المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة القيامة سورة القيامة مكّيّة، وهي ستّمائة واثنان وخمسون حرفا، ومائة - تفسير الحداد المطبوع خطأ باسم التفسير الكبير للطبراني - جـ ٦

[أبو بكر الحداد]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الأحقاف

- ‌سورة محمّد صلى الله عليه وسلم

- ‌سورة الفتح

- ‌سورة الحجرات

- ‌سورة ق

- ‌سورة الذّاريات

- ‌سورة الطّور

- ‌سورة النّجم

- ‌سورة القمر

- ‌سورة الرحمن

- ‌سورة الواقعة

- ‌سورة الحديد

- ‌سورة المجادلة

- ‌سورة الحشر

- ‌سورة الممتحنة

- ‌سورة الصّفّ

- ‌سورة الجمعة

- ‌سورة المنافقون

- ‌سورة التّغابن

- ‌سورة الطّلاق

- ‌سورة التّحريم

- ‌سورة الملك

- ‌سورة ن (القلم)

- ‌سورة الحاقّة

- ‌سورة المعارج

- ‌سورة نوح

- ‌سورة الجنّ

- ‌سورة المزّمّل

- ‌سورة المدّثّر

- ‌سورة القيامة

- ‌سورة الدّهر

- ‌سورة والمرسلات

- ‌سورة النّبأ

- ‌سورة النّازعات

- ‌سورة عبس

- ‌سورة التّكوير

- ‌سورة الانفطار

- ‌سورة المطفّفين

- ‌سورة انشقّت (الانشقاق)

- ‌سورة البروج

- ‌سورة الطّارق

- ‌سورة الأعلى

- ‌سورة الغاشية

- ‌سورة الفجر

- ‌سورة البلد

- ‌سورة الشّمس

- ‌سورة اللّيل

- ‌سورة الضّحى

- ‌سورة ألم نشرح

- ‌سورة والتّين

- ‌سورة العلق

- ‌سورة (القدر)

- ‌سورة لم يكن

- ‌سورة الزّلزلة

- ‌سورة العاديات

- ‌سورة القارعة

- ‌سورة التّكاثر

- ‌سورة العصر

- ‌سورة الهمزة

- ‌سورة الفيل

- ‌سورة قريش

- ‌سورة الماعون

- ‌سورة الكوثر

- ‌سورة (الكافرون)

- ‌سورة النّصر

- ‌سورة تبّت (المسد)

- ‌سورة الإخلاص

- ‌سورة الفلق

- ‌سورة النّاس

الفصل: ‌ ‌سورة القيامة سورة القيامة مكّيّة، وهي ستّمائة واثنان وخمسون حرفا، ومائة

‌سورة القيامة

سورة القيامة مكّيّة، وهي ستّمائة واثنان وخمسون حرفا، ومائة وتسعون كلمة، وأربعون آية. قال صلى الله عليه وسلم:[من قرأ سورة القيامة شهدت أنا وجبريل له يوم القيامة أنّه كان مؤمنا بيوم القيامة، وجاء وجهه مسفر على وجوه الخلائق يوم القيامة]

(1)

.

{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}

{لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ} (1)؛معناه: أقسم بيوم القيامة، و (لا) صلة.

وقال الفرّاء: «لا) ردّ على الّذين أنكروا البعث والجنّة والنّار»

(2)

ويدلّ على معنى إثبات القسم، قراءة الحسن والأعرج بغير ألف، وتقديره على هذه القراءة: لأقسمنّ فحذفت النون.

قوله تعالى: {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ} (2)؛يعني بجميع أنفس الخلائق؛ لأنه ليس من نفس بارّة ولا فاجرة إلاّ وهي تلوم نفسها، قال صلى الله عليه وسلم: [ليس يوم القيامة أحد إلاّ ويلوم نفسه، إن كان محسنا قال: يا ليتني ازددت، وإن كان مسيئا

(1)

رواه الثعلبي عن أبي بن كعب بإسناد واه.

(2)

في معاني القرآن: ج 3 ص 207؛ قال الفراء: (جاء القرآن بالرد على الذين أنكروا البعث، والجنة، والنار، فجاء الإقسام بالرد عليهم في كثير من الكلام المبتدأ منه، وغير المبتدأ منه؛ كقولك في الكلام: لا والله لا أفعل ذاك، جعلوا (لا) وإن رأيتها مبتدأة ردا لكلام قد مضى، فلو ألقيت (لا) مما ينوى به الجواب لم يكن بين اليمين التي تكون جوابا، واليمين التي تستأنف فرق. ألا ترى أنك تقول مبتدئا: والله إن الرسول لحقّ، فإذا قلت: لا والله إن الرسول لحقّ، فكأنك أكذبت قوما أنكروه، فهذه جهة (لا) مع الإقسام وجميع الأيمان في كل موضع ترى فيه (لا) مبتدأ بها).

ص: 391

قال: يا ليتني لم أفعل]

(1)

.ومعنى: {بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ:} الملومة، وقيل: إنّما سميت النفس لوّامة؛ لأنّها كثيرة اللّوم لا صبر لها على محن الدّنيا وشدائدها.

قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ} (3)؛يعني الكافر بالبعث؛ يقول: أيظنّ الكافر أن لن نجمع عظامه بعد التفرّق، ولن نبعثه في الآخرة،

{بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ} (4)؛بلى بجمعها قادرين على تسوية بنانه، قال ابن عبّاس:«المراد به أبو جهل، يقول الله له: أتحسب أن لن نبعثك» {(بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ)} ؛على ما كانت وإن قلّ عظامها وصغرت فنردّها، ونؤلّف بينها حتى نسوّي البنان، ومن قدر على جمع صغار العظام كان على جمع كبارها أقدر.

وقيل: معناه: قادرين على أن نسوّي بنانه وأنامله، ونجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخفّ البعير أو ككفّ الخنزير وكحافر الحمير، فلا يمكنه أن يفعل بها شيئا، ولكن مننّا عليه ففرّقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء، ويقبض إذا شاء ويبسط إذا شاء.

قوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ} (5)؛أي بل يريد الكافر أن يكذّب بما قدّامه من البعث، ويقدّم الذنب ويؤخّر التوبة ويكفر أبدا ما عاش، قال ابن الأنباريّ:«معناه: مدّة عمره وليس في نيّته أن يتوب» .والمعنى: ما يجهل ابن آدم أنّ ربّه قادر على جمع عظامه بعد الموت، ولكنّه يريد أن يفجر أمامه؛ أي بمعنى قدّاما قدّاما

(2)

في معاصي الله، راكبا رأسه لا يقلع ولا يتوب حتى يأتيه الموت على أشرّ أحواله وأسوإ أعماله.

قوله تعالى: {يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ} (6)؛أي يسأل متى يوم القيامة تكذيبا به، ويقال في معنى {(لِيَفْجُرَ أَمامَهُ)} أن يعزم على الفجور في مستقبل عمره في

(1)

لم أقف عليه بهذا اللفظ، وبمعناه أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (27530) عن عكرمة، و (27531) عن سعيد بن جبير. وعلى ما يبدو أنه من تفسير الفراء في معاني القرآن: ج 3 ص 208، قاله بمعناه.

(2)

هكذا في المخطوط كرر (قدّاما).

ص: 392

أوقات لعلّه لا يعيش فيها، ولا يبلغ إليها، وأصل الفجور: الميل عن القصد، يقال للكافر: فاجر، وللمكذّب بالحقّ: فاجر.

قوله تعالى: {فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ} (7)؛معناه: إذا حار البصر وفزع، وذلك عند رؤية جهنّم، وهذا جواب لقوله تعالى {(أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ)} فيقول الله تعالى:

(إذا {بَرِقَ الْبَصَرُ)} قرأ نافع بفتح الراء من البريق

(1)

،أي يشخص البصر إلى ما يتوقّع من أهوال يوم القيامة، كنظر المحتضر عند نظره إلى الملائكة.

قوله: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} (8)،أي وذهب ضوء القمر، والخسوف ذهاب الضّوء،

{وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} (9)؛أي جمعا في ذهاب نورهما كالنّورين القريبين، يعني كوّرا يوم القيامة. وقيل: إنّهما يرمى بهما في النار، خلقا من النار ثم يعودان فيها.

قوله تعالى: {يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} (10)؛معناه: يقول الكافر المكذّب بيوم القيامة: أين المفرّ وأين المهرب من الأهوال.

قال الله تعالى: {كَلاّ لا وَزَرَ} (11)؛أي حقّا لا موضع يلج إليه ولا حصن ولا حرز. والوزر في اللغة: كلّ ما تحصّنت به، والتجأت إليه، ومنه الوزير؛ لأنّ الناس يلتجئون إليه.

قوله تعالى: {إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} (12)؛أي المنتهى والمرجع والمصير. وقيل: المستقرّ موضع الحساب. وقيل: يعني أنّ مستقرّ المؤمنين الجنّة، ومستقرّ الكافرين النار.

قوله تعالى: {يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ} (13)؛أي بما قدّم من طاعة الله، وما أخّر من طاعة الله فلم يعمل به، وقيل: معناه: ينبّأ الإنسان بأوّل عمله وآخره. وقيل: بما قدّم من أمواله، وما خلّف للورثة. وقيل: بما عمل في أوّل عمره، وما عمل في آخر عمره.

قوله تعالى: {بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} (14)؛يعني أنّ جوارحه تشهد عليه بما عمل، فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه، والمعنى: على الإنسان

(1)

ينظر: جامع البيان: مج 14 ج 29 ص 222.

ص: 393

رقباء يشهدون عليه بعمله وإن أرخى ستوره وأغلق أبوابه، يعني بالرّقباء سمعه وبصره وذكره ويديه ورجليه وجميع جوارحه. ودخول الهاء في بصيرة لأن المراد بالإنسان هاهنا الجوارح.

قوله تعالى: {وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ} (15)؛أي ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك، وإن اعتذر فعليه من يكذّب عذره. وقيل: المعاذير جمع المعذار وهو السّتر، معناه: وإن أسبل السّتر؛ ليختفي بما عمل، فإنّ نفسه شاهدة عليه.

وقوله تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ؛} خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: لا تحرّك بالقرآن لسانك، {لِتَعْجَلَ بِهِ} (16)؛بقراءته قبل أن يفرغ جبريل من قراءته عليك، وذلك أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه شيء من الوحي لم يفرغ جبريل من آخره حتّى تلاه النّبيّ صلى الله عليه وسلم مخافة أن ينفلت منه،

فأعلمه الله بقوله: {إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} (17)؛أي إنّ علينا حفظه في قلبك، وتأليفه على ما يأمره الله به، وأعلمه بأنه لا ينسيه إيّاه، كما قال تعالى {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى}

(1)

فلم ينس النبيّ صلى الله عليه وسلم شيئا حتى مات.

وعن ابن عبّاس في معنى هذه الآية قال: «كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يعالج من التّنزيل شدّة، كان إذا نزل عليه الوحي يحرّك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي مخافة أن لا يحفظ، فأنزل الله عليه الآية: {(لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ»

(2)

.

ومثله قوله {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}

(3)

.قوله تعالى: {(إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ)} في صدرك (وقرآنه) أي إنّ جبريل يقرؤه عليك حتى تحفظه.

وقوله تعالى: {فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (18)؛أي فإذا قرأه جبريل بأمرنا وفرغ منه، فاقرأه أنت إذا فرغ جبريل من قراءته. وقيل: معناه: فإذا جمعناه،

(1)

الأعلى 6/.

(2)

أخرجه الإمام مالك في الموطأ: باب ما جاء في القرآن: ج 1 ص 202 - 203.والإمام أحمد في المسند: ج 6 ص 257.والبخاري في الصحيح: كتاب التفسير: الحديث (4927) و 4929 و 5044).والطبراني في المعجم الكبير: ج 11 ص 362:الحديث (12297).

(3)

طه 114/.

ص: 394

وألقيناه فاتّبع ما فيه من الحلال والحرام والأمر والنهي.

قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ} (19)؛أي بيان ما أشكل عليك من معانيه، وبيان مجملاته مثل أركان الصّلاة وشروطها ونصاب الزكاة ومقاديرها.

قوله تعالى: {كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ} (20)؛معناه: كلاّ لا يؤمن أبو جهل وأصحابه بالقرآن وببيانه بل يحبّون العاجلة، يعني كفّار مكّة يحبّون الدنيا ويعملون لها،

{وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} (21)؛ويذرون العمل للآخرة، فيؤثرون الدّنيا عليها، وقرأ نافع والكوفيون «(تحبّون)» و «(تذرون)» بالتاء؛ أي قل لهم يا محمّد:

{(بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ)}

(1)

.

قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ} (22)؛معناه: وجوه يوم القيامة ناعمة غضّة حسنة مضيئة مسفرة مشرقة بنعيم الجنّة، وهي وجوه المؤمنين كما قال تعالى {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ}

(2)

وقوله تعالى: {إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ} (23)؛قال الكلبيّ: «تنظر إلى الله تعالى يومئذ لا تحجب عنه» ، قال مقاتل:«تنظر إلى ربها معاينة»

(3)

.

قال صلى الله عليه وسلم: [إذا دخل أهل الجنّة يقول تعالى: أتريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون:

ألم تنضّر وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنّة؟ ألم تنجنا من النّار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحبّ إليهم من النّظر إلى ربّهم، ينظرون إلى الله تعالى في الجنّة بلا كيف ولا تحديد، كما عرفته القلوب بلا كيف ولا تشبيه]

(4)

.

(1)

وفرّق بعض أهل التفسير بين القراءة بالتاء والقراءة بالياء، فمن خالف القراءة المشهورة، وقرأ بالياء فردّا على قوله تعالى: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ وهو بمعنى الناس، نظيره قوله تعالى: إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً. ومن قرأ بالتاء فعلى أنه واجههم بالتقريع؛ لأن ذلك أبلغ في المقصود. ينظر: الكشف والبيان: ج 10 ص 87.والجامع لأحكام القرآن: ج 19 ص 107.

(2)

المطففين 24/.

(3)

قاله مقاتل في التفسير: ج 3 ص 423.

(4)

في الدر المنثور: ج 8 ص 353؛ بمعناه، قال السيوطي:(أخرجه ابن عساكر عن أبي موسى).

ص: 395

وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة أن ينظر في ملكه ألف سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وينظر في سرره وأزواجه وخدمه، وإنّ أفضلهم منزلة من ينظر إلى الله يوم القيامة كلّ يوم نظرتين]

(1)

.

قوله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ} (24)؛أي كالحة عابسة كاشرة مسودّة،

وهي وجوه الكفّار، {تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ} (25)؛أي تستيقن أن يفعل بها داهية من العذاب، والفاقرة: الداهية العظيمة والأمر الشديد الذي يكسر فقار الظّهر، قال ابن زيد:«هي دخول النّار»

(2)

.

قوله تعالى: {كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ راقٍ} (27)؛هذا ذكر حال من يحضره الموت ليرتدع الناس عمّا يؤدّيهم إلى العذاب، والمعنى: إذا بلغت الرّوح التّرقوة، ويقول من يحضر الميّت من أهله: هل من راق يرقّيه وطبيب يداويه، يطلبون الأطباء؛ ليكشفوا عنه إما بالرّقى، أو بالعلاج. وقال بعضهم: هذا من قول الملائكة؛ لأنّ النّفس عند ما تقبض يحضرها سبعة أملاك من ملائكة الرّحمة، وسبعة أملاك من ملائكة العذاب أعوان لملك الموت، ينظر بعضهم إلى بعض أيّهم يرقى بروحه.

والتّراقي: جمع ترقوة؛ وهي عظم وصل بين تغرة النّحر والعاتق، وهما ترقوتان عن يمين تغرة النّحر وعن شمالها كالحوضين.

قوله تعالى: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ} (28)؛أي تيقّن عند ذلك المريض الذي بلغت روحه تراقيه أنه الفراق من الدّنيا، ومفارقة المال والأهل والولد.

قوله تعالى:

{وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ} (29)؛أي اجتمعت عليه الشدائد والتقى عليه أمر

(1)

أدرج الناسخ هنا عبارة (رواه الحاكم في صحيحه) والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب التفسير: الحديث (3935)،وقال:(هذا حديث مفسر في الرد على المبتدعة، وإن لم يخرجاه وثوير بن أبي فاختة فلم ينقم عليه غير التشيع).وضعفه الذهبي. وترجم له ابن حجر في تهذيب التهذيب: الرقم (903)

(2)

أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (27642).

ص: 396

الدنيا والآخرة، وهو في شدّة كرب الموت وهول المطلع وآخر شدائد الدّنيا مع أوّل شدة الآخرة.

وقال الضحّاك: «النّاس يجهّزون بدنه، والملائكة يجهّزون روحه»

(1)

.وقال الحسن: «معناه: والتفّت ساقاه في الكفن يلفّ أحدهما إلى الآخر»

(2)

.وقال قتادة:

«ماتت ساقاه فلم تحملاه، وقد كان عليهما جوّالا»

(3)

.

قوله تعالى: {إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ} (30)؛أي إليه المرجع والمنتهى في الآخرة إلى حيث يأمر الله، إما إلى علّيّين وإمّا إلى سجّين.

قوله تعالى: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى} (31)؛يعني أبا جهل يقول الله فيه:

لم يصدّق بالقرآن،

ولم يصلّ لله، {وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى} (32)؛أي كذب بالقرآن وتولّى عن الإيمان به، ويدخل في هذا كلّ كافر مثله،

{ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى} (33)؛أي رجع إلى أهله يتبختر في المشي ويختال فيه، وأصله:

يتمطّط أي يتمدّد، والمطّ هو المدّ، وتمطّى الإنسان إذا قام من منامه يمتدّ، والمطيّ هو الظهر، وتمطّى إذا مدّ مطاه.

قوله تعالى: {أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (34) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى} (35)؛هذا وعيد على وعيد من الله لأبي جهل، وهذه كلمة موضوعة للتهديد والوعيد، والمعنى كأنّه يقول لأبي جهل: الويل لك يوم تموت، والويل لك يوم تبعث، والويل لك يوم تدخل النار. وقيل: المعنى أولاك المكروه يا أبا جهل وقرب منك ما تكره.

قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً} (36)؛معناه: أيظنّ الكافر أن يترك مهملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يوعظ ولا يتلى ولا يحاسب بعمله في الآخرة. والسّدى: المهمل.

(1)

أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (27656).

(2)

في الدر المنثور: ج 8 ص 263؛ قال السيوطي: (أخرجه عبد بن حميد عن الحسن) وذكره.

(3)

أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (27669).

ص: 397

قوله تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى} (37)؛معناه: ألم يك هذا الإنسان في ابتداء خلقه نطفة من منيّ تصبّ في الرّحم، قرئ «(تمنى)» يعني النطفة، وروي (يمنى) بمعنى المنيّ.

قوله: {ثُمَّ كانَ عَلَقَةً؛} ثم صار دما منعقدا بعد النّطفة، {فَخَلَقَ فَسَوّى} (38)،فخلقه وسوّاه باليدين والرّجلين والعينين والأذنين إلى أن بلّغه هذا الحدّ الذي شاهد، وخلق منه الروح.

قوله: {فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى} (39)؛أي خلق من هذه النطفة أولادا ذكورا وإناثا.

قوله تعالى: {أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى} (40)؛معناه: أليس الّذي خلق الإنسان من المنيّ، ونقله من تلك الأحوال إلى هذه الحالة قادر على أن يحيي الموتى. والمعنى: من قدر على الابتداء، كان على البعث أقدر بعد الموت، دلّهم الله تعالى على البعث بابتداء الخلق.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه كان إذا ختم هذه السّورة قال: [سبحانك اللهمّ وبلى]

(1)

.وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: «إذا قرأ أحدكم {(أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى)} فليقل: اللهمّ بلى»

(2)

.

آخر تفسير سورة (القيامة) والحمد لله رب العالمين

(1)

أخرجه الطبري في جامع البيان: الحديث (27688) عن قتادة موقوفا. وفي الدر المنثور: ج 8 ص 363؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا).

(2)

في الدر المنثور: ج 8 ص 364 نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.

ص: 398