الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وقوله ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وقوله يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي الآية وقوله فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً الآية وأشباهها من آلاى بل أكثر القرآن حققت ما بينته من ايجاز الفاظها وكثرة معانيها وديباجة عبارتها وحسن تأليف حروفها وتلاؤم كلمها وان تحت كل لفظة منها جملا كثيرة وفصولا جمة وعلوما زواخر ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها وكثرت المقالات في المستنبطات عنها ثم هو في سرد القصص الطوال وأخبار القرون السالفة التى يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام ويذهب ماء البيان آية لمتأمله من ربط الكلام بعضه ببعض والتئام سرده وتناصف وجهه كقصة يوسف على طولها ثم اذا ترددت قصه اختلفت العبارات عنها على كثرة ترددها حتى تكاد كل واحدة تنسى في البيان صاحبتها وتناصف في الحسن وجه مقابلتها ولا نفور للنفس من ترديدها ولا معاداة لمعادها
[الوجه الثاني من اعجازه سورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب]
الوجه الثاني من اعجازه سورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذى جاء عليه ووقفت مقاطع آيه وانتهت فواصل كلماته اليه ولا يوجد قبله ولا بعده نظير له ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه بل القتل (وَلَوْ تَرى) يا محمد (إِذْ فَزِعُوا) لرأيت أمرا يعتبرنه (فَلا فَوْتَ) أي لا يفوتوننى كقوله وَلاتَ حِينَ مَناصٍ وقيل لا فوت ولا نجاة اذ فزعوا عند الموت (وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) أي من تحت أقدامهم أو من بطن الارض الى ظهرها وأراد بالمكان القريب عذاب الدنيا وهو يوم بدر قاله الضحاك أو خسف يكون بالبيداء قاله ابن ابزي (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي أصبر عند الغضب واحلم عند الجهل واعف عند الاساءة قاله ابن عباس فاذا فعلت ذلك خضع لك عدوك وصار (الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ) كابي سفيان بن حرب (كَأَنَّهُ وَلِيٌّ) قريب (حَمِيمٌ) صديق (وقيل) بعد تناهى أمر الطوفان (يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ) الذى على وجهك (وَيا سَماءُ أَقْلِعِي) اتركي صب الماء (فَكُلًّا) من كفار الامم السالفة (أَخَذْنا بِذَنْبِهِ) من غير أن يفوتونا (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً) أى ريحا تحمل الحصباء وهي الحصا الصغار وهؤلاء قوم لوط (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ) وهم ثمود (وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ) وهم قارون وأصحابه (وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا) وهم قوم نوح وفرعون وقومه (بل أكثر) بالنصب (القصص) بكسر القاف جمع قصة (آية لمتأمله) بمد الهمزة وتحتية (سرده) بفتح المهملة وسكون الراء ثم مهملة أي يتابعه يقال سرد الحديث سرده سردا اذا تابعه وجاء به شيأ بعد شيء (صاحبتها) بالنصب (لمعادها) بضم ما أعتد منها (والاسلوب) بضم الهمزة واللام وسكون المهملة والواو بعدها موحدة أى الفن (آية)
حارت فيه عقولهم وتدلهت دونه أحلامهم ولم يهتدوا الى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر ولهذا ما روي عن الوليد بن المغيرة وقد سئل عنه فقال والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني والله ما يشبه الذى يقول شيئا من هذا وقال عتبة بن ربيعة يا قوم قد علمتم انى لم اترك شيئا الا وقد علمته وقرأته وقلته والله لقد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ونحوه ما روى في اسلام أبى ذر رضى الله عنه وقول أخيه أنيس له لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعته على اقراء الشعر فلم يلتئم وما يلتئم على لسان أحد بعدي انه شعر وانه لصادق وانهم لكاذبون والأخبار في هذا صحيحة كثيرة ومع ذلك فقد كانوا أحرص شيء على معارضته واخفاء ظهوره واطفاء نوره لقيام التحدى فما جلوا في ذلك خبيئة من بنات شفاههم ولا أتوا بنطفة من معين مياههم مع طول الأمد وكثرة العدد وتظاهر الوالد وما ولد بل أبلسوا فما نبسوا ومنعوا فانقطعوا هذا وقد كانوا أعظم قرون الدنيا في الفصاحة والبلاغة وتوابعهما وكان ذلك همتهم وقصاراهم فكانوا يجتمعون في مواسمهم ومجامعهم للتفاخر بالخطابة والشعر وهذا كما قالوا ان الله سبحانه وتعالى لم يبعث رسولا الا جعل معجزته بحسب الفن الذي يعظمه أهل زمانه وبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وحمله معارف العرب وعلومها. اربعة. الخطب والشعر. والخبر. والكهانة. فانزل الله عليه القرآن الخارق لهذه الاربعة فلم يهتدوا في المنظوم بمد الهمزة وهاء الضمير جمع آية (حارت) بالمهملة أي تحيرت (وتدلهت) باهمال الدال وتشديد اللام من التدله وهو ذهاب العقل من الهوي (ولا بالكهانة) بكسر الكاف وفتحها وهو نوع من أنواع السحر يزعم صاحبها معرفة ما سيحدث في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الاسرار وأن له تابعا من الجن ورئيا يلقى اليه الاخبار والعراف من يزعم معرفة الامور باسباب يستند بها من كلام من سأله أو من فعله أو حاله كمن يدعى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة قاتل الله متعاطي ذلك وزاعمه (ونحوه ما روى) في الصحيحين وغيرهما (أنيس) بالنون والمهملة مصغر (اقرأ الشعر) بفتح الهمزة والراء وسكون القاف والمد وهى طرق الشعر وأنواعه كما قاله الهروى (فما جلوا) بفتح الجيم واللام أي ما أخرجوا (خبية) بالمعجمة فالموحدة فالتحتية المشددة فعلية بمعنى مفعولة (من بنات) جمع بنت بالباء فالنون فالفوقية (بنطفه) بالمهملة والفاء أي شيء يسير وفي بعض نسخ الشفاء بنقطه بالقاف بمعناه (من معين) بالمهملة بوزن عظيم وهو الماء الكثير الجاري (ابلسوا) بالموحدة يئسوا (فما نبسوا) بنون فموحدة تخفف وتشدد مفتوحتين فمهملة مضمومة قال الجوهرى يقال ما نبس بكلمة أي ما تكلم (وقصاراهم) بضم القاف وتخفيف المهملة أي غاية أمرهم (الخارق)
الى طريقه ولا علموا في اساليب الا وذان منهجه واكبر على الكوائن والاحداث ومخبآت الضمائر بما ظهر فيه صدقه واعترف المخبر عنه بصحة ذلك وان كان اعدى الاعادي وابطل الكهانة التى تصدق مرة وتكذب عشرا ثم اجتثها من اصلها برجم الشهب ورصد النجوم وجاء من الاخبار عن القرون السالفة وانباء الانبياء والامم البائدة والحوادث ما يعجز من تفرغ لهذا العلم عن بعضه على ما سيأتي في الوجهين الآخرين ان شاء الله تعالى الوجه الثالث من اعجازه على يد النبي صلى الله عليه وسلم ما انطوى عليه من الاخبار بالمغيبات وما لم يكن ولم يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي اخبر كاخباره عن الفتح وعن غلبة الروم واستخلاف الله المؤمنين في الارض وقوله سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وغير ذلك من كشف اسرار المنافقين واليهود وهتك استارهم الى غير ذلك مما اخبر به من الكوائن والاحداث في العصور الآتية ومن آية ذلك انه لم يمرّ عصر ولا زمن الا ويظهر فيه صدقه بظهور مخبره على ما اخبر فيتجدد الايمان ويتظاهر البرهان وليس الخبر كالعيان والمشاهدة زيادة في اليقين والنفس أشد طمأنينة الى عين اليقين منها الى علم اليقين وان كان كل واحد عندها حقا وسائر معجزات الانبياء صلوات الله عليهم انقرضت بانقراضهم وعدمت بعدم ذواتها ومعجزة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تبيد ولا تنقطع وآياته تجدد ولا تضمحل والى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله ما من نبي من الانبياء الا أعطي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر وانما كان ما أوتيت وحيا أوحاه الله اليّ فارجو ان اكون أكثرهم تابعا يوم القيامة. الوجه الرابع من اعجازه ما أنبأ به بالمعجمة والقاف (الى طريقه) بهاء الضمير (ثم اجتثها) بهمز وصل وسكون الجيم وفتح الفوقية وتشديد المثلثة أى قطعها (ورصد النجوم) بفتح الصاد (البائدة) بالموحدة والتحتية والمهملة الهالكة ويجوز ابدال الدال راء بمعناه (وقوله) بالجر معطوف على كاخباره (مخبره) بضم الميم وفتح الموحدة أى ما أخبر به (ليس الخبر كالعيان) هو حديث أخرجه الطبرانى في الاوسط عن أنس وأخرجه الخطيب عن أبي هريرة وأخرجه أحمد والطبراني في الاوسط أيضا والحاكم عن ابن عباس وزاد وان الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الالواح فلما عاين ما صنعوا ألقى الالواح فانكسرت (والنفس أشد طمأنينة الى عين اليقين منها الى علم اليقين) فمن ثم سأل ابراهيم ربه ان يريه كيف يحيى الموتي وكان في أعلا درجات العلم بقدرة الله تعالى على الاشياء (ولا تضمحل) باعجام الضاد واهمال الحاء أى لا تذهب (ما من نبي من الانبياء الا أعطى من الآيات الى آخرها) أخرجه الشيخان وغيرهما (وانما كان ما) أي الذى (أوتيت وحيا أوحاه الله الي) وانما
من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة الا الفذ من اخبار أهل الكتاب الذى قطع عمره في تعلم ذلك وقد علم انه صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا اشتغل بمدارسة ولا مثافنة وقد كان علماء الكتاب يقترحون عليه السؤالات فينزل الوحى باخبارهم كقصص الانبياء مع قومهم وخبر موسى والخضر ويوسف واخوته وأصحاب الكهف وذى القرنين ولقمان وابنه واشباه ذلك مما صدقه فيه علماء الكتاب وأذعنوا له ولم يحك عن أحد منهم مع شدة عداوتهم وحسدهم انه كذبه في شيء من ذلك ولا أظهر خلاف قوله من كتبه ولا أبدى صحيحا ولا سقيما من صحفه قال الله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الآيتين هذا تلخيص ما ذكره القاضي من الوجوه الاربعة مع تقديم وتأخير وزيادة في بعض الألفاظ ونقص من بعضها وذكر هو وغيره وراء ذلك من براهينه وآياته وبركاته وجوها (منها) ان الله سبحانه حافظه من التحريف والتبديل والتغيير والزيادة والنقص على تطاول الدهور وانقضاء الفصول وكثرة الحاسد والمعاند قال الله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وقال لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (ومنها) الروعة التي تعترى سامعيه من الابرار والفجار فاما الفاجر فيستثقله خصه مع ان له معجزات كثيرة أخر لانه أعظم المعجزات ولبقائه بعده صلى الله عليه وسلم (الا الفذ) بفتح الفاء وتشديد المعجمة أى الفرد الواحد (ولا مثافنة) بالمثلثة قبل الالف والنون بعد الفاء قال الجوهرى يقال ثافن فلانا أي جالسه ويقال اشتقاقه من الثفنة واحده ثفنات بالقصر وهي ما يقع على الارض من اعضائه اذا استناخ كالركبتين كانك الصقت ثفنة ركبتك بثفنة ركبته (وابنه) أى ابن لقمان واسمه أنعم أو مسكم قولان (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) يعنى القرآن (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) قال بعض العلماء تولى الله عز وجل حفظ كتاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه فلم يجد المعاندون سبيلا الي تحريفه ولا تبديله وسائر الانبياء استحفظوا كتبهم كما قال الله تعالي بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وشأن المخلوق العجز فمن ثم وصل اليها التحريف والتبديل (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ) أى الشيطان قاله قتادة والسدي (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) أي لا يستطيع أن يغيره ولا ان يزيد فيه ولا ينقص قال الزجاج انه محفوظ من النقص فيأتيه الباطل من بين يديه ومن الزيادة فيه فيأتيه الباطل من خلفه وقال مقاتل لا يأتيه تكذيب من الكتب السالفة ولا يأتى بعده