بضمان اليد. . فلها تغريم الزوج أيضًا.
(وإن أتلفه الزوج. . فكتلفه) بالآفة السماوية، (وقيل: كأجنبي) ورجحه في "الشرح الصغير"، والخلاف مبني على الخلاف في أن إتلاف البائع المبيع قبل القبض كالآفة أو كإتلاف الأجنبي، والأصحُّ: الأول.
(ولو أصدق عبدين فتلف عبدٌ قبل قبضه. . انفسخ فيه لا في الباقي على المذهب) وهذا هو الخلاف في تفريق الصفقة في الدوام، وقد تقدم (ولها الخيار) لعدم سلامة المعقود عليه، (فإن فسخت. . فمهرُ مثلٍ) على ضمان العقد، وعلى مقابله: تأخذ قيمة العبدين، (وإلا) أي: وإن لم تفسخ وأجازت (. . فحصة التالف منه) أي: فلها من مهر المثل حصة قيمة التالف، فإن كان الثلث. . فلها ثلث مهر المثل، وهذا على ضمان العقد، وعلى ضمان اليد لها قيمة التالف.
(ولو تعيب قبل قبضه) كعمى العبد، ونسيان الحرفة (. . تخيرت على المذهب) وعن ابن الوكيل: لا خيار على قول ضمان اليد.
وقضية كلام المصنف: أن ذلك مفرع على ضمان العقد، ولا خلاف في ثبوت الخيار حينئذ، فكيف يقول على المذهب؟ ! ولا يصح أن يقال: إنه فرَّعه على القولين، كما صرح به الإمام والغزالي وغيرهما، وقال الرافعي: إنه الظاهر (1)؛ فإنه قال بعده: (فإن فسخت)، وذلك مختص بضمان العقد.
(1) الشرح الكبير (8/ 237).
فَإِنْ فَسَخَتْ. . فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِلَّا. . فَلَا شَيْءَ. وَالْمَنَافِعُ الْفَائِتَةُ فِي يَدِ الزَّوْجِ لَا يَضْمَنُهَا وَإِنْ طَلَبَتِ التَّسْلِيمَ فَامْتَنَعَ عَلَى ضَمَانِ الْعَقْدِ، وَكَذَا الَّذِي اسْتَوْفَاهَا بِرُكُوبٍ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لِتَقْبِضَ الْمَهْرَ الْمُعَيَّنَ وَالْحَالَّ لَا الْمُؤَجَّلَ، فَلَوْ حَلَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. . فَلَا حَبْسَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ كُلٌّ:(لَا أُسَلِّمُ حَتَّى تسُلِّمَ). . فَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرُ هُوَ، وَفِي قَوْلٍ: لَا إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ. . أُجْبِرَ صَاحِبُهُ،
===
(فإن فسخت. . فمهر مثل) على ضمان العقد، وعلى مقابله: لها بدل الصداق، (وإلا) أي: وإن لم تفسخ بل أجازت (. . فلا شيء) بل تأخذه معيبًا؛ كالبائع إذا رضي بالعيب، وهذا على ضمان العقد، وعلى مقابله: لها أرش النقص.
(والمنافع الفائتة في يد الزوج لا يضمنها وإن طلبت التسليم فامتنع على ضمان العقد) كما لو اتفق ذلك من البائع، وعلى ضمان اليد: عليه أجرة المثل من وقت الامتناع؛ لأنه بمنعه غاصبٌ.
(وكذا الذي استوفاها بركوبٍ ونحوه على المذهب) هو الخلاف في أن إتلاف البائع كتلفه بآفه سماوية، وقد سلفَ في بابه.
(ولها حبس نفسها لتقبض المهر المعيَّن والحالَّ) دفعًا لضرر فوات البضع؛ كما يثبت للبائع حق الحبس (لا المؤجل) لرضاها بالتأخير.
(فلو حلَّ قبل التسليم. . فلا حبس في الأصح) لأنها قد رضيت أولًا بأن يكون الصداق على ذمته، ووجب عليها التسليم قبل القبض، فلا يرتفع بحلول الحق، والثاني: لها الحبس؛ كما لو كان حالًّا ابتداءً، ورجحه في "الشرح الصغير"، وصوبه في "المهمات" اعتمادًا على نصٍّ نقله عن المزني (1)، لكن قال الأَذْرَعي: راجعت كلام المزني فوجدته من فقهه، ولم ينقله عن الشافعي.
(ولو قال كلٌّ: "لا أسلِّم حتى تُسلِّم". . ففي قول: يجبر هو) لأن استرداد الصداق ممكن دون البضع، (وفي قول: لا إجبار، فمن سلَّم. . أُجبر صاحبه) لأن كلًّا منهما وجب عليه حق بإزاء حقٍّ له، فلم يجبر على إيفاء ما عليه دون ماله،
(1) المهمات (5/ 234).
وَالأَظْهَرُ يُجْبَرَانِ؛ فَيُؤْمَرُ بوَضْعِهِ عِنْدَ عَدْلٍ، وَتُؤْمَرُ بِالتَّمْكِينِ، فَإِذَا سَلَّمَتْ. . أَعْطَاهَا الْعَدْلُ. وَلَوْ بَادَرَتْ فَمَكَّنَتْ. . طَالَبَتْهُ، فَإِنْ لَمْ يَطَأِ. . امْتَنَعَتْ حَتَّى يُسَلِّمَ، وَإِنْ وَطِئَ. . فَلَا. وَلَوْ بَادَرَ فَسَلَّمَ. . فَلْتُمَكِّنْ، فَإِنِ مَنَعَتْ بِلَا عُذْرٍ اسْتَرَدَّ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يُجْبَرُ.
===
(والأظهر: يجبران؛ فيؤمر بوضعه عند عدل، وتؤمر بالتمكين؛ فإذا سلَّمت. . أعطاها العدل) لما فيه من فصل الخصومة، قال الإمام: فلو سلمت نفسها فلم يأتها. . فالذي أراه أن على العدل تسليم الصداق إليها، فلو سلَّمه إليها فَهَمَّ بالوطء فامتنعت. . فالوجه: استرداد الصداق منها (1).
ومحل القول الأول: ما إذا كانت مهيأة للاستمتاع، فإن كانت محبوسة أو ممنوعة بمرض. . لم تجبر جزمًا، كذا قالاه (2)، قال الأَذْرَعي وغيره: ولا يختص بهذا القول، بل هو متعين على كلِّ قولٍ، حتى لو بذلت نفسها وبها مانع من إحرام أو غيره. . لم تجبر، صرَّح به بعضهم، وهو واضح ولا يجيء هنا القول الرابع في البيع، وهو إجبار الزوجة وإن كان مقتضى كلام الفوراني مجيئه؛ لفوات البضع عليها بالتسليم، بخلاف المبيع.
(ولو بادرت فمكنت. . طالبته) على كل قول إذا بذلت ما في وسعها.
(فإن لم يطأ. . امتنعت حتى يسلم) لأن القبض في النكاح بالوطء دون التسليم، وتصير بامتناعه كمن لم تسُلِّم، (وإن وطئ) طائعة (. . فلا) كما لو تبرع البائع بتسليم المبيع، ليس له استرداده ليحبسه، فلو كانت مكرهة. . فلها الامتناع على الأصحِّ.
(ولو بادر فسلم. . فلتمكن) لأنه فعل ما عليه.
(فإن منعت بلا عذر. . استردَّ إن قلنا: إنه يجبَر)(3) على التسليم أولًا؛ لأنه لم يتبرع، أما إذا قلنا: لا يجبر. . لم يسترد في الأصحِّ؛ لأنه تبرع بالمبادرة؛ كتعجيل الدين المؤجل.
(1) نهاية المطلب (13/ 173).
(2)
الشرح الكبير (8/ 245)، روضة الطالبين (7/ 259).
(3)
في (ز): (فإن امتنعت بلا عذر).
وَلَوِ اسْتَمْهَلَتْ لِتَنَظُّفٍ وَنَحْوِهِ. . أُمْهِلَتْ مَا يَرَاهُ قَاضٍ وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، لَا لِيَنْقَطِعَ حَيْضٌ. وَلَا تُسَلَّمُ صَغِيرَةٌ وَلَا مَرِيضَةٌ حَتَّى يَزُولَ مَانِعُ وَطْءٍ. وَيَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ بِوَطْءٍ وَإِنْ حَرُمَ كَحَائِضٍ، وَبِمَوْتِ أَحَدِهِمَا
===
(ولو استمهلت لتنظف ونحوه) كاستحداد وإزالة وسخ (. . أمهلت) وجوبًا على الأصحِّ (ما يراه قاض) من يوم أو يومين (ولا يجاوز ثلاثة أيام) لأنها أكثر القليل وأقل الكثير، ولها في الشرع اعتبار، (لا لينقطع حيض) ونفاس، لأنها محل الاستمتاع في الجملة، وإنما تعذَّر نوع منه.
نعم؛ لو لم تأمن على نفسها. . فلها الامتناع.
(ولا تسلم صغيرة ولا مريضة حتى يزول مانع وطء) لحصول الضرر، ويكره للولي تسليم هذه الصغيرة، ولا يجوز للزوج وطؤها إلى أن تصير محتملة.
وشمل إطلاقه: ما لو قال: (سلِّموها إليَّ ولا أقربها)، وهو الأصحُّ المنصوص؛ كما قاله الأَذْرَعي وغيره وإن كان ثقة؛ إذ لا يؤمن من هيجان الشهوة، وقال البغوي: يجاب في المريضة دون الطفلة، فإن الأقارب. . أولى بالحضانة (1).
(ويستقر المهر بوطء وإن حرم كحائض) لقوله تعالى: {وَوَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} ، ولأن وطء الشبهة يوجب المهر ابتداءً، ففي النكاح أولى أن يقرر.
ودخل في عبارته: الوطء في الدبر، وخرج بها: المباشرة فيما دون الفرج، واستدخال الماء، وإزالة البكارة بغير آلة الجماع، وهو الأصحُّ فيها.
والمراد من الوطء: تغييب الحشفة أو مقدارها من مقطوعها.
(وبموت أحدهما) قبل الدخول حرة كانت أو أمة؛ لأنه لا يبطل النكاح؛ بدليل التوارث، فكأن الموت نهاية له، وانتهاء العقد كاستيفاء المعقود عليه في إيجاب البدل؛ كالإجارة، هذا إذا كان الموت بغير قتل، أما إذا قتلت الأمة نفسها أو قتلها سيدها. . فقد مرَّ حكمه.
ومحل تقريره بالموت: إذا كان النكاح صحيحًا، دون ما إذا كان فاسدًا، قاله الجيلي.
(1) التهذيب (5/ 521).