الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ [في أحكام الظهار من وجوب كفارة وغير ذلك]
عَلَى الْمُظَاهِرِ كَفَّارَةٌ إِذَا عَادَ؛ وَهُوَ: أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ زَمَنَ إِمْكَانِ فُرْقَةٍ، فَلَوِ اتَّصَلَتْ بِهِ فُرْقَةٌ بِمَوْتٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ وَلَمْ يُرَاجِعْ أَوْ جُنَّ .. فَلَا عَوْدَ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَهَا أَوْ لَاعَنَهَا فِي الأَصَحِّ بِشَرْطِ سَبْقِ الْقَذْفِ ظِهَارَهُ فِي الأَصَحِّ
===
(فصل: على المظاهر كفارة إذا عاد) لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} الآية، (وهو) أي: العود (أن يمسكها بعد ظهاره زمن إمكان فرقة) لأن تشبيهها بالأم يقتضي ألا يمسكها زوجة، فإذا أمسكها زوجة .. فقد عاد فيما قال؛ لأن العود للقول مخالفته، يقال: قال فلان قولًا ثم عاد فيه، وعاد له؛ أي: خالفه ونقضه.
(فلو اتصلت به فرقة بموت) منه أو منها (أو فسخ) بسببه أو بسببها، (أو طلاق بائن أو رجعي ولم يراجع أو جن) الزوج أو أغمي عليه عقب اللفظ ( .. فلا عود) ولا كفارة؛ للفرقة المتصلة، وتعذرها في الجنون والإغماء، فإن أمسكها بعد الإفاقة .. فعائد.
(وكذا لو ملكها) بشراء على الاتصال من غير اشتغال بمساومة وتقرير ثمن (أو لاعنها في الأصح) فيهما، أما في الأولى .. فلأنه لم يمسكها على النكاح، ووجه مقابله: أنه لم يحرمها على نفسه، وإنما أبدل حلًا بحل أقوى منه وهو إمساك.
وإنما صورنا الملك في كلامه بالشراء تبعًا لـ "المحرر"(1)؛ للاحتراز عما لو ورثها عقب الظهار .. فإنه لا يكون عائدًا قطعًا؛ لعدم تمكنه من الطلاق، وأما في الثانية .. فوجه الأصحِّ: اشتغاله بما يوجب الفراق، ولا فرق في الكلمات الموجبة بين الطويلة والقصيرة، ووجه مقابله: تخلل زمن اللعان.
(بشرط سبق القذف ظهاره في الأصح) فلو قدم الظهار، ثم قذف، ثم لاعن .. كان عائدًا على الأصحِّ؛ لما فيه من التطويل مع إمكان الفراق، ووجه مقابله: اشتغاله
(1) المحرر (ص 349).
وَلَوْ رَاجَعَ، أَوِ ارْتَدَّ مُتَّصِلًا ثُمَّ أَسْلَمَ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ عَائِدٌ بالرَّجْعَةِ، لَا الإِسْلَامِ، بَل بَعْدَهُ. وَلَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْعَوْدِ بفُرْقَةٍ. وَيَحْرُمُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَطْءٌ، وَكَذَا لَمْسٌ وَنحْوُهُ بِشَهْوَةٍ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: الْجَوَازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَصِحُّ الظِّهَارُ الْمُؤَقَّتُ مُؤَقَّتًا، وَفِي قَوْلٍ: مُؤَبَّدًا،
===
بأسباب الفراق، وعلى الأول: يشترط أيضًا سبق الرفع إلى الحاكم؛ كما قاله البغوي، وجزم به في "الروضة"(1).
(ولو راجع) بعد ظهار من رجعية، أو بعد طلاق رجعي بعد الظهار (أو ارتد متصلًا) بالظهار، وهي مدخول بها (ثم أسلم .. فالمذهب: أنه عائد بالرجعة) وإن لم يمسكها عقب الرجعة بل طلقها (لا الإسلامِ بل بعده) بزمن يسع الفرقة.
والفرق: أن مقصود الرجعة الاستباحة، ومقصود الإسلام الرجوع إلى الدين الحق.
(ولا تسقط الكفارة بعد العود بفرقة) بطلاق أو غيره؛ لاستقرارها بالإمساك؛ كالدين لا يسقط بعد ثبوته.
(ويحرم قبل التكفير وطء) للتقييد في العتق والصوم بقوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} ، وأطلق في الإطعام، فيحمل المطلق على المقيد؛ لاتحاد الواقعة، هذا في الظهار المطلق، أما المؤقت؛ فإن انقضت مدته ولم يطأ .. حل الوطء ولا شيء عليه؛ لارتفاع الظهار، وإن وطئ في المدة .. حرم عليه الوطء بعد ذلك، حتى يكفر أو تنقضي المدة.
(وكذا لمس ونحوه بشهوة في الأظهر) لأنه قد يدعو إلى الوطء ويفضي إليه، (قلت: الأظهر: الجواز، والله أعلم) لبقاء الزوجية، والتماس في الآية محمول على الدخول، وهذا ما عزاه الرافعي في "الشرحين" للأكثرين، وكلام المصنف يشمل الاستمتاع بما بين السرة والركبة، وفيه احتمالان للإمام: أقواهما عنده: أنه على الخلاف في الحيض (2).
(ويصح الظهار المؤقت مؤقتًا) تغليبًا لشبه اليمين، (وفي قول: مؤبدًا) تغليبًا
(1) التهذيب (6/ 160)، روضة الطالبين (8/ 270).
(2)
الشرح الكبير (9/ 267)، نهاية المطلب (14/ 509).
وَفِي قَوْلٍ: لَغْوٌ. فَعَلَى الأَوَّل: الأَصَحُّ: أَنَّ عَوْدَهُ لَا يَحْصُلُ بِإِمْسَاكٍ، بَلْ بِوَطْءٍ فِي الْمُدَّةِ، وَيَجِبُ النَّزْعُ بمَغِيبِ الْحَشَفَةِ. وَلَوْ قَالَ لِأرْبَعٍ:(أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) .. فَمُظَاهِرٌ مِنْهُنَّ، فَإِنْ أَمسَكَهُنَّ .. فَأَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ، وَفِي الْقَدِيمِ: كَفَّارَةٌ. وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ .. فَعَائِدٌ مِنَ الثَّلَاثِ الأُوَلِ. وَلَوْ كَرَّرَ فِي امْرَأَةٍ مُتَّصِلًا وَقَصَدَ تَأْكِيدًا .. فَظِهَارٌ وَاحِدٌ،
===
لشبه الطلاق، (وفي قول: لغو) لأنه لم يؤبد التحريم، فأشبه ما إذا شبهها بامرأة لا تحرم على التأبيد.
(فعلى الأول: الأصح: أن عوده لا يحصل بإمساك، بل بوطء في المدة) لأن الحل منتظر بعد المدة، فالإمساك يحتمل أن يكون لانتظار الحل، أو للوطء في المدة، والأصل: براءته من الكفارة، فإذا وطء .. فقد تحقق الإمساك لأجل الوطء، والثاني: أن العود كالعود في الظهار المطلق؛ إلحاقًا لأحد نوعي الظهار بالآخر.
وأفهم قوله: (في المدة) أنه لو وطئ بعدها .. لا شيء عليه، وبه صرح في "المحرر" لارتفاع الظهار (1).
(ويجب النزع بمغيب الحشفة) كما في قوله: (إن وطئتك .. فأنت طالق).
(ولو قال لأربع: "أنتن علي كظهر أمي" .. فمظاهر منهن) لوجود اللفظ الصريح.
(فإن أمسكهن .. فأربع كفارات) لوجود الظهار والعود] في حق كل واحدة منهن] (2)، (وفي القديم: كفارة) كتعليق اليمين بجمع، قال الإمام: والأول مبني على تغليب شائبة الطلاق، والثاني: شائبة اليمين (3).
(ولو ظاهر منهن بأربع كلمات متوالية .. فعائد من الثلاث الأول) لعوده في الأولى بظهار الثانية، وفي الثانية بظهار الثالثة، وفي الثالثة بظهار الرابعة، فإن فارق الرابعة عقب ظهارها .. فعليه ثلاث كفارات، وإلا .. فأربع.
(ولو كرر في امرأة متصلًا، وقصد تأكيدًا .. فظهار واحد) كالطلاق، فيلزمه
(1) المحرر (ص 350).
(2)
ما بين المعقوفين زيادة من (هـ) و (ز).
(3)
نهاية المطلب (14/ 494).
أَوِ اسْتِئْنَافًا .. فَالأَظْهَرُ: التَّعَدُّدُ، وَأَنَّهُ بِالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَائِدٌ فِي الأَوَّلِ.
===
كفارة إن أمسكها عقب المرات، لا إن فارقها على الأصحِّ.
واحترز بقوله: (متصلًا) عما إذا تفاصلت الكلمات، وتخلل بينهما زمان، وقصد التأكيد، فإنه لا يقبل في الأصحِّ؛ تغليبًا للطلاق.
والخلاف فيما إذا لم يكفر عن الأول، فإن كفر .. فالثاني ظهار جديد قطعًا؛ لانقضاء حكم الأول بالتكفير.
(أو استئنافًا .. فالأظهر: التعدد) كالطلاق، والثاني: الاتحاد؛ لتكرر اليمين على شيء مرات، وسكت عما إذا أطلق، والأظهر فيه: الاتحاد، بخلاف نظيره من الطلاق.
والفرق: أن الطلاق محصور، والزوج يملكه، فإذا كرر .. فالظاهر: استيفاء المملوك، بخلاف الظهار.
(وأنه بالمرة الثانية عائد في الأول) لأنه كلام آخر، فاشتغاله به عود، والثاني: لا؛ لأن الظهار من جنس واحد، فما لم يفرغ من الجنس لا يجعل عائدًا.
* * *