الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتابُ الظِّهار
يَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ وَلَوْ ذِمِّيٌّ وَخَصِيٌّ. وَظِهَارُ سَكْرَانَ كَطَلَاقِهِ. وَصَرِيحُهُ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: (أَنْتِ عَلَيَّ أَوْ مِنِّي أَوْ مَعِي أَوْ عِنْدِي كَظَهْرِ أُمِّي)، وَكَذَا (أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي) صَرِيحٌ عَلَى
===
(كتاب الظهار)
مشتق من الظهر، سمي بذلك، لتشبيه الزوجة بظهر الأم، وكان طلاقًا في الجاهلية، وقيل: في أول الإسلام، ويقال: كانت المرأة بالظهار تحرم على زوجها، ولا تباح لغيره، فنقل الشارع حكمه إلى تحريمها بعد العود، ووجوب الكفارة، وأبقى محله: وهو الزوجية، وهو حرام؛ لقوله تعالى:{وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} .
وأصل الباب: أول سورة المجادلة.
وسببها: أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكية منه؛ فأنزلها الله فيها، رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان والحاكم (1).
(يصح من كل زوج مكلف ولو ذمي) وحربي (وخصي) ومجبوب وعنين؛ لعموم الآية.
وخرج بالزوج: السيد، فلا يصح من أمته ولو كانت أم ولد، وبالمكلف: الصبي والمجنون والمغمى عليه، فلا يصح منهم؛ لما مر في الطلاق.
وكان ينبغي أن يزيد: مختارًا، ولو قال:(زوج يصح طلاقه)، كما في الإيلاء .. لكان أخصر وأشمل.
(وظهار سكران كطلاقه) وقد مر ما فيه.
(وصريحه) أي: الظهار (أن يقول لزوجته: "أنت علي أو مني أو معي أو عندي كظهر أمي") لأنه المعهود في الجاهلية، (وكذا "أنت كظهر أمي" صريح على
(1) سنن أبي داوود (2214)، صحيح ابن حبان (4279) عن خُوَيلة بنت ثعلبة رضي الله عنها، المستدرك (2/ 481)، وأخرجه ابن ماجه (2063) عن عائشة رضي الله عنها.
الصَّحِيحِ. وَقَوْلُهُ: (جِسْمُكِ أَوْ بَدَنُكِ أَوْ نَفْسُكِ كَبَدَنِ أُمِّي أَوْ جِسْمِهَا أَوْ جُمْلَتِهَا) صَرِيحٌ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (كَيَدِهَا أَوْ بَطْنِهَا أَوْ صَدْرِهَا) ظِهَارٌ، وَكَذَا (كَعَيْنِهَا) إِنْ قَصَدَ ظِهَارًا، وَإِنْ قَصَدَ كَرَامَةً .. فَلَا، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ:(رَأْسُكِ أَوْ ظَهْرُكِ أَوْ يَدُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) ظِهَارٌ فِي الأَظْهَرِ. وَالتَّشْبيهُ بالْجَدَّةِ ظِهَارٌ. وَالْمَذْهَبُ: طَرْدُهُ فِي كُلِّ مَحْرَمٍ لَمْ يَطْرَأْ تَحْرِيمُهَا، لَا مُرْضِعَةٍ وَزَوْجَةِ ابْنٍ. وَلَوْ شَبَّهَ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَمُطَلَّقَةٍ وَأُخْتِ زَوْجَةٍ وَبِأبٍ وَمُلَاعَنَةٍ .. فَلَغْوٌ
===
الصحيح) ولا يضر ترك الصلة؛ كما أن قوله: (أنت طالق) صريح، وإن لم يقل:(مني)، والثاني: أنه كناية؛ لاحتمال أن يريد أنها على غيره كظهر أمه، بخلاف الطلاق.
(وقوله: "جسمك أو بدنك أو نفسك) أو جملتك علي (كبدن أمي أو جسمها أو جملتها" صريح) لدخول الظهر في ذلك.
(والأظهر: أن قوله: "كيدها أو بطنها أو صدرها") ونحوها مما سوى الظهر (ظهار) لأنه عضو يحرم التلذذ به، فكان كالظهر، والثاني: المنع؛ لأنه ليس على صورة الظهار المعهود في الجاهلية.
(وكذا "كعينها" إن قصد ظهارًا) لأنه نوى ما يحتمله اللفظ، (وإن قصد كرامة .. فلا) لأن هذه الألفاظ تستعمل في الكرامة والإعزاز.
(وكذا إن أطلق في الأصح) حملًا على الكرامة؛ لاحتمالها، والثاني: أنه ظهار؛ لأن اللفظ صريح في التشبيه ببعض أجزاء الأم.
(وقوله: "رأسك أو ظهرك أو يدك) أو فرجك أو شعرك (علي كظهر أمي" ظهار في الأظهر) لما مر في قوله: (كيدها أو بطنها).
(والتشبيه بالجدة) من الجهتين (ظهار) لأنها تُسمَّى أمًّا، ولها ولادة.
(والمذهب: طرده) أي: هذا الحكم (في كل محرم لم يطرأ تحريمها)، كالأخت؛ لمساواتهن الأم في التحريم المؤبد، والثاني: المنع؛ لورود النص في الأم، (لا مرضعة وزوجة ابن) لأنهما كانتا حلالًا له في وقت، فيحتمل إرادته.
(ولو شبه بأجنبية ومطلقة وأخت زوجة وبأب وملاعنة .. فلغو) لأن غير الأب
وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ؛ كَقَوْلِهِ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْ زَوْجَتِي الأُخْرَى .. فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) فَظَاهَرَ .. صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهُمَا، وَلَوْ قَالَ:(إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْ فُلَانَةَ) وَفُلَانَةُ أَجْنَبِيَّةٌ فَخَاطَبَهَا بِظِهَارٍ .. لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّفْظَ، فَلَوْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا .. صَارَ، وَلَوْ قَالَ:(مِنْ فُلَانَةَ الأَجْنَبيَّةِ) .. فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا وَإِنْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا، وَلَوْ قَالَ:(إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ) .. فَلَغْوٌ
===
والملاعنة يحلون له في زمن، فلعله أراده، وأما الأب .. فلأنه ليس محلًّا للاستمتاع، وأما الملاعنة .. فلأن تحريمها وإن كان مؤبدًا فليس تأبده للمحرمية والوصلة.
(ويصح تعليقه؛ كقوله: "إن ظاهرت من زوجتي الأخرى .. فأنت علي كظهر أمي" فظاهر .. صار مظاهرًا منهما) لأنه من حيث تعلق التحريم كالطلاق، ومن حيث تعلق الكفارة كاليمين، وكلاهما يقبل التعليق.
(ولو قال: "إن ظاهرت من فلانة") فأنت علي كظهر أمي (وفلانة أجنبية) أي: والحال أنها أجنبية (فخاطبها بظهار .. لم يصر مظاهرًا من زوجته) لعدم صحة الظهار من الأجنبية. (إلا أن يريد اللفظ) أي: يريد التعليق على الإتيان بهذا اللفظ؛ فإنه يكون مظاهرًا؛ لوجود الصفة.
(فلو نكحها) أي: الأجنبية (وظاهر منها .. صار) مظاهرًا (1) من زوجته؛ لوجود الصفة.
(ولو قال: "من فلانة الأجنبية" .. فكذلك) يعني: فحكمه ما سبق، وذكر الأجنبية للتعريف لا للشرط، كما لو قال:(لا أدخل دار زيد هذه)، فباعها ثم دخلها .. حنث.
(وقيل: لا يصير مظاهرًا) من زوجته الأولى (وإن نكحها وظاهر منها) لأنه إذا نكحها .. خرجت عن كونها أجنبية، وجعل قائله ذكر الأجنبية شرطًا.
(ولو قال: "إن ظاهرت منها وهي أجنبية") فأنت علي كظهر أمي ( .. فلغو) لأنه كالتعليق بمستحيل.
(1) كلمة (مظاهرًا) في (ز) من المتن، وهو موافق لـ "المنهاج" المطبوع.
وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي) وَلَمْ يَنْوِ، أَوْ نَوَى الطَّلَاقَ، أَوِ الظِّهَارَ، أَوْ هُمَا، أَوِ الظِّهَارَ بِـ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَالطَلَاقَ بـ (كَظَهْرِ أُمِّي) .. طَلُقَتْ وَلَا ظِهَارَ، أَوِ الطَّلَاقَ بِـ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَالظِّهَارَ بِالْبَاقِي .. طَلَقَتْ وَحَصَلَ الظِّهَارُ إِنْ كَانَ طَلَاقَ رَجْعَةٍ.
===
(ولو قال: "أنت طالق كظهر أمي"، ولم ينو أو نوى الطلاق، أو الظهار، أو هما، أو) نوى (الظهار بـ "أنت طالق"، والطلاق بـ "كظهر أمي .. " طلقت ولا ظهار) في الكل؛ أما في الأولى -وهي ما إذا لم ينو شيئًا- .. فوجه وقوع الطلاق: إتيانه بلفظ الصريح، ووجه عدم صحة الظهار: أن قوله: (كظهر أمي) لا استقلال له، وقد انقطع عن قوله:(أنت) بالفاصل الحاصل بينهما، فخرج عن الصراحة، ولم يقصد به الظهار.
وأما في الثانية -وهي ما إذا نوى الطلاق بمجموع كلامه- .. فلأنه قصد أنها تصير محرمةً بالطلاق كظهر أمه، فيكون الظهار تفسيرًا؛ فتطلق ولا ظهار.
وأما في الثالثة -وهي ما إذا قصد الظهار وحده- .. فوجه وقوع الطلاق وجود اللفظ الصريح، وعدم وقوع الظهار أن لفظ الطلاق صريح في بابه، ووجد نفاذًا في موضعه، فلا يكون كناية في الظهار.
وأما في الرابعة -وهي أن يقصد الطلاق والظهار معًا بمجموع كلامه- .. فلما مر من أنه لم ينو به الظهار وإنما نواه بالمجموع.
وأما في الخامسة -وهي ما إذا نوى الظهار بـ (أنت طالق)، والطلاق بـ (كظهر أمي) - .. فوجه وقوع الطلاق: لفظ الصريح، فلا يكون كناية في الظهار، ووجه عدم وقوع الظهار: خروجه عن الصراحة بالفاصل، ولم يقصد به الظهار.
(أو) نوى (الطلاق بـ "أنت طالق"، و) نوى (الظهار بالباقي .. طلقت) لوجود اللفظ الصريح، (وحصل الظهار إن كان طلاق رجعة) لأن الظهار يصح من الرجعية، وقد أتى به مع النية.
واحترز بـ (طلاق رجعة): عن البائن، فإنه لا ظهار فيها؛ لأنها أجنبية.
* * *