الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالديار المصرية (1)، وهو السبب في تلقيبه بالجندي، على أحد قولين ذكرناهما في صدر هذه الترجمة (2).
*
وفاته وثناء العلماء عليه:
- وفاته:
الغريب في شأن الشيخ خليل -وهو من هو اشتهارًا في المذهب- ألا يوقف على سنة وفاته تحديدًا؛ فيَختلِف فيها النقل بين من ترجمه من مؤرخي المذهب كابن فرحون (3) والقرافي والتُنْبُكتِي، وغيرهم ممن ذكره من غير مؤرخي المذهب كابن حجر وابن تغري بردي وغيرهما، وليس الاختلاف في سَنَةٍ أو بعضِ سَنَة، كما هو الشأن في تراجم البعض ممن لم تقترن وفاته بحَدَثٍ عام أو شِبْهِه، فقد اختلف في وفاة الشيخ خليل على أربعة أقوال:
أوَّلهُا: ينسب لابن فرحون خطأ حيت ورد في المطبوع من "الديباج" أن وفاته كانت سنة 749 هـ (4)، والصواب أن هذه السنة هي سنة وفاة المنوفي شيخ خليل، وقد نقلها ابن فرحون عن كتاب "مناقب المنوفي"، أما خليل فلم يذكر سنة وفاته (5).
(1) قال ابن فرحون: كان الشيخ خليل من جملة أجناد الحلقة المنصورة يلبس زي الجند المتقشفين. انظر: الديباج، ص:186.
(2)
انظر ص: 8 من المقدمة.
(3)
هو: أبو محمد، إبراهيم بن علي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون اليعمري، الجياني، المدني، برهان الدين، صاحب الديباج، المتوفي سنة 799 هـ، من أكابر الأئمة الأعلام، عالمًا بالفقه والتفسير والحديث، سمع الحديث على والده وعمه غيرهما، ورحل إلى مصر والقدس ودمشق، وتولى قضاء المدينة النبوية، سنة 793 هـ، وكان عليه مدار أمور الناس فيها، من آثاره "الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب" ترجم فيه لأئمة المالكية حتى عمره وقد ذيل عليه القرافيُّ بدر الدين، والتُنْبُكتِي والقادريُّ، و"تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام"، ومنسك، وغيرها من التصانيف. انظر ترجمته في: توشيح الديباج، للقرافي، ص: 23، ونيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 15، وشجرة النور، لمخلوف ص 302، والدرر الكامة، لابن حجر: 2/ 300، وإنباء الغمر، لابن حجر: 3/ 338، وتاريخ ابن قاضي شهبة: 3/ 623.
(4)
انظر: الديباج، ص:186.
(5)
وقع في هذا الخلط الشنيع، والخطأ المريع، معظم محققي كتاب التوضيح من طلاب جامعة القرويين.
والقول الثاني: نُقل عن ابن حجر (1)، والجلال السيوطي (2)، وابن القاضي المكناسي (3)، والتتائي (4)، وآخرين أن وفاته كانت في سنة 767 هـ (5).
وقد رجح القرافي قول ابن حجر مُعَلِّلًا لذلك بأن ابن حجر من معاصري المؤلف، وممن يُعرَفون بالتثبت والدِّقة في الرواية (6)، وتبِعَه على هذا الترجيح الحطَّابُ في مواهبه (7).
تنبيه: المنقول عن ابن حجر جاء مكتوبًا بالأرقام لا بالحروف؛ ما يوحي إلى أنه قد يكون سهوًا أو غلطًا من الناسخين، والله أعلم.
القول الثالث: انفرد به أبو العباس زرُّوق ومفادُه أن وفاة خليل كانت سنة 769 هـ (8).
ورابع الأقوال وآخِرها -وهو ما عليه الأكثرون- أنه رحمه الله توفي لثلاثة عشر يومًا من ربيع الأول سنة 776 هـ، وقد ذكرَهُ ابن مرزوق الحفيد، وابن غازي المكناسي (9)، وناصر الدين اللقاني (10)، وغيرهم (11).
وهذا القول رجَّحَهُ العلامةُ التُنْبُكتِي (12)، لما نقل عن الإمامَيْن ناصر الدين
(1) انظر: الدرر الكامنة، لابن حجر: 2/ 207.
(2)
انظر: حسن المحاضرة، للسيوطي: 1/ 262.
(3)
انظر: درة الحجال، لابن القاضي المكناسي، ص:258.
(4)
انظر: جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر، للتتائي، مخطوط في دار الكتب المصرية، لوحة: 3/ أ، ب، تحت رقم (673 فقه مالكي)، وهذا الكتاب من مشاريع التحقيق والنشر في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث.
(5)
انظر: مواهب الجليل: 1/ 14، والفكر السامي، للحجوي: 2/ 244.
(6)
انظر: توشيح الديباج، للقرافي، ص:94.
(7)
انظر: مواهب الجليل، للحطاب: 1/ 14.
(8)
انظر: شرح زروق على الرسالة: 1/ 10.
(9)
انظر: شفاء الغليل، لابن غازي: 1/ 114.
(10)
انظر: اللوحة: أ/ ب من مخطوط شرح اللقاني على خطبة خليل، المحفوظة في المكتبة الأزهرية، تحت رقم (303987).
(11)
انظر عرض هذه الأقوال في وفاة خليل في توشيح الديباج، للبدر القرافي، ص:94.
(12)
انظر: نيل الابتهاج، للتُنْبُكتِي، ص:172.
الإسحاقي، وناصر الدين التنسي.
وهذا الترجيح الأخير هو الذي اخترناه؛ خاصةً وأنَّ بعضَ الروايات تحكي عن خليل أنه شارك في معركة استرجاع الإسكندرية من العدو، مع أن هذه المعركة لم تقع إلا بعد سبعين وسبعمائة من الهجرة (1).
رحم الله أبا الضياء ونور مرقده وأدام بركة ما سطَّره آمين .. آمين.
- ثناء العلماء عليه:
خلَّف الشيخ خليل رحمه الله آثارًا تشهد برسوخ قَدَمِه، وعُلُوِّ كَعْبِه، وفي شيُوعِها وتلقي الناس لها بالقبول في حياته، ورجوعهم إليه بعد مماته، ما يغني عن تتبع ثنائهم -في مصنفاتهم- عليه، ولكن جريان العادة على ذكر طائفة من ذلك الثناء العاطر، يجعلُنا نقتنص بعضها من بطون المراجع والمصادر، إثباتًا لفضل العلماء، وحثًّا لأتْبَاع على الاقتداء، فنذكر فيما يلي من ثناء العلماء عليه، ما يوصلنا بأسباب الحب في الله إليه، ومنه قول ابن حجر "كان صيِّنًا عفيفًا نزِهًا"(2).
وقول ابن فرحون "كان رحمه الله صدرًا في عُلماء القاهرة، مجمَعًا على فضله وديانته، أستاذًا ممتعًا من أهل التحقيق، ثاقب الذهن، أصيلَ البحث، مشاركًا في فنون من العربية والحديث والفرائض، فاضلًا في مذهب مالك، صحيح النقل"(3).
وقول ابن مرزوق الحفيد أن خليلًا كان "من أهل الدين والصلاح والاجتهاد في العلم إلى الغاية"(4).
ووصف زروق له بفريد وقته عِلمًا وديانة (5).
وقول ابن غازي "كان عالمًا عاملًا مشتغلًا بما يعنيه"(6).
وقول بدر الدين القرافي "الإمام العامل العلامة، القدوة الحجة الفهامة، جامع
(1) السابق، ص:170.
(2)
انظر: الدرر الكامنة، لابن حجر: 2/ 207.
(3)
انظر: الديباج المذهب، ص:186.
(4)
انظر: نيل الابتهاج، للتُنْبُكتِي: 1/ 184.
(5)
انظر: شرح زروق على الرسالة، ص:10.
(6)
انظر: شفاء الغليل، لابن غازي: 1/ 113.
أشتات الكمالات بفضائله، حامل لواء المذهب المالكي على كاهله" (1).
وقول مخلوف "الإمام الهمام، أحد شيوخ الإسلام، والأئمة الأعلام، الفقيه، الحافظ، المجمع على جلالته وفضله، الجامع بين العلم والعمل"(2).
ومن أعذب الثناء على الشيخ خليل قول أبي الحسن، علي بن أبي حمامة السلوي (3):
خَلَلْتَ مِنْ قَلْبِي مَسَالِكَ نَفْسِهِ
…
والرُّوحَ قد أَحْكَمْتَهُ تَخلِيلَا
أخَلِيلُ إنِّي قَدْ وَهَبْتُكَ خُلَّةً
…
مَا مِثْلُهَا يَهَبُ الخلِيلُ خَلِيلَا
فَخَلِيلُ نَفْسِي مَنْ يَوَدُّ خَلِيلَها
…
وخَلاهُ ذَمٌ إنْ أحَبَّ خَلِيلَا
ونختم بقول القرافي (4):
فَخَليلُ الإمَامُ بَحْرُ الْعَانِي
…
لَمْ يَزَلْ بِالرَّشَادِ يَهْدِي سَبِيلَا
أَخْلَصَ الْقَصْدَ فَالإلَهُ تَعَالَى
…
قَدْ كَسَاهُ مِنَ الْكَمالِ جَمِيلَا
فَعَلَيْهِ مِنَ الإلَهِ تَعَالىَ
…
رَحْمَة قَدْ عَلَتْ وَزَكَتْ سَلْسَبِيلَا
* * *
(1) انظر: شفاء الغليل، لابن غازي، ص:70.
(2)
انظر: شجرة النور: 1/ 223.
(3)
انظر: ثوشيح الديباج، للقرافي، ص:74.
(4)
انظر: توشيح الديباج، للقرافي، ص:74.
المبحث الثاني التعريف بالشارح: تاج الدين بهرام بن عبد الله عبد العزيز الدميري (1)(743 - 805 هـ)
* اسمه ولقبه ونسبه ونسبته:
هو: أبو البقاء، بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن عوض بن عمر السلمي، الدَّمِيري، القاهري المصري، المالكي، تاج الدين.
* مولده:
ولد بهرام بقرية دَمِيرة قرب دمياط (2) وإليها ينسب، وقد اختلف في سنة مولده، وقد أثبتنا ما ذكره السخاوي في الضوء اللامع أنه:"ولد سنة أربع وثلاثين وسبعمائة تقريبًا كما قرأته بخطه".
أما ما ذكر بَدْرُ الدِّين القَرافي (3) في "التوشيح"(4) نقلًا عن ابن حجر في "رفع الإصر عن قضاة مصر" أن ولادته كانت سنة 743 هـ، فهو نقل غير دقيق، والموجود في المطبوع من "رفع الإصر"(5) و"إنباء الغمر بأبناء العمر"(6)، لابن حجر أن ولادته سنة
(1) انظر ترجمته في: توشيح الديباج، للقرافي، ص: 62، وكفاية المحتاج، للتنبكتي: 1/ 177، ونيل الابتهاج، له أيضًا: 1/ 160، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 344، والضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 19، وإنباء الغمر، لابن حجر: 5/ 98، وحسن المحاضرة، للسيوطي: 1/ 383، ولقط الفرائد، للمكناسي، ص: 232، والوفيات، للونشريسي، ص: 135، وشذرات الذهب، لابن العماد: 7/ 49، والفكر السامي، للحجوي: 2/ 294، والأعلام، للزركلي: 2/ 76، ومعجم المؤلفين، لكحالة: 3/ 80.
(2)
انظر: معجم البلدان، لياقوت: 2/ 472.
(3)
هو: محمد بن يحيى بن عمر بن أحمد بن يونس القرافي، بدر الدين، المتوفي سنة 1008 هـ، الفقيه المالكي، اللغوي، من أهل مصر. ولي قضاء المالكية فيها له كتب، منها: القول المأنوس بتحرير ما في القاموس، ورسالة في بعض أحكام الوقف وتوشيح الديباج ذيل به على ابن فرحون في الديباج. انظر ترجمته في: خلاصة الأثر، للمحبي: 4/ 258، ونيل الابتهاج، للتنبكتي: 2/ 298، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 287.
(4)
انظر: توشيح الديباج، للقرافي، ص:62.
(5)
رفع الإصر عن قضاة مصر، لابن حجر: 1/ 87.
(6)
انظر: إنباء الغمر: 5/ 99.
734 هـ، وما عند مخلوف في "شجرة النور الزكية في طبقات المالكية"(1) أنها في سنة 724 هـ، فهو تصحيف بيِّن.
* شيوخه بدءًا بالأقدم وفاةً:
* أبو الحرم، محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي الفتح القلانسي، الفقيه الحنبلي، المتوفى سنة 765 هـ (2) سمع بهرام منه مجالس من صحيح البخاري (3).
* أبو عبد الله، محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن إبراهيم البياني، الدمشقي، شمس الدين، المتوفى سنة 766 هـ (4) سمع بهرام منه الشفا (5).
* أبو محمد، عبد الله بن علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفي بن سليمان المارديني، المعروف بابن التركماني الحنفي، جمال الدين، المتوفي سنة 769 هـ (6)، سمع بهرام منه جميع صحيح البخاري (7).
* أبو السعادات، عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان بن فلاح اليافعي، اليمني، عفيف الدين، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة 769 هـ (8)، من مصنفاته " الإرشاد"، و"التطريز"، و"أطراف التواريخ" و"مرآة الجنان وعبرة اليقظان"، وغيرها من المؤلفات.
* يحيى بن عبد الله الرَّهُوني، المغربي، المالكي، شرف الدين، المتوفى سنة 773 هـ (9)،
(1) انظر: شجرة النور، لمخلوف: 1/ 344.
(2)
انظر ترجمته في: الدرر الكامنة، لابن حجر: 96/ 5، والفكر السامي، للحجوي: 2/ 366.
(3)
الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 19.
(4)
انظر ترجمته في: الوفيات، لابن رافع: 2/ 301، والسلوك، للمقريزي: 4/ 281.
(5)
الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 19.
(6)
انظر ترجمته في: الفوائد البهية في تراجم الحنفية، للكنوي: ص 123، والنجوم الزاهرة، لابن تغري بردي: 11/ 99.
(7)
انظر: الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 19.
(8)
طبقات الشافعية، للأسنوي: / 195، الدرر الكامنة، لابن حجر: 2/ 247، والنجوم الزاهرة، لابن تغري بردي: 11/ 92، وشذرات الذهب، لابن العماد: 6/ 210.
(9)
انظر ترجمته في: الديباج المذهب، لابن فرحون، ص: 436 - 437، وكفاية المحتاج، للتنبكتي: 1/ 177، وإنباء الغمر، لابن حجر: 1/ 36.
درَّس بالشيخونية (1) والصَّرْغَتْمِشِية (2)، تخرج به المصريون، أخذ بهرام عنه الفقه (3).
* أبو المودة، خليل بن إسحاق الجندي، المصري، غرس الدين، المتوفى سنة 776 هـ (4)، أخذ بهرام عنه الفقه وسمع منه سنن أبي داود بمكة (5) وهو أجل شيوخ بهرام والصلة بينهما وثيقة (6).
* عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن سليمان الإسكندراني، جمال الدين، القاضي المالكي، المعروف بابن خير، المتوفى سنة 791 هـ (7) سمع بهرام منه سنن الترمذي (8).
* وظائف بهرام والمهام التي شغلها:
* دَرَّسَ بالشيخونية وغيرها، كما ذكر التُّنْبُكْتي عن أبي الجود
(1) بنى الأمير الكبير أتابك العساكر شيخون بن عبد الله العمري الناصري، المتوفي سنة 758 هـ، الخانقاه في خط الصليبة خارج القاهرة وجعل شيخها الشيخ أكمل الدين محمد البابرتي الحنفي، المتوفي سنة 786 هـ، وأنشأها على أرض مساحتها تزيد على الفدان حيث اختط الخانقاه وحمامين وعدة حوانيت تعلوها بيوت لسكني العامة ورتب دروسًا أربعة لطوائف الفقهاء، ودرسًا للحديث النبوي، ودرسًا لإقراء القرآن بالروايات السبع. انظر: بدائع الزهور، لابن إياس: 1/ 557 - 558، والسلوك، للمقريزي: 3/ 17 والخطط المقريزية، له أيضًا: 4/ 283.
(2)
هي مدرسة بقلعة الكبش في القاهرة بجوار جامع أحمد بن طولون أسسها الأمير صَرْغتمِش الناصري سيف الدين أحد المماليك الذين كانت له وجاهة ونفوذ، وميل إلى المذهب الحنفي، توفي مقتولًا بالأسكندرية سنة 751 هـ. انظر: الخطط والآثار، للمقريزي: 2/ 167.
(3)
الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 19، وكفاية المحتاج، للتنبكتي: 1/ 178.
(4)
انظر ترجمته في: الديباج المذهب، لابن فرحون، ص: 186، ونيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 183، وكفاية المحتاج، للتنبكتي: 1/ 198، والدرر الكامنة، لابن حجر: 2/ 86، وحسن المحاضرة، للسيوطي: 1/ 460، وشجرة النور الزكية، لمخلوف: 1/ 321، والنجوم الزاهرة، لابن تغري بردي: 11/ 92، والأعلام، للزركلي: 2/ 315.
(5)
الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 20.
(6)
تنوقل من أخبار بهرام أنه كان ربيبًا لخليل في حجره، أو زوجًا لابنته وما وقفت بين ترجمتيهما على أي من هذه الأخبار.
(7)
انظر ترجمته في: نيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 271، وكفاية المحتاج، للتنبكتي: 1/ 268، وإنباء الغمر، لابن حجر: 2/ 371، وشذرات الذهب، لابن العماد: 6/ 316.
(8)
الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 20.
المصري (1).
* وناب في القضاء عن الأخنائي المتوفي سنة 777 هـ (2)، وشيخِهِ ابن خير المتوفي سنة 791 هـ، والبساطي المتوفي سنة 783 هـ (3).
واستقل بالقضاء سنة 792 هـ حيث ولّاه مِنطاش مدة (4) وعزَلَهُ الظاهر بَرْقُوق بعد ذلك فتَفَرَّغ للتدريس والفُتيا حتى وافاه الأجل.
* تلاميذه:
تخرج على بهرام الدَّمِيري عدد وافر من التلاميذ الأفذاذ ومنهم من فاقت شهرته شهرة شيخه وفيما يلي نذكر أشهرهم مرتبين بحسب الأقدم وفاة:
* عبد الله بن مقداد بن إسماعيل الأقفهسي، أو الأقفاصي، القاهري، المالكي، جمال الدين، المتوفي سنة 823 هـ (5)، انتهت إليه رئاسة المذهب والفتوى بمصر، وقد شارك بهرام في الأخذ عن الشيخ خليل، وله من المصنفات:"المقالة في شرح الرسالة" لابن أبي زيد القيرواني، وكتاب في التفسير ثلاث مجلدات، وشرح المختصر الخليلي، في مثل ذلك (6).
* أبو الطيب، محمد بن أحمد بن علي الفاسي، المكي، الحسني، تقي الدين، المالكي، المتوفى سنة 832 هـ (7)، أخذ عن بهرام الفقه وأجازه في تدريسه سنة ثمانمائة (8)، له من
(1) انظر: نيل الابتهاج: 1/ 162.
(2)
هو: إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن عيسى الأخنائي، المالكي، برهان الدين، المتوفي سنة 777 هـ، ولي قضاء الديار المصرية سنة 763 هـ، ونظر الخزانة والمارستان، وله في أحكامه قضايا مشهورة.
انظر ترجمته في: الدرر الكامنة، لابن حجر: 1/ 58، وشذرات الذهب، لابن العماد: 6/ 250، والضوء اللامع، للسخاوي: 11/ 183.
(3)
الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 20.
(4)
كانت ولاية بهرام للقضاء من قبل منطاش الذي خرج على الظاهر وتوجه معه هو والقضاة إلى الشام لحرب الظاهر وطعن بهرام في صدره وشدقه فعاد للقاهرة مريضًا ولما عاد الظاهر للحكم عزله.
(5)
انظر ترجمته في: كفاية المحتاج، للتنبكتي: 1/ 249، ونيل الابتهاج، له أيضًا، 1/ 229.
(6)
انظر: نيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 229.
(7)
انظر ترجمته في: إنباء الغمر، لابن حجر: 8/ 187، والضوء اللامع، للسخاوي: 7/ 18، وكفاية المحتاج، للتنبكتي: 2/ 153، ونيل الابتهاج، للتنبكتي: 2/ 194، وتوشيح الديباج، للقرافي، ص:165.
(8)
انظر: توشيح الديباج، للقرافي، ص: 165، وذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد، للفاسي المترجم =
المؤلفات "شفاء الغرام بأخبار بلد الله الحرام" في مجلدين، و"ذيل التقييد على رواة السنن والأسانيد".
* أحمد بن محمد بن أحمد المصري، شهاب الدين، المعروف بابن تقي، وبابن أخت بهرام، المتوفي سنة 842 هـ (1)، ولد بفُوَّة من قرى مصر (2)، واشتهر بقوة الحافظة، وكان فيها من نوادر القاهرة (3).
* أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن عثمان الطائي، البُساطي، المالكي، شمس الدين، المتوفي سنة 842 هـ (4) ونسبته إلى بساط إحدى قرى الغربية بمصر، فاضل تولى القضاء بمصر ولم يعزل حتى وفاته.
* أبو ياسر، محمد بن عمار بن محمد بن أحمد، الشهير بابن عمار، شمس الدين، المتوفى سنة 844 هـ (5) أخذ الفقه عن بهرام (6)، له من المؤلفات "غاية الإلهام في شرح عمدة الأحكام" في ثلاث مجلدات، و"الإحكام في شرح عمدة الأحكام".
* حسن بن علي بن محمد البُهوتي (7)، القاهري، المالكي، بدر الدين، المتوفي سنة 845 هـ (8)، أخذ عن بهرام الفقه (9).
* عُبَادَة بن علي بن صالح بن عبد المنعم بن سراج الأنصاري الخزرجي، الزرزائي
= أعلاه، 1/ 68.
(1)
انظر ترجمته في: توشيح الديباج، للقرافي، ص: 37، والشذرات، لابن العماد: 4/ 242.
(2)
فُوَّةُ: بالضم ثم التشديد بلدة صغيرة على شاطيء النيل قرب رشيد. انظر: معجم البلدان، لياقوت: 4/ 280.
(3)
انظر: توشيح الديباج، للقرافي، ص:37.
(4)
انظر ترجمته في: كفاية المحتاج، للتنبكتي: 1/ 179، ونيل الابتهاج، له أيضًا: 2/ 186، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 345، وتوشيح الديباج، للقرافي، ص: 128، وإنباء الغمر، لابن حجر: 9/ 82، وحسن المحاضرة، للسيوطي: 1/ 462، وشذرات الذهب، لابن العماد: 7/ 245.
(5)
انظر ترجمته في: إنباء الغمر، لابن حجر: 9/ 154، والضوء اللامع، للسخاوي: 8/ 232، وكفاية المحتاج، للتنبكتي: 2/ 153 - 155، والتوشيح، للقرافي: ص 197 - 198.
(6)
انظرة الضوء اللامع، للسخاوي: 8/ 233.
(7)
نسبة إلى بهوت قرية بمحافظة الغربية بمصر.
(8)
انظر ترجمته في: الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 116.
(9)
انظر: المصدر والصفحة السابقين.
نسبة إلى "زرزا" إحدى قرى مصر المتوفى سنة 846 هـ (1)، أخذ عن بهرام الفقه (2).
* عبد الرحمن بن عبد الوارث بن محمد بن عبد العظيم البكري، من ولد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، القاضي، محيي الدين، المتووي سنة 868 هـ (3)، أخذ الفقه عن بهرام وعرض عليه ألفية النحو، وقرأ عليه جميع مختصر ابن الحاجب الفرعي، وسمعه بقراءة الشهاب ابن تقي، المتوفى سنة 842 هـ (4).
* مؤلفاته:
كانت لأبي البقاء بهرام مكانة كبيرة ومنزلة رفيعة في حياته وبعد موته، فهو حامل لواء المذهب المالكي في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري؛ تدل على ذلك كثرة مؤلفاته ورواجها وتلقيها بالقبول، فهو أجل من شرح مختصر خليل شرحًا محمودًا (5) وإليه انتهت رياسة المالكية في زمنه (6)، ومما بلغنا من مؤلفاته أو وقفنا عليه ما يلي:
1 -
الشامل في فروع الفقه المالكي وشرحه.
2 -
المناسك وشرحها في ثلاثة مجلدات (7).
3 -
ثلاث شروح على مختصر شيخه خليل في الفقه المالكي وهي:
* الشرح الكبير:
قال التنبكتي: ورأيت بخطه أنه ما كتب الشرح الكبير إلا عن رؤيا، قال:"رأيت الشيخ في المنام، وقد ناولني ورقة وقال لي: يا بهرام اكتب شرحًا على المختصر ينتفع به الناس فانتبهت واستخرت الله تعالى فشرح صدري لذلك". ولذا انتفع به الناس شرقًا وغربًا غير أنه لم يصحح شرحيه، وهو كافل بتحصيل الطالب مغن عن غيره (8).
(1) انظر ترجمته في: كفاية المحتاج، للتنبكتي: 1/ 376، وإنباء الغمر، لابن حجر: 9/ 193، وحسن المحاضرة، للسيوطي: 1/ 462.
(2)
انظر: توشيح الديباج، للقرافي، ص:85.
(3)
انظر ترجمته في: نيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 281، والضوء اللامع، للسخاوي: 4/ 90، والطبقات للحُضَيْكي: 2/ 534.
(4)
انظر: المصدر السابق: 2/ 535.
(5)
كفاية المحتاج، للتنبكتي: 1/ 178.
(6)
شذرات الذهب، لابن العماد: 7/ 48.
(7)
انظر: الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 20.
(8)
انظر: نيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 101.
وقال أبو البركات النالي (1): "شرحه الكبير كافل بتحصيل المطالب مغن عن غيره، وهو والصغير من الكتب المعتمد عليها في الفتوى"(2).
* والشرح الأوسط: وهو الأوسع انتشارًا والأكثر اشتهارًا.
قال الحطاب (3) عن شروح بهرام الثلاثة: "صار غالب المختصر بشروحه ظاهرًا، وأشهرها الأوسط مع أن الصغير أكثر تحقيقًا"(4).
قلتُ متعقِّبًا: بل الأوسط أكثر شهرةً وتحقيقًا، فقد عشنا معه وعايشناه معايشة المحقق المدقق، وما الصغير منه إلا كغرفة من دلوٍ مُترَع.
وللزياتي حسن بن يوسف بن مهدي، المتوفي سنة 1023 هـ (5) حاشية أيضًا على هذا الشرح (6).
* والشرح الصغير: قال عنه أبو الحسن الشاذلي المنوفي (7) في شرح خطبة خليل:
(1) هو: أبو البركات بن أبي يحيى بن أبي البركات النالي، التلمساني، أخذ عن ابن مرزوق الحفيد وقاسم العقباني وسليمان البوزيدي الشريف وغيرهم، رحل للشرق ودرس هناك قليلًا، واعتني بالشرح الكبير لبهرام وتصحيحه. انظر ترجمته في: نيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 165.
(2)
نيل الابتهاج: 1/ 161.
(3)
هو: أبو عبد الله، محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن حسين الرعيني، الأندلسي الأصل، ثم المكي، الإمام العلامة، الحافظ الحجة، كان من سادات العلماء، له تواليف بارعة تدل على إمامته وسعة علمه وحفظه وسيلان ذهنه وقوة إدراكه وجودة نظره وحسن إطلاعه، توفي سنة 954 هـ، ومن مصنفاته: من تصانيفه: "مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل"، و"تحرير الكلام في مسائل الالتزام"، و"تحرير المقالة في شرح الرسالة".
انظر ترجمته في: توشيح الديباج، للقرافي، ص: 216، ونيل الابتهاج، للتنبكتي: 2/ 285.
(4)
انظر: مواهب الجليل، للحطاب: 1/ 3، وكفاية المحتاج، للتنبكتي: 1/ 179.
(5)
هو: أبو الطيب، الحسن بن يوسف بن مهدي الزياتي، يعرف في بلاده بابن مهدي المتوفي سنة 1023 هـ والمولود ببني زيات في أقصي غرب منطقة غمارة سنة 964 هـ، درس بفاس القراءات والحديث والأصلين والفقه. انظر ترجمته في: الإعلام بمن غبر، لعبد الله بن عبد الرحمن الفاسي: 2/ 113، ونشر المثاني، للقادري: 1/ 197.
(6)
انظر: الإعلام بمن غبر، لعبد الله بن عبد الرحمن الفاسي: 2/ 114، وفيه أن الذي أكمل هذه الحاشية ولده عبد العزيز.
(7)
هو: أبو الحسن، علي بن محمد بن محمد بن محمد بن خلف بن جبريل المنوفي، الشاذلي، الفقيه=
كان طررًا جمعه الإسحاقي، المتوفي سنة 810 هـ (1) فجاء شرحًا مستقلًا وسماه "الدرر في شرح المختصر"(2)، وربما تأيد هذا الرأي بما أشار إليه التنبكتي في سبب تأليف "الشامل" نقلًا عن أبي الجود المصري: أن بهرام حينما خلف شيخه خليلا في المدرسة الشيخونية طلب أن يصحح شرحيه على مختصر خليل بين يديه على عادة المشايخ، فأبَوْا عَلَيه، فصرف همته إلى تصنيف "الشامل" ولم يعاود النظر في الشرحين (3).
قلت: ومحل الشاهد على المراد في هذا الكلام ما ذكر من أن لبهرام شرحين على المختصر لا ثلاثة شروح، فلعل الثالث وهو الصغير جمع بعد وفاته من طرر وضعها على المختصر كما نقل عن الإسحاقي.
أضف إلى ذلك احتمال تحوير كلمة "الطرر" إلى "الدرر" في نسخة التنبكتي رحمه الله، أو خطأ محققي كتابه في تسمية الشرح الصغيرب "الدرر" عوضًا عن "الطرر"، حيث لم يسمِّه أحد بذلك غير التنبكتي رحمه الله وغفر له.
قال السخاوي في وصف شرح بهرام لمختصر خليل: "
…
شرحًا محمودًا انتفع به الطلبة؛ لأنه في غاية الوضوح بحل ألفاظه من غير تطويل بدليل أو تعليل واعتمده كل من في زمنه فضلًا عمن بعده" (4).
ولابن غازي المكناسي (5) حاشية ذيل بها على الشرح الصغير وسماها "شفاء الغليل
= والمحدث واللغوي، نور الدين المولود بالقاهرة والمتوفي بها سنة 939 هـ، وله من المصنفات: شرح على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، وعمدة السالك على مذهب مالك، وشرحان على صحيح البخاري. انظر ترجمته في: توشيح الديباج، للقرافي، ص: 120، ونيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 388.
(1)
هو: أبو عبد الله، محمد بن عثمان بن موسى بن محمد الإسحاقي، المالكي، ناصر الدين، فقيه أصولي من محلة إسحاق بمحافظة الغربية بمصر، ناب في القضاء، وتوفي عن تسعين عاما. انظر ترجمته في: الضوء اللامع، للسخاوي: 8/ 150.
(2)
انظر: نيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 162.
(3)
انظر: نيل الابتهاج: 1/ 162.
(4)
الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 20.
(5)
هو: محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن غازي العثماني، المتوفي سنة 919 هـ، ونسبته إلى "أبي عثمان" وهي قبيلة من كتامة، نشأ بمكناسة الزيتون ثم ارتحل إلى فاس في طلب العلم نحو سنة ثمان وخمسين وثمانمائة، ولقي جماعة ذكر مشاهيرهم في فهرسته المسماة "التعلل برسوم الإسناد بعد انتقال أهل=
في حل مقفل خليل" (1) وقال في مقدمتها: "ولقد عني تلميذه الإمام أبو البقاء بهرام بحلِّ رموزه، واستخراج كنوزه، وافتراع أبكاره، واقتباس أنواره، واجتناء ثماره، واجتلاء أقماره بأظرف عبارة، وألطف إشارة، إلَّا أماكن أضرب عنها صفحًا، أو لم يُجِدها شرحًا؛ فتحرك مني العزم الساكن لتتبع تلك الأماكن، فشرحتها" (2).
وقد قال ابن غازي في آخرها: "كمل والحمد لله شفاء الغليل في حلّ مقفل خليل" فمن أضافه لشرح بهرام الصغير سهل عليه بحول الله كل عسير" (3).
* قال أبو الجود المصري (4): لما رأى قاسم العقباني (5) الشرح الصغير بالقاهرة قال: "أعجبني بهرام " ثلاث مرات (6).
5 -
شرح "الخلاصة" المعروفة بألفية ابن مالك في النحو (7).
6 -
شرح "منتهي السُّول والأمل في علمي الأصول والجدل" لابن الحاجب (8).
= المنزل والناد" ومن آثاره: "تفصيل الدرر" في رسم القرآن، وتفصيل الدرر في القراءات، ونظم نظائر رسالة القيرواني، و"إتحاف ذوي الاستحقاق" شرح لألفية ابن مالك، و"إرشاد اللبيب إلى مقاصد حديث الحبيب". انظر ترجمته في: فهرسته، والروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون، من تصنيفه، ص: 71، وإتحاف أعلام الناس، لابن زيدان: 4/ 3، وسلوة الأنفاس، للكتاني: 2/ 73.
(1)
من منن الله علينا أن وفقنا لتحقيق ونشر هذا الكتاب في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بمصر سنة 2007 م.
(2)
انظر: شفاء الغليل، لابن غازي: 1/ 112.
(3)
انظر: شفاء الغليل، لابن غازي: 2/ 1173.
(4)
هو: أبو الجود، داود بن سليمان بن حسن بن عبيد الله البنبي، ابن أبي الربيع المعروف بأبي الجود، فرضي مالكي. نسبته إلى بَنْب من قرى الغربية بمصر. انظر ترجمته في: توشيح الديباج، للقرافي، ص: 80، ونيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 191.
(5)
هو: أبو الفضل وأبو القاسم، قاسم بن سعيد بن محمد العقبانى، التلمسانى، أخذ عن والده الإمام أبي عثمان وغيره، وحصل العلوم حتى وصل درجة الاجتهاد، وله اختيارات خارجة عن المذهب، نازعه كثير منها عصريه الإمام ابن مرزوق الحفيد توفي سنة 854 هـ. انظر ترجمته في: رحلة القلصادي، ص: 106، نيل الابتهاج، للتنبكتي: 2/ 13، شجرة النور، لمخلوف: 1/ 256.
(6)
انظر: نيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 161.
(7)
انظر: الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 19، وشذرات الذهب، لابن العماد: 7/ 49 وكشف الظنون، لحاجي خليفة: 1/ 152، وجامع الشروح والحواشي، لعبد الله حبشي: 1/ 272.
(8)
توجد نسخة مخطوطة لهذا الشرح في دار الكتب المصرية تحت رقم 22 وفي خزانة القرويين بفاس =
8 -
شرحُ كتاب الإرشاد (1) في ستة مجلدات (2).
9 -
منظومة في المسائل التي لا يعذر فيها بالجهل (3)
10 -
كتاب الجامع (4).
11 -
قواعد السنة (5).
12 -
منظومة الدرة الثمينة (6).
* وفاته:
توفي: في جمادى الآخرة سنة 805 هـ (7).
= تحت رقمي 1013 و 1008.
(1)
هو كتاب: إرشاد السالك إلى أشرف المسالك في فقه الإمام مالك، لأبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن عسكر البغدادي، وهو من المختصرات الفقهية على طريقة مالكيي العراق وقد طبع مذيلا بحاشية لطه الزيني، ببيروت دون ذكر سنة الطبع، انظر مقدمة الكتاب، ص: 3، ومعجم المؤلفين، لكحالة: 3/ 80.
(2)
إرشاد السالك، للبغدادي، ص: 3، وشجرة النور الزكية، لمخلوف، ص: 345، والأعلام، للزركلي: 2/ 76، ومعجم المؤلفين، لكحالة: 3/ 80.
(3)
ولدينا منها نسخة خطية أصلية بمركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث وتوجد نسخة أخرى بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم (253 د). وقد شرحها محمد بن محمد بن أحمد الأمير السنباوي المالكي المتوفي سنة 1232 هـ وقد طبع هذا الشرح محققًا في بيروت بدار الغرب الإسلامي.
(4)
فقد ذكر الحضيكي في طبقاته في سياق ترجمته لعبد الله بن يعقوب السملالي، المتوفي سنة 1052 هـ أن له شرحًا على كتاب الجامع لبهرام، وانظر أيضًا: الاستقصاء، لأبي العباس الناصري: 5/ 186، والمعسول، للمختار السوسي: 5/ 12، وذكر أن للكتاب نسختين في خزانة أبي فارس الأدوزي. وقد قام الباحث أحسين أشرف بتحقيقه في أطروحة جامعية في كلية الشريعة بفاس تحت إشراف الدكتور عمر الجيدي.
(5)
إيضاح المكنون، للبغدادي: 2/ 242.
(6)
ذكر ابن حجر أن لبهرام الدميري نظمًا ولم يسمِّه، وسماه السخاوي: الدرة الثمينة نحو ثلاثة آلاف بيت وشرحها في حواشي بخطه عليها. انظر: إنباء الغمر، لابن حجر: 5/ 99، والضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 20.
قلت: لم أقف على ذكر لهذا النظم فيما بين يدي من فهارس الخزانات والمخطوطات ونحوها، ولم أقف عليه مخطوطًا ولا مطبوعًا.
(7)
الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 19، وتوشيح الديباج، للقرافي، ص: 85، وكفاية المحتاج، للتنبكتي: =
ودفن بجوار تربة السيدة رقية بالقرب من المشهد النفيسي (1).
* ثناء العلماء عليه:
* ابن حجر: "كان فاضلًا في مذهبه .. برع وأفتى ودرس بالشيخونية وغيرها"(2).
* السَّخَاوي (3): "كان محمود السيرة، لين الجانب، عديم الشر، كثير البر، قل أن يمنع سائلًا شيئًا يقدر عليه"(4).
* أبو البركات النالي (5): "هو أجلُّ من تكلم على مختصر خليل"(6).
* مخلوف (7): "الحافظ المحقق المطلع الفهامة حامل لواء المذهب المالكي بمصر وإليه المرجع هناك"(8).
= 1/ 177، وشجرة النور الزكية، لمخلوف: 1/ 345، والأعلام، للزركلي: 2/ 76.
(1)
قال السخاوي في ترجمة ابن أخت بهرام: ثم دفن بجوار بيته في تربة السيدة رقية بالقرب من المشهد النفيسي قريبا من قبر قريبه التاج بهرام وبه يعرف أنه مدفون في هذا المكان، الآن يعرف بشارع الأشرف بحي الخليفة بمصر. انظر: الضوء اللامع، للسخاوي: 2/ 79.
قلت: والمشهد النفيسي هو ما يعرف اليوم بمسجد السيدة نفيسة، وهو محج يقصده المتبركة والمتصوفة وتنتشر من حوله البدع، وتعتقد فيه معتقدات فاسدة.
(2)
انظر: إنباء الغمر، لابن حجر: 5/ 98.
(3)
هو: محمد بن عبد الرحمن بن محمد، السخاوي، شمس الدين المؤرخ، عالم الحديث والتفسير والأدب أصله من سخا (من قرى مصر) المتوفي سنة 902 هـ. انظر ترجمته في: الضوء اللامع، له: 8/ 2، والكواكب السائرة، للغزي: 1/ 53 والشذرات، لابن العماد: 8/ 15.
(4)
انظر: الضوء اللامع، للسخاوي: 3/ 20.
(5)
هو: أبو البركات بن أبي يحيى بن أبي البركات النالي، التلمساني، أخذ عن ابن مرزوق الحفيد وقاسم العقباني وسليمان البوزيدي الشريف وغيرهم، رحل للشرق ودرس هناك قليلًا، واعتنى بالشرح الكبير لبهرام وتصحيحه. انظر ترجمته في: نيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 165.
(6)
انظر: نيل الابتهاج، للتنبكتي: 1/ 161.
(7)
هو: محمد بن محمد بن عمر بن علي بن سالم مخلوف المنستيري، فقيه تونسي مولده ووفاته في المنستير (بتونس) تعلم بجامع الزيتونة، ودَرّسَ فيه، ثم بالمنستير، وولي الإفتاء بقابس سنة 1313 هـ فالقضاء بالمنستير (1319) فوظيفة (باش صفتي) فيها، أي المفتي الأكبر (سنة 1355) إلى أن توفي سنة 1360 هـ، اشتهر بكتابه شجرة النور الزكية في طبقات المالكية. انظر ترجمته في: الأعلام، للزركلي: 7/ 82.
(8)
انظر: شجرة النور، لمخلوف: 1/ 239.
* وللبدر القرافي مادحًا لبهرام ولشرحه على خليل (1):
إن قاضي القضاة بهرام أضحى
…
مجده ظاهرًا بديع البيان
إن تسل عن ظهوره فقلت حزمًا
…
بخلوص وصدق عزم وشان
قد أتى بالعجيب في وضع شرح
…
لاختصار لشيخه ذي المعاني
لخليل يدعي فأظهر سرًّا
…
من خبايا كتابه للمعاني
فلذا كان شرحه لا يضاهي
…
وعليه المدار في كل آن
فترى المتن مبرزًا سر فقه
…
واقتفى الشرح ذاك بالبرهان
قد أحاطاها بمذهب مالكي
…
لهما انقاد كل ذي عرفان
رحمة الله ذي الجلال عليه
…
وعلى شيخه مدى الأزمان
ما دعا مخلص داوم ذكرا
…
زاكيًا بالحديث والفرقان
مع صلاة تخص أعلي مقام
…
فوق بهرام بل على كيوان
رحم الله أبا البقاء، وثقَّل بما انتفعنا به من علومه وآثاره موازينَه في دار البقاء، وجمعنا به مع الحبيب المصطفي صلى الله عليه وسلم في جنة عرضها الأرض والسماء، آمين، آمين، آمين.
* * *
(1) انظر: توشيح الديباج، للقرافي، ص:64.
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن 1) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المرموز لها بالرمز (ن 1) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن 2) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن 2) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن 3) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن 3) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن 4) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن 4) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن 5) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ن 5) والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز 1) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 308708 في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز 1) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 308708 في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز 2) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 308706 في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز 2) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 308706 في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز 3) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 308701 في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ز 3) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 308701 في المكتبة الأزهرية بالقاهرة
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ح 1) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 9098 في الخزانة الحسنية بالرباط
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المرموز لها بالرمز (ح 1) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 9098 في الخزانة الحسنية بالرباط
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ح 2) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 9414 في الخزانة الحسنية بالرباط
صورة الصفحة الأخيرة من النسخة المرموز لها بالرمز (ح 2) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 9414 في الخزانة الحسنية بالرباط
صورة الصفحة الأولى من النسخة المرموز لها بالرمز (ت) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 83701 HK في المكتبة المليّة (العامة) بأنقرة
صورة الصفحة الختم من النسخة المرموز لها بالرمز (ت) والتي يحفظ أصلها تحت رقم 83701 HK في المكتبة المليّة (العامة) بأنقرة
تحبير المختصر
وهو الشرح الوسَط على مختصر خَليل في الفقه المالكي
تأليف
تاج الدين بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز الدميري
المتوفى سنة 803 هـ
تحقيق
د. أحمد بن عبد الكريم نجيب
د. حافظ بن عبد الرحمن خير
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على نبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا
الحمد لله الذي جعل حمده نعمةً من نعمه، وشرح الصدور له، وله الشكر ليزيد من فضله وكرمه، وصلى الله على أشرف الخلق، سيدنا محمد النبي الأمي الذي الكلم الطيب من جوامع كلمه، وعلى آله وأصحابه وسلم صلاة وتسليمًا دائمين نفوز بهما في عليين مع الآمنين من عذابه ونقمه.
أمَّا بعد:
فإنَّ سيدنا شيخنا الشيخ الإمام العالم العلامة رحلة الطالبين صدر المدرسين، مفتي المسلمين غرس الدين خليلًا ابن الشيخ الصالح المرحوم نجم الدين إسحاق المالكيَّ (1) تغمده الله برحمته، وأسكنه أعلى جنته كان في العلم إمامًا تَعَبَّد به فما بدَّلَه جهلًا ولا حَرَّفَه، وحُكِّمَ قلم فتياه في الدم، والفَرْج، والمالِ وصَرْفهِ، وصوّغ ذكره الزكي؛ فعلى الحالين عرّفه، فرفع الله تعالى ذِكْره وأعلى قدره بملازمة الاشتغال، والانشغال، والمداومة على طريق شيخه سيدنا الشيخ الإمام العلامة العالم المحقق الأوحد الكامل أبي محمد عبد الله المنوفي (2) رحمه الله تعالى ونفعنا ببركته وعلومه فلم يزل كذلك إلى أن رفعه الله تعالى على أهل عصره في استحضار فقه مذهب الإمام الأعظم إمام دار الهجرة النبوية وسلَّم له (3) في ذلك أهل دهره وسأله جماعة أن يصنف مختصرًا في الفقه مقتصرًا فيه على بيان ما يُفتَى به على مذهب الإمام المذكور رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة منقلبه ومثواه وضاعف لنا وله الأجور إنه هو العزيز الغفور؛
(1) المقصود بالمالكي هو خليل، وإلا فإن أباه كان حنفيًا. انظر: توشيح الديباج، ص:71.
(2)
هو: أبو محمد، عبد الله بن محمد بن سليمان المنوفي، المغربي أصلًا، المتوفى سنة 749 هـ، تفقه بالشرف الزواوي، وجمال الدين الأقفهسي، وابن الحاج الفاسي، وغيرهم وبه تفقه خليل بن إسحاق، وذكر مناقبه في مؤلف أفرده. انظر ترجمته في: مناقب المنوفي، لخليل نسخة خطية بدار الكتب المصرية تحت رقم: 5/ 365، وتوشيح الديباج، للقرافي، ص: 93، والدرر الكامنة، لابن حجر: 3/ 7 و، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 205.
(3)
قوله: (كذلك إلى أن رفعه الله تعالى
…
دار الهجرة النبوية وسلَّم له) زيادة من (ح 2).
فوضع كتابًا فيه إجابةٌ لهم في مطلوبهم ورغبة في تحصيل مرغوبهم، فلما كثر اختلاف الأشياخ في كثيرٍ من المسائل في التشهير والترجيح فيها وفي ما به يفتى، سلك طريقًا واصطلاحًا لا عوج فيه ولا أمتًا، ونبَّه في خطبته على ما سلكه والتزمه واعتبره في هذا المختصر، وفيه ما أفهمه، فلما كمل على حسن إحكام، وفيَّ بذلك ورتب الأحكام، اخترمته المنية قبل تبييض بقيته، وشرح قصده وطريقته، وتبيين مقفله وحل مشكله. فسألني بعض الطلبة أن أضع عليه ما يشرح مقاصِدَهُ ويحل مشكله، ويبين مقفله ومجمله، مع ذكر الخلاف وطرق الأشياخ، فكتبت عليه بعد الاستخارة ما يبين إن شاء الله تعالى معانيه، ويوضح مقاصده ومبانيه، مع ذكر طرق الأشياخ، واختلاف الروايات، وإعزاء النقل الغريب إلن قائله، كما هو في المبسوطات، وذِكْرِ ما أهمله في توضيحه على ابن الحاجب (1) وهنا، وإيضاح ما استطعته إيضاحًا بَيِّنًا (2).
واللهَ تعالى أسألُ أن يعين على إتمامه وإكماله، وأن ينفع به من كتبه ونظر فيه، أو شيئًا منه، فإن ذلك من إنعامه وإفضاله، وسميته:"تحبير المختصر"، مع اعترافي بالعجز والتقصير، وإنما الموفق هو الله تعالى نعم المولى ونعم النصير.
(1) هو: أبو عمرو، عثمان بن عمر بن أبي بكر، الكردي، الدويني، الإسناوي المولد، المعروف بابن الحاجب، المتوفى سنة 646 هـ، عرف بالإتقان في علوم العربية، والفقه، وأخذ القراءات عن الشاطبي، وسمع منه "التيسير" لأبي عمرو الداني، وقرأ على الشهاب الغزنوي، وتلا بالسبع على أبي الجود، وسمع من أبي القاسم البوصيري، وطائفة، وتفقه على الأبياري، وعرف بصحبته للعز ابن عبد السلام، ونزح معه عائدًا لمصر من دمشق وتوفي بالإسكندرية، أخذ عنه جماعة منهم الشهاب القرافي، وناصر الدين ابن المنير، وله من التصانيف "الجامع بين الأمهات" وهو مختصره الشهير في الفقه وله "منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل" مختصر في الأصول، و"الكافية" في النحو، و"المقصد الجليل في علم الخليل". انظر ترجمته في: الديباج، لابن فرحون: 2/ 86، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 164، والطالع السعيد للإدفوي، ص: 188، والفكر السامي، للحجوي: 2/ 231.
(2)
في (ح 1): (حيينا).
(المتن)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَقُولُ الفَقِيرُ المُضْطَرُّ لِرَحْمَةِ رَبِهِ، الْمُنْكَسِرُ خَاطِرُهُ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَالتَّقْوَى، خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيُّ:
(الشرح)
ذكر الشيخ: بعد أن بدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وبعد أن صلى على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه، اتباعًا لصاحب الشاطبية رحمه الله تعالى ونفعنا به، واقتداءً بقوله صلى الله عليه وسلم:"كلُّ أمرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْتَدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ أَجْذَمُ"(1)، ثم ثَلَّثَ بحمد الله قاصدًا الأخذَ بالأحاديث المروية في البداية بالشيء، فبدأ بذلك قبل ذكر قصده في هذه الخطبة؛ ليكون ذلك والله تعالى أعلم أنجح له في مطلوبه، فقال بعد البسملة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: فيقول معترفًا ليغفر الله تعالى له ما قد سلف ولقد أخبرني بعض الطلبة أنه رئي في النوم بعد وفاته، وأخبر الرائي له أنه غفر الله تعالى له ولمن صلى عليه، وحَسُنَ استفتاحِهِ بالخُضُوع والاضطرار إذ ذلك حقيق بتحصيل قصده، قال تعالى:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62]، فسأل الله تعالى الرحمة إذ كلنا مضطرون.
(المتن)
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي مَا تَزَايَدَ مِنَ النِّعَمِ، وَالشُكْرُ لَهُ عَلَى مَا أَوْلانَا مِنَ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ، لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَّ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَنَسْالُهُ اللُّطْفَ وَالإعَانَةَ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، وَحَالِ حُلُولِ الإِنْسَانِ فِي رَمْسِهِ.
(الشرح)
الحمد هو الثناء على المحمود بصفاته الجميلة وأفعاله الحسنة، والشكر يتعلق بالإحسان الصادر منه، والمختارُ من الأقوال: أن الشكر يطلق على الفعل والقول جميعًا لقوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13]، وقوله صلى الله عليه وسلم: لما قام حتى تفطرتْ قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: (أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا" (2).
(1) ضعيف، أخرجه أحمد: 2/ 359، في مسند أبي هريرة رضي الله عنه، برقم:8697. وسيأتي الكلام عليه.
(2)
متفق عليه، أخرجه البخاري: 1/ 380، في باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى ترم قدماه، من أبواب التهجد، برقم: 1078، ومسلم: 4/ 2171، في باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، من كتاب صفات =
والحمد يختص بالقول؛ فإن نظرنا إليهما بالنسبة إلى القول خاصة كان الحمد أخص من الشكر، وإن نظرنا إليهما بالنسبة إلى الإحسان الصادر من المحمود كان الحمد أعم من الشكر (1)؛ فلهذا جمع المصنف رحمه الله بينهما إشعارًا بأن الحمد والشكر له واجبان مترادفان في حقِّ الله تعالى، ودلَّ على ذلك بقوله أولًا:(حمدًا يوافي ما تزايد من النعم) لأنه سبحانه ابتدأ بالنعم، إذ أَوْجَدَنا بعد العَدَم، ومَنَّ علينا بالإسلام والإيمان في سالف القِدَم، ثم أَهَلنا ووفقنا لسلوك سُنن العلماء المقتدين بسيد العرب والعجم، سيدنا محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وشرَّفَ وكرَّمَ.
والحمد والشكر عند ثعلب مترادفان؛ وهو موافق لظاهر قول سيبويه.
قال أبو الحسن بن أبي الربيع رحمه الله: "وأكثر اللغويين فرقوا بينهما" وأشار إلى ما قدمناه، ثم قال:"ولعل التفرقة إنما جاءت بعُرْفِ الاستعمال؛ وفي أصل اللغة هما بمعنى واحد وهما مَصْدَرَان، والأصل في المصدر ألا يُجْمَع".
وحكى ابن الأعرابي جمع الحمد على أَحْمُد فقال:
وأملح (2) محمود الثناء خصصته
…
بأفضل أقوالي وأفضل أَحْمُدي
والظاهر أن قوله: (حمدًا) معمول بفعل (3) مقدر مدلول عليه بما تقدم فهو مَصْدَرٌ؛ أي: أحمده حمدًا، ويحتمل أن يكون معمولًا للمقدر الذي تعلق به الجار والمجرور، أي: الحمد ثابت لله حالة الحمد الموافي المتزايد من النعم.
ويكون قوله: (ما تزايد من النعم) مشيرًا به إلى ثبوت الحمد لله تعالى واستمراره له في سائر الأحوال.
ومعنى يوافي: يلاقي؛ ما تزايد من النعم أي: فتحصل معها، وقد سلك في هذا ما قاله المتأخرون من أصحاب الشافعي الخراسانيين رضي الله تعالى عنهم وعن العلماء أجمعين: لو حلف إنسان ليحمدن الله تعالى بمجامع الحمد - ومنهم من قال بأجل التحاميد - فطريقه في بر يمينه أن يقول: الحمدُ لله حمدًا يوافي نِعَمَهُ ويكافئ مزيده (4).
= المنافقين وأحكامهم، برقم:2819. من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.
(1)
قوله: (وإن نظرنا إليهما
…
أعم من الشكر) زيادة من (ح 2).
(2)
في (ح 2): (أفلج).
(3)
في (ح 1): (يبعد).
(4)
انظر: الأذكار، للنووي، ص:113.
فاختصر المصنف رحمه الله ذلك وأتى بمعناه فأحسن؛ إذ معناه: يلاقي نعمه فيحصل معها، ومعنى يكافئ بهمزة في آخره أي: يساوي مزيد نعمه؛ ومعناه ليقوم بشكر ما زاده من النعم والإحسان، ولما قالوا: لو حلف ليثنين على الله تعالى أحسن الثناء فطريق البر أن يقول: لا أحصي ثناءً عليك أنت كا أثنيتَ على نفسك.
قال الشيخ محيي الدين النواوي (1) رحمه الله تعالى ونفعنا به: وزاد بعضهم في آخره: فلك الحمد حتى ترضى، وصوَّر أبو سعيد المتولي المسألة فيمن حلف ليُثْنِيَنَ على الله بأجمل (2) الثناء وأعظمه (3)، وزاد في أول الذكر: سبحانك. وعن أبي نصر التمار عن محمد بن النضر: قال: "قال آدم صلى الله عليه وسلم: شَغَلْتَني بِكَسْبِ يَدَي فَعَلِّمْنِي شَيْئًا فِيهِ مَجَامِعُ الحَمْدِ وَالتَّسْبِيحِ، فَأَوحَى اللهُ تبارك وتعالى إِليهِ: يَا آدَمُ، إِذَا أَصْبَحْتَ فَقُلْ ثَلاثًا لَماِذَا أَمْسَيتَ فَقُل ثَلاثًا الحمْدُ للهِ رَبَّ العَالمينَ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ، وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ؛ فَذَلِكَ مَجَامِعُ الحمْدِ وَالتسْبِيحِ" والله تعالى أعلم وبه التوفيق (4).
ولا خلاف (5) أنَّ العلماءَ رضي الله تعالى عنهم استحبوا البداءة في كل مصنَّف وبين يدي الأمور المهمة بالحمد لله تعالى لقوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ
(1) هو: أبو زكريا، يحيى بن شرف بن مري بن حسن بن حسين النووي، الدمشقي، الشافعي، الفقيه، الحافظ، المتوفى سنة 676 هـ. قرأ الفقه، والحديث، والمنطق، والنحو، وسمع الكثير من الرضي ابن البرهان، وعبد العزيز الحموي وغيرهما، وولي مشيخة دار الحديث، وله التصانيف الجليلة، السائرة، كشرحه على صحيح مسلم، والأربعين النووية، ورياض الصالحين، وروضة الطالبين، وغير ذلك. انظر ترجمته في: مناقب الإمام النووي، للسخاوي، وطبقات الشافعية، للإسنوي: 2/ 170، وطبقات الشافعية، لابن هداية، ص: 89، وطبقات النحاة واللغويين، لابن شهبة، ص: 529، وتاريخ الإسلام، للذهبي: 50/ 255.
(2)
في (ح 2): (بأجل).
(3)
في (ح 1): (فأعظمه).
(4)
انظر: الأذكار، للنووي، ص:114. والحديث ضعيف، قال الحافظ ابن حجر: "قال ابن الصلاح في كلامه على الوسيط: ضعيف الإسناد منقطع غير متصل، قلت: فكأنه عثر عليه حتى وصفه، وأما النووي فقال في الروضة في مسألة جل الحمد: ما لهذه المسألة دليل معتمد، ثم وجدته عن ابن الصلاح في أماليه بسنده إلى عبد الملك بن الحسن عن أبي عوانة عن أيوب بن إسحاق عن أبي نصر التمار عن محمد بن النضر - ثم ذكر الحديث - وهذا معضل، . انظر: التلخيص الحبير: 4/ 171.
(5)
في (ح 2): (ولا خفاء).
اصْطَفَى} [النمل: 59]، {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [النمل: 93]، ولما في سنن أبي داود - وابن ماجه (1) ومسند أبي عوانة الإسفراييني المخرج عن صحيح مسلم رحمهم الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالحَمْدُ للهِ أَقْطَعُ". وفي رواية: "بِحَمْدِ اللهِ"، وفي رواية:"بِالْحَمْدِ فَهُوَ أَقْطَعُ"، وفي رواية:"كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ بِهِ بحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أَجْذَمُ". وفي رواية: "كُلّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقْطَعُ"(2). هذه الألفاظ مووية في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي. قال الشيخ محيي الدين: وهو حديث حسن (3).
وحسن من المصنف: هذا الابتداء إذ فيه الجمع بين التسمية، والثناء، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظ (الحمد) أولى من لفظ (حمد) و (أحمد)؛ لأن (أل) في (الحمد) لتعريف الجِنْس وكذلك في الشكر؛ فدل بالمطابقة على استغراق حمد كل حامد وشكر كل شاكر، وفيه إشعار باستغنائه سبحانه وتعالى عن حمد عبيده.
وعن تقدير (حمدت) أو (أحمد) قبل قوله: (حمدًا) لكون المصنف رحمه الله قصد الجمع في لفظه بين (الحمد) و (حمده) و (أحمد).
وقوله: (يوافي ما تزايد من النعم وعلى ما أولانا) فيه مناسبة لما يقصده من تصنيف
(1) في (ح 1): (بن ثابت).
(2)
ضعيف، أخرجه أبو داود: 4/ 409، في باب الهدى في الكلام، من كتاب الأدب، برقم: 4842، وقال: مرسل، وابن ماجه: 3/ 89، في باب خطبة النكاح، من كتاب النكاح، برقم: 1894، وأبو عوانة في مستخرجه، انظره في إتحاف المهرة، لابن حجر: 16/ 72، برقم:20404.
قال الدارقطني: "تفرد به قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وأرسله غيره عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقرة ليس بقوي في الحديث، ورواه صدقة عن محمد بن سعيد عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح الحديث وصدقة، ومحمد بن سعيد ضعيفان، والمرسل هو الصواب". انظر: سنن الدارقطني: 1/ 229.
وقال الحافظ ابن حجر عنه: "قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل بن ناشرة بن عبد بن عامر بن أيم ابن الحارث الكتعي بن مالك بن عمرو بن يعفر المعافري ويقال: ابن حيويل، أبو محمد المصري، ويقال؛ إنه مدني الأصل
…
قال الجوزجاني عن أحمد: منكر الحديث جدًّا، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بقوي". انظر: تهذيب التهذيب: 8/ 333.
(3)
انظر: المجموع شرح المهذب، للنووي: 1/ 73.
هذا المختصر؛ إذ هو من تزايد النعم لله تعالى عليه وإيلائه الفضل والكرم.
وحسن أيضًا قوله: (لا أحصي ثناء عليه) إلى آخره. للاقتداء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولئلا يتوهم متوهم من مساواة الحمد لما تزايد من النعم عدم الاعتراف بالعجز عن الشكر، فصرح بالاعتراف بالعجز عن (1) شكر الله تعالى، وعجز الإنسان عن شكر الله تعالى ثابت لا شك فيه؛ إذ الحمد له سبحانه هو بتوفيقه، وتوفيقه نعمة متجددة وهو بتوفيقه كما أن السابقة بتوفيقه، وتوفيقه للشكر أيضًا نعمة يستوجب بها الشكر، وكذلك الشكر نعمة؛ لأنَّه بتوفيقه.
وقد دخل بعضهم الجنة بقوله: الذي حمده نعمة من نِعَمِهِ يستوجب عليها شكرًا.
وقد قال الله سبحانه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] ولما كان هذا الأمر الذي قصده المصنف رحمه الله من أجلّ الأمور التي لها بال سأل الله تعالى اللطف به، والإعانة في جميع الأحوال؛ التي من جملتها الحالة التي يختصر فيها المسائل الفقهية على مذهب الإمام مالك رضي الله عنه وعن سائر العلماء؛ وصرح بقوله:(وحال حلول الإنسان في رَمْسِه)، أي؛ في قبره، وإن كانت هذه الحالة داخلة في قوله:(جميع الأحوال) إلا أن ذلك أحسن؛ إذ هو كمالٌ في الخضوع والتذلل والخشوع؛ إذ هذه الحالة أول أحوال الآخرة، فإذا حصل للإنسان اللطف فيها، والإعانة سهل عليه ما عداها، وحصل له كل خير، وأَمِنَ من كل ضُرٍّ، جعلنا الله تعالى ممن لطف به وأعانَهُ في ذلك، وفيما قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ.
(المتن)
وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلىَ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْعَرَبِ وَالْعَجَم، الْمَبعُوثِ لِسَائِرِ الأُمَمِ. صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى الِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأُمَّتِهِ أَفْضَلِ الأُمَمِ.
(الشرح)
فيه مسائل:
الأولى: أتى المصنف بهذه الصيغة التي هي خبر عطفًا على الحمد والشكر، وقصد بها تقديمَها على دعائه باللطف والإعانة؛ إذ (الواو) لا تقتضي ترتيبًا على القول المصيب - خلافًا لبعض الكوفيين - وقصد خَتْمَ دعائه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الثانية: قصد المصنف أيضًا بهذه الصيغة -والله أعلم- الطلب ليكون امتثالًا لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، وعلى حمل الصيغة
(1) قوله: (الشكر، فصرح بالاعتراف بالعجز عن) ساقط من (ح 2).
على الإخبار قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157].
قال بعض العلماء رحمهم الله تعالى: وهل يحتاج في امتثال الأمر إلى إنشاء قصد، واستحضار النية لطلب، وإخراج الكلام عن حقيقته من الخبر؛ وأجاب بأنه: إن كان اللفظ المستعمل قد كثر حتى صار كالمنقول في عرف الاستعمال لم يُحْتَجْ إليه؛ لأنَّ الغالب عرف الاستعمال على الحقيقة اللغوية، وإن استُعْمِل لفظٌ لم يَنْتَهِ العُرْفُ إلى ذلك؛ فالأقرب الحاجة إليه.
الثالثة: معنى قوله: (والصلاة والسلام) أي: والصلاة والسلام من الله تعالى على محمدٍ.
الرابعة: الصلاة من الله تعالى مفسرة بالرحمة، ويقتضي هذا أن يقال: اللَّهم ارحم محمدًا؛ لأن المترادفين إذا استويا في الدلالة قام كل واحد منهما مقام الآخر. قال بعض العلماء: ويشهد لهذا تقريرُهُ صلى الله عليه وسلم الأعرابيَّ على قوله: "اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمدًا"(1). وأَبَى ذلك بعض العلماء لدِلالة لفظ الصلاة على معنى من التعظيم لا يُشْعِرُ به لفظ الرحمة، ولهذا قال بعض الفقهاء: لا يصك على غير الأنبياء إلا تَبَعًا - أو من قاله منهم -.
ولفظ الرحمة إشعاره ناقص عن مدلول اللفظ الأول، ولا خلاف في إطلاقه على غير الأنبياء، وهذا مما يخدش في الترادف، ويُمْكِنُ أن يقال: إن تفسير الصلاة بالرحمة بيّن أن معنى أصل موضوع الكلمة غير مأخوذ فيه ما اختصت به إحداهما، ولا يطلق عليهما ترادف حقيقي بهذا الاعتبار، إن كان ما اختصت به إحداهما داخلًا تحت مدلول اللفظ وضعًا.
الخامسة: اختلف في معنى (السلام)؛ فقيل: التعوذ باسم الله تعالى كما تقول: الله مع محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي متوليه وكافيه، وقيل: معناه السلامة والنجاة، كما في {فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 91] وستأتي زيادة على ذلك في كتاب الصلاة، وبالله التوفيق.
(1) أخرجه البخاري: 5/ 2238، في باب رحمة الناس والبهائم، من كتاب الأدب، برقم: 5664، ولفظه: عن أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صلاة وقمنا معه فقال أعرابي وهو في الصلاة: اللَّهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا؛ فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: "لقد حجرت واسعًا" يريد رحمة الله.
السادسة: استعمل المصنف رحمه الله قوله: (لسائر)، وقصد به لجميع الأمم؛ أي من زمان بعثته - وعمرُهُ صلى الله عليه وسلم أربعون سنة على المختار من الأقوال - إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى:{قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]، وقال في "بُعِثْتُ لِلأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ"(1)، ويحتمل أن يريد: لبقية الأمم؛ لأنَّ هؤلاء بالنسبة إلى من مضى من الأمم قبلنا بقية، وقد روى العمري بإسناده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال:"قَامَ فِينَا رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَومًا بَعْدَ العَصْرِ، فَما ترَكَ شَيْئًا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ - ثم قال في آخره - وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةِ تُوَفِّي سَبْعِينَ أُمَّةِ هِي آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ عز وجل"(2). وبالله تعالى التوفيق، وله الحمد.
قوله: (صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأمته أفضل الأمم) اختلف الناسُ في الذين يدخلون في الصلاةِ، والمرادُ بالآل: أهله الأدْنَوْن، ولهذا قال:(وأصحابه) صلى الله عليه وسلم، والأصل في (آل): الأهل، فأُبدِلَتِ الهاء همزة، ثم أُبدلت الهمزة ألفًا، ثم خصصه أكثر العرب (3) بالإضافة (4) إلى ما هو (5) معظم، كما قال مولانا صلى الله عليه وسلم:(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدِ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ" (6) وقد عُرِفَ أن
(1) أخرجه مسلم: 1/ 370، في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم: 521، بلفظ:"وبعثت إلى كل أحمر وأسود".
(2)
حسن، أخرجه الزمذي: 5/ 226، في تفسير سورة آل عمران عند قوله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ، من كتاب التفسير، برقم: 3001، وقال: حديث حسن، وابن ماجه: 2/ 1433، في باب صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، من كتاب الزهد، برقم: 4287، فقتصرين على آخره، وأحمد: 3/ 61، في مسند أبي سعيد الخدري، برقم: 11604، واللفظ له.
(3)
ههنا بدأت النسخة المرموز لها بالرمز (ن)، والتي يحفظ أصلها في مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بإيرلندا.
(4)
من هنا تبدأ النسخة (ن).
(5)
قوله: (ما هو) يقابله في (ن): (ظاهر).
(6)
متفق عليه، أخرجه البخاري: 4/ 1802، في تفسير سورة الأحزاب، من كتاب التفسير، برقم: 4519، ومسلم: 1/ 305، في باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الشهد، من كتاب الصلاة، برقم: 405، ومالك: 1/ 165، في باب ما جاء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، من كتاب قصر الصلاة في السفر، برقم: 396، والحديث بتمامه: عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قيل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة؟ قال: "قولوا اللَّهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم =
الصحيح (1) أنَّ الصحابي مَن رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وإن لم يروِ عنه، ولم تَطُلْ مدة حياته.
وأمَّا عَطْفُهُ الأزواج عليه فمن باب عطف الخاص على (2) العام.
وأُمَّةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أتباعُهُ على دينه، والأُمَّةُ: القَرْن ولها معانٍ كثيرة قاله في المشارق (3).
والدليلُ على أنَّ أمته صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، أي: أنتم.
وقد جمع المصنف رحمه الله بين الصلاة والسلام عليه وفاقًا من قال من العلماء (4) رضي الله تعالى عنهم، لا يقتَصِر على أحدهما.
وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي، عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه، قال:"سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو في صلاته، ولم يحمد (5) الله تعالى، ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَجِلَ هَذَا" ثم دعاه، فقال له - أو لغيره -: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُم فَليَبْدَأ بِتَحْمِيدِ رَبهِ سُبْحَانَه وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ، ثُم يُصَلِّي عَلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم، ثُم يَدْعُو بَعْدُ بِما شَاءَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (6).
(المتن)
وَبَعْدُ: فَقَدْ سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ أَبَانَ اللهُ لِي وَلَهُم مَعَالِمَ التَّحْقِيقِ، وَسَلَكَ بِنَا وَبِهِمْ أَنْفَعَ طَرِيقٍ، مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أنَّسٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، مُبَيِّنًا لِمَا بِهِ الْفَتْوَى،
(الشرح)
أي: أمَّا بعد التسمية والحمد والشكر والصلاة والسلام (7) وسؤال اللطف
= إنك حميد مجيد اللَّهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد".
(1)
قوله: (أن الصحيح) ساقط من (ن).
(2)
في (ن): (باقي).
(3)
انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض: 2/ 179.
(4)
قوله: (من العلماء) ساقط من (ن).
(5)
عند أبي داود، والنسائي:"لم يمجد".
(6)
صحيح، أخرجه الترمذي: 5/ 517، في كتاب الدعوات، برقم: 3477، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود: 1/ 467، في باب الدعاء، من كتاب سجود القرآن، برقم: 1481، والنسائي: 3/ 44، في باب التمجيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، من كتاب صفة الصلاة، برقم:1284. كلهم من حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه.
(7)
قوله: (والسلام) ساقط من (ن).
والإعانة، (فقد سألني) فأتى بكلمة فصل الخطاب التي تفصل ما بعد الكلام عما قبله، داعيًا له وللسائلين بقوله:(أبان الله لي ولهم) أي: أظهر الله تعالى لي ولهم آثار (1) التحقيق، فنتبعه. الجوهري: المعالم جمع معلم، وهو الأثر يستدل به على الطريق (2).
قوله: (وسلك بنا وبهم أنفع طريق).
شمل الدعاءُ السائلَ والمسئولَ، بإظهار معالم التحقيق والهداية إلى أنفع طريق لسلوكها والعمل بها، وقد يكون قصد شمول (3) جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم تسليمًا المعاصرين له.
قوله: (مختصرًا على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله).
أي: أصنف مختصرًا في الفقه ليسهل حفظه على المشتغلين، ويفتح أذهان الطالبين، وكما أنَّ التطويل الذي لا يُمِلُّ (4) من البلاغة، فالاختصار الذي لا يُخِلُّ من البلاغة أيضًا، وقد أُعطي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم (5)، واختُصر له الأمر اختصارًا، فتارة أطال صلى الله عليه وسلم قصدًا للبيان، ومرة اختصر صلى الله عليه وسلم قصدًا للتسهيل على الحفظ.
قوله: (مبينًا لما به الفتوى).
(مبينًا) اسم فاعل حال من الفاعل المعنوي المستتر في (أُصَنِّفُ) المقدر أي: حالة كوني مبينًا، أو من مفعول (سألني)، ويجوز أن يكون اسم مفعول صفة لقوله:(مختصرًا) مبينًا للقول الذي استقرت به الفتوى (6) ليسهل العمل به (7)، ويقرب تناوله على طالبه
(1) في (ن): (أثر).
(2)
انظر: الصحاح، للجوهري: 5/ 1991.
(3)
في (ن): (الشمول).
(4)
في (ن): (يخلو).
(5)
متفق عليه، أخرجه البخاري: 6/ 2654، في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم بعثت بجوامع الكلم، من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، برقم: 6845، ومسلم: 1/ 371، في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، برقم:523. كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون".
(6)
قوله: (استقرت به الفتوى) يقابله في (ن): (يستثر به ليسهل الذي يستتر به).
(7)
زاد بعده في (ن): (ويسند إليه).
ويعول عليه.
(المتن)
فَأَجَبْتُ سُؤَالَهُم بَعْدَ الاِسْتِخَارَةِ، مُشِيرًا بِـ "فِيهَا" لِلْمُدَوَّنَةِ، وَبِـ "أُوِّلَ" إِلَى اخْتِلافِ شَارِحِيهَا فِي فَهْمِهَا، وَبِـ "الاِخْتِيَارِ" لِلَّخْمِي لَكِنْ إِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَذَلِكَ لاِخْتِيَارِهِ هُو فِي نَفْسِهِ، وَبِالاِسْمِ فَذَلِكَ لاِخِتِيَارِهِ مِنَ الْخِلافِ، وَبِـ "التَّرجِيحِ" لاِبْنِ يُونَسَ كَذَلِكَ، وَبِـ "الظَّهُورِ" لاِبْنِ رُشْدٍ كَذَلِكَ، وَبِـ "الْقَوْلِ" لِلْمَازِرِيِّ كَذَلِكَ، وَحَيْثُ قُلْتُ "خِلافٌ" فَذَلِكَ لِلاِخْتِلافِ في التَّشْهِيرِ، وَحَيْثُ ذَكَرْتُ قَوْلَيْنِ أَوْ أَقْوَالًا فَذَلِكَ لِعَدَمِ اطِّلاعِي فِي الْفَزعِ عَلَى أَرْجَحِيَّةٍ مَنْصُوصَةٍ، وَأَعْتَبِرُ مِنَ الْمَفَاهِيمِ مَفْهُومَ الشَّرْطِ فَقَطْ،
(الشرح)
قوله: (فأجبتُ سؤالهم بعد الاستخارة، مشيرًا بـ "فيها" للمدونة).
لا شك أن الخيرة له في ذلك؛ إذ ذلك نفعٌ متعمَّد مقصودٌ به وجهُ الله تعالى، فجزاه الله تعالى خيرًا. وأشار (بفيها) لأنها تغني عن غيرها، ولا يغني غيرُها عنها عند أهل المذهب، فهي مستحضرة ذهنًا. ولما التزم وضع هذا على القول المفتى به، وحصل الخلاف في تأويلها تارة، وتارة حصل الخلاف في التشهير، والترجيح انتخَبَ اصطلاحًا معينًا له على الاختصار؛ فقال بعد ذلك:(وبـ "أُوِّلَ" إلى اختلاف شارحيها في فهمها).
أي ومشيرًا (بأُوِّلَ) إذ التأويل لا يتبادر إلى ذهن (1) المالكي إلا إلى تأويلها؛ لا سيما وقد حصل التنبيه على ذلك.
ثم قال: (وبـ "الاختيار" للخمي، لكن إن كان بصيغة الفعل فذلك لاختياره هو في نفسه، وبالاسم فذلك لاختياره مِنَ الخلافِ).
أي: ومشيرًا باللفظ المؤدي إلى معنى الاختيار للشيخ أبي الحسن اللخمي (2)، فلهذا
(1) زاد بعده في (ن): (هذا).
(2)
هو: أبو الحسن، علي بن محمد الربعي، المعروف باللخمي، - وهو ابن بنت اللخمي - القيرواني، المتوفى سنة 478 هـ بصفاقس، تفقه بابن مُحرز، وأبي الطيب عبد المنعم الكندي، وأبي إسحاق التونسي، وكان فقيهًا فاضلًا متفننًا حافظًا بقي بعد أصحابه محرزًا للرياسة بإفريقية، وتفقه به جماعة منهم الإمام المازري، وابن بشير، وأبو الفضل ابن النحوي، من آثاره تعليق كبير حاذى به المدونة سماه "التبصرة" قال عياض عن الكتاب: حسن مفيد وهو مغرى بتخريج الخلاف في المذهب واستقراء الأقوال، وربما اتبع نظره فخالف المذهب فيما ترجح عنده؛ فخرجت اختياراته في الكثير =
قال: (لكن) إلى آخره. والصيغة هي الفعل الماضي واسم المفعول.
ثم قال: (وبـ "الترجيح" لابن يونس كذلك).
أي: ومشيرًا باللفظ المؤدي إلى معنى (1) الترجيح لابن يونس (2)، لكن إن كان بصيغة الفعل فلاختياره في نفسه، أو بالاسم فلاختياره من الخلاف.
وقوله: (وبـ "الظهور" لابن رشد (3)، كذلك، وبـ "القول" للمازري (4)، كذلك) وصيغة الفعل في الترجيح (رَجح)، وصيغة الاسم (الأرجح)،
= عن قواعد المذهب. اهـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 8/ 109، والديباج، لابن فرحون: 2/ 104 و 105، وشجرة النور، لمخلوف، ص: 117، ومقدمة الحطاب على خليل: 1/ 35، ومعالم الإيمان: 3/ 200.
(1)
قوله: (إلى معنى) زيادة من (ح 2).
(2)
هو: أبو بكر، ويقال: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن يونس الصقلي، التميمي، المتوفى سنة 451 هـ، كان فقيهًا، فرضيًّا، حاسبًا، إمامًا، ملازمًا للجهاد، وله كتاب الجامع لمسائل المدونة مشهور قيل عنه مصحف المذهب وهو من الذين اعتمد الشيخ خليل ترجيحه في مختصره. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 8/ 114، والديباج، لابن فرحون، ص: 240، وشجرة النور، لخلوف، ص: 111؛ ومختصر خليل، ص: 11، ومواهب الجليل، للحطاب: 1/ 35، والفكر السامي، للحجوي: 4/ 46.
(3)
هو: أبو الوليد، محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، القرطبي، القاضي، شيخ المالكية، المتوفى سنة 520 هـ، تفقه بأبي جعفر أحمد بن رزق، وحدث عنه، وعن أبي مروان بن صاج، ومحمد بن خيرة، ومن تلامذته القاضي عياض، وله من التصانيف "المقدمات الممهدات" و"البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل"، واختصار "المبسوطة" للقاضي إسماعيل، واختصار "مشكل الآثار، للطحاوي، وغير ذلك. انظر ترجمته في: الديباج، لابن فرحون: 1/ 278، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 129، والصلة، لابن بشكوال: 2/ 576، والوفيات، لابن قنفذ، ص: 270، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 19/ 501.
(4)
هو: أبو عبد الله، محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي، المازَري، القيرواني، المتوفى سنة 536 هـ، صقلي الأصل، أحد الأئمة الأعلام، أفقه المالكية في عصره، لقب بالإمام، من مصنفاته:"المعلم بفوائد مسلم"، و"إيضاح المحصول في برهان الأصول"، و"نظم الفرائد في علم العقائد"، وتعليق على المدونة، وشرح "التلقين" للقاضي عبد الوهاب. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 8/ 101، والديباج، لابن فرحون: 1/ 147، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 127، ووفيات الأعيان، لابن خلكان: 4/ 285، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 20/ 105.
وصيغة الاسم في الظهور (الأظهر)، وفي القول (المقول)، ولما قرر هذا وبقيت مسائل اختلف الشيوخ في التشهير فيها، وبعضها لم يطلع فيه على أرجحية منصوصة.
قال: (وحيث قلت: "خلافٌ"، فذلك للاختلاف في التشهير، وحيث ذكرت "قولين" أو "أقوالًا"، فذلك لعدم اطلاعي في الفرع على أرجحيةٍ منصوصةٍ).
لأنَّ الشيوخ إن اتفقوا على تشهير شيء (1) أو اختلفوا، وكان المشهِّر (2) الواحد أعلم وأكثر تحقيقًا من الآخر اقتصر عليه ليعتمد عليه المفتي؛ لكن يشير إلى الخلاف بالمبالغة، وإن تساوى المشهِّران (3) في الرتبة ذكر الخلاف.
فابن رشد تشهيرُه مقدم على تشهير ابن بزيزة (4)، وأمَّا ابن رشد والمازري وعبد الوهاب (5) فمتساوون (6) في الرتبة - رحمهم الله تعالى أجمعين ونفعنا بهم بفضله المزيد - وقس على ذلك.
وإن لم يُشَهّر شيء، ولم يُرَجّح، ولم يستحسن، ولم يصوّب، وحصل التساوي ذكر قولين أو أقوالًا على حسب المسائل الواقعة في هذا الكتاب، ويصير للمفتي - إن شاء
(1) قوله: (شيء) ساقط من (ن).
(2)
في (ن): (المشهور).
(3)
في (ن): (المشهوران).
(4)
هو: أبو محمد، عبد العزيز بن إبراهيم القرشي، التميمي، التونسي، المعروف بابن بزيزة، المتوفى سنة 662 هـ، أو 663 هـ، تفقه بأبي عبد الله الرعيني، وأبي محمد البرجيني، والقاضي أبي القاسم ابن البراء، وغيرهم، له تآليف منها:"الإسعاد في شرح الإرشاد"، و"شرح الأحكام الصغرى" لعبد الحق الإشبيلي، وتفسير القرآن، و"شرح التلقين"، و"شرح الأسماء الحسنى"، و"شرح العقيدة البرهانية". انظر ترجمته في: نيل الابتهاج، للتنبكتي، ص: 268، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 195، والفكر السامي: 4/ 232، والحلل السندسية: 1/ 645.
(5)
هو: أبو محمد، عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد بن الحسين البغدادي، القاضي، المتوفى سنة 422 هـ، سمع أبا عبد الله بن العسكري، وأبا حفص بن شاهين، وحدث بشيء يسير، كتب عنه الخطيب البغدادي وقال: كان ثقة ولم نلق من المالكيين أحدًا أفقه منه وكان حسن النظر جيد العبارة وتولى القضاء ببادرايا وباكسايا وخرج في آخر عمره إلى مصر فمات بها. اهـ. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 7/ 227، والديباج، لابن فرحون: 2/ 26، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 170، وتاريخ بغداد، للخطيب: 11/ 31، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 17/ 429.
(6)
في (ن): (فتساووا).
الله - ذكر ما شاء منها، أو ذكر القولين، أو أقوالًا للمستفتي ليختار أيَّها أحبَّ على ما نبه عليه اللخمي في القصرِ في الصلاة من التبصرة، وسيأتي نصُّه إن شاء الله تعالى؛ لكن جرى عمل الشيوخ على أن المفتي يحكي القولين أو الأقوال عند المالكية، فلذلك اقتصر المصنف عليه. تغمده الله تعالى برحمته وأسكنه فسيح جنته بمنه وكرمه.
قوله: (وأعتبر من المفاهيم مفهوم الشرط فقط).
أي يعتبر في هذا المختصر من مفاهيم المخالفة (1) مفهوم الشرط فقط غالبًا (2)، فيستغنى بمفهوم الشرط عن (3) التصريح بذلك المفهوم نحو قوله:(وفي الاتفاق على السلب به إن صنع تردُّدٌ): أي على سلب طهورية الماء المتغير بالملح إن صُنِعَ تَردُّدٌ؛ مفهومه أن غير المصنوع لا يتفق على (4) سلب طهوريته، ومثل قوله:(وما لا يتوقى نجسًا من ماء، لا إن عسر الاحتراز منه) أي: ومن المكروه سؤر الذي لا يتوقى نجسًا من الذي استعمل الطعام والشراب من الدواب التي لا يُرى على أفواهها وقت استعمالها نجاسةٌ، ولا إشكال أن الدواب منها ما يعسر الاحتراز منها، ومنها ما لا يعسر الاحتراز منها (5)، فقال:(لا إن عسر الاحتراز منه فيُغْتَفَر للمشقة) لأنَّ مفهومه أن الذي لا يعسر الاحتراز منه بقية مَائِهِ الذي يشرب منه مكروه، ومفهوم الشرط الواقع بعد لا النافية يقتضي نفي الكراهة، فاستغنى بهذا المفهوم عن النطق به إرادةً للاختصار.
(1) مفهوم المخالفة: هو إثبات نقيض حكم المنطوق به للمسكوت عنه وهو عشرة أنواع:
مفهوم العلة نحو: "ما أسكر فهو حرام"، ومفهوم الصفة نحو قوله عليه السلام:"في سائمة الغنم الزكاة"، والفرق بينهما أن العلة في الثاني الغنى والسوم مكمل له، وفي الأول العلة عين المذكور، ومفهوم الشرط نحو "من تطهر صحت صلاته"، ومفهوم الاستثناء نحو "قام القوم إلا زيدًا"، ومفهوم الغاية نحو:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} ، ومفهوم الحصر نحو "إنما الماء من الماء"، ومفهوم الزمان نحو "سافرت يوم الجمعة"، ومفهوم المكان نحو "جلست أمام زيد"، ومفهوم العدد نحو قوله تعالى:{فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} ، ومفهوم اللقب وهو: تعليق الحكم على مجرد أسماء الذوات نحو "في الغنم الزكاة" وهو أضعفها. انظر: الذخيرة، للقرافي: 1/ 63.
(2)
قوله: (مفهوم الشرط فقط أي
…
فقط غالبًا) ساقط من (ح 1) و (ن).
(3)
في (ن): (على).
(4)
قوله: (أي على سلب طهورية
…
لا يتفق على) ساقط من (ح 1) و (ن).
(5)
قوله: (ومنها ما لا يعسر الاحتراز منها) ساقط من (ح 1) و (ن).
وسيأتي لهذا مزيد بيان في موضعه إنْ شاء الله تعالى. ومثال الذي يعسر الاحتراز منه: الهر، والفأرة، ونحوهما. وما لا يعسر نحو: البغال والحمير.
بخلاف غيره من المفاهيم فلا يُعْتَبَر بل يصرِّح بذكره دون [غيره](1) من مفاهيم المخالفة؛ لأنَّ مفهوم (2) الموافقة (3): كون المسكوت عنه موافقًا في الحكم، ويسمى لحن الخطاب (4) كتحريم الضرب من قوله تعالى:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23]، وكالجزاء بما فوق المثقال من:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]، وهو تنبيه بالأدنى، فلا يحسن تقديم مفهوم الشرط عليه؛ لأنَّ من نفى القياس قال به، وهو قطعيٌّ كالمثالين، وظنيٌّ كقول الشافعي رضي الله عنه في كفارة العمد واليمين الغموس.
أمَّا تقديم مفهوم الشرط على مفاهيم المخالفة، وهو كون المسكوت عنه مخالفًا في الحكم، ويسمى دليل الخطاب؛ فلأنه أقوا ها ولا يسمي (5) مفهوم اللقب الذي هو أضعفها، ولم يقل به إلا طائفة منهم الدقاق وبعض الحنابلة.
وقد عُلم أنّ المفهوم ما دلَّت (6) عليه في محل النطق دلالة المنطوق، وهو: صريح، وهو: ما وضع اللفظ له، وغير صريح ما يلزم عنها (7) اللفظ؛ فإن قصدوا توقفَ
(1) ما بين المعكوفتين زيادة يقتضيها السياق ومكانها في (ح 2) خرم.
(2)
قوله: (البغال والحمير
…
ومن مفاهيم المخالفة لأنَّ مفهوم) ساقط من (ح 1) و (ن). قلت: السياق مضطربٌ؛ فلعل في النسخة المرموز لها (ح 2) سقطًا أيضًا. والله أعلم.
(3)
مفهوم الموافقة هو: إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأَوْلى كما يترادف مفهوم المخالفة ودليل الخطاب وتنبيهه. ومفهوم الموافقة نوعان: أحدهما: إثباته في الأكثر نحو قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} فإنه يقتضي تحريم الضرب بطريق الأولى، وثانيهما: إثباته في الأقل نحو قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} فإنه يقتضي ثبوت الأمانة في الدرهم بطريق الأَوْلَى. وانظر: الذخيرة، للقرافي: 1/ 64.
(4)
في (ن): (نحو الخطاب ونحو).
ولحن الخطاب هو: دلالة الاقتضاء وهو دلالة اللفظ التزامًا على ما لا يستقل الحكم إلا به وإن كان اللفظ لا يقتضيه وضعًا نحو قوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ} تقديره فضرب فانفلق، وقوله تعالى:{فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ} إلى قوله: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} تقديره فأتياه، وقيل: هو فحوى الخطاب وهو خلاف لفظي. وانظر: الذخيرة، للقرافي: 1/ 62.
(5)
في (ح 2): (لا سيما).
(6)
في (ن): (دل).
(7)
في (ح 1) و (ح 2): (عند).
الصدقِ عليه، والصحة العقلية أو الشرعية عليه، فدِلالةُ اقتضاءِ مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانُ"(1)، وإن لم يتوقف، واقترن بحكم أو (2) لم يكن لتعليله كان بعيدًا، فتنبيهٌ وإيماء. وإن لم يقصد فدِلالة إشارة مثل:"النسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ"(3) قيل: يا رسول الله، وما نقصان دينهنَّ؟ فقال صلى الله عليه وسلم:"تَمْكُثُ إِحْدَاهُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي"(4)، فليس المقصود بيان أكثر الحيض وأقل الطهر، ولكن لزم من أن (5) المبالغة تقتضي (6) ذلك. وقد ذكر ابن الحاجب ذلك وغيره في موضعه من أصول الفقه مبيَّنًا.
وقلت: غالبًا؛ لأنَّ المصنف تارة يعتبر مفهوم الشرط، وتارة لا يعتبر مفهوم الشرط، وصرح به في اللفظ لفائدةٍ اقتضت ذلك؛ إمَّا لأنَّ القيودَ التي يذكرها يرتب عليها
(1) أخرجه ابن ماجه: 1/ 659، في باب طلاق المكره والناسي، من كتاب الطلاق، برقم: 2045، وابن حبان: 16/ 202، في باب فضل الأمة، من كاب التاريخ، برقم: 7219، والحاكم: 2/ 216، برقم: 2801، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
قلت: وهناك من ضعف بعض طرقه، انظر تفصيل ذلك في البدر المنير، لابن الملقن: 4/ 177، وما بعدها.
(2)
في (ن): (و).
(3)
لم أقف عليه بهذا السياق؛ والحديث متفق عليه، أخرجه البخاري: 1/ 116، في ترك الحائض الصوم، من كتاب الحيض، برقم: 298، ومسلم: 1/ 86، في باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق، من كتاب الإيمان، برقم:79.
ولفظ البخاري: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصك فمر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار"، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن وتحفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل"، قلن: بك، قال:"فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ "، قلن: بلى، قال:"فذلك من نقصان دينها".
(4)
قال البيهقي: "وأما الذي يذكره بعض فقهائنا في هذه الرواية من قعودها شطر عمرها، وشطر دهرها لا تصلي، فقد طلبته كثيرًا فلم أجده في شيء من كتب أصحاب الحديث، ولم أجد له إسنادًا بحال، والله أعلم". انظر: معرفة السنن والآثار، للبيهقي: 2/ 145.
(5)
في (ح 1): (مراد).
(6)
قوله: (تقتضي) في (ح 1): (فاقتضى ذكر).
فروعًا فيصرح بمفهوم الشرط مثلًا ليذكر ذلك الفرع المرتب عليه أو لغير ذلك كما سيأتي، أو (1) ليعطف على هذا اللفظ المذكور (2) ما سواه في الحكم قصدًا للتسهيل والاختصار، ولغير ذلك من المقاصد الجميلة المعينة على فهمه وسرعة حفظه، وإن لم يحمل على ذلك حصل التكرار في بعض المسائل والإخلال في بعضها، وسيتبين لك هذا (3) إن شاء الله عند شرح لفظه في موضعه، وذكرت ذلك هنا لأستغني به عن ذكره في كل مسألة يحصل فيها ذلك؛ إذ ذلك لا يخفى عن الأيقاظ لا سيما المشتغلين الحفاظ.
(المتن)
وَأُشِيرُ بِـ "صُحِّحَ" أَوِ "اسْتُحْسِنَ" إِلى أَن شَيْخًا غَيرَ الَّذِينَ قَدَّمْتُهُمْ صَحَّحَ هَذَا أَوِ اسْتَظْهَرَهُ، وَبِـ "التَّرَدُّدِ" لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ، أَوْ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَبِـ "لَوْ" إِلَى خِلافٍ مَذْهَبِي.
(الشرح)
قوله: (وأشيرُ بـ "صُحِّح لا أو "استُحسن" إلى أنَّ شيخًا غير الذين قدَّمتهم صَحَّحَ هذا أو استظهره).
أي؛ أفعلُ ذلك ليحصل العلم بقائل الاختيار والترجيح.
قوله: (وبـ "التردد" لتردد المتأخرين في النقل، أو لعدم نص المتقدمين).
أي وأشير بالتردد إلى تردد المتأخرين إما في النقل أو حصل ترددهم أو (4) الواحد منهم رضي الله جمنهم أجمعين، لكن اصطلح الأصحاب على تسمية التردد الأول بالطرق، فيرى بعضهم مثلًا أن المذهب على قول واحد، ويرى غيره أن المذهب (5) على قولين، ويرى غيره أن المذهب على ثلاثة أقوال، أو أربعة، أو غير ذلك.
ولا يتعرض (6) أحد من الأصحاب إلى تشهير، أو تصحيح، أو تصويب، أو ترجيح، فيصار إليه إلا أن يعارضه شيخ آخر مثلُه على ما سيتبين إن شاء الله تعالى؛ فأمَّا التردد الثاني فواضح.
(1) في (ح 1) و (ن): (و).
(2)
زاد بعده في (ح 1) و (ح 2): (و).
(3)
في (ح 1) و (ح 2): (منها).
(4)
قوله: (أو حصل ترددهم أو) يقابله في (ن): (أحصل ترددهم هو).
(5)
قوله: (على قول واحد، ويرى غيره أن المذهب) زيادة من (ح 2).
(6)
في (ح 1) و (ن): (ولا يعترض).
قوله: (وبـ "لو" إلى خلاف مذهبي)(1)، وفي بعض النسخ:(ولو إلى خلاف مذهبي) يحتمل أن يكون مضافًا إلى ياء المتكلم.
أي: وأشير بـ (لو) إلى خلاف مذهب مالك، ويحتمل ضبط آخر المجرور بالتشديد أي: خلافٍ مذهبيٍّ، أي سواء وقع الخلاف في المذهب أو في غيره على حسب ما يرد عليها، فعلى الاحتمال الثاني يكون "خلافًا"(2) منونًا؛ لكن لم أر هذه النسخة بخطِّ المؤلف.
واعلم أن مالكًا رضي الله عنه مذهبه مبني على ستة عشر: نص القرآن، وظاهره وهو العموم، ودليله وهو مفهوم المخالفة، ومفهومه وهو باب آخر، أو تنبيهه وهو التنبيه على العلة كقوله سبحانه:{فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا} [الأنعام: 145]، ومثل هذه الأدلة من السُّنة فهذه عشر، والإجماع، والقياس، وعمل أهل المدينة، وقول الصحابي، والحكم بالذراع، واختلف في [السادس] عشر؛ وهو: مراعاة الخلاف فمرة يراعيه، ومرة لا. حكى ذلك أبو الحسن الصُّغَيَّر (3)، عن أبي الفضل راشد، عن شيخه أبي محمد صالح رحمهم الله تعالى.
(المتن)
وَاللهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ كَتَبَهُ، أَوْ قَرَأَهُ، أَوْ حَصَّلَهُ، أَوْ سَعَى فِي شَيءٍ مِنْهُ. وَاللهُ يَعْصِمُنَا مِنَ الزَّلَلِ، وَيُوَفِّقُنَا فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. ثُمَّ أَعْتَذِرُ لِذَوِي الأَلْبَابِ مِنَ التَّقْصِيرِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَأَسْأَلُ بِلِسَانِ التَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ وَخِطَابِ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ أَنْ يُنْظَرَ بِعَينِ الرِّضَا وَالصَّوَابِ. فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ كَمَّلُوهُ، وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ أَصْلَحُوهُ، فَقَلَّمَا يَخْلُصُ مُصَنِّفٌ مِنَ الْهَفَوَاتِ، أَوْ يَنْجُو مُؤَلِّفٌ مِنَ الْعَثَرَاتِ.
(الشرح)
(1) قوله: (قوله وبلو إلى خلاف مذهبي) ساقط من (ح 1).
(2)
في (ن): (خلاف).
(3)
هو: أبو الحسن، علي بن عبد الحق الزرويلي، القاضي، الفاسي، الشهير بالصُغَيِّر، المتوفى سنة 719 هـ، له شرح على التهذيب للبراذعي، ويُقال إن الطلبة الذين حضروا مجلسه هم الذين كانوا يقيدون عنه ما يقوله في كل مجلس، وقد أكمله ابن غازي في كتابه "تكميل التقييد وتحليل التعقيد" وما زال مخطوطًا. انظر ترجمته في: الديباج، لابن فرحون: 1/ 212، وشجرة النور، لمخلوف، ص: 215، وجذوة الاقتباس، لابن القاضي: 2/ 472، وانظر: المقدمة التحقيفية لشفاء الغليل، لابن غازي، بتحقيقنا.
ثم دعا بعد ذلك بالنفع بهذا المختصر، وأن يعصمه الله تعالى، أي: يمنعه من الزلل وأن يوفقه، فقال:(واللهَ أسألُ أن ينفع به من كتبه أو حَصَّلَه أو سعى في شيء منه، والله يعصمنا من الزلل ويوفقنا في القول والعمل).
فقدم اسم الله الكريم المنصوب بـ (أسألُ)، ليقتضي الاختصاص؛ أي: لا أسألُ إلا الله تعالى، وكرَّرَهُ ثانيًا تلذُّذًا (1) بذِكْرِه ورغبة (2) في إجابة دعائه؛ لأنه تعرض (3) لأمرٍ عظيمٍ ومُهِمٍّ (4) جسيم، لا يقدر على مثله إلا من أحاط بمذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه عِلمًا وخِبرةً، وبكثرة اختلاف أصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وبعلومٍ غير ذلك. والمصنف رحمه الله حقيق بذلك، لكن لما كان الجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو، والإنسان محل النسيان، دعا ثم أخذ - رحمه الله تعالى ونفعنا به - يعتذر ليُسَهِّلَ الله تعالى عليه ما طَلَبَه وقَصَدَه.
فقال متواضعًا: (ثم أعتذرُ لذوي الألباب من التقصير الواقع في هذا الكتاب، وأسأل بلسان التضرع والخشوع وخطاب التذلل والخضوع، أن يُنْظَرَ بعين الرضا والصواب) أي: لا بعين الغضب والخطأ، فإنه رحمه الله ما قصد بهذا المختصر إلا الخيرَ وجمعَ القول المفتى به في أمهات المذهب في مختصرٍ صغيرٍ حجمُه، كثيرٍ عِلمُه، سهلٍ حفظُه، سريعٍ إن شاء الله تعالى تناولُهُ وفهمُهُ، وإذا كان كذلك فيغتفر ما لعلَّه يَجِدُه فيه من المؤاخذة؛ لأن {الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، على أنَّ هذه المؤاخذة ليس المؤاخذ بها كذلك (5) بسببه.
ثم أذن من تَحَقَّقَ من متأمليه - إذا كان ذا علم، ودين، وعقل صحيح ذكيٍّ سليمٍ من الغرض - سهوًا، أو نقصًا أن يُكَمِّلَ، أو يصحِّح، فقال غير مصرِّحٍ بما قلناه تأدبًا، وتواضعًا:(فما كان من نقصٍ كمَّلوه، وما كان من خطأ أصلحوه، فقلَّما يَخْلُص مصنفٌ من الهفوات، أو ينجو مؤلفٌ من العثرات).
(1) قوله: (تلذُّذًا) ساقط من (ن).
(2)
في (ح 1) و (ح 2): (ورغبته).
(3)
في (ح 2): (تصدر).
(4)
في (ن): (ووهيم).
(5)
قوله: (كذلك) زيادة من (ح 2).
يحتمل أن يقرأ: أكمَلُوه، وأصلَحُوه بفتح اللام صفتان لما قبلهما، ويكون على هذا تبعًا لابن غالب إذ قال في آخر رجزه:
ثم إني (1) أعتذرُ لذوي الألباب
…
من التقصير الواقع في هذا الكتاب
وأقولُ ما قالَهُ بعض (2) العلماء، وأنشده بعض الحكماء (3):
فعفوًا جميلًا عن خطأي فإنني (4)
…
أقولُ كا قد قالَ من كان (5) شاكيا
فعينُ الرضى عَنْ كُلِّ عيبِ كليلة
…
ولكنّ عينَ السخطِ تُبْدِي المساويا
ونحن (6) نسأل الله تعالى بلسان التضرع والخضوع، وخطاب الاعتراف والخشوع للمتصفحين هذا الكتاب أن ينظروه بعين الرضا والصواب، فما كان من نقصٍ كمَّلُوه وجوَّدُوه، وما كان من خطأ أحكَمُوهُ وصوَّبُوهُ؛ لأنه قلَّ ما يتخلص مصنف من الهفوات، وينجو ناظم أو مؤلف من العثرات؛ خصوصًا مع الباحثين عن العورات.
قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ طَلَبَ عَثْرَةَ أَخِيهِ [ليَهْتِكَ سِتْرَهُ] (7)؛ طَلَبَ اللهُ عَثْرَتَهُ ليَهْتِكَهُ"(8) وأنشد:
(1) في (ح 2): (أنا).
(2)
قوله: (ما قالَهُ بعض) يقابله في (ن): (ما أقوله).
(3)
قوله: (وأنشده بعض الحكماء) يقابله في (ح 1) و (ن): (وأنشد لبعض الطلبة).
(4)
قوله: (خطأي فإنني) يقابله في (ح 1) و (ح 2): (خطأ فإني).
(5)
قوله: (من كان) زيادة من (ن).
(6)
قوله: (نحن) ساقط من (ن).
(7)
في (ح 2): (ليهتكه).
(8)
لم أقف عليه بهذا السياق، والحديث صحيح، أخرجه أبو داود: 2/ 686، في باب في الغيبة، من كتاب الأدب، برقم: 4880، والترمذي: 4/ 378، في باب ما جاء في تعظيم المؤمن، من كتاب البر والصلة، برقم: 2032، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأحمد: 4/ 420، برقم:19791. ولفظ أبي داود: عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته".
لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا
…
فيهتك (1) اللهُ سترًا عن مساويكا
واذكرْ محاسن ما فيهم إذا ذُكِروا
…
ولا تغتبنْ (2) أحدًا منهم (3) بما فيكا
واختصر المؤلف رحمة الله تعالى عليه وتصرَّفَ في هذه العبارة، فاقتصر على ما ذَكَرَه؛ فيَحْتَمِلُ الإكمالَ والإصلاحَ الآذنَ لناظِرِه إذا تحقَّقَ كما قدَّمنا وإرشادَ الناظم إلى زيادةِ التأملِ والنظرِ والحفظِ والكشفِ عن معاني كلامهِ وكلامِهِم، والفكر فيما يكون مقتضيًا لتصويبِ كلامهِ إن أمكن بعد مطالعة ما يحتاج إليه من كتب النحويين والمعربين وغيرهم، فإن المصنف كثير الاستعمال لذلك، وقد يُحْوِجُهُ الاختصار إلى استعمال ما يجوز للشاعر أن يقوله اضطرارًا، فرحمه الله تعالى ورضي عنه.
ولنذكر قبل الشرح مقدمةً مُعِيْنَةً إن شاء الله تعالى على فهمه:
والإشارة بـ (العين) للشيخ ابن عبد السلام (4) شارح ابن الحاجب.
و(الخاء) للمؤلف رحمة الله عليه.
واعلمْ أن الطريقة عبارة عن اختلاف الشيوخ في كيفية نقل المذهب في حكم قد تقدَّم أنَّ المصنف إذا استوى ناقلو الطرق عنده ذكر التردد.
واعلم أن الأولى الجمع بين الطرق (5) ما أمكن، فإن حصلت زيادة في طريقة رجحت على غيرها؛ لأنَّ الجميع ثقاتها (6). والمثبَتُ مقدَّمٌ على المنفي.
وأن (الأشهر) مقابِلُهُ قولٌ دونه في التشهير.
(1) في (ح 1) و (ح 2): (فيهتك).
(2)
في (ن): (تغتب).
(3)
قوله: (منهم) ساقط من (ح 1) و (ن).
(4)
هو: أبو عبد الله، محمد بن عبد السلام بن يوسف بن كثير المنستيري، التونسي، القاضي، الأصولي، المتوفى سنة 749 هـ، أخذ عن أبي العباس البطرني، وجلة من العلماء، وولي قضاء الجماعة بتونس وكان شديدًا في الحق، وممن أخذ عنه ابن عرفة الورغمي. من تصانيفه: شرح على مختصر ابن الحاجب الفرعي. انظر ترجمته في: الديباج، لابن فرحون، ص: 336، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 210، وتاريخ قضاة الأندلس، للنباهي، ص:161.
(5)
قوله: (عنده ذكر التردد. واعلم أن الأولى الجمع بين الطرق) ساقط من (ح 2).
(6)
في (ح 1): (سقاتها).
و (المشهور) مقابِلُهُ شاذٌ.
وكذا (الأصح) و (الصحيح) مقابلهُ ضعيفٌ.
و(الأظهر) و (الأرجح) مِثْلُ (الأصَح) في غير قاعدة المصنف.
وأشار علماؤنا رضي الله عنهم بـ (فيها) للمدونة؛ لأنَّ كل من اشتغل بالمذهب يستحضرها في ذهنه، ونسبتُهَا للمَذْهَب كنِسبَةِ أمِّ القرآن للصلاة يُسْتغنى بها عن غيرها، ولا يستغنى عنها.
وإذا قيل: (الاتفاق)، فالمراد: اتفاق أهل المذهب.
وإذا قيل: (الإجماع)، فالمراد: إجماع العلماء رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ومعرفة ما ذُكِرَ من المهمات (1) وأَعْظَمِ الفَوَائِدِ.
قال الشيخ ابن عبد السلام رضي الله عنه، ونفعنا به ما معناه: إنما يفتي أهل زماننا على المشهور.
وقد قال الإمام المازري رحمه الله تعالى ونفعنا به: "ما أفتيتُ قطُّ بغير المشهور، ولا أفتي به" هذا وقد شهد له بعض أهل زمانه بالاجتهاد، وأهل قرطبة أشد (2) في هذا، وربما جاوزوا الحد فيه. انتهى.
والمراد بـ (المشهور) ما صرح الأئمة المتقدمون بمشهوريته، أو كان قولَ ابنِ القاسم (3) في المدونة،
(1) في (ح 1) و (ن): (المفهومات).
(2)
في (ح 2): (أشهر).
(3)
هو: أبو عبد الله، عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي، المصري، المتوفى سنة 191 هـ، الشيخ الصالح الحافظ الحجة الفقيه، ومن الديباج: قال النسائي: ما أحسن حديثه وأصحه عن مالك ليس يختلف في كلمة ولم يروِ أحد الموطأ عن مالك أثبت من بن القاسم وليس أحد من أصحاب مالك عندي مثله. اهـ، وروى عن الليث وعبد العزيز بن الماجشون ومسلم بن خالد وغيرهم. خرج عنه البخاري في صحيحه، أخذ عنه جماعة منهم: أصبغ، ويحيى بن دينار، والحارث بن مسكين، ويحيى بن يحيى الليثي، وابن الحكم، وأسد بن الفرات، وسحنون. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 3/ 244، والديباج، لابن فرحون: 1/ 465، وشجرة النور، لمخلوف، ص: 58، وطبقات الفقهاء للشيرازي، ص: 150، والمعرفة والتاريخ: 1/ 181، والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم: 5/ 279، والثقات لابن حبان: 8/ 374، والإكمال، لابن ماكولا: 2/ 153، والجمع بين رجال الصحيحين: 1/ 293، والأنساب، للسمعاني: 4/ 152، واللباب في =
أو اتفق قولُه مع سحنون (1) في غيرها.
قال في البيان: قال ابن سحنون (2): لا يُعْدَلُ عنهُما إذا اجتمعا (3)، وكذا يُنْزَلُ (4) منزلَتَهُ عند عدم معارض ما رجَّحَهُ أحدٌ من المتقدمين أو صوَّبَه، أو استظْهَرَهُ أو اختارَهُ.
واعلمْ أنَّ (الصواب) يقابلُهُ خطأٌ غيرُ صوابٍ، فلهذا قُدّم على الأصوبِ، والرجحان والظهور والاختيار، هذا إن تساوى القائلان في الرتبة أو تقاربا.
ابن بشير (5): الأصول التي انفرد بها المالكية بكلها أو بجلها خمسة:
= تهذيب الأنساب: 1/ 321، ووفيات الأعيان، لابن خلكان: 3/ 129، وتهذيب الكمال: 17/ 344، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 9/ 120.
(1)
هو: أبو سعيد، عبد السلام بن سعيد التنوخي، الملقب باسم طائر حديد الذهن بالمغرب يسمونه سحنون لحدة ذهنه وذكائه، المتوفى سنة 240 هـ، قرأ على ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب ثم انتهت إليه الرياسة في العلم بالمغرب، وله "المدونة" أصل المذهب وعمدته، وهي في الأصل أسئلة سألها أسد بن الفرات لابن القاسم، وهي المعروفة بالأسدية، فلما ارتحل سحنون بها عرضها على ابن القاسم، فأصلح فيها كثيرًا، وأسقط، ثم رتبها سحنون، وبوبها، واحتج لكثير من مسائلها بالآثار من مروياته. انظر تر جمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 4/ 45، والديباج، لابن فرحون: 2/ 30، ومقدمة المدونة، ص: 11 و 12، طبعة السعادة 1323 هـ، وشجرة النور، لمخلوف، ص: 1/ 69، وطبقات الففهاء، للشيرازي، ص: 156، وعلماء إفريقية للخشني، ص: 296، والأنساب، للسمعاني: 1/ 197، والفهرست، لابن خير، ص: 240، ووفيات الأعيان، لابن خلكان: 3/ 180، والبيان المغرب: 1/ 159، ومعالم الإيمان: 2/ 77، وسير أعلام النبلاء، للذهبي: 12/ 63.
(2)
هو: أبو عبد الله، محمد بن سحنون بن سعيد بن حبيب التنوخي، المتوفى سنة 256 هـ، تفقه بأبيه وسمع من ابن أبي حسان، وموسى بن معاوية، وعبد العزيز بن يحيى المدني، وغيرهم، ورحل إلى المشرق فلقي بالمدينة أبا مصعب الزهري وابن كاسب وسمع من سلمة بن شبيب. كان إمامًا في الفقه ثقة عالمًا بالذب عن مذاهب أهل المدينة عالمًا بالآثار صحيح الكتاب. انظر ترجمته في: المدارك، لعياض: 4/ 204، والديباج، لابن فرحون: 2/ 169، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 70، طبقات الفقهاء للشيرازي، ص:157.
(3)
قوله: (إذا اجتمعا) ساقط من (ن).
(4)
في (ح 2): (يتنزل).
(5)
هو: أبو الطاهر، إبراهيم بن عبد الصمد بن بشير التنوخي، المتوفى بعد سنة 526 هـ، قال عنه ابن =
القضاء بالعوائد، والقول بالمصالح المرسلة، والحكم بين حكمين، وحماية الذرائع، ومراعاة الخلاف.
- فالأول: اتَّفَقَ المالكية عليه إن ظهر ظهورًا كليًا، كالقضاء بمتاع البيت من شهدت له العادة من الزوجين، بل قويت عند بعضهم بدفع بلا يمين، وإن ترددت العادة حصل الخلاف، وليس خلاف (1) في (2) فقه، بل في شهادة بعادة، كالتطهير بالماء المجعول في الفم، هل يسوغ لأنَّ العادة عدم تغيُّرِه بذلك أم لا؟ وكمشترط الخيار يسوم أو يعلم (3) صناعة أو يزوج العبد أو نحو ذلك؛ فإن (4) فعل ذلك قُطِعَ (5) بخياره عند ابن القاسم، وخالفه أشهب (6).
= فرحون: من العلماء المبرزين في المذهب المترفعين عن درجة التقليد إلى رتبة الاختيار والترجيح. وله كتاب "الأنوار البديعة إلى أسرار الشريعة" و"التنبيه على مبادئ التوجيه"، وكتاب "التذهيب على التهذيب"،
…
وكان بينه وبين أبي الحسن اللخمي قرا بة وتعقبه في كثير من المسائل ورد عليه اخياراته الواقعة في كتاب التبصرة وتحامل عليه في كثير منها. انظر ترجمته في: الديباج، لابن فرحون، ص: 143، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 126، ومعجم المؤلفين، لكحالة: 1/ 48.
(1)
في (ن): (خلافا).
(2)
قوله: (في) ساقط من (ح 2).
(3)
في (ح 2): (يعم).
(4)
في (ح 1): (جاز) و (ن).
(5)
في (ن): (قاطع).
(6)
انظر: النوادر والزيادات: 6/ 396.
وأشهب هو: أبو عمرو، مسكين بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي، العامري، الجعدي، المتوفى سنة 204 هـ، من أهل مصر، وأشهب لقب. انتهت إليه الرئاسة بمصر بعد ابن القاسم روى عن مالك والليث، والفضيل بن عياض، وسليمان بن بلال، وابن لهيعة، وغيرهم. وروى عنه الحارث بن مسكين ويونس الصدفي، وبنو عبد الحكم، وسعيد بن حسان، وسحنون، وقال ابن عبد البر: لم يدرك الشافعي بمصر من أصحاب مالك إلا أشهب، وابن عبد الحكم. انظر ترجمته في: ترتيب المدارك، لعياض: 3/ 262، والديباج: 1/ 307، وما بعدها، وشجرة النور، لمخلوف، ص: 59، والانتفاء، لابن عبد البر، ص: 52، وطبقات الفقهاء، للشيرازي، ص: 150، والتاريخ الكبير، للبخاري: 2/ 57، والمعرفة والتاريخ، للفسوي: 1/ 195، والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم: 2/ 342، والثقات لابن حبان: 8/ 136، والفهرست لابن النديم، ص: 339، ووفيات الأعيان، لابن خلكان: 1/ 238، وتهذيب الكمال، للمزي: 3/ 296، وتاريخ الإسلام، للذهبي: 14/ 64.
- والمصالح المرسلة هي: التي لا ترجع (1) إلى أصل معين كما ألحقوا في المشهور فوائد الماشية بالنصاب المتقدمة، إمَّا لأنها عدل بين أرباب الأموال ومستحقي الزكاة وإما لضرورة السعاة على ما يأتي.
- والحكم بين حكمين هو: الفَرْعُ يتجاذُبه أصلان ولا ترجيح فيعطى حكمًا من كل واحد منهما كشبه العمد على أحد الطريقين.
- والرابع: حماية الذرائع؛ ويسمى عند بعضهم سد الذرائع وعند آخرين حماية الحماية. فمتى قويت التهمة عندنا اطَّرَدَ الحُكْمُ بها، وإن ضَعُفَتْ فطريقان، كبائع السلعة إلى أجل بدينار مثلًا يشتري ما باعه بألف درهم نقدًا، فلا يخفى في نحو ذلك، بخلاف غيرها من الصور التي نذكرها إن شاء الله تعالى.
- والخامس: مرا عاة الخلاف اختلف فيه مالك وأصحابه.
ابن بشير: وبعض أشياخي نفى الخلاف عندنا في مراعاته إن كان الخلاف مشهورًا قَوِيَّ الأمارة، فإن شذ ففي مراعاته خلاف، وهل يراعى الشذوذ في القول أو في الدليل انتهى (2)، والظاهر أنه لا يراعى الشاذ مطلقًا.
قال الشيخ شهاب الدين القرافي (3) رحمه الله: "ينقل أنَّ من خواص مذهبنا اعتبار العوائد والمصلحة المرسلة، وسد الذريعة، وليس كذلك.
(1) في (ح 1): (لا تدفع)، وفي (ن):(لا ترفع).
(2)
في (ح 1) و (ن): (أشهر).
(3)
هو: أبو العباس، أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن بن عبد الله الصنهاجي، البهنسي، القرافي، المصري، شهاب الدين، المتوفى سنة 684 هـ، نسب إلى القرافة ولم يسكنها، وإنما سئل عنه عند تفرقة الجامكية بمدرسة الصاحب ابن شكر فقيل: هو بالقرافة. فقال بعضهم: اكتبوه القرافي؛ فلزمته هذه النسبة، وقد أخذ عن العز بن عبد السلام، وابن الحاجب، وشرف الدين الكركي، وشمس الدين محمد بن إبراهيم الإدريسي، وغيرهم، إليه انتهت رئاسة الفقه على مذهب الإمام مالك: ذُكِرَ عن قاضي القضاة تقي الدين بن شكر أنه قال: أَجمَعَ الشافعيةُ والمالكيَّةُ على أن أفضل أهل عصرنا بالديار المصرية ثلاثةٌ؛ القرافي بمصر القديمة، والشيخ ناصر الدين بن المنير بالإسكندرية، والشيخ تقيُّ الدين بن دقيق العيد بالقاهرة المُعِزِّية، وكلهم مالكية خلا الشيخ تقي الدين فإنَّه جمع بين المذهَبَيْن. انظر ترجمته في: الديباج، لابن فرحون: 1/ 65، وشجرة النور، لمخلوف: 1/ 188، وتاريخ الإسلام، للذهبي: 51/ 176.
أما العرف فمشترك بين المذاهب، ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها.
وأما المصلحة المرسلة (1) فغيرنا يصرح بإنكارها، ولكنهم عند التفريع يعللون بمطلق المصلحة، ولا يطالِبُون أنفسهم عند الفروق والجامع تأيد الشاهد لها (2) بالاعتبار، بل يعتمد على مجرد المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة.
وأمَّا الذراع فثلاثة أقسام:
- ما تعتبر إجماعًا؛ كحفر آبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى حينئذ.
وثانيها: ملغى إجماعًا، كزراعة العنب، فإنه لا يمنع خشية الخمر، وسكنى الدور خشية الزنا.
وثالثها: يختلف فيه، كبيوع الآجال.
ثم قال: الذريعة كما يجب سدها (3) يجب فتحها، ويكره، ويندب، ويباح" (4).
وإذا أردتَ ذلك فانظر التنقيح، والله تعالى أعلم وبه التوفيق والسلوك - إن شاء الله تعالى - إلى جميل الطريق بمنه وكرمه، وصلى الله على محمدٍ وآله وسلم تسليمًا. انتهى.
* * *
(1) قوله: (وسد الذريعة، وليس كذلك
…
وأما المصلحة المرسلة) ساقط من (ح 2).
(2)
زاد بعدها في (س) و (ز 1): (عقد).
(3)
قوله: (يجب سدها) زيادة من (ح 2).
(4)
انظر: الذخيرة، للقرافي: 1/ 152 و 153.