الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الخيار والإعفاف ونكاح العبد
وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالآخَرِ جُنُونًا أَوْ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا، أَوْ وَجَدَهَا رَتْقَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ وَجَدَتْهُ عِنِّينًا أَوْ مَجْبُوبًا .. ثبَتَ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكاحِ،
===
(باب الخيار والإعفاف ونكاح العبد)
(وجد أحد الزوجين بالآخر جنونًا) مطبقًا أو متقطعًا (أو جذامًا أو برصًا) مستحكمين والاستحكام في الجذام يكون: بالتقطع، وقال الإمام: يجوز أن يكتفى باسوداد العضو وحكم أهل البصائر باستحكام العلة، وفي البرص: بعدم قبول العلاج، وعلامته: أن يعصر فلا يحمرّ.
(أو وجدها رتقاء) وهي منسدة محل الجماع بلحم، (أو قرناء) وهي المنسدة بعظم، ويقال: إن القَرْن لحم ينبت في الفرج.
(أو وجدته عنينًا) وهو العاجز عن الوطء في القبل، (أو مجبوبًا) وهو مقطوع جميع الذكر ( .. ثبت الخيار في فسخ النكاح) لأن الخيار في البيع يثبت بهذه العيوب إجماعًا؛ لفوات مالية يسيرة، فإثباته لفوات الجماع الذي هو مقصود النكاح .. أولى، وحكى الماوردي: إجماع الصحابة على ثبوته بالجَبّ والعنة (1).
وصحّ عن عمر رضي الله عنه في الثلاثة الأُوَل المشتركة، رواه عنه الشافعي وعوّل عليه؛ لأن مثله لا يكون إلا توقيفًا (2).
فلو بقي من الذكر قدر الحشفة .. فلا خيار في الأظهر، ولو زال العيب قبل الفسخ .. فلا خيار، وكذا إذا علم به بعد الموت على الأصحِّ؛ لانتهاء النكاح بالموت.
وقوله: (وجد) يقتضي أنه لو علم أحدهما بعيب صاحبه قبل العقد .. لا خيار له، وليس على إطلاقه، بل لو علمت بعنّته .. فلها الخيار بعده، ولو زاد العيب الذي به .. فلا خيار في الأصحِّ.
(1) الحاوي الكبير (11/ 501).
(2)
الأم (6/ 217)، وأخرجه مالك (2/ 526)، والبيهقي (7/ 214).
وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَ بِهِ مِثْلَ عَيْبِهِ .. فَلَا.
===
واستثنى في "الكفاية": ما إذا حدث بموضع آخر، ونقله عن " التتمة"(1)، قال في "التوشيح": ولا يستثنى؛ لأن ذاك عيب آخر.
واقتصار المصنف على ما ذكره من العيوب يقتضي: أنه لا خيار بغيرها، قال في "الروضة": وهو الصحيح الذي قطع به الجمهور، لكن في كلامه على العنين قال: وفي معناه: المرض المزمن الذي لا يتوقع زواله، ولا يمكن معه الجماع؛ كذا ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وظاهر كلامه: الموافقة عليه، وجزم به في "الكفاية" وقال: إنه أولى بثبوت الخيار من البرص؛ لأن البرص لا يمنعه بالكلية بل ينفر منه، وهذا لا يتصور معه (2). ونقلا في (باب النفقات) عن الماوردي: أنه إذا وجد الزوجة مستأجرة .. يثبت الخيار وأقرّاه (3).
ويثبت الخيار فيما إذا أعسر الزوج كما سيأتي في بابه، وفيما إذا وجد أحدهما الآخر رقيقًا على ما جزم به المصنف كما سيأتي.
والإغماء الدائم الميؤوس من زواله كالجنون، قاله المتولي.
وألحق الشافعي الخبل بالجنون (4).
(وقيل: إن وجد به مثل عيبه .. فلا) لتساويهما في النقص، والأصحُّ: نعم؛ لأن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه.
قال الرافعي: وهذا في غير الجنون، أما إذا كانا مجنونين .. فلا يمكن إثبات الخيار لواحد منهما. انتهى (5).
والمراد: الجنون المطبق؛ لأن المنقطع جنونه لا يوصف حال الإفاقة بالجنون، ويجري مثل هذا الخلاف فيما لو كان مجبوبًا وهي رتقاء، وقطع بعضهم بالمنع؛ لعدم الطريق إلى الوطء.
(1) كفاية النبيه (13/ 159).
(2)
روضة الطالبين (7/ 177، 195)، كفاية النبيه (13/ 157).
(3)
الشرح الكبير (10/ 37)، روضة الطالبين (9/ 64).
(4)
الأم (6/ 219).
(5)
الشرح الكبير (8/ 136).
وَلَوْ وَجَدَهُ خُنْثَى وَاضِحًا .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ .. تَخَيَّرَتْ إِلَّا عُنَّةً بَعْدَ دُخُولٍ، أَوْ بِهَا .. تَخَيَّرَ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا خِيَارَ لِوَليٍّ بِحَادِثٍ، وَكَذَا
===
وقوله: (مثل عيبه): يفهم أنه لو كان عيب أحدهما أفحش أو أكثر .. يثبت الخيار قطعًا، وهو كذلك؛ كما بحثه الرافعي (1)، ونقله ابن الرفعة عن القاضي الحسين.
(ولو وجده خنثى واضحًا .. فلا في الأظهر) لأنه لا يفوت مقصود النكاح؛ إذ ليس فيه إلا زيادة ثقبة في الرجل، وسِلْعة في المرأة، والثاني: نعم؛ لنفرة الطبع منه.
وفي محل القولين: طرق: أصحها: أن محلهما إذا اختار الذكورة بغير علامة، فتزوج امرأة أو عكسه؛ لأنه قد يخرج بخلافه، فإن اتضح بعلامة .. فلا خيار قطعًا.
واحترز بالواضح: عن المُشكل؛ فإنه لا يصح نكاحه وهو من زياداته على "المحرر"(2).
(ولو حدث به عيب .. تخيّرت) قبل دخول وبعده؛ دفعًا للضرر عنها، ودخل في إطلاقه: ما لو جبّت ذكر زوجها .. فإن الخيار يثبت لها على الأصحِّ، بخلاف المشتري إذا عيّب المبيع؛ لأنها بالجب لا تصير قابضة لحقها؛ كالمستأجر، والمشتري بالعيب قابض لحقه، (إلا عُنّة بعد دخول) لحصول مقصود النكاح لها في المهر وثبوت الحضانة، وقد عرفَتْ قدرتَه ولم يبق إلا التلذذ، وهو شهوة لا يجبر الزوج عليها، وفي الجب قول: أنه كذلك.
والفرق على المذهب: حصول اليأس، بخلاف العنة؛ لأنه يرجى زوالها.
(أو بها .. تخير في الجديد) قبل دخول وبعده؛ كما لو حدث به، والقديم: لا؛ لتمكنه من الخلاص بالطلاق، بخلافها.
وأجاب الأول: بأن الفسخ يدفع عنه التشطير قبل الدخول، بخلاف الطلاق.
(ولا خيار لولي بحادث) إذ لا عار عليه في العرف، بخلاف الابتداء، (وكذا
(1) الشرح الكبير (8/ 136).
(2)
المحرر (ص 304).
بِمُقَارِنٍ جَبٍّ وَعُنَّةٍ، وَيَتَخَيَّرُ بِمُقَارِنٍ جُنُونٍ، وَكَذَا جُذَامٌ وَبَرَصٌ فِي الأَصَحِّ. وَالْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ. وَالْفَسْخُ قَبْلَ دُخُولٍ يُسْقِطُ الْمَهْرَ، وَبَعْدَهُ .. الأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ فُسِخَ بِمُقَارِنٍ، أَوْ بِحَادِثٍ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ جَهِلَهُ الْوَاطِئُ،
===
بمقارن جب وعُنة) لاختصاصها بالضرر، ولا عار عليه، وفي تصوير ثبوت مقارنة العُنة للنكاح عسر؛ إذ العُنة لا تثبت إلا بعد العقد؛ فإن صور بما إذا تزوجها وعرف الولي عُنته ثم أبانها وأراد تجديد نكاحها .. ردّ بأنه قد يُعن في نكاح دون نكاح؛ كما هو الأصحُّ.
(ويتخير بمقارن جنون) وإن رضيت؛ لتعيره بذلك، (وكذا جذام وبرص في الأصح) للعار وخوف العدوى للنسل، والثاني: المنع؛ لأن الضرر مختص بها، وهذا التفصيل يجري في ابتداء التزويج، فتجب إجابتها إلى العنين والمجبوب -بالباء- لا إلى المجنون -بالنون- ولا إلى المجذوم والأبرص على الأصحِّ (1).
(والخيار على الفور) لأنه خيار عيب، فكان على الفور؛ كما في البيع، ولا ينافي كونه على الفور ضرب المدة في العنة؛ فإنها حينئذ تتحقق، وإنما تؤمر بالمبادرة إلى الفسخ بعد تحقيق العيب.
والمعنى بكونه على الفور: أن المطالبة والرفع إلى الحاكم يكون على الفور.
(والفسخ قبل دخول يُسقِط المهر) سواء كان بعيبه أو بعيبها؛ إذ مقتضى الفسخ: ترادّ العوضين.
(وبعده) أي: بعد الدخول ( .. الأصح: أنه يجب مهر مثل إن فُسخ بمقارن) لأنه قد استمتع بمعيبة، وهو إنما بذل المُسمَّى على ظن السلامة ولم يحصل، فكأن العقد جرى بلا تسمية، والثاني: يجب المُسمَّى؛ لأن الدخول جرى في عقد صحيح مشتمل على تسمية صحيحة، فأشبه الردة بعد الدخول، والثالث: إن فسخ بعيبهما .. فمهر المثل، وإن فسخت بعيبه .. فالمُسمَّى.
(أو بحادث بين العقد والوطء جَهِله الواطئ) ويجعل اقترانه بالوطء المقرر للمهر كالاقتران بالعقد.
(1) بلغ مقابلة على خط مؤلّفه، أمتع الله المسلمين بطول بقائه. اهـ هامش (أ).
وَالْمُسَمَّى إِنْ حَدَثَ بَعْدَ وَطْءٍ. وَلَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ بَعْدَ وَطْءٍ .. فَالْمُسَمَّى. وَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ بَعْدَ الْفَسْخِ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الْجَدِيدِ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْعُنَّةِ رَفْعٌ إِلَى حَاكِمٍ، وَكَذَا سَائِرُ الْعُيُوبِ فِي الأَصَحِّ. وَتَثبُتُ الْعُنَّةُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبيِّنَةٍ عَلَى إِقْرَارِهِ،
===
(والمسمَّى إن حدث بعد وطء) لأنه قد استقر به قبل وجود سبب الخيار، فلا يغير، والوجه الثاني: يجب المُسمَّى مطلقًا، لوجوبه قبل سبب الخيار، والثالث: يجب مهر المثل مطلقًا؛ كالمقارن.
(ولو انفسخ بردة بعد وطء .. فالمسمّى) لأن الوطء قرر المسمّى قبل وجودها، (ولا يرجع الزوج بعد الفسخ بالمهر على من غرّه) من الزوجة والولي (في الجديد) لاستيفائه منفعة البضع المتقوم عليه بالعقد، كما لو كان المبيع معيبًا فأتلفه ثم فسخ العقد، والقديم: يرجع؛ كما يرجع بقيمة الولد المغرور بحرية أمه.
ومحلُّ الخلاف: في العيب المقارن، أما الحادث .. فلا رجوع به جزمًا؛ لعدم التغرير.
وقوله: (المهر) يشمل المُسمَّى ومهر المثل، وبه قال البغوي، وصححه في "أصل الروضة"(1).
وقال المتولي: محلُّ الخلاف: إذا كان المغروم هو مهر المثل، أما إذا كان المُسمَّى .. فلا رجوع جزمًا؛ لأنه سلّم له بدل ما ملكه بالعقد، وهي الوطأة الأولى.
(ويشترط في العُنة رفع إلى حاكم) قطعًا (وكذا سائر العيوب في الأصح) لأنه مجتهد فيه، فأشبه الفسخ بالإعسار، والثاني: لا؛ كفسخ المبيع بالعيب، قال البغوي: وعلى الوجهين: لو أخر إلى أن يأتي الحاكم ويفسخ بحضرته .. جاز (2).
(وتثبت العُنة بإقراره) عند الحاكم، كغيرها من الحقوق (أو ببينة على إقراره) ولا يتصور ثبوتها بالبينة؛ لأنه لا مطلع للشهود عليها، ومن هذا يؤخذ أنه لا تسمع دعوى امرأة الصبي والمجنون العنة عليهما؛ لسقوط قولهما.
(1) التهذيب (5/ 455)، روضة الطالبين (7/ 181).
(2)
التهذيب (5/ 454).
وَكَذَا بِيَمِينِهَا بَعْدَ نُكُولهِ فِي الأَصَحِّ. وَإِذَا ثَبَتَتْ. . ضَرَبَ الْقَاضِي لَهُ سَنَةً بِطَلَبِهَا، فَإِذَا تَمَّتْ. . رَفَعَتْهُ إِلَيْهِ؛ فَإِنْ قَالَ:(وَطِئْتُ). . حُلِّفَ، فَإِنْ نَكَلَ. . حُلِّفَتْ،
===
(وكذا بيمينها بعد نكوله) عن اليمين (في الأصح) لأنها تعرف الحال بالقرائن والممارسة، والثاني: لا ترد اليمين عليها؛ لأنها لا اطلاع لها على عجزه؛ فإنه قد يبغضها أو يستحي منها، وعلى هذا قيل: لا يقضي بنكوله، وقيل: يقضي ويضرب المدة بغير يمينها.
(وإذا ثبتث. . ضرب القاضي له سنة) بالإجماع، والمعنى فيه: مضي الفصول الأربعة، فإن كان ثم مانع. . زال فيها، وأول هذه المدة من ضرب القاضي لها، وسواء الحر والعبد، (بطلبها) لأن الحق لها، ويكفي قولها:(أنا طالبة حقي بما يقتضيه الشرع الشريف) وإن جهلت التفصيل، فلو سكتت. . لم يضرب.
نعم؛ إن حمل القاضي سكوتها على دهش أو جهل. . فلا بأس بتنبيهها.
(فإذا تمت) السنة ولم يطأها (. . رفعته إليه) ولم يكن لها أن تفسخ النكاح بلا رفع ثان على الصحيح؛ لأن بناء الأمر على الإقرار والإنكار، فيحتاج إلى نظر الحاكم واجتهاده.
(فإن قال: "وطئت") إما بعد المدة أو فيها وهي ثيب (. . حلِّف) لتعذر إقامة البينة على الوطء، والأصل: سلامة الشخص ودوام النكاح، وإن كانت بكرًا. . فالقول قولها مع يمينها؛ للظاهر.
(فإن نكل. . حُلِّفت) وفيه الخلاف السابق في قوله: (وكذا بيمينها بعد نكوله في الأصح)، كذا في "الروضة" و"أصلها"(1)، وفي مجيئه نظر؛ فإنها تحلف هناك على العُنة التي مستندها فيها القرائن وقد يتخلف، وهنا تحلف على ترك الوطء، وهو محسوس، فكيف يجيء الخلاف؟ ! ذكره السبكي وتعجب من الرافعي كيف وقع منه هذا!
قال شيخنا: ولعل أصل الخلاف في الموضعين أن اليمين المردودة كالإقرار؛ فتحلف، أو كالبينة؛ فلا تحلف؛ لأن كلًّا من العُنة وعدم الوطء لا يمكن إقامة البينة عليه.
(1) روضة الطالبين (7/ 198)، الشرح الكبير (8/ 165).
فَإِنْ حَلَفَتْ أَوْ أَقَرَّ. . اسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ، وَقِيلَ: تَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْقَاضِي أَوْ فَسْخِهِ. وَلَوِ اعْتَزَلَتْهُ أَوْ مَرِضَتْ أَوْ حُبسَتْ فِي الْمُدَّةِ. . لَمْ تُحْسَبْ، وَلَوْ رَضِيَتْ بَعْدَهَا بِهِ. . بَطَلَ حَقُّهَا، وَكَذَا لَوْ أَجَّلَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
===
(فإن حلفت أو أقرّ. . استقلت بالفسخ) كما يستقل بالفسخ من وجد بالمبيع تغيرًا وأنكر البائع كونه عيبًا، وأقام المشتري على ذلك بينة عند القاضي، ولا بدَّ بعد حلفها أو إقراره أن يقول القاضي:(ثبتت عندي العنة)، أو (ثبت حق الفسخ، فاختاري) على الأصحِّ في "أصل الروضة"(1)، فليقيد إطلاق الكتاب.
(وقيل: تحتاج إلى إذن القاضي أو فسخه) لأنه محل نظر واجتهاد.
(ولو اعتزلته أو مرضت أو حبست في المدة. . لم تحسب) لأن أثر المهلة إنما يظهر إذا كان الزوج مخلّىً مع زوجته، فأما إذا لم يكن. . فلا حكم للمدة.
وقضيته: أن حبسه ومرضه لا يمنع حسبانها وهو ما في "الكبير" عن ابن القطان، وحذفه من "الروضة"، لكن حكيا وجهين في سفره مع كونه باختياره غالبًا، فهذا أولى (2).
وقضية ما في "البسيط" و"النهاية": أن حبسه ومرضه الذي يتعذر معه وطؤها مانع من حسبانها (3)، قال الأَذْرَعي: وهو الحق.
(ولو رضيت بعدها به. . بطل حقها) كما في سائر العيوب، بخلاف الإيلاء والإعسار؛ لأن الضرر يتجدد، والعُنة عيب واحد لا يتوقع إزالتها إذا تحققت.
وقوله: (بعدها) زيادة على "المحرر"(4) وهو حسن، فإنها إذا رضيت به في المدة أو قبل ضربها. . لم يبطل حقها في الجديد، ولها الفسخ بعد المدة؛ لأنها رضيت بإسقاط حقها قبل ثبوته فلم يسقط، كالعفو عن الشفعة قبل البيع.
(وكذا لو أجّلته) زمنًا آخر بعد المدة (على الصحيح) لأنه على الفور، والثاني:
(1) روضة الطالبين (7/ 198).
(2)
الشرح الكبير (8/ 166)، روضة الطالبين (7/ 199).
(3)
نهاية المطلب (12/ 497).
(4)
المحرر (ص 305).
وَلَوْ نَكَحَ وَشُرِطَ فِيهَا إِسْلَامٌ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا نَسَبٌ أَوْ حُرِّيَّةٌ، أَوْ غَيْرُهُمَا فَأُخْلِفَ. . فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ، ثُمَّ إِنْ بَانَ خَيْرًا مِمَّا شُرِطَ. . فَلَا خِيَارَ، وَإِنْ بَانَ دُونَهُ. . فَلَهَا الْخِيَارُ،
===
لا؛ كما إذا أمهل الدين بعد حلول الأجل لا يلزم الإمهال، وتعجب السبكي من هذا القياس؛ لأن بعد حلول الأجل حق طلب الدين على التراخي، وحق الخيار على الفور، فكيف يقاس أحدهما بالآخر؟ ! .
(ولو نكح وشرط فيها إسلام، أو في أحدهما نسب أو حرية، أو غيرهما، فأُخلف. . فالأظهر: صحة النكاح) لأن الخلف في الشرط لا يوجب فساد البيع مع تأثيره بالشروط الفاسدة، فالنكاح أولى، والثاني: فساده؛ لأن النكاح يعتمد الأوصاف دون المشاهدة، فيكون اختلاف الصفة كاختلاف العين.
ولا يخفى أن محل القولين فيما إذا شرطت حريته فبان عبدًا: أن يكون السيد أذن له في النكاح، وإلا. . لم يصح قطعًا؛ لعدم الإذن.
وفيما إذا شرطت حريتها فبانت أمة: إذا نكحت بإذن السيد وكان الزوج ممن يحل له نكاح الأمة، وإلا. . لم يصح جزمًا.
وفيما إذا شرط فيها الإسلام فأخلف: أن يظهر كونها كتابية؛ فلو بانت وثنية. . لم يصح جزمًا.
فلو قال: (فالأظهر: صحة النكاح وإن وجدت شرائط الصحة). . لفهم ذلك منه.
ولو شرطت حريته فخرج مبعضًا. . فهو كما لو خرج قنًّا فيما يظهر.
وقضية كلامه: أن اشتراط الإسلام فيه لا يتصور، وليس كذلك بل يتصور في الكتابية، ويجري الخلاف في كل وصف شرط ثم تبين خلافه، سواء كان المشروط صفة كمال؛ كالجمال والبكارة والنسب، أو صفة نقص؛ كأضدادها، أو كان مما لا يتعلق به نقص ولا كمال، وإليه أشار بقوله:(أو غيرهما).
(ثم إن بان خيرًا مما شرط) كما إذا شرط أنها كتابية فخرجت مسلمة، أو ثيب فخرجت بكرًا (. . فلا خيار) لزيادة الخير.
(وإن بان دونه) أي: دون المشروط (. . فلها الخيار) للخلف، وقضية إطلاقه:
وَكَذَا لَهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ ظَنَّهَا مُسْلِمَةً أَوْ حُرَّةً فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ أَمَةً وَهِيَ تَحِلُّ لَهُ. . فَلَا خِيَارَ فِي الأَظْهَرِ.
===
ثبوت الخيار لها إذا بان نسبه دون ما شرطته ولو ساواها في نسبها أو زاد عليها، والأظهر في "الروضة" و"الشرح الصغير": المفع، وهو قضية "الشرح الكبير"(1)، لكن نقل البُلْقيني والزركشي: أن الشافعي رضي الله عنه رجّح في "الأم" ثبوت الخيار فقال: إنه أشبه القولين، وبه أقول. انتهى.
وقضية إطلاق المصنف أيضًا: أنها لو شرطت حريته، فبان عبدًا أن لها الخيار ولو كانت أمة، وفي المسألة وجهان في "الروضة" و"أصلها" بلا ترجيح؛ فإن أثبتناه. . فهو للسيد لا لها، قاله القاضي والإمام والمتولي (2).
(وكذا له في الأصح) للغرور، والثاني: لا؛ لإمكان الطلاق، وحكم النسب من جانبها كهو من جانبه؛ فلا خيار له إلا إذا كان نسبها دون نسبه؛ كما قدمناه.
وقضية كلامه: ثبوت الخيار إذا شرط حريتها فخرجت أمة وإن كان عبدًا، والذي في "أصل الروضة": إن كان الزوج حرًّا. . فله الخيار، أو عبدًا. . فلا على المذهب فيهما (3).
(ولو ظنها مسلمة أو حرة) ولم يشرط ذلك (فبانت كتابية أو أمة وهي تحل له. . فلا خيار في الأظهر) كما لو اشترى عبدًا يظنه كاتبًا فأخلف ظنه، والثاني: له الخيار؛ لأن ظاهر الدار الإسلام والحرية، فإذا خالف ذلك. . ثبت الخيار؛ كما أنه لمّا كان الظاهر في المبيع السلامة؛ فإذا اطلع على عيب به. . ثبت الخيار، ومنهم من قطع بثبوت الخيار في الكتابية دون الأمة؛ كما هو المنصوص (4).
وفرق بتقصير ولي الكافرة بإخفاء العلامة التي يتميز بها، وولي الرقيقة لا يتميز عن ولي الحرة، ولأن الكفر منفر.
(1) روضة الطالبين (7/ 184)، الشرح الكبير (8/ 145).
(2)
روضة الطالبين (7/ 184)، الشرح الكبير (8/ 146).
(3)
روضة الطالبين (7/ 185).
(4)
الأم (6/ 23).
وَلَوْ أَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا بِمَنْ ظَنَّتْهُ كُفْئًا فَبَانَ فِسْقُهُ أَوْ دَنَاءَةُ نَسَبهِ أَوْ حِرْفَتِهِ. . فَلَا خِيَارَ لَهَا. قُلْتُ: وَلَوْ بَانَ مَعِيبًا أَوْ عَبْدًا. . فَلَهَا الْخِيَارُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى فُسِخَ بِخُلْفٍ. . فَحُكْمُ الْمَهْرِ وَالرُّجُوعِ بِهِ عَلَى الْغَارِّ مَا سَبَقَ فِي الْعَيْبِ، وَالْمُؤَثِّرُ تَغْرِيرٌ قَارَنَ الْعَقْدَ
===
(ولو أذنت في تزويجها بمن ظنته كفئًا. . فبان فسقه أو دناءة نسبه أو حرفته. . فلا خيار لها) لأن التقصير منها ومن الولي حيث لم يبحثا، وليس كظن السلامة عن العيب؛ إذ الغالب السلامة، وهنا لا يمكن أن يقال: الغالب الكفاءة، وحكى الإمام الاتفاق عليه، وجرى عليه الغزالي، لكن في "فتاوى البغوي": الجزم بثبوت الخيار إذا بان فسقه، وحكاه عنه الرافعي قبيل (الصداق)، ووافقه المصنف في "الروضة" من "زياداته" هنا فقال: المختار: ثبوت الخيار في الجميع؛ يعني: إذا بان دناءة نسبه أو حرفته أو فسقه أو رقّه، وتعجب من الرافعي حيث خالفه هنا وقال بعدم ثبوت الخيار، وتعجب السبكي من المصنف كيف وافق في "المنهاج" الرافعي مع نقله هذا؟ !
(قلت: ولو بان معيبًا أو عبدًا. . فلها الخيار، والله أعلم) لاقتضاء الإطلاق السلامة في المعيب، وأما في العبد. . فلأن نقص الرق يؤثر في حقوق النكاح؛ لما لسيده من منعه منها بالخدمة، ولا يلزمه إلا نفقة المعسرين.
ومسألة المعيب قد علم حكمها من أولي الباب فذكرها تكرار.
(ومتى فسخ بخلف. . فحكمُ المهر والرّجوع به على الغارِّ ما سبق في العيب) أي: فيسقط قبل الدخول، ويجب بعده مهر المثل على الأصحِّ، ولا يرجع به على من غرّه.
(والمؤثر تغرير قارن العقد) أي: مشروطًا فيه؛ لأن الشروط إنما تؤثر في العقود إذا ذكرت في صلب العقد، وأما التغرير السابق. . فلا يؤثر في صحة العقد ولا في الخيار على الصحيح، وأما الرجوع بالمهر -إذا قلنا: بالرجوع على القديم-. . فالتغرير السابق كالمقارن، قاله الغزالي، وارتضياه (1).
والفرق: أن تعلق الضمان بالتغرير أوسع بابًا؛ بدليل رجوعه على قول بمجرد السكوت.
(1) الوسيط (5/ 168)، الشرح الكبير (8/ 149)، روضة الطالبين (7/ 187).
وَلَوْ غُرَّ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ وَصَحَّحْنَاهُ. . فَالْوَلَدُ قَبْلَ الْعِلْمِ حُرٌّ، وَعَلَى الْمَغْرُورِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهَا وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَارِّ، وَالتَّغْرِيرُ بِالْحُرِّيَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ سَيِّدِهَا بَلْ مِنْ وَكِيلِهِ أَوْ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْهَا. . تَعَلَّقَ الْغُرْمُ بِذِمَّتِهَا، وَلَوِ انْفَصَلَ الْوَلَدُ مَيْتًا بِلَا جِنَايَةٍ. . فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
===
(ولو غُرَّ بحرية أمة وصححناه. . فالولد قبل العلم حرٌّ) ولو كان الزوج عبدًا؛ لاعتقاده أنها حرة، وولد الحرة لا ينعقد إلا حرًّا فاعتبر ظنه؛ كما لو وطئ أمة الغير على ظن أنها زوجته الحرة، أما بعد العلم. . فهو رقيق.
وقوله: (صححناه) قيد مضر؛ فإن الولد حرّ صححنا النكاح أو أفسدناه؛ للتعليل السابق.
(وعلى المغرور قيمته لسيدها) لأنه فوت الرق بظنه الحرية، وتعتبر قيمته يوم الولادة وهي في ذمة الحر، وكذا العبد على الأصحِّ، (ويرجع بها على الغارِّ) إن غرم؛ لأنه هو الذي أوقعه في الغرامة.
(والتغرير بالحرية لا يتصور من سيدها) لأنه متى قال: (زوجتك هذه الحرة) أو (على أنها حرة). . عتقت، كذا قالاه (1). قال ابن الرفعة: وفيه نظر إن لم يقصده؛ لأن هذه صيغة وصف، وليست صريحة في الإنشاء.
وما ذكره من عدم تصوره من سيدها ممنوع، بل يتصور في صور: منها: ما لو كانت مرهونة، وهو معسر، ومنها: ما لو كان محجورًا عليه بفلس، وأذن له الراهن والغرماء في التزويج، ومنها: لو كان مكاتبًا وزوجها بإذن سيده، ومنها: ما إذا كان اسمها حرة.
(بل من وكيله أو منها) أو منهما جميعًا، وفي معنى وكيله وليه إذا كان محجورًا عليه، ولا اعتبار بقول من ليس بعاقد ولا معقود عليه.
(فإن كان منها. . تعلّق الغرم بذمتها) فتطالب به إذا عتقت؛ لأنه لا مال لها في الحال، ولا يتعلق بكسبها ولا برقبتها.
(ولو انفصل الولد ميتًا بلا جناية. . فلا شيء فيه) لأن قيمته تعتبر عند الوضع، وإذا خرج ميتًا. . لم تكن له قيمة في ذلك الوقت؛ فلا يقابل بالضمان، وإن انفصل
(1) الشرح الكبير (8/ 151)، روضة الطالبين (7/ 188).
وَمَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ رَقِيقٍ أَو مَنْ فِيهِ رِقٌّ. . تَخَيَّرَتْ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ؛ فَإِنْ قَالَتْ: (جَهِلْتُ الْعِتْقَ). . صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا إِنْ أَمْكَنَ؛ بِأَنْ كَانَ الْمُعْتِقُ غَائِبًا، وَكَذَا إِنْ قَالَتْ:(جَهِلْتُ الْخِيَارَ بِهِ) فِي الأَظْهَرِ،
===
بجناية؛ فإن كان الجاني أجنبيًّا. . فتجب على عاقلته غرة للجنين، وهي للمغرور؛ لأنه أبوه ووارثه، ويغرم المغرور عشر قيمة الأمّ للسيد وإن زادت على قيمة الغرة في الأصحِّ؛ لأن الجنين الرقيق يغرم بهذا القدر، وإن كان الجاني المغرورَ أو عبدَه. . فللسيد أيضًا عشر قيمة الأم، وإن كان سيدَ الأمة. . فعلى عاقلته الغرة للمغرور، وعليه (1) عشر قيمة الأم.
(ومن عتقت تحت رقيق أو من فيه رقّ. . تخيَّرت في فسخ النكاح) بالإجماع، ولا تحتاج إلى حاكم؛ لثبوته بالنص والإجماع (2).
ويستثنى: ما لو عتقت في مرض الموت قبل الدخول وكانت لا تخرج من الثلث إلا بضم الصداق إلى المال. . فلا خيار لها؛ إذ لو فسخت. . لسقط الصداق، فيرق بعضها بسبب سقوطه، ومتى عاد الرق في بعضها. . امتنع الخيار، فثبوته يؤدي إلى نفيه، فمنع من أصله، ولو عتق الزوج قبل فسخها. . سقط خيارها على المذهب؛ لزوال الضرر.
(والأظهر: أنه على الفور) إذا كانت بالغة عاقلة؛ كخيار العيب، والثاني: إلى ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة فتتروّى فيها.
(فإن قالت: "جهلت العتق". . صُدِّقت بيمينها إن أمكن؛ بأن كان المعتق غائبًا) أو كان في محلة أخرى من البلد، إذ الأصل: عدم علمها، وإن كذبها ظاهر الحال؛ كأن كانت معه في بيته. . فالمصدّق الزوج، وعبارة "المحرر" كـ"الروضة" (3): إن لم يكذبها ظاهر الحال، وهي أحسن، فإن الإمكان موجود في الحالتين.
(وكذا إن قالت: "جهلت الخيار به" في الأظهر) لأنه مما يخفى على غالب الناس، والثاني: لا تصدق، كما في الرد بالعيب، قال الرافعي: والفرق: أن الفسخ بالعيب مشهور يعرفه كل أحد، وهذا خفي لا يعرفه إلا الخواص، وخص
(1) أي: وعلى المغرور. انظر "نهاية المحتاج"(6/ 320).
(2)
أخرجه البخاري (2536)، ومسلم (1504) عن عائشة رضي الله عنها.
(3)
المحرر (ص 306)، روضة الطالبين (7/ 194).