المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فَجَازَ أَنْ تَخْلُفَهَا الشُّرُوطُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ شُهُودَ الشَّرْطِ لَا يَضْمَنُونَ - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي - جـ ٤

[الفخر الزيلعي]

فهرس الكتاب

- ‌(كِتَابُ الْبُيُوعِ)

- ‌[فَصْلٌ يَدْخُلُ الْبِنَاءُ وَالْمَفَاتِيحُ فِي بَيْعِ الدَّارِ وَالشَّجَرُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ]

- ‌بَابُ خِيَارِ الشَّرْطِ

- ‌(بَابُ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ)

- ‌(بَابُ خِيَارِ الْعَيْبِ)

- ‌(بَابُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ)

- ‌(فَصْلٌ) (قَبَضَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِأَمْرِ الْبَائِعِ وَكُلٌّ مِنْ عِوَضَيْهِ مَالٌ

- ‌(بَابُ الْإِقَالَةِ)

- ‌[بَابُ التَّوْلِيَةِ]

- ‌[فَصْلٌ بَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ قَبْضِهِ]

- ‌بَابُ الرِّبَا

- ‌ بَيْعُ الْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ وَالتُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَتَيْنِ

- ‌[وَيُعْتَبَرُ التَّعْيِينُ دُونَ التَّقَابُضِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ فِي الرِّبَا]

- ‌ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ

- ‌[بَيْع الْخَبَز بالبر أَوْ الدَّقِيق متفاضلا]

- ‌لَا رِبَا بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ)

- ‌بَابُ الْحُقُوقِ

- ‌[لَا ربا بَيْن الْحَرْبِيّ والمسلم فِي دَار الْحَرْب]

- ‌[الظُّلَّةُ هَلْ تدخل فِي بَيْعِ الدَّارِ]

- ‌بَابُ الِاسْتِحْقَاقِ

- ‌(مَبِيعَةٌ وَلَدَتْ فَاسْتُحِقَّتْ بِبَيِّنَةٍ

- ‌[قَالَ عَبْد لمشتر اشتريني فَأَنَا حُرّ فاشتراه فَإِذَا هُوَ عَبْد]

- ‌ بَاعَ مِلْكَ غَيْرِهِ

- ‌[ادَّعَى حقا مَجْهُولًا فِي دَار فصولح عَلَى مَاله]

- ‌ عِتْقُ مُشْتَرٍ مِنْ غَاصِبٍ بِإِجَازَةِ بَيْعِهِ

- ‌[أرش الْعَبْد إذَا قَطَعَتْ يَده عِنْد الْمُشْتَرِي]

- ‌ بَاعَ دَارَ غَيْرِهِ فَأَدْخَلَهَا الْمُشْتَرِي فِي بِنَائِهِ

- ‌(بَابُ السَّلَمِ)

- ‌[مَا يَجُوز السَّلَم فِيهِ وَمَا لَا يَجُوز]

- ‌[ بَيَان شَرْط السَّلَم]

- ‌[السَّلَم والاستصناع فِي الْخَفّ والطست والقمقم]

- ‌(بَابُ الْمُتَفَرِّقَاتِ)

- ‌[حُكْم بَيْع الْكَلْب]

- ‌ اشْتَرَى عَبْدًا فَغَابَ فَبَرْهَنَ الْبَائِعُ عَلَى بَيْعِهِ وَغَيْبَتُهُ

- ‌[أفرخ طير أَوْ باض فِي أَرْض رَجُل]

- ‌(مَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ

- ‌مَا لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ

- ‌(كِتَابُ الصَّرْفِ)

- ‌ التَّصَرُّفُ فِي ثَمَنِ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ

- ‌ اشْتَرَى شَيْئًا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ فُلُوسٍ

- ‌(كِتَابُ الْكَفَالَةِ)

- ‌[ الْكِفَالَة بِالنَّفْسِ وَإِنَّ تَعَدَّدَتْ]

- ‌[ تَبْطُلُ الْكِفَالَة بموت الْمَطْلُوب والكفيل]

- ‌ تَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ بِهُبُوبِ الرِّيحِ

- ‌ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالشَّرْطِ)

- ‌ الْكَفَالَةُ بِاسْتِيفَاءِ الْحَدِّ، أَوْ الْقِصَاصِ

- ‌[الْكِفَالَة عَنْ مَيِّت مُفْلِس]

- ‌[فَصْلٌ أَعْطَى الْمَطْلُوبُ الْكَفِيلَ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَ الْكَفِيلُ الطَّالِبَ]

- ‌{بَابُ كَفَالَةِ الرَّجُلَيْنِ وَالْعَبْدَيْنِ}

- ‌كِتَابُ الْحَوَالَةِ

- ‌[مَا تَصِحّ فِيهِ الْحَوَالَةِ]

- ‌ طَلَبَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ الْمُحِيلَ بِمَا أَحَالَ

- ‌(كِتَابُ الْقَضَاءِ)

- ‌ تَقَلُّدُ الْقَضَاءِ مِنْ السُّلْطَانِ

- ‌(فَصْلٌ فِي الْحَبْسِ)

- ‌[بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَغَيْرِهِ]

- ‌ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ

- ‌[الْقَضَاء عَلَى غَائِب]

- ‌[بَابُ التَّحْكِيمِ]

- ‌[ إقراض الْقَاضِي مَال الْيَتِيم]

- ‌(بَابُ مَسَائِلَ شَتَّى)

- ‌ أَرَادَ صَاحِبُ الْعُلْوِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْعُلْوِ بَيْتًا

- ‌ قَالَ لِآخَرَ اشْتَرَيْتُ مِنِّي هَذِهِ الْأَمَةَ فَأَنْكَرَ

- ‌يَبْطُلُ الصَّكُّ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ)

- ‌ مَاتَ ذِمِّيٌّ فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ أَسْلَمْتُ

- ‌[قَالَ مالي وَمَا أملك فِي الْمَسَاكِين صَدَقَة]

- ‌[كِتَابُ الشَّهَادَةِ]

- ‌[شُرُوط الشُّهُود فِي الزِّنَا]

- ‌[مَا يَشْتَرِط للشهادة فِي ثُبُوت الْوِلَادَة والبكارة وَعُيُوب النِّسَاء]

- ‌(بَابُ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ)

- ‌(بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ)

- ‌(بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ)

- ‌(كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ)

- ‌كِتَابُ الْوَكَالَةِ

- ‌[بَابُ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَا يَعْقِدُ مَعَ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ]

- ‌[بَابُ الْوَكَالَةِ بِالْخُصُومَةِ وَالْقَبْضِ]

- ‌(بَابُ عَزْلِ الْوَكِيلِ)

- ‌(كِتَابُ الدَّعْوَى)

- ‌(بَابُ التَّحَالُفِ)

- ‌[فَصْلٌ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا الشَّيْءُ أَوْدَعَنِيهِ أَوْ آجَرَنِيهِ أَوْ أَعَارَنِيهِ]

- ‌(بَابُ مَا يَدَّعِيهِ الرَّجُلَانِ)

- ‌(بَابُ دَعْوَى النَّسَبِ)

الفصل: فَجَازَ أَنْ تَخْلُفَهَا الشُّرُوطُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ شُهُودَ الشَّرْطِ لَا يَضْمَنُونَ

فَجَازَ أَنْ تَخْلُفَهَا الشُّرُوطُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ شُهُودَ الشَّرْطِ لَا يَضْمَنُونَ بِحَالٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَاتِ وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَإِلَى الْأَوَّلِ مَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ، وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالتَّفْوِيضِ وَشَاهِدَانِ بِالْإِيقَاعِ ثُمَّ رَجَعُوا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى شَاهِدَيْ الْإِيقَاعِ؛ لِأَنَّهُ الْعِلَّةُ، وَالتَّفْوِيضُ سَبَبٌ

‌كِتَابُ الْوَكَالَةِ

الْوَكَالَةُ الْحِفْظُ وَمِنْهُ الْوَكِيلُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَنْ قَالَ وَكَّلْتُك بِمَالِي يَمْلِكُ الْحِفْظَ فَقَطْ وَقِيلَ تَرْكِيبُهُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى التَّفْوِيضِ وَالِاعْتِمَادِ وَمِنْهُ التَّوَكُّلُ يُقَالُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا أَيْ فَوَّضْنَا أُمُورَنَا، وَالتَّوْكِيلُ تَفْوِيضُ التَّصَرُّفِ إلَى الْغَيْرِ وَسُمِّيَ الْوَكِيلُ وَكِيلًا؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ وَكَّلَ إلَيْهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِهِ أَيْ فَوَّضَهُ إلَيْهِ وَاعْتَمَدَ فِيهِ عَلَيْهِ وَالْوَكِيلُ الْقَائِمُ بِمَا فُوِّضَ إلَيْهِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَقَدْ «وَكَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ بِشِرَاءِ الْأُضْحِيَّةِ» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} [الكهف: 19] الْآيَةَ وَكَانَ الْبَعْثُ مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ، وَشَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا مَا لَمْ يَظْهَرْ نَسْخُهُ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْجِزُ عَنْ مُبَاشَرَةِ التَّصَرُّفَاتِ وَعَنْ حِفْظِ مَالِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِهِ أَشَدَّ الِاحْتِيَاجِ فَيَكُونُ مَشْرُوعًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَأَلْفَاظُهَا كُلُّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَقَوْلِهِ وَكَّلْتُك، أَوْ هَوَيْت أَوْ أَحْبَبْت أَوْ رَضِيت أَوْ شِئْت أَوْ أَرَدْت وَلَوْ قَالَ: لَا أَنْهَاك عَنْ طَلَاقِ الْمَرْأَةِ لَا يَكُونُ تَوْكِيلًا قَالَ رحمه الله (صَحَّ التَّوْكِيلُ) لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْأَدِلَّةِ قَالَ رحمه الله (وَهُوَ إقَامَةُ الْغَيْرِ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي التَّصَرُّفِ) أَيْ التَّصَرُّفُ الْجَائِزُ الْمَعْلُومُ هَذَا فِي الشَّرِيعَةِ حَتَّى إنَّ التَّصَرُّفَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا يَثْبُتُ بِهِ أَدْنَى تَصَرُّفَاتِ الْوَكِيلِ وَهُوَ الْحِفْظُ فَقَطْ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ قَالَ رحمه الله (مِمَّنْ يَمْلِكُهُ) أَيْ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَكَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَسْتَفِيدُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ مِنْهُ وَيَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ مِنْ قِبَلِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَسْتَفِيدَ الْوِلَايَةَ مِمَّنْ لَا وِلَايَةَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ، وَقِيلَ هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فَالشَّرْطُ أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً بِمَا يَمْلِكُهُ الْوَكِيلُ فَأَمَّا كَوْنُ الْمُوَكِّلِ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ فِيهِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى يَجُوزَ عِنْدَهُ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَتَوْكِيلِ الْمُحْرِمِ الْحَلَالَ بِبَيْعِ الصَّيْدِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ نَظَرًا إلَى أَصْلِ التَّصَرُّفِ وَإِنْ امْتَنَعَ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ بِعَارِضِ النَّهْيِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْأَسْبَابِ أَحْكَامُهَا، فَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْأَحْكَامُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمَا.

قَالَ رحمه الله (إذَا كَانَ الْوَكِيلُ يَعْقِلُ الْعَقْدَ وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا) يَعْنِي يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مِمَّنْ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْعُقُودِ وَلَوْ كَانَ الْوَكِيلُ صَبِيًّا أَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِمَا وَالْمُرَادُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ الشِّرَاءَ جَالِبٌ لِلْمَبِيعِ وَسَالِبٌ لِلثَّمَنِ وَالْبَيْعَ عَلَى عَكْسِهِ وَيَعْرِفُ الْغَبَنَ الْفَاحِشَ مِنْ الْيَسِيرِ وَيَقْصِدَ بِذَلِكَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَالرِّبْحِ لَا الْهَزْلَ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي الْعِبَارَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ لِيَكُونَ قَادِرًا عَلَى التَّصَرُّفِ وَذَلِكَ بِالْعَقْلِ قَالَ رحمه الله: (بِكُلِّ مَا يَعْقِدُهُ بِنَفْسِهِ) أَيْ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِكُلِّ شَيْءٍ جَازَ أَنْ يَعْقِدَهُ بِنَفْسِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَاجَةِ وَالْأَدِلَّةِ وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا الْوَكِيلُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يَعْقِدَ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ لَا مَا اسْتَفَادَهُ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَقَيَّدُ بِأَمْرِ آمِرِهِ، وَكَذَا لَا يَرِدُ جَوَازُ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ عَكْسٌ وَالنَّقْضُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الطَّرْدِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْرَاضُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ حَتَّى لَوْ وَكَّلَ بِهِ وَاسْتَقْرَضَ لَهُ الْوَكِيلُ كَانَ لَهُ لَا لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ فِي بَابِ الْقَرْضِ لَا يَجِبُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَقْرِضِ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالْقَبْضِ وَالْأَمْرُ

ــ

[حاشية الشِّلْبِيِّ]

[ كِتَابُ الْوَكَالَةِ]

ِ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا. اهـ. غَايَةٌ أَوْرَدَ كِتَابَ الْوَكَالَةِ عَقِيبَ كِتَابِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالْوَكَالَةِ إعَانَةُ الْغَيْرِ بِإِحْيَاءِ حَقِّهِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْحِفْظُ فَقَطْ) وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ الْفَرْعُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَوَّلَ هَذَا الْبَابِ وَقَالَ الْكَمَالُ قَالَ الْإِمَامُ الْمَحْبُوبِيُّ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ أَنْتَ وَكِيلِي فِي كُلِّ شَيْءٍ كَانَ وَكِيلًا بِالْحِفْظِ. اهـ.

(قَوْلُهُ: وَكَذَا لَا يَرِدُ جَوَازُ تَوْكِيلِ الْمُسْلِمِ الذِّمِّيَّ بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ عَكْسٌ) وَيَرِدُ عَلَى طَرْدِهِ نَقْضٌ وَهُوَ أَنَّ الذِّمِّيَّ يَمْلِكُ بَيْعَ الْخَمْرِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مُسْلِمًا بِبَيْعِهَا وَالْجَوَابُ أَنَّ الذِّمِّيَّ يَمْلِكُ بَيْعَ الْخَمْرِ بِنَفْسِهِ وَيَمْلِكُ تَمْلِيكَ غَيْرِهِ بَيْعَهَا أَيْضًا حَتَّى لَوْ وَكَّلَ ذِمِّيًّا بِذَلِكَ جَازَ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ هُنَا لِمَعْنًى فِي الْمُسْلِمِ وَهُوَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاجْتِنَابِهَا وَفِي التَّوْكِيلِ بِبَيْعِهَا اقْتِرَابُهَا وَالْحُرْمَةُ إذَا جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْمَحَلِّ لَا تَكُونُ مَانِعَةً حَتَّى لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كُلُّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا صَحِيحًا حَلَّ لَهُ وَطْؤُهَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْحَائِضُ وَالْمُحَرَّمَةُ لِأَنَّا نَقُولُ هُنَاكَ جَائِزٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْوَطْءِ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ بِمَعْنًى عَارِضٍ حَتَّى إذَا انْعَدَمَ هَذَا الْمَعْنَى ظَهَرَ الْحِلُّ الَّذِي ثَبَتَ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ كَافِرًا بِقَبُولِ نِكَاحِهِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ شَائِيَةِ الْعِبَارَةِ اهـ ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة فِي كِتَابِ السِّيَرِ فِي نَوْعٍ آخَرَ إذَا أَذِنَ الْإِمَامُ لِذِمِّيٍّ أَنْ يُؤَمِّنَ أَهْلَ الْحَرْبِ فَأَمَّنَهُمْ جَازَ أَمَانُهُمْ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْأَمَانَ بِنَفْسِهِ يَجِبُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْأَمَانَ بِالنِّيَابَةِ عَنْ الْغَيْرِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا وَكَّلَ ذِمِّيًّا أَنْ

ص: 254

بِالْقَبْضِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْغَيْرِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ فِيهِ مَقَامَهُ وَبِخِلَافِ الرِّسَالَةِ بِالِاسْتِقْرَاضِ؛ لِأَنَّ الرِّسَالَةَ مَوْضُوعَةٌ لِنَقْلِ عِبَارَةِ الْمُرْسِلِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ مُعَبِّرٌ وَالْعِبَارَةُ مِلْكُ الْمُرْسِلِ فَقَدْ أَمَرَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِاعْتِبَارِ الْعِبَارَةِ فَيَصِحُّ، وَأَمَّا الْوَكَالَةُ فَغَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لِنَقْلِ عِبَارَةِ الْمُوَكِّلِ فَإِنَّ الْعِبَارَةَ لِلْوَكِيلِ وَلِهَذَا حُقُوقُ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ جَائِزٌ

قَالَ رحمه الله (وَبِالْخُصُومَةِ فِي الْحُقُوقِ بِرِضَا الْخَصْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا مُدَّةَ السَّفَرِ أَوْ مُرِيدًا لِلسَّفَرِ أَوْ مُخَدَّرَةً) أَيْ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ بِشَرْطِ أَنْ يَرْضَى الْخَصْمُ إلَّا إذَا كَانَ مَعْذُورًا بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَا: يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ عُذْرٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَ بِمَا هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ فَيَصِحُّ بِدُونِ رِضَا الْخَصْمِ كَالتَّوْكِيلِ بِالْقَبْضِ وَالْإِيفَاءِ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَى تَجْوِيزِهِ بِهَا إذَا لَا يَهْتَدِي إلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ أَوْ لَا يَرْضَى بِهَا عِنْدَ الْحُكَّامِ كُلُّ أَحَدٍ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: كَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَحْضُرُ خُصُومَةً أَبَدًا وَكَانَ يَقُولُ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنَّ لَهَا قُحْمًا وَكَانَ إذَا خُوصِمَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِ وَكَّلَ عَقِيلًا فَلَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَقَالَ هُوَ وَكِيلِي فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَهُوَ لِي وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ مُبَاشَرَتَهَا بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا خَصْمِهِ فَكَذَا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّ التَّوْكِيلَ حَوَالَةٌ وَهِيَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِرِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فَكَذَا التَّوْكِيلُ وَهَذَا لِأَنَّ الْخُصُومَةَ تَخْتَلِفُ وَالْجَوَابُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَصَارَ نَظِيرَ الْحَوَالَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُوَكِّلُ إلَّا مَنْ هُوَ أَلَدُّ وَأَشَدُّ إنْكَارًا وَيَلْحَقُهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ عَظِيمٌ فَلَا يَلْزَمُهُ بِدُونِ الْتِزَامِهِ كَالْحَوَالَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ بِهِ عُذْرٌ مِنْ الْأَعْذَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ إسْقَاطُ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ لَكِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي حَالِهِ وَفِي عُدَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا تَخْفَى هَيْئَةُ مَنْ يُسَافِرُ وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا اخْتَارُوا لِلْفَتْوَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عَلِمَ مِنْ الْخَصْمِ التَّعَنُّتَ فِي الْإِبَاءِ مِنْ قَبُولِ التَّوْكِيلِ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَقْبَلُ التَّوْكِيلَ مِنْ الْمُوَكِّلِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ وَإِنْ عَلِمَ مِنْ الْمُوَكِّلِ قَصْدَ الْإِضْرَارِ بِخَصْمِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ التَّوْكِيلُ إلَّا بِرِضَاهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ رحمه الله وَمِنْ الْأَعْذَارِ الْحَيْضُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْحَبْسُ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْقَاضِي الَّذِي تَرَافَعُوا إلَيْهِ

قَالَ رحمه الله (وَبِإِيفَائِهَا وَاسْتِيفَائِهَا إلَّا فِي حَدٍّ أَوْ قَوَدٍ) أَيْ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِيفَاءِ جَمِيعِ الْحُقُوقِ وَالِاسْتِيفَاءُ لِمَا بَيَّنَّا إلَّا بِاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ عَنْ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا يُسْتَوْفَى بِمَا يَقُومُ مَقَامَ الْغَيْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ نَوْعِ شُبْهَةٍ عَلَى مَا نُبَيِّنُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِي حَالِ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ وَلَنَا أَنَّهُ عُقُوبَةٌ فَيَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ وَشُبْهَةُ الْعَفْوِ ثَابِتَةٌ فِي حَالِ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ قَدْ عَفَا بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ إذْ الْعَفْوُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَمَكَّنُ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَفْوِ وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمُوَكِّلُ إلَى ذَلِكَ لِقِلَّةِ هِدَايَتِهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ أَوْ لِأَنَّ قَلْبَهُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الِاسْتِيفَاءِ فِي غَيْبَةِ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ نَادِرٌ فَلَا يُتَوَهَّمُ وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا قَامَتْ وَثَبَتَ الْحَقُّ فَلِلْمُوَكِّلِ اسْتِيفَاؤُهُ

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِإِثْبَاتِهَا أَيْضًا كَمَا لَا يَجُوزُ بِاسْتِيفَائِهَا وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ مُضْطَرِبٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله إلَّا أَنَّهُ يُجَوِّزُهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا رِضَا الْخَصْمِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِأَحَدِهِمَا وَقِيلَ هَذَا الْخِلَافُ فِي حَالِ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ، وَأَمَّا حَالُ حَضْرَتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ يُوجَدُ مِنْ الْوَكِيلِ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُهْدَةٌ عَلَى الْوَكِيلِ لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ لِأَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّ الْوَكِيلَ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَلِ عَنْ الْأَصْلِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْإِبْدَالِ فِي هَذَا الْبَابِ وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ وَلَا كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَلَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا مِنْ الْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّ إشَارَتَهُ بَدَلٌ عَنْ الْعِبَارَةِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِثْبَاتِ الِاسْتِيفَاءُ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ بِهِ لَا يَصِحُّ بِالْإِثْبَاتِ

ــ

[حاشية الشِّلْبِيِّ]

يُزَوِّجَ لَهُ مُسْلِمَةً جَازَ وَإِنْ كَانَ الذِّمِّيُّ لَا يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ بِالْمُسْلِمَةِ لِنَفْسِهِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَبِخِلَافِ الرِّسَالَةِ بِالِاسْتِقْرَاضِ) بِأَنْ يَقُولَ: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ إلَيْك يَسْتَقْرِضُ مِنْك كَذَا الْوَكِيلُ مَنْ يُبَاشِرُ الْعَقْدَ وَالرَّسُولُ مَنْ يُبَلِّغُ الْمُبَاشِرَ وَالسِّلْعَةُ أَمَانَةٌ فِي أَيْدِيهِمَا. اهـ. تَهْذِيبُ.

(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَى تَجْوِيزِهِ بِهَا) أَيْ إلَى تَجْوِيزِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: قُحَمًا) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْحَاءِ اهـ وَالْقُحْمَةُ الشِّدَّةُ وَالْوَرْطَةُ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي الْخُصُومَةِ وَإِنَّ لَهَا لَقُحَمًا وَفَتْحُ الْقَافِ خَطَأٌ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ اهـ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رضي الله عنه إنَّ لِلْخُصُومَةِ قُحَمًا هِيَ الْأُمُورُ الْعَظِيمَةُ الشَّاقَّةُ وَاحِدَتُهَا قُحْمَةٌ اهـ وَفِي الْمِصْبَاحِ وَالْقُحْمَةُ بِالضَّمِّ الْأَمْرُ الشَّاقُّ لَا يَرْكَبُهُ أَحَدٌ وَالْجَمْعُ قُحَمٌ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ. اهـ.

ص: 255

أَيْضًا، وَلَهُمَا أَنَّ التَّوْكِيلَ تَنَاوَلَ مَا لَيْسَ بِحَدٍّ وَلَا قِصَاصٍ وَلَا يُضَافُ وُجُوبُ الْحَدِّ إلَى الْخُصُومَةِ فَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ فِيهَا كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَهَذَا لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ مُضَافٌ إلَى الْجِنَايَةِ وَظُهُورُهُ مُضَافٌ إلَى الشَّهَادَةِ وَالْخُصُومَةُ شَرْطٌ مَحْضٌ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ وَلَا فِي الظُّهُورِ إذْ الْحُكْمُ لَا يُضَافُ إلَى الشَّرْطِ وَيُمْكِنُ التَّدَارُكُ إذَا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ بِخِلَافِ الِاسْتِيفَاءِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ التَّوْكِيلُ بِالْجَوَابِ مِنْ جَانِبِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ، وَكَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِيهِ وَقَعَ بِدَفْعِ دَعْوَى الْقِصَاصِ وَالْحُدُودُ وَدَفْعُهَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ حَتَّى يَثْبُتَ الْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَبِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ غَيْرَ أَنَّ إقْرَارَ الْوَكِيلِ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ فِيهِ شُبْهَةَ عَدَمِ الْأَمْرِ بِهِ وَالتَّوَكُّلُ بِإِثْبَاتِ حَدِّ الزِّنَا، وَالشُّرْبِ لَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا تُقَامُ الْبَيِّنَةُ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ، فَإِذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ بِهِ

قَالَ رحمه الله (وَالْحُقُوقُ فِيمَا يُضِيفُهُ الْوَكِيلُ إلَى نَفْسِهِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ إقْرَارٍ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَقَبْضِهِ، وَقَبْضُ الثَّمَنِ وَالرُّجُوعُ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْخُصُومَةُ فِي الْعَيْبِ وَالْمِلْكِ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يُعْتَقُ قَرِيبُ الْوَكِيلِ بِشِرَائِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ تَبَعٌ لِلْحُكْمِ وَلَيْسَتْ بِأَصْلٍ، وَالْوَكِيلُ لَيْسَ بِأَصْلٍ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَلَا يَكُونُ أَصْلًا فِي حَقِّ الْحُقُوقِ الَّتِي هِيَ مِنْ تَوَابِعِ الْحُكْمِ فَصَارَ كَالرَّسُولِ وَالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ وَأَخَوَاتِهِ وَلَنَا أَنَّ الْوَكِيلَ أَصْلٌ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقُومُ بِالْكَلَامِ وَصِحَّةُ كَلَامِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ آدَمِيًّا عَاقِلًا فَقَضِيَّتُهُ أَنْ يَكُونَ الْحَاصِلُ بِالتَّصَرُّفِ وَأَفْعَالِهِ غَيْرَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمَّا اسْتَنَابَهُ فِي تَحْصِيلِ الْحُكْمِ جَعَلْنَاهُ نَائِبًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ لِلضَّرُورَةِ كَيْ لَا يَبْطُلَ مَقْصُودُهُ وَرَاعَيْنَا الْأَصْلَ فِي حَقِّ الْحُقُوقِ إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْعَقْدِ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْمُوَكِّلِ وَلَوْ كَانَ سَفِيرًا كَمَا زَعَمَ لَمَا اسْتَغْنَى عَنْ إضَافَتِهِ إلَيْهِ كَالرَّسُولِ وَكَالْوَكِيلِ بِالنِّكَاحِ وَأَخَوَاتِهِ حَتَّى إذَا أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ كَانَ لَهُ دُونَ الْمُوَكِّلِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ إضَافَةُ الْعَقْدِ إلَيْهِ وَإِيقَاعُ الْحُكْمِ لِلْمُوَكِّلِ.

فَإِذَا أَضَافَهُ إلَيْهِ كَانَ أَصِيلًا فِيهِ فَيَقَعُ لَهُ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ وَهِيَ الْحُقُوقُ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَقَبْضُهُ وَقَبْضُ الثَّمَنِ وَتَسْلِيمُهُ وَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ مَا بَاعَ أَوْ رُجُوعُهُ هُوَ بِالثَّمَنِ عَلَى بَائِعِهِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ مَا اشْتَرَى وَالْخُصُومَةُ فِي الْعَيْبِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ يَقَعُ لَهُ فِي رِوَايَةٍ بَلْ يَقَعُ لِلْوَكِيلِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا مُبَادَلَةً حُكْمِيَّةً فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً خِلَافَةً عَنْهُ بِمَعْنَى أَنَّ الْوَكِيلَ أَصْلٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ لَكِنْ فِي حَقِّ الْحُكْمِ يَخْلُفُهُ الْمُوَكِّلُ فَيَقَعُ لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا فِيهِ كَالْعَبْدِ تَيَّهِبُ أَوْ يَصْطَادُ وَلِهَذَا لَا يُعْتَقُ عَلَى الْوَكِيلِ إذَا اشْتَرَى قَرِيبَهُ بِالْوَكَالَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَالْمِلْكُ يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً إلَخْ وَكَذَا إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ بِالْوَكَالَةِ لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ لِمَا ذَكَرْنَا وَفِي حَقِّ الْحُقُوقِ لَمْ يَخْلُفْهُ، فَإِذَا كَانَ أَصْلًا فِي حَقِّ الْحُقُوقِ جَازَ تَوْكِيلُهُ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُوَكِّلِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا، وَفِي قَوْلِهِ: تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ الْمَأْذُونَ لَهُمَا تَتَعَلَّقُ بِهِمَا الْحُقُوقُ وَتَلْزَمُهُمَا الْعُهْدَةُ مُطْلَقًا وَفِي الذَّخِيرَةِ إنْ كَانَ وَكِيلًا فِي الْبَيْعِ بِثَمَنٍ حَالٍّ أَوْ مُؤَجَّلٍ جَازَ بَيْعُهُ وَلَزِمَتْهُ الْعُهْدَةُ وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا بِالشِّرَاءِ، فَإِنْ كَانَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لَا تَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا بَلْ تَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَى الْآمِرِ حَتَّى يُطَالِبَ الْبَائِعَ الْآمِرَ بِالثَّمَنِ دُونَ الْمُبَاشِرِ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعُهْدَةِ ضَمَانُ كَفَالَةٍ وَلَيْسَ بِضَمَانِ ثَمَنٍ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الثَّمَنِ مَا يُفِيدُ الْمِلْكَ لِلضَّامِنِ فِي الْمُشْتَرِي وَهَذَا لَا يُفِيدُهُ فِيهِ وَإِنَّمَا يَلْتَزِمُ مَالًا فِي ذِمَّتِهِ وَاسْتَوْجَبَ مِثْلَ ذَلِكَ عَلَى مُوَكِّلِهِ.

وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْكَفَالَةِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بِثَمَنٍ حَالٍّ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ الْعُهْدَةُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُ ثَمَنٍ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الثَّمَنِ مَا يُفِيدُ الْمِلْكَ فِي الْمُشْتَرَى وَهُنَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ، فَإِنَّهُ يَحْبِسُ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ الْمُوَكِّلِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَاعَهُ مِنْهُ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْتِزَامِ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرَى لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا حَتَّى لَا يَمْلِكَ حَبْسَهُ بِهِ فَكَانَ ضَمَانَ كَفَالَةٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَفِي الْإِيضَاحِ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِالنَّقْدِ فَاشْتَرَى كَمَا أَمَرَهُ فَالشِّرَاءُ جَائِزٌ وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ

ــ

[حاشية الشِّلْبِيِّ]

قَوْلُهُ وَكَلَامُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْفَصْلِ الثَّانِي. اهـ. (قَوْلُهُ: أَظْهَرُ) أَيْ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. اهـ.

(قَوْلُهُ: فَإِذَا أَضَافَهُ إلَيْهِ كَانَ أَصِيلًا فِيهِ فَيَقَعُ لَهُ فِيمَا لَا ضَرُورَةَ) أَمَّا إذَا أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى الْمُوَكِّلِ فَقَدْ حَكَى الْعِمَادِيُّ فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ فِيهِ خِلَافًا وَحَكَى ابْنُ فِرِشْتَا الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ وَعَزَاهُ لِلْفُصُولِ وَفِيهِ مَا فِيهِ. اهـ.

ص: 256

وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ تَلْزَمُهُ الْعُهْدَةُ فِي تَسْلِيمِ الثَّمَنِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ وَإِنَّمَا جَوَّزْنَاهُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَحِقَتْهُ الْعُهْدَةُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ وَيُحْبَسَ الْمَبِيعَ عَنْهُ فَيَصِيرَ الْحَقُّ كَالْمُعَلَّقِ بِالْبَيْعِ فَيَخْرُجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا وَلَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ نَسِيئَةً فَاشْتَرَاهُ كَمَا أَمَرَهُ كَانَ مَا اشْتَرَاهُ لَهُ دُونَ الْآمِرِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إذَا كَانَ نَسِيئَةً لَمْ يَمْلِكْ حَبْسَ الْمَبِيعِ فَظَهَرَ مَعْنَى التَّبَرُّعِ بِالْتِزَامِ الدَّيْنِ فَلَا يَصِحُّ وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ الْوَكَالَةُ صَارَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ أَيْضًا إلَى أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُقُوقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْتِزَامُ الْعُهْدَةِ لِقُصُورِ أَهْلِيَّةِ الصَّبِيِّ وَلِحَقِّ مَوْلَى الْعَبْدِ فَتَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ كَمَا فِي الرَّسُولِ وَالْقَاضِي وَأَمِينِهِ ثُمَّ الْعَبْدُ إذَا عَتَقَ تَلْزَمُهُ تِلْكَ الْعُهْدَةُ.

وَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ لَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ لُزُومِ الْعُهْدَةِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ حَقُّ الْمَوْلَى إذْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِالْتِزَامِ وَقَدْ زَالَ حَقُّهُ فَيَلْزَمُهُ وَالْمَانِعُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ حَقُّ نَفْسِهِ وَلَا يَزُولُ بِالْبُلُوغِ وَلَوْ قَبَضَهُ مَعَ هَذَا يَصِحُّ قَبْضُهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْعَاقِدُ فَكَانَ أَصِيلًا فِيهِ فَانْتِفَاءُ اللُّزُومِ لِمَا ذَكَرْنَا لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْجَوَازِ وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُورُ مُرْتَدًّا جَازَ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِبَارَةِ فَتُعْتَبَرُ عِبَارَتُهُ وَلَكِنْ يَتَوَقَّفُ حُكْمُ الْعُهْدَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَتْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَعَلَى الْمُوَكِّلِ وَعِنْدَهُمَا عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهِيَ فَرْعُ اخْتِلَافِهِمْ فِي تَصَرُّفَاتِهِ لِنَفْسِهِ

قَالَ رحمه الله (وَفِيمَا يُضِيفُهُ إلَى الْمُوَكِّلِ كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ عَنْ إنْكَارٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ فَلَا يُطَالَبُ وَكِيلُهُ بِالْمَهْرِ وَلَا وَكِيلُهَا بِتَسْلِيمِهَا) أَيْ فِي كُلِّ عَقْدٍ يُضِيفُهُ إلَى الْمُوَكِّلِ فَحُقُوقُهُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ وَذَلِكَ كَالنِّكَاحِ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِيهَا سَفِيرٌ مَحْضٌ وَلِهَذَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَوْ أَضَافَهُ إلَى نَفْسِهِ وَقَعَ النِّكَاحُ لَهُ فَصَارَ كَالرَّسُولِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ صَادِرًا مِنْ شَخْصٍ عَلَى سَبِيلِ الْأَصَالَةِ، وَالْحُكْمُ وَاقِعٌ لِغَيْرِهِ فَجَعَلْنَاهُ سَفِيرًا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُنَا لَا يَقْبَلُ الْفَصْلَ عَنْ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْإِسْقَاطَاتِ، أَمَّا غَيْرُ النِّكَاحِ فَظَاهِرٌ وَكَذَا النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ مَالِكِيَّتُهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَبْضَاعِ الْحُرْمَةُ فَكَانَ النِّكَاحُ إسْقَاطًا لِلْحُرْمَةِ نَظَرًا إلَى الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ ضَرُورَةً لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْوَطْءِ وَلِهَذَا لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْفَسْخِ وَالتَّمْلِيكِ مِنْ الْغَيْرِ وَفِيمَا وَرَاءَ الْوَطْءِ فَهُوَ إسْقَاطٌ جَرْيًا عَلَى الْأَصْلِ إذْ الْحُرْمَةُ تُنَافِي الْمِلْكَ وَالسَّاقِطُ مُتَلَاشٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ ثُمَّ يَسْقُطَ ثَانِيًا فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ بِالِانْتِقَالِ؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَعُودُ إلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ فَكَانَ حُكْمُ النِّكَاحِ ثَابِتًا لِمَنْ أُضِيفَ إلَيْهِ ابْتِدَاءً وَهُوَ الْمُوَكِّلُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ يَقْبَلُ الْفَصْلَ عَنْ السَّبَبِ كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَجَازَ أَنْ يَصْدُرَ السَّبَبُ مِنْ شَخْصٍ أَصَالَةً وَيَقَعَ الْحُكْمُ لِغَيْرِهِ.

وَهَذَا لِأَنَّ الْمَحِلَّ فِيهِ خُلِقَ مُبَاحًا وَقَابِلًا لِلتَّمْلِيكِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَذَلِكَ الْحُكْمُ مِمَّا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مِلْكٍ إلَى مِلْكٍ فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَهُ شَخْصٌ ثُمَّ يَنْتَقِلَ عَنْهُ إلَى شَخْصٍ وَجَازَ أَنْ يَصْدُرَ السَّبَبُ مِنْ شَخْصٍ وَيَقَعَ الْحُكْمُ لِغَيْرِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِهِ غَيْرَ أَصْلٍ إذْ جَوَازُ الِانْتِقَالِ عَنْهُ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ أَخَوَاتِ هَذَا النَّوْعِ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ وَالْكِتَابَةُ وَالْهِبَةُ وَالتَّصَدُّقُ وَالْإِعَارَةُ وَالْإِيدَاعُ وَالْإِقْرَاضُ وَالرَّهْنُ وَالشَّرِكَةُ وَالْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ وَأَنَّهُ يُلَاقِي مَحِلًّا مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ فَلَا يُجْعَلُ أَصِيلًا فِيهِ بَلْ سَفِيرًا وَمُعَبِّرًا وَكَذَا إذَا كَانَ التَّوْكِيلُ مِنْ جَانِبِ الْمُلْتَمِسِ لِمَا ذَكَرْنَا لَكِنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ حَتَّى لَا يَثْبُتَ فِيهِ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ وَلِأَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ يَلْتَزِمُ بَدَلَ الْقَرْضِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَصِيرُ نَظِيرَ مَا لَوْ قَالَ بِعْ شَيْئًا مِنْ مَالِك عَلَى أَنْ يَكُونَ عِوَضُهُ لِي وَنَظِيرَ التَّوْكِيلِ بِالشَّحَّاثَةِ فَكَانَ بَاطِلًا وَمَا اسْتَقْرَضَهُ فَهُوَ لِنَفْسِهِ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْأَمْرِ وَلَوْ هَلَكَ هَلَكَ مِنْ مَالِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَدَلٌ يَلْزَمُهُ حَتَّى يَكُونَ بَيْعُ مَالِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ يَثْبُتُ بِالْقَبْضِ وَالْوَكِيلُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمَحِلِّ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا فِيهِ فَصَارَ سَفِيرًا عَنْ الْمَالِكِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَارَةِ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ حُكْمُهُ وَحُقُوقُهُ بِهَا وَهِيَ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ أَجْنَبِيًّا بَلْ أَصِيلًا فِيهِ

قَالَ رحمه الله: (وَلِلْمُشْتَرِي مَنْعُ الْمُوَكِّلِ عَنْ الثَّمَنِ) يَعْنِي إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا بِبَيْعِ شَيْءٍ فَبَاعَهُ ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ طَالَبَ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ لَهُ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْعَقْدِ وَحُقُوقِهِ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.

قَالَ رحمه الله: (وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُوَكِّلِ (صَحَّ وَلَا يُطَالِبُهُ الْوَكِيلُ ثَانِيًا)؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ حَقُّهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي

ــ

[حاشية الشِّلْبِيِّ]

قَوْلُهُ: لَكِنَّ التَّوْكِيلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ بَاطِلٌ) قَالَ قَاضِي خَانْ رحمه الله وَإِنْ وَكَّلَ بِالِاسْتِقْرَاضِ إنْ أَضَافَ الْوَكِيلُ الِاسْتِقْرَاضَ إلَى الْمُوَكِّلِ فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا يَسْتَقْرِضُ مِنْك كَذَا أَوْ قَالَ أَقْرِضْ فُلَانًا كَذَا كَانَ الْقَرْضُ لِلْمُوَكِّلِ وَإِنْ لَمْ يُضِفْ الِاسْتِقْرَاضَ لِلْمُوَكِّلِ يَكُونُ الْقَرْضُ لِلْوَكِيلِ اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ قَاضِي خَانْ رحمه الله وَلَا تَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِالْمُبَاحَاتِ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ وَالِاسْتِقَاءِ وَاسْتِخْرَاجِ الْجَوْهَرِ مِنْ الْمَعَادِنِ فَمَا أَصَابَ الْوَكِيلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ وَكَذَا التَّوْكِيلُ بِالتَّكَدِّي اهـ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ فِي بَابِ مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ التَّوْكِيلُ بِالِاسْتِقْرَاضِ لَا يَصِحُّ وَالتَّوْكِيلُ بِقَبْضِ الْقَرْضِ يَصِحُّ بِأَنْ يَقُولَ لِرَجُلٍ: أَقْرِضْنِي ثُمَّ يُوَكِّلُ رَجُلًا بِقَبْضِهِ صَحَّ اهـ قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ: وَلَوْ وَقَعَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَ الْوَكِيلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ وَبَيْنَ مُوَكِّلِهِ فَقَالَ الْوَكِيلُ قَبَضْت الْمَالَ مِنْ الْمُقْرِضِ وَدَفَعْت إلَى الْمُوَكِّلِ وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يُرِيدُ بِهَذَا إلْزَامَ الْمَالِ عَلَى الْمُوَكِّلِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إيجَابِ الْمَالِ عَلَى الْمُوَكِّلِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَنَظِيرُ التَّوْكِيلِ بِالشَّحَّاثَةِ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ فِي بَابِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالشَّحَّاذُ الْمُلِحُّ فِي مَسْأَلَتِهِ وَعَوَامُّ الْعِرَاقِيِّينَ يَقُولُونَ شَحَّاثٌ بِالثَّاءِ وَيُخْطِئُونَ فِيهِ. اهـ.

ص: 257