الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شَرَطَ فِيهِ عَمَلَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَإِنَّهُ مُفْسِدٌ لِلسَّلَمِ كَاشْتِرَاطِ طَعَامِ قَرْيَةٍ بِعَيْنِهَا وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى السَّلَمِ لَفَسَدَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَفْسُدُ إذَا لَمْ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ فَحَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ السَّلَمَ فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى وَهَذَا؛ لِأَنَّ جَوَازَهُمَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِلْحَاجَةِ، لَكِنَّ جَوَازَ السَّلَمِ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فِيمَا فِيهِ تَعَامُلٌ دُونَ مَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ وَجَوَازُ الِاسْتِصْنَاعِ ثَبَتَ لِتَعَامُلِ النَّاسِ وَالسُّنَّةِ الْعَرَبِيَّةِ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى السَّلَمِ أَوْلَى فِيمَا احْتَمَلَاهُ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى الْجَوَازِ وَلِهَذَا حُمِلَ عَلَيْهِ فِيمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ إذَا ضُرِبَ لَهُ أَجَلٌ لِكَوْنِهِ أَتَى بِحُكْمِ السَّلَمِ وَصَرَّحَ بِهِ فَكَانَ هُوَ الْمَقْصُودُ وَالتَّرْجِيحُ بِالْمَقْصُودِ أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْرَأَ الْأَصِيلُ كَفَالَةٌ وَالْكَفَالَةُ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ حَوَالَةٌ وَكَذَا لَوْ بَاعَ الْمَنَافِعَ كَانَ إجَارَةً وَلِأَنَّ ضَرْبَ الْأَجَلِ لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ وَذَلِكَ بِاللُّزُومِ وَاللُّزُومُ فِي السَّلَمِ دُونَ الِاسْتِصْنَاعِ وَذِكْرُ الصَّنْعَةِ لِبَيَانِ الْوَصْفِ فِيهِ لَا لِلتَّعْيِينِ وَلِهَذَا لَوْ جَاءَ بِهِ وَهُوَ مِنْ عَمَلِ غَيْرِهِ جَازَ وَيُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ فِيمَا لَا تَعَامُلَ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ سَلَمًا بِذِكْرِ الْأَجَلِ أَنْ يَكُونَ السَّلَمُ اسْتِصْنَاعًا بِحَذْفِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ النِّكَاحَ بِذِكْرِ الْأَجَلِ يَكُونُ مُتْعَةً وَلَا تَكُونُ الْمُتْعَةُ بِحَذْفِ الْأَجَلِ نِكَاحًا، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أَجَلًا فِي السَّلَمِ وَقَدْ بَيَّنَّا قَدْرَهُ مِنْ قَبْلُ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ فَهُوَ اسْتِصْنَاعٌ إنْ جَرَى فِيهِ التَّعَامُلُ وَإِلَّا فَفَاسِدٌ وَهَذَا إذَا ذُكِرَ الْأَجَلُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِمْهَالِ وَإِنْ ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْجَالِ بِأَنْ قَالَ عَلَى أَنْ تَفْرُغَ مِنْهُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ يَكُونُ اسْتِصْنَاعًا؛ لِأَنَّهُ لِلْفَرَاغِ لَا لِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ وَقِيلَ: إنْ ذَكَرَ أَدْنَى مُدَّةً يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ الْعَمَلِ فَهُوَ اسْتِصْنَاعٌ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ سَلَمٌ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْعَمَلِ فَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ بِشَيْءٍ وَعَنْ الْهِنْدُوَانِيُّ إنْ ذِكْرَ الْأَجَلِ إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمُسْتَصْنِعِ فَهُوَ لِلِاسْتِعْجَالِ فَلَا يَصِيرُ سَلَمًا وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الصَّانِعِ فَهُوَ لِلِاسْتِمْهَالِ فَيَكُونُ سَلَمًا وَفَائِدَةُ كَوْنِهِ سَلَمًا أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ شَرَائِطَ السَّلَمِ مِنْ قِبْضِ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَعَدَمِ خِيَارِ الْفَسْخِ لَهُمَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا
(بَابُ الْمُتَفَرِّقَاتِ)
قَالَ رحمه الله (صَحَّ بَيْعُ الْكَلْبِ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَصَارَ كَالْهَوَامِّ الْمُؤْذِيَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ أَصْلًا لِنَهْيِهِ عليه الصلاة والسلام عَنْ بَيْعِ الْكَلْبِ وَقَالَ عليه الصلاة والسلام «إنَّ مِنْ السُّحْتِ مَهْرَ الْبَغِيِّ وَثَمَنَ الْكَلْبِ» وَلِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ فَصَارَ كَالْخِنْزِيرِ وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَلْبِ إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَضَى فِي كَلْبٍ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا» وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ آلَةُ الِاصْطِيَادِ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ كَالْبَازِي أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ أَبَاحَ الِانْتِفَاعَ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا فَكَذَا بَيْعًا وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ تَمْلِيكُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ فَكَذَا بِعِوَضٍ بِخِلَافِ الْخِنْزِيرِ؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ كَالْمَيْتَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ شَرْعًا، وَالْكَلْبُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ وَبِخِلَافِ الْهَوَامِّ الْمُؤْذِيَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا وَمَا رَوَاهُ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ) أَيْ بِأَنَّهُ الْمُزَابَنَةُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
[بَابُ الْمُتَفَرِّقَاتِ]
[حُكْم بَيْع الْكَلْب]
(بَابُ الْمُتَفَرِّقَاتِ)(قَوْلُهُ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ أَصْلًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لِلصَّيْدِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَأَمَّا اقْتِنَاؤُهُ لِلصَّيْدِ وَحِرَاسَةِ الْمَاشِيَةِ وَالْبُيُوتِ وَالزَّرْعِ فَيَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَهُ فِي دَارِهِ إلَّا إنْ خَافَ لُصُوصًا أَوْ أَعْدَاءً لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» اهـ.
كَمَالٌ رحمه الله قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَبَاحَ الِانْتِفَاعَ بِكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ قَبْلَ الْإِبَاحَةِ وَمَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَالْكَلْبُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ إمَّا اصْطِيَادًا أَوْ حِرَاسَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلْبٍ يَحْفَظُ الْبَيْتَ وَيُخْبِرُ عَنْ الْجَائِي بِنُبَاحِهِ. اهـ.
وَحَدَّثَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي شَرْحِهِ لِمُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ قَانِعٍ إلَى جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالْهِرِّ إلَّا الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْكِلَابِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا مِنْ جِهَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ جَازَ بَيْعُ غَيْرِهِ مِنْ الْكِلَابِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَالثَّانِيَةُ أَنَّ ذِكْرَهُ لِلْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ النَّفْعِ وَكُلُّ مَا أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْهَا فَهُوَ مِثْلُهُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْكِلَابَ الَّتِي لَا نَفْعَ فِيهَا وَإِنَّمَا يُبْتَغَى فِيهَا الْهِرَاشُ وَالْقِمَارُ، وَحَدَّثَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَضَى فِي كُلِّ صَيْدٍ قَتَلَهُ رَجُلٌ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَقَضَى فِي كُلِّ كَلْبِ مَاشِيَةٍ بِكَبْشٍ وَبَقِيَّةُ السِّبَاعِ يَثْبُتُ حُكْمُهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْكَلْبِ وَالْجَامِعُ كَوْنُهَا جَارِحَةً يُنْتَفَعُ بِهَا اصْطِيَادًا وَنَحْوَهُ اهـ.
أَتْقَانِيٌّ رحمه الله (قَوْلُهُ: الْبَغِيِّ إلَخْ) وَالْبَغِيُّ الزَّانِيَةُ قَالَ تَعَالَى {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: 28] اهـ.
غَايَةٌ (قَوْلُهُ وَالْكَلْبُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ) إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَصْلًا كَالْخِنْزِيرِ اهـ.
أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ الْهَوَامِّ الْمُؤْذِيَةِ) أَيْ مِنْ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَالْوَزَغِ وَالْقَنَافِذِ وَالضَّبِّ وَهَوَامِّ الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] وَلِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ اهـ.
غَايَةٌ
الشَّافِعِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَ عليه الصلاة والسلام يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَخَّصَ فِي ثَمَنِ كَلْبِ الصَّيْدِ» فَلَفْظُ الرُّخْصَةِ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِبَاحَةِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكِلَابِ الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِ الْمُعَلَّمِ وَشُرَطَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لِجَوَازِ بَيْعِ الْكَلْبِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا، أَوْ قَابِلًا لِلتَّعْلِيمِ قَالَ رحمه الله (، وَالْفَهْدِ، وَالسِّبَاعِ، وَالطُّيُورِ)؛ لِأَنَّهَا حَيَوَانٌ يَجُوز الِانْتِفَاعُ بِهَا شَرْعًا وَتَقْبَلُ التَّعْلِيمَ عَادَةً فَجَازَ بَيْعُهَا، وَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ مُنْتَفَعٍ بِهِ شَرْعًا فِي الْحَالِ، أَوْ فِي الْمَآلِ وَلَهُ قِيمَةٌ نَحْوَ الْجَحْشِ، وَالطِّفْلِ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِلَّا فَلَا وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبَّةِ قَمْحٍ وَنُقْطَةِ مَاءٍ وَكَفٍّ مِنْ تُرَابٍ؛ لِأَنَّهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا؛ إذْ لَا قِيمَةَ لَهَا، وَالْفِيلُ يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ حَمْلًا وَرُكُوبًا وَفِي بَيْعِ الْقِرْدِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لِلتَّلَهِّي، وَهُوَ مَحْظُورٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَالْهِرُّ يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَفَعٌ بِهِ وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطُّيُورِ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِمَا ذَكَرْنَا إلَّا الْخِنْزِيرَ فَإِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
قَالَ رحمه الله (، وَالذِّمِّيُّ كَالْمُسْلِمِ فِي بَيْعِ غَيْرِ الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ) لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَلِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ فَيَحْتَاجُونَ إلَى تَبْقِيَةِ أَنْفُسِهِمْ لِيَتَحَمَّلُوا أَعْبَاءَ التَّكَالِيفِ كَالْمُسْلِمِينَ فَيُشْرَعُ فِي حَقِّهِمْ الْأَسْبَابُ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ تَحَمُّلِهَا بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ لِتَحْصِيلِ مَا تَبْقَى بِهِ الْأَنْفُسُ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُمْ عُذْرٌ فِي تَضْيِيعِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَكُلُّ مَا جَازَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْبِيَاعَاتِ كَالصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ جَازَ لَهُمْ وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الرِّبَا وَغَيْرِهِ لَا يَجُوزُ لَهُمْ إلَّا فِي الْخَمْرِ، وَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّ عَقْدَهُمْ فِيهِمَا كَعَقْدِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْعَصِيرِ، وَالشَّاةِ فَيَجُوزُ فِيهِمَا مَا جَازَ فِيهِمَا مِنْهُ مِنْ السَّلَمِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ مَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا أَمْوَالٌ نَفِيسَةٌ عِنْدَهُمْ فَيُلْحَقَانِ بِنَظِيرِهِمَا مِنْ أَمْوَالِنَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَعْتَقِدُونَ وَمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ إلَّا لِذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه فِي الْخَمْرِ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا، وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فَصَارَ إجْمَاعًا.
قَالَ رحمه الله (وَلَوْ قَالَ بِعْ عَبْدَك مِنْ زَيْدٍ بِأَلْفٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَك مِائَةً سِوَى الْأَلْفِ فَبَاعَ صَحَّ بِأَلْفٍ وَبَطَلَ الضَّمَانُ، وَإِنْ زَادَ مِنْ الثَّمَنِ، فَالْأَلْفُ عَلَى زَيْدٍ، وَالْمِائَةُ عَلَى الضَّامِنِ) يَعْنِي زَادَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِأَنْ قَالَ بِعْ عَبْدَك
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ: حِينَ كَانَ عليه الصلاة والسلام يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ) أَيْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْذِي الضِّيفَانَ وَالْغُرَبَاءَ فَنُهُوا عَنْ اقْتِنَائِهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَمَرَ بِقَتْلِهَا وَنَهَى عَنْ بَيْعِهَا تَحْقِيقًا لِلزَّجْرِ عَنْ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكِلَابِ الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِ الْمُعَلَّمِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ قَالَ فِي الْإِيضَاحِ بَيْعُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ جَائِزٌ مُعَلَّمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَلَّمٍ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالنَّمِرِ وَالْأَسَدِ إلَى هُنَا لَفْظُ الْإِيضَاحِ وَنَقَلَ النَّاطِفِيُّ فِي الْأَجْنَاسِ مِنْ مَسَائِلِ الْفَضْلِ بْنِ غَانِمٍ ثُمَّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ أُجِيزُ بَيْعَ كَلْبِ الصَّيْدِ وَالْمَاشِيَةِ وَلَا أُجِيزُ بَيْعَ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَفِي الْكَيْسَانِيَّاتِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَمَنْ قَتَلَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ إلَى هُنَا لَفْظُ الْأَجْنَاسِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ) صَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ عَدَمَ الْجَوَازِ قَالَ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَى لِلِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ بَلْ لِلتَّلَهِّي وَهُوَ حَرَامٌ فَكَانَ بَيْعَ الْحَرَامِ لِلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اهـ. .
(قَوْلُهُ: وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ الرِّبَا) أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَا سَلَمٌ فِي حَيَوَانٍ وَلَا نَسِيئَةٌ فِي صَرْفٍ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ اهـ.
فَتْحٌ (قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ إلَّا فِي الْخَمْرِ إلَخْ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا قَبِلُوا الْجِزْيَةَ صَارُوا كَالْمُسْلِمِينَ فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ إلَّا الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ فَإِنَّهُمْ أُقِرُّوا بِعَقْدِ الْأَمَانِ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَالًا لَهُمْ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُمْ خَرَجَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالًا وَفِيهِ نَقْضُ الْأَمَانِ، وَالرِّبَا مُسْتَثْنًى فِي عُهُودِهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ عَقْدُ الْأَمَانِ قَالَ تَعَالَى {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 161] وَرُوِيَ فِي الْإِيضَاحِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ فِي عُهُودِهِمْ وَمَنْ أَرْبَى، فَلَا عَهْدَ لَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا) حَدَّثَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ فِي فَصْلِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ سَمِعْت سُوَيْد بْنَ غَفَلَةَ يَقُولُ حَضَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ عُمَّالُهُ فَقَالَ يَا هَؤُلَاءِ إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَأْخُذُونَ فِي الْجِزْيَةِ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْخَمْرَ فَقَالَ بِلَالٌ أَجَلْ إنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ: فَلَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ وَلَّوْا أَرْبَابَهَا بَيْعَهَا وَخُذُوا الثَّمَنَ مِنْهُمْ إلَى هُنَا لَفْظُ كِتَابِ الْخَرَاجِ وَقَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ الرِّبَا وَلَا بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً وَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْحَيَوَانِ وَالدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ وَلَا النَّسِيئَةُ وَلَا الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ إذَا كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا هُمْ فِي الْبُيُوعِ كُلِّهَا بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ مَا خَلَا الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ وَلَا أُجِيزُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بَيْعَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَأَمَّا الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ فَإِنِّي أُجِيزُ بَيْعَهُمَا بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَنَّهُمَا أَمْوَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ وَأَدَعُ الْقِيَاسَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ الْأَثَرِ الَّذِي جَاءَ فِي نَحْوِ ذَلِكَ عَنْ نَحْوِ عُمَرَ رضي الله عنه إلَى هُنَا لَفْظُ الْأَصْلِ اهـ.
أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ وَبَطَلَ الضَّمَانُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ رِشْوَةٌ عَلَى الْبَيْعِ لِعَدَمِ الْمُقَابَلَةِ بِالْمَبِيعِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْمِائَةُ عَلَى الضَّامِنِ) أَيْ لِأَنَّهُ صَيَّرَ نَفْسَهُ ضَامِنًا حَيْثُ قَالَ مِنْ الثَّمَنِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ اهـ وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ وَالْمِائَةُ عَلَى الضَّامِنِ مَا نَصُّهُ هَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَطْلُبَ إنْسَانٌ مِنْ آخَرَ شِرَاءَ عَبْدِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ لَا يَبِيعُ إلَّا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَالْمُشْتَرِي لَا يَرْغَبُ فِيهِ إلَّا بِأَلْفٍ فَيَجِيءُ آخَرُ فَيَقُولُ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ بِعْ عَبْدَك هَذَا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَك خَمْسَمِائَةٍ مِنْ الثَّمَنِ سِوَى الْأَلْفِ فَيَقُولُ صَاحِبُ الْعَبْدِ بِعْت كَذَا قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ إبَاءٌ وَلَا مُسَاوَمَةٌ
مِنْ زَيْدٍ بِأَلْفٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَك مِائَةً مِنْ الثَّمَنِ سِوَى الْأَلْفِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَكُونُ الْأَلْفُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَالْمِائَةُ عَلَى الضَّامِنِ وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَصِحُّ الزِّيَادَةُ وَلَا تَلْزَمُهُ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الزِّيَادَةَ تَصِحُّ وَتُلْحَقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمَا لَا تَصِحُّ وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ قَبْلُ، وَالثَّانِي أَنَّ أَصْلَ الثَّمَنِ لَمْ يُشْرَعْ بِغَيْرِ مَالٍ يُقَابِلُهُ حَتَّى لَا يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي؛ إذْ لَا يَسْتَفِيدُ بِإِزَائِهِ مَالًا يُقَابِلُهُ وَفَصْلُ الثَّمَنِ يَسْتَغْنِي عَنْ مَالٍ يُقَابِلُهُ حَقِيقَةً.
أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ تَجُوزُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ بِمُقَابِلَتِهَا شَيْءٌ فَكَذَا تَجُوزُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ إذَا لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ شَيْءٌ فَصَارَتْ نَظِيرَ بَدَلِ الْخُلْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ كَمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ إذْ لَا يُسَلَّمُ لَهُمَا شَيْءٌ بِمُقَابِلَةِ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يَتَقَوَّمُ حَالَةَ الْخُرُوجِ فَاسْتَوَيَا فِيهِ فَكَذَا هُنَا لَكِنْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الزِّيَادَةِ أَنْ تُوجَدَ الْمُقَابِلَةُ تَسْمِيَةً وَصُورَةً حَتَّى تَجِبَ حَسَبَ وُجُوبِ الثَّمَنِ بِوَاسِطَةِ الْمُقَابِلَةِ صُورَةً، وَإِنْ لَمْ تُقَابِلْهُ حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُقَابِلْ مَا زَادَ عَلَى قِيمَتِهِ مَالٌ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يُقَابِلُهُ صُورَةً وَتَسْمِيَةً فَإِذَا كَانَ مِنْ شَرْطِهَا الْمُقَابِلَةُ صُورَةً، فَإِنْ قَالَ مِنْ الثَّمَنِ فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُهَا فَتَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهَا، فَلَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ الْتِزَامًا لِلْمَالِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ رِشْوَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ، وَهُوَ حَرَامٌ، فَلَا يَصِحُّ فَصَارَ الْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا يَحْصُلُ فِيهِ لِلْأَصِيلِ بِمُقَابَلَتِهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْبَدَلِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ يَجُوزُ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي عَدَمِ الْحُصُولِ.
فَإِذَا جَازَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ لَا يُرْجَعُ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا تَظْهَرُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ وَفِي حَقِّ الشَّفِيعِ وَالْمُرَابَحَةُ حَتَّى إذَا أَخَذَ الْبَائِعُ الْأَلْفَ مِنْ الْمُشْتَرِي لَا يَحْبِسُ الْمَبِيعَ لِأَجْلِ الْمِائَةِ وَيُرَابِحُ عَلَى الْأَلْفِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ عَلَيْهِ بِهِ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعَ بِالْأَلْفِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمْ تَثْبُتْ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمُشْتَرِي لِعَدَمِ وِلَايَتِهِمَا عَلَيْهِ وَلَوْ تَقَايَلَا الْبَيْعَ فَلِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَسْتَرِدَّ الزِّيَادَةَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الثَّمَنِ وَفِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَسْتَرِدُّ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ عِنْدَهُ بَيْعٌ جَدِيدٌ، وَكَذَا لَوْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ بِغَيْرِ قَضَاءٍ، وَإِنْ كَانَ بِقَضَاءٍ يَسْتَرِدُّ لِكَوْنِهِ فَسْخًا بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ ضَمِنَ الزِّيَادَةَ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي ظَهَرَتْ فِي حَقِّ الْكُلِّ حَتَّى يَرْجِعَ الضَّامِنُ بِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي وَيُرَابِحَ عَلَيْهَا وَعَلَى الْأَلْفِ وَلَا يُطَالِبُ الْمُشْتَرِي بِالزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَذَتْ مِنْ جِهَتِهِ صَارَ هُوَ وَكِيلًا فِيهَا فَتَرْجِعُ الْحُقُوقُ إلَيْهِ، أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهَا، وَإِنَّمَا الْتَزَمَهَا الْأَجْنَبِيُّ فَيُطَالَبُ بِهَا هُوَ وَحْدَهُ.
وَهَذَا كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ يُطَالَبُ هُوَ فَقَطْ، ثُمَّ هُوَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَكَذَا هَذَا، وَلَوْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ، أَوْ تَقَايَلَا يَرُدُّ الزِّيَادَةَ عَلَى الضَّامِنِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْهُ دُونَ الْمُشْتَرِي وَذَكَرَ فِي الْكَافِي أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُهَا بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ فَجَعَلَهَا ظَاهِرَةً فِي حَقِّهِ أَيْضًا وَلَا يُقَالُ هَذَا مُشْكِلٌ فَإِنَّ الزِّيَادَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ الْمُشْتَرِي نَفْسِهِ لَمْ تَظْهَرْ فِي حَقِّ الشَّفِيعِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَخْذُهَا بِأَصْلِ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَكَيْفَ تَجِبُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ بِزِيَادَةِ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَلْتَزِمْهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذِهِ زِيَادَةٌ ذُكِرَتْ فِي الْعَقْدِ فَصَارَتْ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ سِوَى الْأَلْفِ بِأَنْ قَالَ بِعْهُ بِأَلْفٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَك مِائَةً مِنْ الثَّمَنِ يَصِيرُ كَفِيلًا بِمِائَةٍ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ الْأَلْفُ وَلَا تَثْبُتُ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ جَعْلُهُ زِيَادَةً عَلَى الْأَلْفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سِوَى الْأَلْفِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ الثَّمَنِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَجُعِلَ مِنْهُ.
ثُمَّ إذَا أَدَّى رَجَعَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ بِأَمْرِهِ، وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَصَارَ فِي الْحَاصِلِ لِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ صُوَرٍ إحْدَاهَا أَنْ يَقُولَ بِعْهُ بِأَلْفٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ لَك مِائَةً سِوَى الْأَلْفِ مِنْ الثَّمَنِ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَتْرُكَ قَوْلَهُ سِوَى الْأَلْفِ، وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَتْرُكَ قَوْلَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الثَّلَاثَةَ وَحُكْمَهَا فَافْهَمْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْعَقْدِ وَأَمَّا إذَا زَادَ الْأَجْنَبِيُّ بَعْدَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْمُشْتَرِي، أَوْ يُعْطِيَ الزِّيَادَةَ مِنْ عِنْدِهِ، أَوْ يَضْمَنَهَا، أَوْ يُضِيفَهَا إلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ زَادَهُ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي جَازَ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَالْمَالُ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ سَفِيرٌ فِيهِ وَمُعَبِّرٌ، فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِالضَّمَانِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ، وَإِنَّمَا صَارَ سَفِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْمُشْتَرِي بِأَنْ يَقُولَ زِدْتُك عَلَى ثَمَنِ الْعَيْنِ الَّتِي اشْتَرَاهَا مِنْك فُلَانٌ وَلَا يُمْكِنُهُ إضَافَتُهُ إلَيْهِ كَالْخُلْعِ، فَلَا يَكُونُ مُبَاشِرًا، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِهِ، بَلْ رَسُولًا.
قَالَ رحمه الله
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
وَلَكِنْ إيجَابُ الْبَيْعِ بِأَلْفٍ حَصَلَ عَقِيبَ ضَمَانِ الرَّجُلِ كَانَ كَذَلِكَ اسْتِحْسَانًا وَيَكُونُ الْبَيْعُ بَعْدَهُ دَلَالَةً عَلَى الْقَبُولِ لِأَنَّهُ امْتِثَالٌ لِذَلِكَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك إنْ شِئْت فَقَالَتْ قَدْ طَلَّقْت يُجْعَلُ قَبُولًا اسْتِحْسَانًا فَكَذَلِكَ هَذَا كَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ اهـ.
أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الزِّيَادَةَ) أَيْ فِي الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ اهـ.
غَايَةٌ (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ مِنْ الثَّمَنِ إلَخْ) وَأَوْرَدَ الْعَتَّابِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سُؤَالًا وَجَوَابًا فَقَالَ فَإِنْ قِيلَ: إذَا قَالَ مِنْ الثَّمَنِ كَيْفَ يَكُونُ ثَمَنًا وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَبِيعِ، وَكَذَلِكَ هَذَا بَيْعٌ بِثَمَنٍ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي وَإِنَّهُ فَاسِدٌ قُلْنَا: لَهُ الثَّمَنُ مَتَى وَجَبَ مَقْصُودًا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَبِيعِ وَهُنَا نُثْبِتُ الزِّيَادَةَ تَبَعًا وَصَارَ كَالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ الْبَيْعِ وَلَيْسَ هَذَا بِبَيْعٍ بِالثَّمَنِ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي مَقْصُودًا بَلْ الْبَيْعُ مَقْصُودًا بِأَلْفٍ عَلَى الْمُشْتَرِي وَهَذِهِ زِيَادَةٌ ثَبَتَتْ تَبَعًا عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَرِي وَهَذَا جَائِزٌ كَالزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ بَعْدَ الْبَيْعِ اهـ.
أَتْقَانِيٌّ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ ثَبَتَتْ الزِّيَادَةُ ثَمَنًا وَالْأَجْنَبِيُّ ضَامِنٌ بِهَا لَزِمَ جَوَازُ مُطَالَبَةِ الْمُشْتَرِي بِهَا كَالْكَفِيلِ قُلْنَا لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ تَوَجُّهُ الْمُطَالَبَةِ عَلَى الْأَصِيلِ أَلَا تَرَى مَنْ قَالَ لِزَيْدٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفٌ وَأَنَا كَفِيلٌ بِهَا فَأَنْكَرَ فُلَانٌ طُولِبَ الْكَفِيلُ بِهَا دُونَ فُلَانٍ فَجَازَ هُنَا كَذَلِكَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَلْتَزِمْهَا إنَّمَا الْتَزَمَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ الثَّمَنِ لِأَجْنَبِيٍّ وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِلَا سَبَبٍ اهـ.
كَمَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.