الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَكَذَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَأَنْوَاعُهَا فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ كَفَالَةٌ بِالنَّفْسِ وَكَفَالَةٌ بِالْمَالِ، وَالْكَفَالَةُ بِالْمَالِ نَوْعَانِ كَفَالَةٌ بِالدُّيُونِ فَتَجُوزُ مُطْلَقًا إذَا كَانَتْ صَحِيحَةً وَكَفَالَةٌ بِالْأَعْيَانِ، وَهِيَ نَوْعَانِ كَفَالَةٌ بِأَعْيَانٍ مَضْمُونَةٍ فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا وَذَلِكَ كَالْمَغْصُوبِ، وَالْمُهُورِ، وَبَدَلِ الْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَكَفَالَةٌ بِأَعْيَانٍ هِيَ أَمَانَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةِ التَّسْلِيمِ كَالْوَدَائِعِ، وَالْمُضَارَبَاتِ، وَالشَّرِكَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبِ التَّسْلِيمِ، فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا أَصْلًا وَكَفَالَةٌ بِأَعْيَانٍ هِيَ أَمَانَةٌ وَاجِبَةُ التَّسْلِيمِ كَالْعَارِيَّةِ، وَالْمُسْتَأْجَرَةِ، أَوْ بِعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ بِغَيْرِهِ كَالْمَبِيعِ فَإِنَّ الْكَفَالَةَ بِهَا لَا تَصِحُّ وَبِتَسْلِيمِهَا تَصِحُّ وَأَلْفَاظُهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْمَتْنِ.
قَالَ رحمه الله (وَتَصِحُّ بِالنَّفْسِ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ) أَيْ، وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الْكَفَالَةُ بِأَنْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا، ثُمَّ كَفِيلًا، وَكَذَا تَجُوزُ إذَا تَعَدَّدَتْ النُّفُوسُ الْمَكْفُولُ بِهَا أَيْضًا كَمَا تَجُوزُ بِالدُّيُونِ الْكَثِيرَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا إذَا تَكَفَّلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَادُ لَهُ وَلَا يَلْتَزِمُ طَاعَتَهُ، وَكَذَا إذَا كَانَ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ بِالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ لَا يُثْبِتُ لَهُ وِلَايَةً فِي مَالِهِ لِيُؤَدِّيَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ، فَالنَّفْسُ، أَوْلَى فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَ طَيْرًا فِي الْهَوَاءِ بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى مَالِ الْآمِرِ فَلَهُ وِلَايَةٌ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ فَيُؤَدِّي مِنْ مَالِهِ وَلَنَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، أَوْ بِالْمَالِ فَيَقْتَضِي شَرْعِيَّتَهَا وَلَا يُقَالُ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ لَا غُرْمَ فِيهَا، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْغُرْمُ عِبَارَةٌ عَنْ ضَرَرٍ يَلْزَمُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان: 65] وَفِيهِ ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَيْهَا ضَرُورَةَ إحْيَاءِ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهَا بِأَنْ يُعْلِمَهُ مَكَانَهُ فَيُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ؛ إذْ التَّخْلِيَةُ تَسْلِيمٌ، أَوْ يُوَافِقَهُ إذَا ادَّعَاهُ، أَوْ يُكْرِهَهُ بِالْحُضُورِ إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، وَالْتِزَامُهُ لِذَلِكَ وَرِضَا خَصْمِهِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى قُدْرَتِهِ فَتَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ اسْتَعَانَ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي فَكَانَتْ مُفِيدَةً وَلِأَنَّهُ الْتَزَمَ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْأَصْلِ؛ إذْ تَسْلِيمُ النَّفْسِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاجِبٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُضُورُ إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ فَتَصِحُّ كَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ إذَا ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ الْمُمْتَنِعَ مِنْ الْحُضُورِ بِقَوْلِهِ عز وجل {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النور: 48] الْآيَةَ، وَالذَّمُّ يُسْتَحَقُّ بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَعَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ وَضَمِنَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنَفْسِ عَلِيٍّ حِينَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمَرَ خُصُومَةٌ «وَكَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا بِتُهْمَةٍ» ، وَالتَّكْفِيلُ أَخْذُ الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ وَلِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الِالْتِزَامِ أَنْ يَكُونَ الْمُلْتَزِمُ مُمْكِنًا وُجُودُهُ عَقْلًا لَا حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا الْتَزَمَ أَلْفَ حَجَّةٍ بِالنَّذْرِ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ مِنْهُ حَقِيقَةً لِقِصَرِ عُمْرِهِ عَادَةً وَقُدْرَتُهُ عَلَى إحْضَارِهِ مُمْكِنٌ فَتَصِحُّ، وَإِذَا صَحَّتْ تَصِحُّ مُتَعَدِّدَةً أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا اسْتِحْقَاقُ الْمُطَالَبَةِ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ الْعَدَدَ، وَالِالْتِزَامُ الْأَوَّلُ لَا يُمْنَعُ الِالْتِزَامَ الثَّانِيَ؛ إذْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا التَّوَثُّقُ، فَلَا تَنَافِي.
قَالَ رحمه الله (بِكَفَلْتُ بِنَفْسِهِ وَبِمَا عَبَّرَ عَنْ الْبَدَنِ وَبِجُزْءٍ شَائِعٍ) أَيْ تَصِحُّ الْكَفَالَة بِقَوْلِهِ كَفَلْت بِنَفْسِ فُلَانٍ، أَوْ بِمَا يُعَبَّرُ بِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ كَرَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَرَقَبَتِهِ وَعُنُقِهِ وَجَسَدِهِ وَبَدَنِهِ بِأَنْ قَالَ تَكَفَّلْت بِرَأْسِهِ، أَوْ بِوَجْهِهِ إلَى آخِرِهِ، أَوْ تَكَفَّلَ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهُ بِأَنْ قَالَ تَكَفَّلْت بِثُلُثِهِ، أَوْ بِرُبْعِهِ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ عُرْفًا وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الطَّلَاقِ.
قَالَ رحمه الله
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
[ الْكِفَالَة بِالنَّفْسِ وَإِنَّ تَعَدَّدَتْ]
قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجُوزُ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ لَا تَجُوزُ وَهُوَ قَوْلٌ لَهُ مُخَالِفٌ لِلْقَوْلِ الْأَظْهَرِ عِنْدَهُمْ وَهُوَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ كَقَوْلِنَا اهـ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْحَدِيثُ) وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْغُرْمَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَالِ بَلْ الْغُرْمُ أَدَاءُ مَا يَلْزَمُ مِمَّا يَضُرُّهُ وَالْغُرْمُ اللَّازِمُ ذَكَرَهُ فِي الْمُجْمَلِ وَالْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ يَلْزَمُهُ الْإِحْضَارُ وَقَدْ يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَالَةِ الْمَالِ وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَالْحَاجَةُ إلَيْهِ مَاسَّةٌ وَقَدْ أَمْكَنَ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ وَحَاصِلُهُ إلْحَاقُهُ بِجَامِعِ عُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا إحْيَاءً لِلْحُقُوقِ مَعَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالشَّرَائِطِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ) أَيْ الضَّرَرُ مَوْجُودٌ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ لِأَنَّهُ يُلْزَمُ بِإِحْضَارِهِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ اهـ. .
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ بِكَفَلْتُ بِنَفْسِهِ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي ذِكْرِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْكَفَالَةُ وَهِيَ صَرِيحٌ وَكِتَابَةٌ فَالصَّرِيحُ كَفَلْت وَضَمِنْت وَزَعِيمٌ وَقَبِيلٌ وَحَمِيلٌ وَعَلَيَّ وَإِلَيَّ، وَلَك عِنْدِي هَذَا الرَّجُلُ وَعَلَيَّ أَنْ أُوَافِيَكَ بِهِ أَوْ عَلَيَّ أَنْ أَلْقَاكَ بِهِ أَوْ دَعْهُ إلَيَّ وَحَمِيلٌ بِالْمُهْمَلَةِ بِمَعْنَى كَفِيلٍ بِهِ يُقَالُ حَمَلَ بِهِ حَمَالَةً بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ وَرُوِيَ فِي الْفَائِقِ الْحَمِيلُ ضَامِنٌ وَأَمَّا الْقَبِيلُ فَهُوَ أَيْضًا بِمَعْنَى الْكَفِيلِ وَيُقَالُ قَبِلَ بِهِ قَبَالَةً بِفَتْحِهَا فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ ثُمَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُوجِبُ لُزُومَ مُوجَبِ الْكَفَالَةِ إذَا أُضِيفَتْ إلَى جُمْلَةِ الْبَدَنِ أَوْ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجُمْلَةِ حَقِيقَةً فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ وَمَا لَا فَلَا عَلَى وِزَانِ الطَّلَاقِ عَلَى مَا مَرَّ مِثْلُ كَفَلْت أَوْ أَنَا حَمِيلٌ أَوْ زَعِيمٌ بِنَفْسِهِ أَوْ رَقَبَتِهِ أَوْ رُوحِهِ أَوْ جَسَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ وَجْهِهِ لِأَنَّ هَذِهِ يُعَبَّرُ بِهَا حَقِيقَةً كَالنَّفْسِ وَالْجَسَدِ وَالْبَدَنِ عُرْفًا وَلُغَةً وَمَجَازًا كَهُوَ رَأْسٌ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَتَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ رحمه الله مَا إذَا كَفَلَ بِعَيْنِهِ قَالَ الْبَلْخِيّ رحمه الله لَا يَصِحُّ كَمَا فِي الطَّلَاقِ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْبَدَنَ وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ فِي الْكَفَالَةِ وَالطَّلَاقِ إذْ الْعَيْنُ مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ يُقَالُ عَيْنُ الْقَوْمِ وَهُوَ عَيْنٌ فِي النَّاسِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي زَمَانِهِمْ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ. اهـ. كَمَالٌ رحمه الله (قَوْلُهُ أَوْ بِرُبْعِهِ) أَيْ أَوْ بِجُزْءٍ مِنْهُ لِأَنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ فِي حَقِّ الْكَفَالَةِ لَا تَتَجَزَّأُ فَذِكْرُ بَعْضِهَا شَائِعًا كَذِكْرِ كُلِّهَا اهـ.
كَمَالٌ رحمه الله وَقَوْلُهُ لَا تَتَجَزَّأُ بِأَنْ يَكُونَ بِبَعْضِهَا كَفِيلًا وَبَعْضُهَا لَا اهـ. .
(وَبِضَمِنْتُهُ) أَيْ تَصِحُّ بِقَوْلِهِ ضَمِنْته لَك؛ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلتَّسْلِيمِ، وَالْعَقْدُ يَنْعَقِدُ بِالتَّصْرِيحِ بِمُوجَبِهِ كَعَقْدِ الْبَيْعِ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ قَالَ رحمه الله (وَبِعَلَيَّ) يَعْنِي تَصِحُّ بِقَوْلِهِ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ عَلَيَّ لِلْوُجُوبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] قَالَ رحمه الله (، وَإِلَيَّ)؛ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى عَلَيَّ فِي هَذَا الْمَقَامِ قَالَ عليه الصلاة والسلام «مَنْ تَرَكَ كَلًّا، أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ» قَالَ رحمه الله (وَأَنَا زَعِيمٌ بِهِ)؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ يُسَمَّى زَعِيمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ صَاحِبِ يُوسُفَ {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72] أَيْ كَفِيلٌ قَالَ رحمه الله (وَقَبِيلٌ بِهِ)؛ لِأَنَّ الْقَبِيلَ هُوَ الْكَفِيلُ وَلِهَذَا يُسَمَّى الصَّكُّ قَبَالَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ الْحَقَّ فَيَكُونُ وَثِيقَةً كَالْكَفِيلِ قَالَ رحمه الله (لَا بِأَنَا ضَامِنٌ لِمَعْرِفَتِهِ) أَيْ لَا يَصِيرُ كَفِيلًا بِقَوْلِهِ أَنَا ضَامِنٌ لَك بِمَعْرِفَةِ فُلَانٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلْعُرْفِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ الْكَفَالَةَ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ الْتَزَمَ مَعْرِفَتَهُ دُونَ الْمُطَالَبَةِ فَصَارَ كَالْتِزَامِهِ دَلَالَتَهُ عَلَيْهِ، أَوْ قَالَ أُوقِفُك عَلَيْهِ قَالَ رحمه الله (فَإِنْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ أَحْضَرَهُ فِيهِ إنْ طَلَبَهُ)؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِالشَّرْطِ فِي الْكَفَالَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهِ إنْ طَلَبَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ بَعْدَهُ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ إذَا طَلَبَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ قَالَ رحمه الله (فَإِنْ أَحْضَرَهُ، وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ)؛ لِامْتِنَاعِهِ عَنْ إيفَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَحْبِسُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَا عَرَفَ لِمَاذَا يُدْعَى فَيُمْهِلُهُ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ مَطْلُهُ؛ لِأَنَّهُ جَزَاءُ الظُّلْمِ، وَهُوَ لَيْسَ بِظَالِمٍ قَبْلَ الْمُمَاطَلَةِ قَالَ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ يَنْبَغِي أَنْ يُفَصِّلَ كَمَا فَصَّلَ فِي الْحَبْسِ بِالدَّيْنِ فَإِنَّهُ هُنَاكَ قِيلَ: إذَا ثَبَتَ الْحَقُّ بِإِقْرَارِهِ لَا يُعَجِّلُ بِحَبْسِهِ وَأَمَرَهُ بِدَفْعِ مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ جَزَاءُ الْمُمَاطَلَةِ فَلَمْ يَظْهَرْ بِأَوَّلِ الْوَهْلَةِ، وَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ حَبَسَهُ كَمَا وَجَبَ لِظُهُورِ مَطْلِهِ بِالْإِنْكَارِ فَكَذَا هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَصِّلَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ وَذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْإِيضَاحِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ عَجْزُهُ.
وَأَمَّا إذَا ظَهَرَ عَجْزُهُ، فَلَا مَعْنَى لِحَبْسِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَفِيلِ فَيُلَازِمُهُ وَيُطَالِبُهُ وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَشْغَالِهِ جَعَلَهُ كَالْمُفْلِسِ بِالدَّيْنِ إذَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، أَوْ بِالْبَيِّنَةِ قَالَ رحمه الله (وَإِنْ غَابَ أَمْهَلَهُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ، وَإِيَابِهِ) أَيْ، وَإِنْ غَابَ الْمَكْفُولُ بِنَفْسِهِ يُؤَجَّلُ الْكَفِيلُ مُدَّةَ قَطْعِ الْمَسَافَةِ وَلَا يَحْبِسُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مَطْلُهُ بَعْدُ وَالْحَبْسُ لِلْمُمَاطَلَةِ قَالَ رحمه الله (، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يُحْضِرْهُ حَبَسَهُ) أَيْ إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُحْضِرْهُ حَبَسَهُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مَطْلُهُ، وَالْحَبْسُ جَزَاؤُهُ قَالَ رحمه الله (وَإِنْ غَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ)؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ وَقَدْ صَدَّقَهُ الطَّالِبُ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالْمَدِينِ إذَا ثَبَتَ إعْسَارُهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْكَفِيلُ: لَا أَعْرِفُ مَكَانَهُ، وَقَالَ الطَّالِبُ: تَعْرِفُ، يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ خُرْجَةٌ مَعْرُوفَةٌ يَخْرُجُ إلَى مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ لِلتِّجَارَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ وَيُؤْمَرُ الْكَفِيلُ بِالذَّهَابِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لِلطَّالِبِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَبِضَمِنْتُهُ) قَالَ الْكَمَالُ رحمه الله وَوَجْهُ ضَمِنْت بِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُوجَبِهِ لِأَنَّ مُوجَبَ الْكَفَالَةِ لُزُومُ الضَّمَانِ فِي الْمَالِ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ ضَمِنْته مِنْ أَلْفَاظِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ لَا النَّفْسِ وَقَدْ تَبِعَ الْكَمَالَ فِي هَذَا تِلْمِيذُهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فَقَالَ عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْمَجْمَعِ وَبِقَوْلِهِ ضَمِنْته هَذِهِ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ فَيَنْبَغِي الْإِفْصَاحُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهَا فِي النَّفْسِ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنِّي قَدْ رَاجَعْت بِعَوْنِ اللَّهِ نُقُولًا كَثِيرَةً مِنْ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَالْفَتَاوَى فَبَعْضُهُمْ يُصَرِّحُ بِأَنَّ ضَمِنْت مِنْ أَلْفَاظِ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ كَالنَّسَفِيِّ فِي كَافِيهِ وَبَعْضُهُمْ فِي قُوَّةِ الصَّرِيحِ فَإِنَّهُمْ يَذْكُرُونَهَا فِي الْكَفَالَةِ لَا بِالنَّفْسِ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ مَشَايِخِنَا ذَكَرَهَا فِي أَلْفَاظِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو نَصْرٍ الْأَقْطَعُ رحمه الله فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ ضَمِنْته أَوْ هُوَ عَلَيَّ أَوْ إلَيَّ أَوْ أَنَا زَعِيمٌ بِهِ أَوْ قَبِيلٌ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ يَصِحُّ الضَّمَانُ بِهَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ ضَمَانِ النَّفْسِ أَوْ ضَمَانِ الْمَالِ بِهَا اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ إذَا أُطْلِقَتْ تُحْمَلُ عَلَى الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ عَلَى الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ فَتَتَمَحَّضُ حِينَئِذٍ لِلْكَفَالَةِ بِهِ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ لَا بِأَنَا ضَامِنٌ لِمَعْرِفَتِهِ) أَيْ، وَكَذَا بِمَعْرِفَتِهِ، وَكَذَا أَنَا ضَامِنٌ عَلَى أَنْ أُوقِفَك عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَنْ أَدُلَّك عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَنْزِلِهِ وَلَوْ قَالَ أَنَا ضَامِنٌ لِتَعْرِيفِهِ أَوْ عَلَى تَعْرِيفِهِ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالْوَجْهُ أَنْ يَلْزَمَ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مُتَعَدٍّ لِاثْنَيْنِ فَقَدْ الْتَزَمَ أَنْ يُعَرِّفَهُ الْغَرِيمَ بِخِلَافِ مَعْرِفَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَضِي إلَّا مَعْرِفَةَ الْكَفِيلِ لِلْمَطْلُوبِ وَعَنْ نُصَيْرٍ قَالَ سَأَلَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَبَا سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيَّ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِآخَرَ أَنَا ضَامِنٌ لِمَعْرِفَةِ فُلَانٍ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أَمَّا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِيك لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ قَالَ هَذَا عَلَى مُعَامَلَةِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي النَّوَازِلِ هَذَا الْقَوْلُ فِي النَّوَازِلِ غَيْرُ مَشْهُورٍ وَالظَّاهِرُ مَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَفِي خِزَانَةِ الْوَاقِعَاتِ وَبِهِ يُفْتَى أَيْ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَكِنْ نُصَّ فِي الْمُنْتَقَى فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ قَالَ أَنَا ضَامِنٌ لَك بِمَعْرِفَةِ فُلَانٍ يَلْزَمُهُ وَعَلَى هَذَا مُعَامَلَةُ النَّاسِ وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ لَوْ قَالَ الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ أَنَا أَدْفَعُهُ لَك أَوْ أُسَلِّمُهُ إلَيْك أَوْ أَقْبِضُهُ لَا يَكُونُ كَفَالَةً مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الِالْتِزَامِ وَفِي الْخُلَاصَةِ عَنْ مُتَفَرِّقَاتِ خَالِهِ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا قَالَهُ مُنَجِّزًا فَلَوْ مُعَلَّقًا يَكُونُ كَفَالَةً نَحْوَ أَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ تُؤَدِّ فَأَنَا أُؤَدِّي نَظِيرُهُ فِي النَّذْرِ لَوْ قَالَ أَنَا أَحُجُّ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنَا أَحُجُّ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ اهـ كَمَالٌ رحمه الله (قَوْلُهُ: قَالَ الْفَقِيرُ إلَخْ) هَذَا يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ تَفَقُّهِ الشَّارِحِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مِنْ أَصْلِ الرِّوَايَةِ عَنْ عُلَمَائِنَا فَقَدْ ذَكَرَهُ شُرَّاحُ الْأَصْلِ اهـ.
(قَوْلُهُ، فَلَا مَعْنَى لِحَبْسِهِ) كَمَا إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ بِهِ فَإِنَّ الْكَفَالَةَ تَبْطُلُ اهـ.
فَتْحٌ (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَإِنْ غَابَ) أَيْ وَعَلِمَ مَكَانَهُ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُحْضِرْهُ حَبَسَهُ) أَيْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ لِلْقَاضِي تَعَذُّرُ الْإِحْضَارِ عَلَيْهِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ أَوْ لِشُهُودٍ بِذَلِكَ فَيُخْرَجُ مِنْ الْحَبْسِ وَيُنْظَرُ
وَهُوَ الْجَهْلُ وَمُنْكِرٌ لُزُومَ الْمُطَالَبَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ الْكَفِيلِ وَيَحْبِسُهُ الْقَاضِي إلَى أَنْ يَظْهَرَ عَجْزُهُ؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ كَانَتْ مُتَوَجِّهَةً عَلَيْهِ، فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى إسْقَاطِهَا عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يَدَّعِي، وَإِنْ أَقَامَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا أُمِرَ الْكَفِيلُ بِالذَّهَابِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِحْضَارِهِ اعْتِبَارًا لِلثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ بِالثَّابِتِ مُعَايَنَةً، وَكَذَا لَوْ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ لَا تَسْقُطُ الْكَفَالَةُ فَيُؤَجَّلُ الْكَفِيلُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ وَلَا يُقَالُ بَعْدَ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ صَارَ كَالْمَوْتَى وَلِهَذَا يُقَسَّمُ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْرَأَ الْكَفِيلُ كَمَا لَوْ مَاتَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا لَيْسَ كَمَوْتِهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْتٌ حُكْمِيٌّ فِي حَقِّ قِسْمَةِ مَالِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ فَأَمَّا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَهُوَ حَيٌّ مُطَالَبٌ بِالتَّوْبَةِ، وَالرُّجُوعِ وَتَسْلِيمِ النَّفْسِ إلَى الْخَصْمِ فَبَقِيَ الْكَفِيلُ عَلَى كَفَالَتِهِ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ وَفِيهِ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ إنَّهُ إذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْكَفِيلُ قَادِرًا عَلَى رَدِّهِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُوَاعَدَةٌ أَنَّ مَنْ لَحِقَ بِهِمْ مُرْتَدًّا يَرُدُّونَهُ إلَيْنَا إذَا طَلَبْنَا يُمْهَلُ الْكَفِيلُ قَدْرَ ذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ.
ثُمَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ قُلْنَا إنَّهُ يُؤْمَرُ بِالذَّهَابِ إلَيْهِ لِلطَّالِبِ أَنْ يَسْتَوْثِقَ الْكَفِيلَ بِكَفِيلٍ آخَرَ حَتَّى لَا يَغِيبَ الْآخَرُ فَيَضِيعَ حَقُّهُ قَالَ رحمه الله (فَإِنْ سَلَّمَهُ بِحَيْثُ يَقْدِرُ الْمَكْفُولُ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ كَمِصْرٍ بَرِئَ)؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ؛ إذْ لَمْ يَلْتَزِمْ تَسْلِيمَهُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَحَصَلَ مَقْصُودُ الطَّالِبِ أَيْضًا بِذَلِكَ، فَلَا حَاجَةَ إلَى إبْقَاءِ الْكَفَالَةِ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ تَكَفَّلَ بِمَالٍ وَقَضَاهُ سَوَاءٌ كَانَ التَّسْلِيمُ غَيْرَ مَشْرُوطٍ فِي وَقْتٍ، أَوْ كَانَ مَشْرُوطًا فِيهِ فَسَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّ الْكَفِيلِ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ كَالدِّينِ الْمُؤَجَّلِ إذَا قَضَاهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ يُجْبَرُ الطَّالِبُ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّ الْمَدِينِ فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ، ثُمَّ التَّسْلِيمُ يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَصْمِ وَذَلِكَ بِرَفْعِ الْمَوَانِعِ فَيَقُولُ لَهُ هَذَا خَصْمُك فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِشَأْنِهِ فَخُذْهُ إنْ شِئْت، ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ بَعْدَ طَلَبِهِ، أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ طَلَبِهِ بَرِئَ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ سَلَّمْته إلَيْك بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إعَادَةَ قَوْلِ الطَّالِبِ، وَإِنْ سَلَّمَهُ بِغَيْرِ طَلَبٍ لَا يَبْرَأُ حَتَّى يَقُولَ سَلَّمْته إلَيْك بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ قَالَ رحمه الله.
(وَلَوْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي سَلَّمَهُ ثَمَّةَ)؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مُفِيدٌ فَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي الْتَزَمَهُ فَإِذَا سَلَّمَهُ فِي مَجْلِسِهِ بَرِئَ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَا إذَا سَلَّمَهُ فِي السُّوقِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَقِيلَ: لَا يَبْرَأُ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَبِهِ يُفْتَى فِي زَمَانِنَا لِتَهَاوُنِ النَّاسِ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ، وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّةٍ، أَوْ فِي سَوَادٍ لَا يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُخَاصَمَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّسْلِيمُ فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ لَا يَبْرَأُ بِمِثْلِ هَذَا التَّسْلِيمِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي مِصْرٍ آخَرَ غَيْرِ الْمِصْرِ الَّذِي كَفَلَ فِيهِ بَرِئَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ تَسْلِيمُهُ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْقَاضِي وَقَدْ وُجِدَ وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي الْتَزَمَهُ، وَهُوَ أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي مِصْرٍ كَفَلَ فِيهِ، وَهُوَ مُفِيدٌ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ شُهُودُهُ فِيهِ، أَوْ يَعْرِفَ قَاضِي ذَلِكَ الْمِصْرِ حَادِثَتَهُ، فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ فِيهِ قُلْنَا الِاحْتِمَالُ مُشْتَرَكٌ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُهُودُهُ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ.
وَكَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَاضِي ذَلِكَ الْمِصْرِ يَعْلَمُ حَادِثَتَهُ فَتَعَارَضَ الْمَوْهُومَانِ فَبَقِيَ التَّسْلِيمُ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ فَيَبْرَأُ وَقِيلَ: هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ فَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ حِينَ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ، وَالْعُمَّالُ كَانُوا يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْبِرِّ وَلَا يَمِيلُونَ إلَى الرِّشْوَةِ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بَيْنَ مِصْرِهِ وَمِصْرٍ آخَرَ، وَهُمَا قَالَا ذَلِكَ بَعْدَ مَا ظَهَرَ الْفَسَادُ وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ حَتَّى لَا يُقِيمُونَ الْحَقَّ إلَّا بِالرِّشْوَةِ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مِصْرُهُ أَسْهَلَ لِإِثْبَاتِ حُقُوقِهِ وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي السِّجْنِ وَقَدْ حَبَسَهُ غَيْرُ الطَّالِبِ لَا يَبْرَأُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّسْلِيمِ تَمَكُّنُهُ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحَاكِمِ لِيُثْبِتَ عَلَيْهِ الْحَقَّ وَلَا يُفِيدُ فِي الْمَحْبُوسِ.
قَالَ رحمه الله (وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَطْلُوبِ، وَالْكَفِيلِ لَا الطَّالِبِ) يَعْنِي الْكَفَالَةُ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَكْفُولِ بِنَفْسِهِ وَبِمَوْتِ الْكَفِيلِ وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمَكْفُولِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ بِمَوْتِهِ بَرِئَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَبَرَاءَتُهُ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّهُ أَصِيلٌ، وَالْكَفِيلُ تَبَعٌ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْحُضُورِ بِالْمَوْتِ سَقَطَ عَنْهُ فَكَذَا عَنْ التَّبَعِ لِمَا قُلْنَا وَبَعْدَ مَوْتِ الْكَفِيلِ لَا يَتَحَقَّقُ التَّسْلِيمُ مِنْهُ وَوَرَثَتُهُ لَا يَقُومُونَ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَخْلُفُونَهُ فِيمَا لَهُ لَا فِيمَا عَلَيْهِ وَمَالُهُ لَا يَصْلُحُ لِإِيفَاءِ هَذَا الْحَقِّ، وَهُوَ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ بِخِلَافِ الْكَفِيلِ بِالْمَالِ إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ صَالِحٌ لَهُ وَحُكْمُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مُمْكِنٌ فَيُوفَى مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى الْوَرَثَةِ
ــ
[حاشية الشِّلْبِيِّ]
إلَى وَقْتِ الْقُدْرَةِ كَالْإِعْسَارِ بِالدَّيْنِ اهـ.
كَمَالٌ رحمه الله (قَوْلُهُ: فَيُؤَجَّلُ الْكَفِيلُ مُدَّةَ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ وَلَمْ يُفَصَّلْ فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ وَالْقَرِيبَةِ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا كَانَتْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا لَا يَسْقُطُ الطَّلَبُ كَمَا فِي دُونِهَا وَالثَّانِي يَسْقُطُ إلْحَاقًا بِالْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ مُوَاعَدَةٌ) أَيْ مُوَادَعَةٌ اهـ وَبِهِ عَبَّرَ الْكَاكِيُّ وَقَوْلُهُ مُوَاعَدَةٌ كَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ رحمه الله (قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ وَلَوْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي إلَخْ) وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ عِنْدَ الْأَمِيرِ فَدَفَعَ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ ذَلِكَ الْوَالِي وَوُلِّيَ غَيْرُهُ فَدَفَعَ إلَيْهِ عِنْدَ الثَّانِي جَازَ اهـ.
غَايَةٌ نَقْلًا عَنْ الْخُلَاصَةِ (قَوْلُهُ لِإِثْبَاتِ حُقُوقِهِ) قَالَ الْكَمَالُ وَقَوْلُهُمَا أَوْجُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلَا يُفِيدُ فِي الْمَحْبُوسِ) نُقِلَ فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى عَنْ كَفَالَةِ الْعُيُونِ إذَا ضَمِنَ لِآخَرَ بِنَفْسِهِ فَحُبِسَ الْمَطْلُوبُ فَأَتَى بِهِ الَّذِي ضَمِنَهُ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَدَفَعَهُ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَبْرَأُ لِأَنَّهُ فِي السِّجْنِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا ضَمِنَهُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ فِي السِّجْنِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ فِي السِّجْنِ يَبْرَأُ وَإِنْ كَانَ ضَمِنَهُ فِي السِّجْنِ ثُمَّ خُلِّيَ عَنْهُ ثُمَّ حُبِسَ ثَانِيًا فَدَفَعَهُ إلَيْهِ قَالَ إنْ كَانَ الْحَبْسُ الثَّانِي فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ التِّجَارَةِ أَوْ نَحْوِهَا فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ فِي الْحَبْسِ وَإِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ آخَرَ مِنْ أُمُورِ السُّلْطَانِ لَا يَبْرَأُ اهـ غَايَةٌ.