الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة التحقيقية
نقول بعد حمد الله تعالى كما ينبغي لجلاله، والصلاةِ والسلام علي نبيِّه محمَّدٍ وصحبِه وآله:
فقد شرَّفنا الله تعالى ووفَّقنا في إحراز السَّبق إلى إحياء تراث تاج الدين بهرام الدميري ونشره؛ فاشتغلنا فيما مضى علي حاشية ابن غازي العثماني المعنونة بـ "شفاء الغليل في حلِّ مُقفَل خليل" التي أتمَّ بها الشرح الصغير الذي وضعه الشيخ بهرام على مختصر خليل، فلما فرغنا منه وأخرجناه نظرنا إلى ما وُضِع تتميمًا له، فوجدناه أولى بالعناية والتحقيق، وصادف ذلك همَّةً عالِيَةً من أخينا الشيخ حافظ بن عبد الرحمن خير، الذي سبقنا إلى العمل علي تحقيق ذلك الشرح، فأفرَغ نصفَه من مخطوطته، وعرضَ علينا التعاون لإتمام مهمته، فتوافقت الرغبتان، وعملنا معًا لإخراج الكتاب إلى العيان؛ فحققنا الشرح بعد طول عناء، وأضفنا إليه حاشيته المعنونة بـ "الشفاء".
ثمَّ عاودنا النظر فيما بقي من كتب الشيخ بهرام بعد الشرح الصغير، فانقلب إلينا البصر خاسئًا وهو حسير، حيث وقفنا علي شرحه الوسط المعنون بـ "التحبير"، فوجدنا بعض الطلبة زعموا تحقيقه في جامعة الأزهر الشريف، وأخذوا علي تحقيقهم المزعوم درجات علمية رفيعة، مع أنَّهم لم ينتبهوا ولم يُنبَّهوا من المشرفين علي أعمالهم ولا مناقشيهم الناظرين في أطروحاتهم، إلى أنَّ ما شغلوا أنفسهم بتحقيقه هو الشرح الصغير وليس الوسط، وهذا الخلط العجيب بين الكتب مما لا عُذر لهم فيه ولا لأشياخهم، ولا حجَّةَ لهُم في كون النسخ التي اعتمدوها مبتورةً مقدِّماتُها، لأن نسخ الكتاب كثيرة، والوسط -دون غيرِه من شروح بهرام الثلاثة- مصدَّرٌ بمقدمة علمية فيها التصريح بعنوانه ومنهج مؤلِّفه فيه.
لذلك عقدنا العزم علي أن نعيد للكتاب اعتباره، ونكشف من كلِّ ملبِّسٍ علي القرّاء عُوارَه، فاستخرجنا من خزانة مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث نسخة تامة للكتاب بجزأيه لا ينقصها إلا قدر لوحة في مطلعها، ونسختين لنصفه الأول، وثلاث
نسخ خطية للنصف الثاني من الكتاب، وهذه النسخ كلها أصلية غير مصورة، وسعينا إلى أن نجمع إليها المزيد، حتى حصلنا علي ما طلبنا بفضل الملك وتوفيقه، ثم انتقينا أجودَ ما عثرنا عليه في الخزانات العامة (في مصر واسطنبول والمغرب الأقصي)، فعكفنا على تفريغها ومقابلة بعضها ببعض حتى تمَّ لنا في تقويم نصها علي ما نريد، وأتبعنا العمل فيها بالتخريج والتوثيق وما يطلبه المستزيد، فكان جملة ما عملناه في الكتاب مشتملًا علي ما يلي:
أولًا: التأكد من أن الكتاب المحقق هو "تحبير المختصر"(1) كما سمَّاه الؤلف: تصريحًا في خطبته، وقد زادنا يقينًا في أنَّ ما بين أيدينا هو الكتاب المقصود عثورنا علي نسختين متضمِّنتَين لمقدَّمته صوَّرناهما من الخزانة الحسنيَّة في "رباط الفتح"، كما قارنَّا بينَ ما حصلنا عليه من مخطوطات وبَين ما وجدناه من الخطوطة اليتيمة لحاشية الزياتي عليه، بعد حصولنا علي صورتها من خزانة مؤسسة اللك عبد العزيز في الدار البيضاء، فوجدنا النصَّ الذي وُضِعت عليه الحاشية مطابقًا لا بين أيدينا من مخطوطات "التحبير"، وتأكدنا بمجموع ما تقدَّم -إضافة إلى دراسة النسخ المخطوطة الأصلية الست التي في مركز نجيبويه- من أن ما بين أيدينا هو الشرح الوسط المسمي:"تحبير المختصر" لقاضي القضاة أبي البقاء بهرام الدميري، وأنَّ معظم ما زَعم طلابُ الأزهر الشريف أنَّهم حقَّقوه في رسائلهم ما هو إلا الشرح الصغير لبهرام.
ثانيًا: التقديم للكتاب بما تيسَّر من التعريف به، وترجمة مؤلِّفه بهرام، وشيخه خليل بن إسحاق ترجمةً وافيةً.
ثالثًا: نسخ الكتاب كاملًا من النسخة الأم الواقعة في مركز نجيبويه، والمرموز لها بالرمز (ن) وفقَ قواعد الإملاء العصريَّة، وتحليته بعلامات الترقيم والوقف في مواطن
(1) وفي نسخة دخلت في حيازة مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث ورداسم الكتاب على أنه: "المُحَبَّر في شرح المختصر"، ولم تتسنى لنا مقابلة الكتاب كاملًا على هذه النسخة؛ لتأخر وصولها إلينا.
الحاجة إليها، وتصحيح ما وقعَ فيه الناسخ من أخطاء إملائية على قلَّتها.
رابعًا: مقابلة مقدَّمة الكتاب -فقط- على ما يقابلها في النسختين المصوَّرَتَين من الخزانة الحسنية بالرباط، والمرموز لهما -على التوالي- بالرمزَين (ح 1) و (ح 2)، ولم نقابل بهاتَين النسختين سوى المقدِّمة، لأنهما وصلتا إلينا بعد فراغنا من مقابلة النصف الأول للكتاب على ست نسخ، وفي ذلك كفاية.
خامسًا: مقابلة ما بعد مقدمة المصنف رحمه الله إلى نهاية النصف الأول من الكتاب (وهي آخر كتاب النفقات) بما يقابله في النسخة التركية، المرموز لها بالرمز (س)، والنسختين الواقعتين في مركز نجيبويه، والمرموز لهما -على التوالي- بالرمزين (ن 1) و (ن 2)، وبما توفَّر من النسختَين الأزهريَّتَين المرموز لهما -على التوالي- بالرمزين (ز 1) و (ز 2).
سادسًا: مقابلة نصف الكتاب الثاني (من "البيوع" وحتى النهاية) على ثلاث نسخ خطيَّة تقع أصولها في مركز نجيبويه، وقد رمزنا لهنّ -على التوالي- بالرموز (ن 3) و (ن 4) و (ن 5).
سابعًا: تحديد بدايات لوحات المخطوط وأوجهها، بما يوافق النسخة الأم المرموز لها بالرمز (ن).
ثامنًا: اعتماد طريقة النص المختار في إثبات الفروق بين النسخ المقابَلة ببعضها؛ بإثبات ما رأيناه صوابًا أو أصوب من غيره في صُلب الكتاب، والإشارة في الهوامش السفليَّة إلى ما رأيناه مرجوحًا أو مخالفًا للصواب، مع التغاضي -غالبًا- عن ذكر ما لا طائل من ذِكرِه وما يُمكِن الجزم بكونه من أخطاء الناسخين (في الإملاء ورسم الكلمات)، وما لا يؤثر في المعنى، كاختلاف النسخ فيما يتعاور معناه من حروف الجز والعطف.
تاسعًا: كتابة الآيات القرآنية وأجزائها بالخط العثماني، وعزوها إلى مواضعها في كتاب الله تعالى، بذكر اسم السورة ورقم الآية التي وردت فيها، بدءًا بالسورة ضمن
معكوفتين، هكذا:[السورة؛ : رقم الآية]، وجَعلنا ذلك عقب ذكر الآية مباشرةً، وليس في الحواشي.
عاشرًا: تخريج جميع الأحاديث النبوية التي أوردها بهرام بنصها أو أشار إلى معانيها، وبيان درجة كل منها من حيث القبول والرد غالبًا، ما لم يكن الحديث في الصحيحين أو أحدهما، مع التزام مما يلي في التخريج:
أ- لم نتوسع في تخريج أحاديث الموطأ والصحيحين، بل اكتفينا بالإحالة إليها أو إلى أحدها عن بيان درجته، لا يفيد ذلك من الجزم بصحة الحديث.
ب- أما إذا لم يكن الحديث في أيٍّ من الصحيحين أو الموطأ فنخرّجه من دواوين المحدثين المعتبرة بتقديم السنن الأربعة، ثم بقية التسعة ثم بقية المصادر، مع إيراد كلام العلماء فيه، وتوثيق ذلك كلِّه، وما أنا في الحكم على الحديث إلَّا ناقل عن المُتقدِّمين، أو مُستأنسٌ بآَراء المُتأخِّرين.
ج- أثناء العزو نذكر الكتاب والباب الذي ورد فيه الحديث، مع ما يسهل الرجوع إليه من رقم الحديث التسلسلي، أو رقم الجزء والصفحة، أو جميع ما تقدم.
حادي عشر: ترجمة أعلام السادة المالكية المذكورين في الكتاب تراجم وافية مقدمين في كل ترجمة كنية المترجَم فاسمه ونسبه، ثم ألقابه
…
إلخ، مع الإشارة في آخر الترجمة إلي مصادرها لمن أراد التوسع.
ثاني عشر: التعريف بما تيسر التعريف به من الكتب والأماكن المذكورة في النص المحقق، وشرح غريب الألفاظ، وبيان معاني المصطلحات، وتوثيق ذلك كله من مصادره المعتمدة.
ثالث عشر: عزوما تيسَّر من النقول والاقتباسات الواردة في الكتاب تصريحًا أو تلميحًا، بالنص أو بالمعنى إلى مصادرها بقدر الإمكان.
رابع عشر: تذييل الكتاب بقائمة بالصادر المطبوعة والمخطوطة التي اعتمدناها في التحقيق، ثم بفهرس الموضوعات.
خامس عشر: وضع بعض التعليقات والفوائد المختلفة لمسائل فقهية أو لغوية أو غير ذلك، مما يثري الكتاب، ويعود على القارئ بالفائدة.
وإننا إذ ندفع بعملنا هذا إلى المكتبة الإسلامية، لنستحضر ما وجدناه مقيدًا في غرة الجزء الثاني من نسخة الشرح الكبير لبهرام على مختصر شيخه، والمحفوظة في خزانة جامع القرويين بفاس تحت رقم (418) وفيه:"فائدة: وُجِد بخط سيدي أحمد زرُّوق ما نصَّه: الكتاب كالمكلَّف لا يرتفِع عنه القلَم ما لمَ يهلِك، وقراءتُه بغير قلم ودواةٍ بطالة".
وإننا على يقين بأن إعادة النظر فيما قمنا به المرَّة بعد المرَّة سيوقفنا على أنَّ بعض ما رجَّحناه باجتهادنا -في بعض المواضع- قد يكون غيرُه أولى منه وأصوَب لو كان في موضعه، وظنُنا بالقراء الكرام -طلابًا وعلماء- أنَّهُم لن يضِنُّوا علينا بالتنبيه إلى ما يرون التنبيه إليه ضرورة، حتى يستويَ عملُنا في هذا الكتاب وغيرِه على سُوقِه، وأن يُخرَج -كما أراد مؤلفه- من مخطوطه إلى مطبوعه.
ونُعقِّب التحدث بعظيم نعم الله تعالى علينا في تحقيق ونشر هذا الكتاب، بإسداء جزيل الشكر والعرفان إلى من أعاننا على إنجاز العمل فيه من الخلان والأصحاب، ونخصُّ منهم فريق العمل في مركز نجيبويه بفرعيه في القاهرة وانواكشوط من النسَّاخ والباحثين والإداريِّين والكتَّاب، فللجميع منا الشكر، ومن الله الأجر.
ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم).
وصلى الله وسلم على نبينا الأمين، وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربِّ العالمين.
المحققان
* * *