المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب ما يحرم من النكاح - بداية المحتاج في شرح المنهاج - جـ ٣

[بدر الدين ابن قاضي شهبة]

فهرس الكتاب

- ‌كتابُ النِّكاح

- ‌فصلٌ [في الخطبة]

- ‌فصلٌ [في أركان النكاح وغيرها]

- ‌فصلٌ [فيمن يعقد النكاح وما يتبعه]

- ‌فصلٌ [في موانع الولاية للنكاح]

- ‌فصلٌ [في الكفاءة]

- ‌فصلٌ [في تزويج المحجور عليه]

- ‌بابُ ما يحرُم من النِّكاح

- ‌فصلٌ [في نكاح من فيها رق وتوابعه]

- ‌فصلٌ [في حل نكاح الكافرة وتوابعه]

- ‌بابُ نكاح المشرك

- ‌فصلٌ [في أحكام زوجات الكافر إذا أسلم على أكثر من مباحة]

- ‌فصلٌ [في مؤنة المسلمة أو المرتدة]

- ‌باب الخيار والإعفاف ونكاح العبد

- ‌فَصْلٌ [في الإعفاف]

- ‌فَصْلٌ [في نكاح الرقيق]

- ‌كتابُ الصَّدَاق

- ‌فَصْلٌ [في بيان أحكام الصداق المسمى الصحيح والفاسد]

- ‌فَصْلٌ [في التفويض]

- ‌فَصْلٌ [في بيان مهر المثل]

- ‌فَصْلٌ [في تشطير المهر وسقوطه]

- ‌فَصْلٌ [في المتعة]

- ‌فَصْلٌ [في الاختلاف في المهر والتحالف فيما سمي منه]

- ‌فَصْلٌ [في وليمة العرس]

- ‌كتابُ القسْمِ والنُّشُوز

- ‌فصلٌ [في بعض أحكام النشوز وسوابقه ولواحقه]

- ‌كتابُ الخُلْع

- ‌فصلٌ [في الصيغة وما يتعلق بها]

- ‌فصلٌ [في الألفاظ الملزمة للعوض وما يتبعها]

- ‌فصلٌ [في الاختلاف في الخلع أو في عوضه]

- ‌كتابُ الطَّلاق

- ‌فَصْلٌ [في تفويض الطلاق إليها]

- ‌فَصْلٌ [في بعض شروط الصيغة والمطلق]

- ‌فَصْلٌ [في بيان محل الطلاق والولاية عليه]

- ‌فَصْلٌ [في تعدد الطلاق بنية العدد فيه أو ذكره وما يتعلق بذلك]

- ‌فَصْلٌ [في الاستثناء]

- ‌فَصْلٌ [في الشك في الطلاق]

- ‌فَصْلٌ [في بيان الطلاق السني والبدعي]

- ‌فَصْلٌ [في تعليق الطلاق بالأزمنة ونحوها]

- ‌فَصْلٌ [في أنواع التعليق بالحمل والولادة والحيض وغيرها]

- ‌فَصْلٌ [في الإشارة إلى العدد وأنواع من التعليق]

- ‌فَصْلٌ [في أنواع أخرى من التعليق]

- ‌كتابُ الرَّجْعَة

- ‌كتابُ الإِيلاء

- ‌فَصْلٌ [في أحكام الإيلاء من ضرب مدة وما يتفرع عليها]

- ‌كتابُ الظِّهار

- ‌فَصْلٌ [في أحكام الظهار من وجوب كفارة وغير ذلك]

- ‌كتابُ الكفّارة

- ‌كتابُ اللّعان

- ‌فصلٌ [في قذف الزوج خاصة]

- ‌فصلٌ [في كيفية اللعان وشروطه وثمراته]

- ‌فصلٌ [في المقصود الأصلي من اللعان]

- ‌كتاب العِددَ

- ‌فصلٌ [في العدة بوضع الحمل]

- ‌فصلٌ [في تداخل العدتين]

- ‌فصلٌ [في حكم معاشرة المفارق للمعتدة]

- ‌فصلٌ [في الضرب الثاني من ضربي عدة النكاح]

- ‌فصلٌ [في سكنى المعتدة وملازمتها مسكن فراقها]

- ‌بابُ الاسْتِبْرَاء

- ‌كتابُ الرَّضاع

- ‌فَصْلٌ [في حكم الرضاع الطارئ على النكاح تحريمًا وغرمًا]

- ‌فَصْلٌ [في الإقرار والشهادة بالرضاع والاختلاف فيه]

- ‌كتابُ النَّفقات

- ‌فَصْلٌ [في موجب المؤن ومسقطاتها]

- ‌فَصْلٌ [في حكم الإعسار بمؤن الزوجة]

- ‌فَصْلٌ [في مؤن الأقارب]

- ‌فَصْلٌ [في الحضانة]

- ‌فَصْلٌ [في مؤنة المماليك وتوابعها]

الفصل: ‌باب ما يحرم من النكاح

‌بابُ ما يحرُم من النِّكاح

تَحْرُمُ الأُمَّهَاتُ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدَتْكَ أَوْ وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ فَهِيَ أُمُّكَ. وَالْبَنَاتُ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدْتَهَا أَوْ وَلَدْتَ مَنْ وَلَدَهَا فَهِيَ بِنْتُكَ. قُلْتُ: وَالْمَخْلُوقَةُ مِنْ زِنَاهُ تَحِلُّ لَهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَدُهَا مِنْ زِنًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَخَوَاتُ، وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالَاتُ، وَكُلُّ مَنْ هِيَ أُخْتُ ذَكَرٍ وَلَدَكَ

===

(باب ما يحرم من النكاح)

يطلق التحريم في العقد بمعنى التأثيم وعدم الصحة، وهو المراد هنا، ويطلق بمعنى التأثيم مع الصحة؛ كما في نكاح المخطوبة على خطبة الغير.

(تحرم الأمهات) للنص والإجماع، (وكل من ولدتك أو ولدت من ولدك) وهي الجدة من الجهتين وإن علت ( .. فهي أمك) وفي إطلاق الأم على الجدة وجهان مذكوران في (كتاب الوقف والوصية) أصحهما: أنه مجاز، فعلى هذا: يكون التحريم ثابتًا لها بالإلحاق؛ لمشاركتها الأم في المعنى وهي الولادة، وعلى الأول: فيكون ثابتًا لها بالنص؛ لشمول الاسم.

(والبنات) للآية، (وكل من ولدتَها أو ولدت من ولدها) وهي بنات الأولاد وإن سفلن ( .. فهي بنتك) وهل ذلك بطريق الحقيقة أو المجاز؟ فيه الخلاف المارّ.

(قلت: والمخلوقة من زناه تحل له) لأنها أجنبية عنه، بدليل انتفاء سائر أحكام النسب، وسواء طاوعته على الزنا أو أكرهها، وقيل: تحرم قطعًا، وقيل: تحرم إن تحقق أنها من مائه بأن أخبره نبيّ أنها منه، وعلى الأول: تكره، نص عليه؛ للخروج من الخلاف (1).

(ويحرم على المرأة ولدها من زنًا، والله أعلم) بالإجماع؛ لأنه جزء منها، وقد أجمعوا على أنه يرثها.

(والأخوات) من كل جهة (وبنات الإخوة والأخوات) وإن سفلن.

(والعمات) من كل جهة، (والخالات) للآية (وكل من هي أخت ذكر ولدك

(1) الأم (6/ 70).

ص: 80

فَعَمَّتُكَ، أَوْ أُخْتُ أُنْثَى وَلَدَتْكَ فَخَالَتُكَ. وَتَحْرُمُ هَؤُلَاءِ السَّبعُ بِالرَّضَاعِ أَيْضًا. وَكُلُّ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ أَرْضعَتْ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ مَنْ وَلَدَكَ، أَوْ وَلَدَتْ مُرْضِعَتَكَ، أَوْ ذَا لَبَنِهَا فَأُمُّ رَضَاعٍ، وَقِسِ الْبَاقِي. وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْكَ مَنْ أَرْضَعَتْ أَخَاكَ وَنَافِلَتَكَ،

===

فعمتك، أو أخت أنثى ولدتك فخالتك) كان ينبغي أن يقول: بواسطة أو بغير واسطة؛ ليشمل عمات الأب والأم، وعمات الأجداد والجدات ولو من جهة الأم؛ كأخت أبي الأم، وخالات الأب والجد والجدة ولو من جهة الأب؛ كأخت أم الأب.

(وتحرم هؤلاء السبع بالرضاع أيضًا) لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} فنص سبحانه على الأم، وقسنا الباقي عليها، وفي "الصحيحين" من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا:"يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ"(1)، وفي رواية لهما:"مِنَ النَّسَبِ"(2).

(وكلّ من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو من ولدك) بواسطة أو غيرها (أو ولدت مرضعتك، أو ذا لبنها) يعني: الفحل الذي لبن المرضعة منه ( .. فأم رضاع) لما سبق.

(وقس الباقي) أي: باقي الأصناف المتقدمة، فكل امرأة ارتضعت بلبنك أو بلبن فرعك ولو من الرضاع .. فهي بنتك.

ومن ارتضع من أمك أو بلبن أبيك أو ولدته مرضعتك، أو فحلها .. فهو أخوك وأختك، وأخوات الفحل والمرضعة وأخوات من ولدهما من نسب أو رضاع .. عماتك وخالاتك، وبنات أولاد المرضعة والفحل من النسب والرضاع .. بنات أخيك وأختك.

(ولا يحرم عليك من أرضعت أخاك) أو أختك (و) من أرضعت (نافلتك) وهو ولد ولدك.

(1) صحيح البخاري (2646)، صحيح مسلم (1444).

(2)

صحيح البخاري (2645) عن ابن عباس رضي الله عنهما، صحيح مسلم (9/ 1445) عن عائشة رضي الله عنها.

ص: 81

وَلَا أُمُّ مُرْضِعَةِ وَلَدِكَ وَبِنْتُهَا، وَلَا أُخْتُ أَخِيكَ بِنَسَبٍ وَلَا رَضَاعٍ، وَهِيَ: أُخْتُ أَخِيكَ لِأبِيكَ لِأمِّهِ وَعَكْسُهُ

===

(ولا أمّ مرضعة ولدك وبنتُها، ولا أخت أخيك بنسب ولا رضاع، وهي: أخت أخيك لأبيك لأمه وعكسه) أي: لا تحرم أخت الأخ من النسب ولا من الرضاع، وصورته في النسب -كما ذكره المصنف-: أن يكون لك أخ من أب وأخت من أم .. فله أن ينكح أختك من الأم.

وفي الرضاع: أن ترضعك امرأة، وترضع صغيرة أجنبية منك .. فلأخيك نكاحها، وهي أختك من الرضاع، وإذا ولدت هذه ولدًا .. كنت أنت عمًّا له وخالًا، هذه الصورة استثنيت من قوله:"يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ"(1) فإن هؤلاء يحرمن في النسب، وفي الرضاع قد لا يحرمن.

وقد نظمها بعضهم فقال: [من الخفيف]

أَرْبَعٌ هُنَّ فِي الرَّضَاع حَلَالٌ

وَإِذَا مَا نَاسَبْتَهُنَّ حَرَامُ

جَدَّةُ ابْنٍ وَأُخْتُهُ ثُمَّ أمٌّ

لأَخِيهِ وَحَافِدٌ وَالسَّلَامُ

قال في "زيادة الروضة": قال المحققون: لا حاجة إلى استثنائها؛ لأنها ليست داخلة في الضابط؛ ولهذا لم يستثنها الشافعي والجمهور، ولا استثنيت في الحديث؛ لأن أم الأخ لم تحرم لكونها أم أخ بل لكونها أمًّا أو حليلة أب، وفي الرضاع قد لا يكون كذلك، بأن ترضع أجنبية أخاك وأختك (2).

وكذلك أم نافلتك لم تحرم، لكونها أم نافلتك بل لكونها إما بنتًا، أو موطوءة ولد وطئًا محترمًا، بخلاف الرضاع؛ فإنه قد لا يكون كذلك؛ بأن ترضع أجنبية نافلتك. وكذلك أم مرضعة الولد إنما حرمت في النسب؛ لكونها إمّا أم أمك أو أم موطوءتك، وفي الرضاع قد لا يكون كذلك؛ كما إذا أرضعت أجنبية ولدك .. فإن أمها جدته وليست بأمك ولا أم موطوءتك.

وكذلك بنت مرضعة الولد إنما حرمت في النسب؛ لكونها بنتًا أو ربيبة، وفي

(1) سبق تخريجه في (ص 81).

(2)

روضة الطالبين (7/ 110).

ص: 82

وَتَحْرُمُ زَوْجَةُ مَنْ وَلَدْتَ أَوْ وَلَدَكَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَأُمَّهَاتُ زَوْجَتِكَ مِنْهُمَا، وَكَذَا بَنَاتُهَا إِنْ دَخَلْتَ بِهَا.

===

الرضاع لا تكون كذلك.

(وتحرم زوجة من ولدت) بواسطة أو بغير واسطة؛ لقوله تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} ، والتقييد بـ (الأصلاب) مخرج للتبني؛ إذ لا يحرم على المرء زوجة من تبنّاه.

(أو ولدك) بواسطة أو غيرها من قبل الأب، والأم؛ لقوله تعالى:{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} ، قال في "الأم": أي: في الجاهلية قبل علمكم بتحريمه؛ فإنه كان أكبر ولد الرجل يخلف على امرأة أبيه (1).

(من نسب أو رضاع) راجع للأمرين معًا، أما النسب .. فللآية، وأما الرضاع .. فللحديث المار (2).

(وأمهات زوجتك منهما) أي: من النسب والرضاع، وسواء دخلت بها أم لا؛ لإطلاق قوله تعالى:{وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} .

(وكذا بناتها) أي: بنات زوجتك (إن دخلت بها) للآية، وذكر الحجور خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، وإنما لم يعتبر الدخول في أصول الزوجة؛ لأن الحاجة تدعو إلى مكالمة الزوج لأم المرأة عقب العقد؛ لترتيب أمر الزوجة، فاحتيج إلى الخلوة بها، بخلاف بنت الزوجة.

واعلم: أن الثلاث الأولى؛ أعني: زوجة الأب والابن وأم الزوجة يحرمن بمجرد العقد الصحيح، أما الفاسد .. فلا يتعلق به حرمة المصاهرة؛ كما لا يتعلق به حل المنكوحة؛ كما صرّح به في "المحرر"، و"الشرحين"، و"الروضة"، وقال في "الدقائق": الصواب: حذف لفظة: (الصحيح) كما حذفها "المنهاج"؛ فإن حرمة المصاهرة تثبت بالنكاح الفاسد، قال في "المهمات" تبعًا للشيخ برهان الدين: وهو غلط، وتقييد "المحرر" هنا صحيح، لكنه قال بعده: (ويحرم بالدخول في

(1) الأم (6/ 69).

(2)

في (ص 81).

ص: 83

وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِمِلْكٍ .. حَرُمَ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا، وَحَرُمَتْ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، وَكَذَا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ فِي حَقِّهِ - قِيلَ: أَوْ حَقِّهَا -.

===

النكاح الصحيح بنات الزوجة

) إلى آخره، والتقييد هناك غير صحيح، فلا فرق في التحريم بالدخول بين الصحيح والفاسد، فأراد النووي التنبيه على الثاني فانتقل نظره إلى الأول (1). انتهى.

والحاصل: أن من حرم بالوطء .. لا تعتبر فيه صحة العقد؛ كالربيبة، ومن حرم بالعقد وهي الثلاث الأولى .. فلا بد من صحة العقد.

وقول المصنف: و (بناتها) ينبغي أن تحمل البنات على الحقيقة والمجاز؛ ليشمل بنت الزوجة وبناتها، وبنت ابن الزوجة وبناتها؛ فإن بنت الربيبة والربيب وإن سفلت حرام؛ كما صرح به القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والشيخ في "التنبيه"(2)، وصاحب "الذخائر".

(ومن وطئ امرأة بملك .. حرم عليه أمهاتها وبناتها، وحرمت على آبائه وأبنائه) بالإجماع، (وكذا الموطوءة بشبهة) بنكاح أو شراء فاسدين، أو وطئها ظنًّا أنها زوجته أو أمته أو وطئ مشتركة أو أمة فرعه؛ لأنه وطء تصير به المرأة فراشًا يثبت النسب، ويوجب العدة، فيتعلق به حرمة المصاهرة؛ كالنكاح (في حقه) كأن وطئها يظنها زوجته وهي عالمة؛ كما أن ثبوت النسب والعدة يختص بما إذا كانت الشبهة من جانبه.

(قيل: أو حقها) كأن وطئها عالمًا، وهي جاهلة أو نائمة أو مكرهة؛ يعني: فبأيهما قامت الشبهة .. أثّرت، فعلى هذا: هل تؤثر في الطرفين أو في من قامت به؟ وجهان بلا ترجيح، فعلى الثاني: إن اشتبهت عليه .. حرمت عليه أمها وبنتها، ولا تحرم هي على أبيه وابنه، وإن اشتبه عليها .. فبالعكس.

واقتصار المصنف على التحريم قد يفهم أنه لا يثبت به المحرمية، وهو الصحيح،

(1) المحرر (ص 297)، الشرح الكبير (8/ 35)، روضة الطالبين (7/ 111)، دقائق المنهاج (ص 68)، المهمات (7/ 100).

(2)

التنبيه (ص 104).

ص: 84

لَا الْمَزنيُّ بِهَا. وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةٌ بِشَهْوَةٍ كَوَطْءٍ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوِ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ .. نَكَحَ مِنْهُنَّ،

===

وما رجحه من أنه لا أثر للشبهة في حقها صحيح بالنسبة إلى التحريم لا إلى المهر؛ ولهذا قال في "الوسيط": لكن يرجع في وجوب المهر إلى الاشتباه عليها فقط، وفي "الحاوي الصغير": وفي المهر بشبهتها (1).

(لا المزنيُّ بها) أي: فلا يثبت لها حرمة المصاهرة؛ لأن الله تعالى قرن بين النسب والصهر فقال: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} فلما انتفى عن الزنا حكم النسب .. انتفى عنه حكم المصاهرة.

(وليست مباشرةٌ) كمفاخذة وقبلة ولمس (بشهوةٍ كوطء في الأظهر) لأنه لا يوجب العدة، فكذا لا يوجب الحرمة، وقد قال تعالى:{مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} ، فشرط الدخول في التحريم، والثاني: هي كالوطء؛ لأنه استمتاع يوجب الفدية على المحرم فكان كالوطء، وبه قال جمهور العلماء، وقال الرافعي في (أحكام إتيان الدبر): إنه قوي (2).

والتقييد بالشهوة: من زوائده على "المحرر"، قال في "الدقائق" ولا بد منه (3).

أما اللمس بغيرها .. فلا أثر له في التحريم عند المعظم، قال الإمام: ومنهم من أرسل الملامسة ولم يقيد بالشهوة، فيجوز أن يقال: تكفي صورة الملامسة؛ كما في نقض الطهارة (4). انتهى، قال السبكي: وإطلاق النص يقتضيه.

وخرج بالمباشرة: النظر بشهوة؛ فإنه لا يثبت حرمة المصاهرة على المذهب، واستدخال المني المحترم؛ كماء الزوج والأجنبي بشبهة يثبت حرمة المصاهرة أيضًا.

(ولو اختلطت مَحْرم بنسوة قرية كبيرة .. نكح منهن) وإلا .. انحسم عليه باب

(1) الوسيط (5/ 107)، الحاوي الصغير (ص 461).

(2)

الشرح الكبير (8/ 175).

(3)

المحرر (ص 297)، دقائق المنهاج (ص 68).

(4)

نهاية المطلب (12/ 239).

ص: 85

لَا بِمَحْصُورَاتٍ. وَلَوْ طَرَأَ مُؤَبِّدُ تَحْرِيمٍ عَلَى نِكَاحٍ .. قَطَعَهُ كَوَطْءِ زَوْجَةِ ابْنِهِ بِشُبْهَةٍ. وَيَحْرُمُ جَمْعُ الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا مِنْ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ،

===

النكاح؛ فإنه وإن سافر إلى بلدة أخرى .. لم يؤمن مسافرتها إليها، (لا بمحصورات) أي: فلا ينكح واحدة منهن؛ احتياطًا للأبضاع مع انتفاء المشقة باجتنابهن، بخلاف الأولى، ولا مدخل للتحري في هذا الباب. قال الإمام: والمحصور: ما سهل على الآحاد حصره، وفي "الإحياء": كل عدد لو اجتمع في صعيد واحد لعسر على الناظر عده بمجرد النظر؛ كالألف والألفين .. فغير محصور، وإن سهل؛ كالعشرة والعشرين .. فمحصور، وبين الطرفين أوساط تلحق بأحدهما بالظن، وما وقع فيه الشك فليستفت فيه القلب (1)، قال الأَذْرَعي: وينبغي التحريم عند الشك عملًا بالأصل.

(ولو طرأ مؤبِّد تحريم على نكاح .. قطعه؛ كوطء زوجة ابنه بشبهة) لأنه معنى يوجب تحريمًا مؤبدًا، فإذا طرأ على النكاح .. أبطله؛ كالرضاع.

وقوله: (ابنه) هو بالنون وبالياء أيضًا، وقد ضبطه بهما المصنف بخطه، وقال: معًا.

(ويحرم جمع المرأة وأختها) من الأبوين أو أحدهما، ابتداءً ودوامًا؛ لقوله تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} ، (أو عمتها) أو عمة أحد أبويها، (أو خالتها) أو خالة أحد أبويها وإن علون؛ للنهي عنه في "الصحيحين"(2)، ولما فيه من قطيعة الرحم (من رضاع أو نسب) لما سبق.

وضبط تحريم الجمع بكل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع: لو كانت إحداهما ذكرًا .. حرمت المناكحة بينهما.

واحترز بالقرابة والرضاع: عن المصاهرة؛ فإنه يجوز الجمع بين المرأة وأم زوجها أو زوجة ولدها، وكذا يجوز الجمع بين بنت الرجل وربيبته، وبين المرأة وربيبة زوجها من امرأة أخرى، وبين أخت الرجل من أمه وأخته من أبيه.

(1) نهاية المطلب (12/ 516)، إحياء علوم الدين (2/ 103).

(2)

صحيح البخاري (5109)، صحيح مسلم (1408) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 86

فَإِنْ جَمَعَ بِعَقْدٍ .. بَطَلَ، أَوْ مُرَتِّبًا .. فَالثَّانِي. وَمَنْ حَرُمَ جَمْعُهُمَا بِنِكَاحٍ .. حَرُمَ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكٍ، لَا مِلْكُهُمَا، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً .. حَرُمَتِ الأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الأَولَى بِبَيعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ كِتَابَةٍ لَا حَيْضٍ وَإِحْرَامٍ، وَكَذَا رَهْنٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ مَلَكَهَا ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا أَوْ عَكَسَ .. حَلَّتِ الْمَنْكُوحَةُ دُونهَا

===

(فإن جمع بعقد .. بطل) النكاحان؛ إذ ليس تخصيص أحدهما بالبطلان أولى من الآخر، (أو مرتبًا .. فالثاني) لأن الجمع به حصل.

(ومن حرم جمعهما بنكاح .. حرم في الوطء بملك) لأنه إذا حرم العقد .. فلأن يحرم الوطء، وهو المقصود أولى، ولأن ذلك يؤدي إلى التباغض والتقاطع؛ كما يوجد بين الزوجات.

(لا ملكهما) بالإجماع؛ لأن الملك قد يقصد به غير الوطء، ولهذا يجوز له أن يشتري أخته ونحوها ممن لا يجوز له وطؤها.

(فإن وطئ واحدة) ولو مكرهًا أو جاهلًا أو في دبر ( .. حرمت الأخرى حتى يحرم الأولى) كيلا يحصل الجمع المنهي عنه؛ فإن وطئ الثانية قبل تحريم الأولى .. أثم ولا حدّ، والأولى مستمرة على حلها، ولا يحرم الحرام الحلال (ببيع) لإزالة الملك، هذا إذا لزم، أما مع الخيار؛ فإن كان للبائع .. لم يكف؛ لأنه يحل له الوطء، وبيع بعضها وهبته مع قبضه، ووقفه كاف.

(أو نكاح أو كتابة) صحيحة؛ لارتفاع الحل، (لا حيض وإحرام) وعدة شبهة وردة، لأنها أسباب عارضة لم تُزل الملك ولا الاستحقاق.

(وكذا رهن) المقبوض (في الأصح) لأنه يملك الوطء بإذن المرتهن، فدل على بقاء الحل، والثاني: يكفي؛ كالكتابة، ولو ملك أمًّا وبنتها، ووطئ إحداهما .. حرمت الأخرى أبدًا، فلو وطئ الأخرى بعد ذلك جاهلًا بالتحريم .. حرمت الأولى أيضًا أبدًا، وإن كان عالمًا .. ففي وجوب الحدِّ قولان؛ إن قلنا: لا .. حرمت الأولى أيضًا أبدًا، وإلا .. فلا.

(ولو ملكها ثم نكح أختها أو عكس) أي: نكح امرأة ثم ملك أختها ( .. حلت المنكوحة دونها) إذ فراش النكاح أقوى؛ للحوق الولد فيه، وإن لم يقر بالوطء.

ص: 87

وَلِلْعَبْدِ امْرَأَتَانِ، وَلِلْحُرِّ أَرْبَعٌ فَقَطْ، فَإِنْ نَكَحَ خَمْسًا مَعًا .. بَطَلْنَ، أَوْ مُرَتِّبًا .. فَالْخَامِسَةُ. وَتَحِلُّ الأُخْتُ وَالْخَامِسَةُ فِي عِدَّةِ بَائِنٍ لَا رَجْعِيَّةٍ

===

ولو عبر: بمن يحرم الجمع بينهما؛ ليشمل العمة ونحوها .. كان أحسن.

(وللعبد امرأتان) بإجماع الصحابة، كما نقله الحَكَم بن عُيَينة، ولأن النكاح من باب الفضائل، فلم يلحق العبد بالحر؛ كما لم يلحق الحر فيه منصب النبوة في الزيادة على الأربع، والمبعض كالقن؛ كما صرح به أبو حامد في "الرونق"، والمَحاملي في "اللباب" وغيرهما (1).

(وللحر أربع فقط) لقوله صلى الله عليه وسلم لغيلان: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِق سَائِرَهُنَّ" صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما (2).

وإذا منع في الدوام .. ففي الابتداء أولى، هذا في غير من يتوقف نكاحه على الحاجة، أما من يتوقف نكاحه عليها؛ كالسفيه والمجنون والحر الناكح للأمة .. فلا يجوز له غير واحدة، وذكر الشيخ عز الدين: أنه كان في شريعة موسى صلى الله عليه وسلم جواز التزويج من غير حصر؛ تغليبًا لمصلحة الرجال، وفي شريعة عيسى صلى الله عليه وسلم لا يجوز أكثر من واحدة، تغليبًا لمصلحة النساء، وراعت شريعتنا مصلحة النوعين (3).

(فإن نكح خمسًا معًا .. بطلن) وكذلك العبد إذا نكح ثلاثًا، لأنه ليس إبطال نكاح واحدة بأولى من الأخرى، فبطل الجميع.

نعم؛ لو كان فيهن من يحرم الجمع بينهما؛ كأختين .. بطل فيهما وصح في الباقي على الأظهر، وقيل: قطعًا، وقياسه: ما لو كان فيهن من لا تحل له؛ كمجوسية أو وثنية البطلان فيها لا في الباقي، ولو نكح سبعًا فيهن أختان .. بطل الجميع.

(أو مرتبًا .. فالخامسة) لأن الزيادة على العدد الشرعي حصلت بها.

(وتحل الأخت والخامسة في عدة بائن) لأنها أجنبية منه، (لا رجعية) لأنها في

(1) الباب (ص 122).

(2)

صحيح ابن حبان (4157)، المستدرك (2/ 192) عن ابن عمر رضي الله عنهما.

(3)

القواعد الكبرى (1/ 62).

ص: 88

وَإِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ ثَلَاثًا، وَالْعَبْدُ طَلْقَتَيْنِ .. لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تنكِحَ، وَتَغِيبَ بِقُبُلِهَا حَشَفَتُهُ أَوْ قَدْرُهَا،

===

حكم الزوجات، وكذا ليس له أن يطأ أختها بملك اليمين. قاله القفال في "فتاويه"، ولو وطئ امرأة بشبهة .. فله نكاح أربع في عدتها.

(وإذا طلق الحر ثلاثًا، والعبد طلقتين) ولو قبل وطء ( .. لم تحل له حتى تنكح، وتغيب بقبلها حشفته أو قدرها) من فاقدها، ويطلّقها وتنقضي عدتها؛ كما صرح به في "المحرر"(1)، أما في الحر .. فلقوله تعالى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا} أي: الثالثة {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} أي: ويطأها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة: "لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوق عُسَيْلَتَكِ" متفق عليه (2)، والمراد بالعسيلة: الجماع.

وأما في العبد .. فلأنه استوفى ما يملكه من الطلاق، فأشبه الحر.

وأما الاكتفاء بالحشفة .. فلأن بها تناط الأحكام، وهذا في الثيب، أما البكر .. فقد نقلا عن البغوي وأقراه: اشتراط الافتضاض بآلته، قال في "الكفاية": وحكاه المَحاملي عن "الأم"(3)؛ لأن التقاء الختانين لا يحصل إلا بعد الافتضاض، وقال في "المطلب": هذا النص ليس يجري على إطلاقه، بل هو محمول على أن ذلك في الغالب يحصل بتغييب الحشفة.

وأما الاكتفاء بقدرها من مقطوعها .. فلقيامه مقامها.

قال الإمام: والمعتبر: الحشفة التي كانت لهذا العضو المخصوص.

وخرج بقوله: (حتى تنكح): ما لو كانت أمة فوطئها السيد بالملك .. فلا تحل بذلك، وكذا لو اشتراها المطلق .. لا تحل له بالملك، وفيه وجه.

وبقوله: (بقبلها): وطء الدبر فلا يحلل، وهو من زياداته على "المحرر"(4) من غير تمييز.

(1) المحرر (ص 298).

(2)

صحيح البخاري (5260)، صحيح مسلم (1433) عن عائشة رضي الله عنها.

(3)

الشرح الكبير (8/ 51)، روضة الطالبين (7/ 124)، كفاية النبيه (14/ 207).

(4)

المحرر (ص 298).

ص: 89

بِشَرْطِ الانْتِشَارِ، وَصحَّةِ النِّكاحِ، وَكَوْنهِ مِمَّنْ يُمْكِنُ جِمَاعُهُ، لَا طِفْلًا عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِنَّ

===

وقضية إطلاقه: أنه لو لف على ذكره خرقة وأولج في القبل .. حلل، وهو الصحيح في "الروضة"(1).

(بشرط الانتشار)، ولو قل واستعان بإصبع؛ فإن لم يكن انتشار أصلًا لتعنين أو شلل أو غيرهما .. لم يحلل على الصحيح؛ لعدم ذوق العسيلة، وليس لنا وطء يتوقف تأثيره على الانتشار سوى هذا، وأما غيره .. فيترتب على مجرد الاستدخال من غير انتشار.

(وصحة النكاح) فلا يحلل النكاح الفاسد؛ كما لا يحصل التحصين به، وكذا لا يحلل وطء الشبهة.

(وكونِه ممّن يمكن جماعه) سواء كان حرًّا أو عبدًا، عاقلًا أو مجنونًا، بالغًا أو مراهقًا، مسلمًا أو كافرًا، إذا كانت كافرة ووطئ في وقت لو ترافعوا إلينا .. لقررناهم على ذلك النكاح، قال في "زيادة الروضة":(ولا يشترط في تحليل الذمية للمسلم وطء ذمي، بل المجوسي والوثني يحللانها له أيضًا، كما يحصنانها، صرح به إبراهيم المروذي)(2).

(لا طفلًا) لعدم الغيرة به (على المذهب فيهن) أي: في شرط الانتشار وما بعده، لما ذكرناه.

ووجه الاكتفاء بالنكاح الفاسد: القياس على المهر والنسب وغيرهما، ووجه الاكتفاء في الباقي: حصول صورة الوطء.

وقوله: (لا طفلًا) قد يفهم: أنه لا يشترط في الزوجة شيء بل وطؤها محلل وإن كانت طفلة لا يمكن جماعها، وبه صرح في "أصل الروضة" فقال: إنه يحللها قطعًا (3)، وقال الأَذْرَعي: إن المذهب المنصوص في "الأم": أنه لا يحللها؛ كوطء الطفل.

(1) روضة الطالبين (7/ 125).

(2)

روضة الطالبين (7/ 125).

(3)

روضة الطالبين (7/ 125).

ص: 90