الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الحجرات
سورة الحجرات مدنيّة، وهي ألف وأربعمائة وستّ وسبعون حرفا، وثلاثمائة وثلاث وأربعون كلمة، وثماني عشرة آية.
قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: [من قرأ الحجرات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أطاع الله ومن عصاه]
(1)
.
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ؛} أي لا تقطعوا أمرا دون الله ورسوله، ولا تعجلوا به، وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله {(لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)}: (أي تصوموا قبل أن يصوم نبيّكم صلى الله عليه وسلم
(2)
{وَاتَّقُوا اللهَ؛} في تضييع حقّه ومخالفة أمره، {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ؛} لأقوالكم، {عَلِيمٌ} (1)؛بأفعالكم، وقال جابر:(نزل قوله تعالى: {(لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)} في النّهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصّلاة)
(3)
.
وقالت عائشة رضي الله عنها: (نزلن في النّهي عن صوم يوم الشّكّ)،وعن مسروق قال: (دخلت على عائشة رضي الله عنها في يوم الشّكّ، فقالت للجارية:
(1)
ذكره الزمخشري في الكشاف: ج 4 ص 269،وهو من رواية الثعلبي وابن مردويه والواحدي من طرق عن أبي بن كعب. وأخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج 9 ص 69.
(2)
رواه الطبراني في الأوسط: ج 3 ص 344:الحديث (2734).وفي الدر المنثور: ج 7 ص 547 عزاه السيوطي للطبراني في الأوسط وابن مردويه.
(3)
أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (24516) عن الحسن وقتادة. وأصله عن أنس وجندب والبراء رضي الله عنهم كما عند البخاري في الصحيح: كتاب الأضاحي: الحديث (5561 و 5562 و 5563).
اسقيه، فقلت: إنّي صائم، فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم، وفيه نزل {(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)}
(1)
.
وعن الحسن البصريّ قال: (نزلت هذه الآية في الذبح يوم الأضحى، كأنّه قال: لا تذبحوا قبل ذبح النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وذلك أنّ ناسا من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يعيدوا الذبح)
(2)
.
وعن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: (سبب نزول هذه الآية: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث رهطا من أصحابه وهم سبع وعشرون رجلا، وأمّر عليهم المنذر بن عمرو، وأمرهم أن يسيروا إلى بني عامر بن صعصعة، وأن يمرّوا على بني سليم، فباتوا عندهم، فلمّا كان عند الرّحيل، أضلّ أربعة من المسلمين بعيرا لهم، فاستأذنوا المنذر أن يتخلّفوا عنه حتّى يطلبوه، فأذن لهم.
وسار المنذر بمن بقي معه، وكانت بنوا سليم دسّت إلى بني عامر خبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستعدّوا لقتالهم واجتمعوا لهم، فسار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة، فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل المنذر وأصحابه، وقتل أحد الأربعة ورجع الثّلاثة إلى المدينة، فلقوا رجلين خارجين من المدينة فقالوا: ممّا أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فقالوا: إنّهما من عدوّنا، فقتلوهما وأخذوا سلبهما.
وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا له القصّة، فقال لهم صلى الله عليه وسلم:[بئسما فعلتم، إنّهما من أهل ميثاقي من بني سليم، وهذا الّذي معكم من سلبهما من كسوتي].
وجاء السّليميّون يطلبون القود، فقال لهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم:[إنّ صاحبيكم اعتزما إلى عدوّنا، فلا قود فيهما ولكنّا نؤدّي إليكم الدّية] فأمر عليه السلام أن تقسم ديتهما على أهل ميثاقه، فأنزل الله تعالى هذه الآية)
(3)
.
(1)
ينظر: الرقم السابق.
(2)
أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (24516).
(3)
أخرج مسلم قصته في الصحيح: كتاب الإمارة: باب ثبوت الجنة للشهيد: الحديث (677/ 147) بلفظ مختلف عنه. والقصة أيضا في السيرة النبوية لابن هشام: ج 2 ص 1940.
والمعنى: لا تقدّموا بقول ولا فعل حتى يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم هو الذي يأمركم في ذلك. وقيل: إنّ ناسا كانوا يقولون: لو أنّ الله تعالى أمر بكذا ونهى عن كذا، فقيل: لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله، فإنّ الله أعلم بصلاح خلقه.
وقرئ «(لا تقدّموا)» بفتح التاء والدال، فيجوز أن يكون معناهما واحدا، يقال:
قدّمت في كذا وتقدّمت فيه، كما يقال عجلت في الأمر وتعجّلت فيه بمعنى واحد، ويجوز أن يكون معنى الضمّ: لا تقدّموا كلامكم ولا فعلكم وما أنتم صانعون في أمر من الأمور قبل أن يأمركم الله ورسوله. ومعنى قراءة الفتح لا تقدّموا بأمر ولا فعل بحضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى يأمركم به.
وقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يحضرون مجلس النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإذا سئل الرسول عن شيء خاضوا فيه، وتقدّموا بالفتوى والقول، فنهوا عن ذلك وزجروا عن أن يقول أحد في شيء من دين الله قبل أن يقول رسول الله.
وقيل: معنى الآية: لا تمشوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك بين يدي العلماء؛ فإنّهم ورثة الأنبياء، ودليل هذا ما روي عن أبي الدّرداء رضي الله عنه قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم أمشي أمام أبي بكر رضي الله عنه فقال: [أتمشي أمام من هو خير منك في الدّنيا والآخرة، ما طلعت الشّمس ولا غربت على أحد بعد النّبيّين والمرسلين خير من أبي بكر رضي الله عنه]
(1)
.
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} (2)؛ روي: أنّ رهطا من بني تميم قدموا على النّبيّ صلى الله عليه وسلم، منهم الأقرع بن حابس وعطارد ابن الحاجب والحارث بن عمرو وغيرهم، فقاموا على باب المسجد، فنادى الأقرع ابن حابس: يا محمّد أتأذن لي في الكلام؟ فو الله إنّ حمدي لزين وذمّي لشين، فقال صلى الله عليه وسلم:[كذبت! ذلكم الله تعالى].
(1)
أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج 9 ص 71 بإسناده، وفيه مجهول. ووصله الخطيب في تاريخ بغداد: ج 12 ص 433: ترجمة (6901).ووصله أبو نعيم من طريق آخر في حلية الأولياء: ج 10 ص 301 - 302.
ثمّ أذن لهم فدخلوا، فقال:[يا محمّد أتأذن لخطيبنا؟] فقال صلى الله عليه وسلم: [ادعوا إليّ ثابت بن قيس بن شمّاس] فدعي له، فقال صلى الله عليه وسلم:[ليتكلّم صاحبكم] فتكلّم، فقال عليه السلام:[أجب يا ثابت] فأجابه.
فقال الأقرع: [ائذن لشاعرنا يا محمّد] فقال عليه السلام: [ادعوا إليّ القارعة] يعني حسّان، فلمّا جاء حسّان قال صلى الله عليه وسلم:[ليتكلّم شاعركم] فلمّا تكلّم، قال صلى الله عليه وسلم:
[أجبه يا حسّان] فأجابه، فقال عطارد للأقرع: والله إنّ محمّدا المؤتى له-أي أعطي كلّ شيء-فإنّ خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا
(1)
.
وعلت الأصوات وكثر اللّغط، وكان أشدّهم صوتا وأعلاهم ثابت بن قيس، وكان به صمم لا يكاد يسمع إلاّ أن يصاح به فيجيب بمثله. فأنزل الله هذه الآية، ونهوا أن يرفعوا أصواتهم على صوت النبيّ صلى الله عليه وسلم تعظيما له؛ لأن رفع الصّوت على الإنسان يوهم الاستخفاف به في ظاهر الحال.
وعن جابر بن عبد الله
(2)
قال: (لمّا جاء بنو تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب: أخرج يا محمّد؛ فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قال: فخرج إليهم وقال:
[إنّما ذلكم الله الّذي مدحه زين وذمّه شين] قالوا: نحن أناس من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا لشاعركم ونفاخرك، فقال صلى الله عليه وسلم:[ما بالشّعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا].فقال لشابّ من شبابهم: قم يا فلان فاذكر فضلك وفضل قومك، فقام فقال:
الحمد لله الّذي جعلنا خير خلقه، وآتانا أموالا نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض وأكثرهم عدّة وسلاحا ومالا، فمن أنكر علينا قولنا فليأت بقول هو أحسن من قولنا، وفعال هي خير من فعالنا.
(1)
السيرة النبوية لابن هشام: ج 4 ص 206 - 208: قدوم وفد بني تميم ونزول سورة الحجرات. وينظر: ج 4 ص 212.
(2)
الحديث بطوله في كنز العمال: الغزوات والوفود: الحديث (30316)،ونسبه إلى الروياني وابن منده.
فقال صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس
(1)
،وكان خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم:[قم] فقام فقال:
الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمّه أحسن النّاس وجوها فأعظمهم أخلاقا فأجابوه، والحمد لله الّذي جعلنا أنصاره، وردّ الله لرسوله وعزّ المدينة. فنحن نقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّدا رسول الله، فمن قالها منع منّا ماله ونفسه، ومن أباها قتلناه، وكان قتله في الله علينا هيّنا، أقول قولي وأستغفر الله العظيم للمؤمنين والمؤمنات.
فقالوا لشابّ منهم: قم يا فلان فقل أبياتا تذكر فيها فضلك وفضل قومك، فقام الشّابّ
(2)
وقال:
نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا
…
منّا الرّءوس وفينا تقسم الرّبع
ونطعم النّاس عند القحط كلّهم
…
لحم الشّواء اذا لم يؤنس القزع
إنّا أبينا ولا يأبى لنا أحد
…
إنّا كذلك عند الفخر نرتفع
فقال صلى الله عليه وسلم: [أجبه يا حسّان] فقال:
إنّ الذوائب من فهر وإخوتهم
…
قد بيّنوا سنّة للنّاس تتّبع
(3)
يرضى بهم كلّ من كانت سريرته
…
تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع
ثمّ قال حسّان أيضا:
نصرنا رسول الله والدّين عنوة
…
على رغم عات من معدّ وحاضر
بضرب كإيزاع المخاض مشاشه
…
وطعن كأفواه اللّقاح الصّوادر
(1)
في المخطوط: (لقيس بن ثابت).وهو تحريف، والصحيح كما أثبتناه.
(2)
شعر الزبرقان بن بدر في الفخر بقومه، كما في السيرة النبوية: ج 4 ص 208.و (القزع): السحاب الرقيق. يريد إذا لم تمطرهم السماء، فأجدبت أرضهم. و (وفينا تقسم الرّبع)،أي إننا رؤساء وسادة، وذلك لأن الرئيس كان ياخذ ربع الغنيمة في الجاهلية.
(3)
الذوائب: السادة، وأصله من ذوائب المرأة، وهي غدائرها التي تعلو رأسها، وأصله كما في المخطوط:(إن الذوائب من فهر هم شرعوا لقومهم سنة للناس).وكأن فيه سقط، وضبطناه كما في السيرة النبوية لابن هشام: ج 4 ص 210.
وسل أحدا لمّا استقلّت شعابه
…
بضرب لنا مثل اللّيوث الخوادر
ألسنا نخوض الخوض في حومة الوغى
…
إذا طاب ورد الموت بين العساكر
ونضرب هام الدّار عين وننتمي
…
إلى حسب من جذم غسّان قاهر
فلولا حياء الله قلنا تكرّما
…
على النّاس بالخيفين هل من منافر
فأحياؤنا من خير من وطئ الحصى
…
وأمواتنا من خير أهل المقابر
فقال الأقرع بن حابس: والله لقد جئت لأمر ما حال حولا، وإنّي قد قلت شعرا فاسمعه، فقال هات، فقال:
أتيناك كيما يعرف النّاس فضلنا
…
إذا خالفونا عند ذكر المكارم
وإنّا رءوس النّاس في كلّ معشر
…
وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وإنّ لنا المرباع في كلّ غارة
…
تكون بنجد أو بأرض التّهائم
فقال صلى الله عليه وسلم: [أجبه يا حسّان] فقال:
بنو دارم لا تفخروا إنّ فخركم
…
يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم
…
لنا خول ما بين ظئر وخادم
(1)
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لقد كنت غنيّا يا أخا بني دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أنّ النّاس قد نسوه] قال: فكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ عليه من حسّان، ثمّ رجع حسّان إلى شعره، فقال:
وأفضل ما نلتم من المجد والعلا
…
ردافتنا عند احتضار المواسم
(2)
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم
…
وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندّا وأسلموا
…
ولا تفخروا عند النّبيّ بدارم
وإلاّ ورب البيت مالت أكفّنا
…
على هامكم بالمرهفات الصّوارم
(1)
في كنز العمال: (ما بين قنّ وخادم).
(2)
في كنز العمال:
وأفضل ما نلتم من الفضل والعلا ردافتنا من بعد ذكر المواسم
فقام الأقرع وقال: إنّ محمّدا المؤتى له، والله ما أدري ما هذا الأمر؛ تكلّم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا، وتكلّم شاعرنا فكان شاعرهم أحسن شعرا.
ثمّ دنا من النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّك رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:[ما يضرّك ما كان قبل هذا].ثمّ أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم.
وكان قد تخلّف في ركابهم عمرو بن الأهتم، وكان قيس بن عاصم يبغضه لحداثة سنّه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم، فازدرى به قيس بن عاصم، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية {(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ)}
(1)
.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لمّا نزل قوله تعالى: {(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)} قال أبو بكر رضي الله عنه: والله لا أرفع أبدا على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم
(2)
.
وعن ابن الزّبير رضي الله عنه أنه قال: (ما حدّث عمر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فسمع كلامه حتّى يستفهمه من شدّة خفض صوته)
(3)
.
وكان ثابت بن قيس في أذنيه صمم وكان جهوريّ الصّوت، وكان إذا كلّم إنسانا جهر بصوته، فربّما كان يكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته، فلمّا نزل قوله تعالى:{(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ)} أي لئلا تحبط أعمالكم، يعني تبطل حسناتكم، جعل ثابت يبكي على قارعة الطريق، فمرّ به عاصم بن عديّ فقال: ما
(1)
ذكره البغوي مختصرا في معالم التنزيل: ص 1220.وأصله في السيرة النبوية: ج 4 ص 212 - 213.
(2)
أخرجه الحاكم في المستدرك: تفسير سورة الحجرات: الحديث (3772)،وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وأخرجه في كتاب معرفة الصحابة: الحديث (4506) عن أبي بكر، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(3)
أخرجه الإمام أحمد في المسند: ج 4 ص 4 و 6.والبخاري في الصحيح: كتاب التفسير: الحديث (4845).والترمذي في الجامع: أبواب التفسير: الحديث (3266).
يبكيك يا ثابت؟! فقال: أخاف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فأخاف أن تحبط عملي وأن أكون من أهل النّار.
فمضى عاصم إلى رسول الله فأخبره، فقال:[اذهب وادعه لي] فدعاه لرسول الله، فقال:[ما يبكيك يا ثابت؟] قال: أنا صيّت يا رسول الله؛ وأخاف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال صلى الله عليه وسلم:[أما ترضى أن تعيش حميدا وتموت شهيدا ويدخلك الله الجنّة؟] فقال: رضيت يا رسول الله؛ لا أرفع صوتي بعدها عليك يا رسول الله
(1)
.فأنزل الله فيه وفي أبي بكر رضي الله عنه وعمر وأمثالهم:
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى؛} أي أخلصها واصطفاها واختبرها، كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصا، وقال ابن عبّاس:(معناه: أولئك الّذين أكرم الله قلوبهم).وقيل:
أذهب الشهوات عنها.
قال الزجّاج: أمر الله بتبجيل نبيّه صلى الله عليه وسلم وأن يغضّوا أبصارهم عند ما يخاطبون بالسّكينة والوقار؛ لئلاّ تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون فلذلك قال: فلمّا كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، قاتل ثابت بن قيس وسالم مولى أبي حذيفة قتالا شديدا حتّى قتلا، واستشهد ثابت وعليه درع
(2)
.
قوله تعالى: {(يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ)} الغضّ النّقص من كلّ شيء، قال الله تعالى:{وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ}
(3)
،وقوله تعالى {(امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى)} أي أخلصها للتّقوى. قوله تعالى:{لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} (3)؛أي في الجنّة.
(1)
أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (24523).وفي الدر المنثور: ج 7 ص 549؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن جرير والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه).
(2)
أخرجه الطبري في جامع البيان: الأثر (24526).
(3)
لقمان 19/.
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (4)؛وذلك: أنّ قوما من بني العنبر وهم حيّ من تميم، بعث النّبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم سريّة، وأمّر عليهم عيينة بن الحصين الفزاريّ، فهربوا فسبى ذراريهم ونساءهم وجاء بهم إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء رجالهم ليفادوا ذراريهم، فدخلوا المدينة عند القيلولة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم.
فلمّا أبصرهم العيال بكوا عليهم، فنهضوا وعجّلوا قبل أن يخرج إليهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا، وكان صلى الله عليه وسلم حينئذ نائما، فتأذى بأصواتهم، ولم يعلموا في أيّ حجرة هو، فجعلوا يطرقون على جميع حجراته، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرة وبيت، فطافوا على جميع الحجرات وهم ينادون:
اخرج علينا
(1)
.
وقوله تعالى: {(أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)} وصفهم الله بالجهل وقلّة العقل وقلّة الصبر.
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ؛} يعني ولو أنّهم صبروا حتى تخرج إليهم للصّلاة لخلّى سبيلهم بغير فداء، فلما نادوه وأيقظوه أعتق نصف ذراريهم وفادى نصفهم بقوله تعالى {(وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا)} كنت تعتق كلّهم، {وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (5)؛لمن تاب منهم.
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ؛} وذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة مصدّقا إلى بني المصطلق، وكان بينه وبينهم أحنة
(2)
، فلمّا اتّصل خبره بهم وسمعوا به اجتمعوا ليتلقّوه، ففرّ منهم وكرّ راجعا إلى المدينة، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّهم قد منعوا الزّكاة وارتدّوا عن الإسلام وقصدوا قتلي.
فبعث إليهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في جيش، وقال له:[انزل بساحتهم ليلا، فإن رأيت ما يدلّ على الإسلام من الأذان للصّلاة والتّهجّد أمسك عن محاربتهم، وطالبهم بصدقاتهم].
(1)
ذكره البغوي في معالم التنزيل: ص 1219.
(2)
الأحنة: الحقد في الصّدر، والجمع: حنّات، والمواحنة: المعاداة. ينظر: لسان العرب: ج 1 ص 83: (أحن).
فلمّا سار إليهم خالد ليلا سمع فيهم الأذان والتّهجّد، فكفّ عنهم إلى أن دخل عليهم لا على وجه قتال، وقالوا: قد استبطأنا رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصّدقات، فسلّموها إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية
(1)
.
وسمّى الوليد بن عقبة فاسقا، لكذبه الذي وقع به. الأغرّ أو الفاسق: الخارج عن طاعة بارتكاب كثير من الذّنوب. وقيل: الفاسق الذي لا يستحي من الله. وقيل:
هو الكذاب المعلن بالذنب. والنّبأ: الخبر عمّا يعظم شأنه فيما يعمل عليه.
قوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا؛} قد ذكرنا قراءتين فيه في سورة النساء، قوله تعالى:
{أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ؛} أي لئلا تصيبوا قوما وهم مسلمون، {فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ} (6).
قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} معناه: اعلموا أنّ رسول الله لو يجيبكم في كثير مما سألتموه لوقعتم في العنت وهو الإثم والمشقّة. وقيل: اتّقوا أن تكذبوا رسول الله وتقولوا باطلا، فإنّ الله يخبره فتفتضحوا، ثم قال: لو يطيعكم الرسول في كثير مما تخبرونه فيه بالباطل لعنتّم؛ أي لوقعتم في العنت وهو الإثم والهلاك.
ثم خاطب المؤمنين الذين لا يكذبون فقال: {وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ؛} أي جعله أحبّ الأديان إليكم، {وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ؛} حتى اخترتموه، {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ؛} أي بغّض إليكم هذه الأشياء: الكفر ظاهر المعنى، والفسوق والكذب والخروج عن أمر الله، والعصيان: جمع معاصي الله.
ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال: {أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ} (7)؛أي المهتدون إلى محاسن الأمور.
ثم بيّن أنّ جميع ذلك تفضّل من الله تعالى فقال: {فَضْلاً}
(1)
في الدر المنثور: ج 6 ص 555؛ قال السيوطي: (أخرجه أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي) وذكره. وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير الكبير: ج 10 ص 3303:الحديث (18608).وفي مجمع الزوائد: ج 7 ص 108 - 110؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما يعقوب بن حميد بن كاسب وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات).
{مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً؛} أي تفضّلا من الله ورحمة، {وَاللهُ عَلِيمٌ؛} بما في قلوبهم، {حَكِيمٌ} (8)؛فيهم بعلمه.
قوله: {وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما؛} نزل ذلك في الأوس والخزرج بسبب الكلام الذي جرى بين عبد الله بن أبي رأس المنافقين وعبد الله ابن رواحة لمّا استبّا
(1)
جاء قوم هذا فاقتتلوا بالنّعال والتّرامي بالحجارة، ولم يكن بين الطّائفتين سيف.
وسبب اختصامهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره وهي أرض سبخة، فأمسك عبد الله بن أبيّ أنفه وقال: إليك عنّي فو الله لقد آذاني نتن حمارك. فقال عبد الله بن رواحة: والله لنتن حمار رسول الله أطيب ريحا منك.
فغضب لعبد الله بن أبيّ رجل من قومه، وغضب لابن رواحة رجل من قومه، فاستبّوا وتحامل أصحاب كلّ واحد مع أصحاب الآخر، فتجادلوا بالأيدي والجريد والنّعال، فأنزل الله هذه الآية، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاصطلحوا وكفّ بعضهم عن بعض.
وأقبل بشير بن النّعمان الأنصاريّ مشتملا على سيفه فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبد الله بن أبيّ: أعليّ تشتمل بالسّيف يا بشير؟ قال: نعم والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك
(2)
.
قوله تعالى: {(فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما)} أي بالدّعاء إلى حكم الله والرّضا بما في كتاب الله لهما وعليهما.
قوله تعالى: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى؛} أي طلبت ما ليس لها ولم ترجع إلى الصّلح، {فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ؛} حتى ترجع عن البغي إلى كتاب الله، والصّلح الذي أمر الله تعالى به.
(1)
المعنى: سبّ بعضهم بعضا.
(2)
أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الصلح: الحديث (2691).ومسلم في الصحيح: كتاب الجهاد والسير: الحديث (1799/ 117).والطبراني في الأوسط: الحديث (4669).
والبغي هو الاستطالة، والعدول عن الحقّ وعمّا عليه جماعة المسلمين. والطائفة الباغية هي التي تطلب ما ليس لها أن تطلبه، قوله {(فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ)} أي حتى ترجع إلى طاعة الله.
قوله تعالى: {فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا؛} أي واعدلوا في الإصلاح بينهما، وفي كلّ حكم، {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (9)؛أي يحبّ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما تولّوه، الإقساط في اللغة هو العدل، يقال:
أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، ومنه قوله {وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً}
(1)
.
وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: [يا ابن أمّ عبد؛ هل تدري كيف حكم الله فيمن يفيء من هذه الأمّة؟] قال: الله ورسوله أعلم، قال:[لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيها]
(2)
.
قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ؛} يعني في الدّنيا والولاية، {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ؛} يعني بين كلّ مسلمين تخاصما وتقاتلا واختلفا، قرأ ابن سيرين «(بين أخويكم)» بالجمع، وقرأ حسن «(بين إخوانكم)» بالألف والنّون.
وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللهَ؛} أي أطيعوا الله ولا تخالفوا أمره، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (10).وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه؛ ولا يعيبه ولا يخذله؛ ولا يتطاول عليه بالبنيان فيستر عنه الرّيح إلاّ بإذنه، ولا يؤذيه بقتار
(3)
قدره إلاّ أن يغرف له منه، ولا يشتري لبيته الفاكهة فيخرجون بها إلى أولاد جاره إلاّ أن يطعموهم منها)
(4)
.
(1)
الجن 15/.
(2)
أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب قتال أهل البغي: الحديث (2709).وفي مجمع الزوائد: ج 6 ص 243؛قال الهيثمي: (رواه البزار والطبراني في الأوسط وقال: لا يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد. قلت: وفيه كوثر بن حكيم وهو ضعيف متروك).
(3)
القتار: ريح القدر والشّواء.
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ؛} أي لا يستهزئ الرجل من أخيه فيقول: إنّك رديء المعيشة لئيم الحسب وأشباه ذلك مما ينتقصه به وهو خير منه عند الله. وقيل: معناه: لا يعيّر قوم قوما لعلّ المسخور منه أفضل عند الله تعالى من السّاخرين، {وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ،} ولا يعيّر نساؤنا نساءنا لعلّ المسخورة منهنّ أفضل من السّاخرات.
وقيل: معناه: لا يسخر غنيّ من فقير لفقره.
قوله تعالى: {وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ؛} أي لا تعيبوا إخوانكم الذين هم كأنفسكم، {وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ؛} أي لا يدع بعضكم بعضا باللّقب الذي يكرهه صاحبه؛ لأن عليه أن يخاطب أخاه بأحب الأسماء إليه.
وقال قتادة: (معناه: لا تقل لأخيك المسلم: يا فاسق ويا منافق، ولا يقول لليهوديّ بعد أن آمن: يا يهوديّ) وذلك معنى: {بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ؛} قال عطاء: (هو كلّ شيء أغضبت به أخاك كقولك: يا كلب؛ يا خنزير؛ يا حمار).
قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ؛} أي من لم يتب من التّنابز {فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} (11)،وقال:(نزل قوله تعالى {(وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ)} في نساء رسول الله عيّرن أمّ سلمة بالقصر).ويقال: نزلت في عائشة رضي الله عنها أشارت بيدها في أمّ سلمة أنّها قصيرة.
وروى عكرمة عن ابن عبّاس: (أنّ صفيّة بنت حييّ بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنّ النّساء يعيّرنني يا يهوديّة بنت يهوديّين، فقال صلى الله عليه وسلم: [هلاّ قلت: أبي
هارون وعمّي موسى وأنّ زوجي محمّد])
(1)
فأنزل الله تعالى هذه الآية {(وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ)} أي لا يغتب بعضكم بعضا ولا يطعن بعضكم على بعض.
وقيل: اللّمز العيب في المشهر، والهمز في المغيب، وقال محمّد بن زيد:
(اللّمز يكون باللّسان والعين والإشارة، والهمز لا يكون إلاّ باللّسان)، قال الشاعر
(2)
:
إن لقيتك تبدي لي مكاشرة
…
وإن أغب فلأنت الهامز اللّمزه
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو سافر، ضمّ الرّجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما ويهيّئ لهما طعامهما وشرابهما، ويصيب من طعامهما، فضمّ سلمان إلى رجلين من أصحابه في بعض أسفاره، فتقوّم سلمان معهما.
فاتّفق ذات يوم أنّه لم يعدّ لهما شيئا فغلبته عيناه فنام، فلمّا قدما قالا له: ما صنعت شيئا؟ قال: لا، قالا: ولم؟ قال: غلبتني عيناي، فقالا: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واطلب لنا منه طعاما وإداما-وقيل: إنّهما قالا له: انطلق إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم واسأله لنا فضل إدام إن كان عنده-فذهب فسأل فقال صلى الله عليه وسلم: [انطلق إلى الخازن فليطعمك إن كان عنده] وكان الخازن يومئذ أسامة بن زيد، فانطلق إليه فلم يجد عنده شيئا.
فرجع إليهما فأخبرهما بذلك، فقالا: إنّه بخيل يأمره رسول الله ويبخل هو علينا، فقالا في سلمان: لو بعثناه إلى بئر سميحة لقال: ليس فيها ماء! ثمّ جعلا يتجسّسان هل كان عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإدام. فلمّا جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: [ما لي أرى حمرة اللّحم على أفواهكما؟] قالا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تناولنا يومنا هذا لحما؟ فقال: [ظلتما تأكلان لحم سلمان وأسامة
(1)
ذكره الثعلب في الكشف والبيان: ج 9 ص 81.والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج 16 ص 326.والواحدي في أسباب النزول: ص 264.
(2)
في الكشف والبيان: ج 9 ص 81؛ قال الثعلبي: (وقال محمد بن يزيد) وذكره بلفظ:
إذا لقيتك عن شخط تكاشرني وإن تغيّبت كنت الهامز اللّمزه
] فأنزل الله هذه الآية {(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)}
(1)
{وَلا تَجَسَّسُوا؛} والظنّ الذي هو الإثم: أن يعرض بقلب الإنسان في أخيه ما يوجب الريبة فيحقّقه من غير سبب يوجبه، كما روي في الخبر:[إيّاكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث]
(2)
.
وقوله تعالى {(وَلا تَجَسَّسُوا)} التّجسّس: البحث عن عيب أخيه الذي ستره الله عليه. ومعنى الآية: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستر الله ولا تتّبعوا عورات الناس، قال صلى الله عليه وسلم:[لا تجسّسوا؛ ولا تحاسدوا؛ ولا تباغضوا؛ ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا]
(3)
.
وروي: أنّ رجلا جاء إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال له: (إنّ فلانا يواظب على شرب الخمر، فقال له: إذا علمته يشربها فأعلمني. فأعلمه فذهب معه حتّى انتهى إلى داره، فدخل عليه وقال: أنت الّذي تشرب الخمر؟ فقال: وأنت تتجسّس عيوب المسلمين؟ فقال عمر: تبت أن لا أعود، فقال الرّجل: وأنا تبت لا أعود)
(4)
.
وروى زيد بن أسلم: (أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه خرج ذات ليلة ومعه عبد الرّحمن بن عوف إذ شبّت لهما نار، فأتيا الباب فاستأذنا ففتح لهما فدخلا، فإذا رجل وامراة تغنّي وعلى يد الرّجل قدح، فقال عمر للرّجل: وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: من هذه معك؟ قال: امرأتي، قال:
وفي القدح؟ قال: ماء زلال، فقال للمرأة: وما الّذي تغنّين؟ فقالت: أقول:
تطاول هذا اللّيل واسودّ جانبه
…
وأرّقني أن لا حبيب ألاعبه
فو الله لولا خشية الله والتّقى
…
لزعزع من هذا السّرير جوانبه
(1)
في الدر المنثور: ج 7 ص 570؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي عن سلمان).
(2)
أخرجه البخاري في الصحيح: كتاب الأدب: الحديث (6066).
(3)
تقدم في الرقم السابق.
(4)
في الجامع لأحكام القرآن: ج 16 ص 333؛ قال القرطبي: (وقال أبو قلابة) وذكر القصة وأن الرجل أبو محجن الثقفي. والحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف: كتاب اللقطة: باب التجسس: الحديث (19844).
ولكنّ العقل والحياء يكفّني
…
وأكرم بعلي أن تنال مواكبه
ثمّ قال: يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: {(وَلا تَجَسَّسُوا)} قال: صدقت، وانصرف)
(1)
.
قوله تعالى: {وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً؛} أي لا يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوء مما هو فيه، فإن يتناوله بما ليس فيه فهو بهتان، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال:[أن تذكر من الرّجل ما يكرهه إذا سمعه] فقيل: يا رسول الله، وإن كان حقّا؟ فقال:[وإن كان حقّا، وأمّا إذا كان باطلا فهو البهتان]
(2)
.
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إيّاكم والغيبة، فإنّ الغيبة أشدّ من الزّنى] قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: [إنّ الرّجل يزني ويتوب، فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه]
(3)
.وقال صلى الله عليه وسلم: [إذا اغتاب أحدكم أخاه فليستغفر له، فإنّ ذلك كفّارة له]
(4)
.
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: (جاء ماعز إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنّي زنيت، فأعرض عنه حتّى أقرّ أربع مرّات، فأمر برجمه، فمرّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم على رجلين يذكران ماعزا،
(1)
في الدر المنثور: ج 7 ص 567؛ قال السيوطي: (أخرجه عبد بن حميد والخرائطي في مكارم الأخلاق عن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف عن المسور بن مخرمة عن عبد الرحمن بن عوف) وذكره من غير ذكر الشعر. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف: باب التجسس: الحديث (18939).وأخرجه الثعلبي بكماله في التفسير: ج 9 ص 83.
(2)
أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب البر والصلة: باب تحريم الغيبة: الحديث (2589/ 70).وأبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب في الغيبة: الحديث (4874).والترمذي في الجامع: كتاب البر والصلة: باب ما جاء في الغيبة: الحديث (1934).
(3)
أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج 9 ص 85 عن جابر وأبي سعيد رضي الله عنهما. وأخرجه الطبراني في الأوسط: ج 7 ص 306:الحديث (6586).وفي مجمع الزوائد: ج 8 ص 92؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عباد بن كثير الثقفي وهو متروك).
(4)
ذكره ابن الجوزي في الموضوعات: ج 3 ص 18.والسيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: ج 2 ص 162.والشوكاني في الفوائد: ص 233.وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال: ج 4 ص 222.
فقال أحدهما: هذا الّذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتّى رجم كرجم الكلب، فسكت عنهما حتّى مرّا على جيفة حمار، فقال صلى الله عليه وسلم:[انزلا فأصيبا أكلة منه] فقالا:
يا رسول الله أنأكل من هذه الجيفة؟! فقال: [فما أصبتما من لحم أخيكما أعظم عليكما، أما إنّه الآن في أنهار الجنّة ينغمس فيها]
(1)
.
وقال صلى الله عليه وسلم: [لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم ولحومهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء يأكلون لحوم النّاس ويقعون في أعراضهم]
(2)
.وقال رجل لابن سيرين: إنّي قد اغتبتك فاجعلني في حلّ، قال:(إنّي أكره أن أحلّ ما حرّم الله تعالى)
(3)
.
والغيبة في اللغة: هي ذكر العيب بظهر الغيب، وذكر عيب الفاسق المصرّ على فسقه بمعنى يرجع إلى قبائح أفعاله على وجه التحقير له فليس بغيبة كما ورد في الحديث:[اذكروا الفاجر عمّا فيه كي يحذره النّاس]
(4)
.
وكان الحسن يقول في الحجّاج: (جاءنا أخيفش وأعيمش، يخرج إلينا ثيابا قصيرة، والله ما عرف فيها عينان في سبيل الله، يرجّل جمّته ويخطر في مشيته، ويصعد المنبر فيهدر حتّى تفوته الصّلاة، لا من الله يتّقي ولا من النّاس يستحي، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصّلاة أيّها الرّجل) ثم جعل الحسن يقول: (هيهات والله!! حال دون ذلك السّيف والسّوط)
(5)
.
(1)
أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الحدود: باب رجم ماعز: الحديث (4428).والدارقطني في السنن: ج 3 ص 196.
(2)
أخرجه الطبراني في الأوسط: ج 1 ص 32:الحديث (8).والإمام أحمد في المسند: ج 4 ص 299.وأبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب في الغيبة: الحديث (4878).
(3)
أخرجه الثعلبي في الكشف والبيان: ج 9 ص 86.
(4)
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: ج 19 ص 357 - 358:الحديث (1010).وفي المعجم الأوسط: ج 5 ص 189:الحديث (4369).وفي المعجم الصغير: ج 1 ص 357:الحديث (598).وفي مجمع الزوائد: ج 1 ص 149؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني في الثلاثة وإسناد الأوسط والصغير حسن رجاله موثوقون واختلف في بعضهم اختلافا لا يضر).
(5)
ذكره القرطبي أيضا في الجامع لأحكام القرآن: ج 16 ص 339.
قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؛} أي كما كرهتم أكل لحم الميت طبعا فاكرهوا غيبة الحيّ عقلا، فإنّ العقل أحقّ أن يتّبع من الطّبع. ووجه تشبيه الغيبة بأكل لحمه ميتا أنّ الاغتياب ذكر له بالسّوء من غير أن يحسّ هو بذلك، فهو بمنزلة الأكل من لحمه وهو ميّت لا يحسّ بذلك.
وعن ابن عبّاس أنّه دخل الكعبة فقال: (ما أطيب ريحك وأعظم حرمتك، ولحرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمتك، إنّما جعلك الله حراما، وحرّم من المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن يظنّ به السّوء).
وعن الحسن أنه قيل له: إنّ أقواما يجلسون مجلسك ويحفظون عليك سقط كلامك ثمّ يغيبونك، فقال: طمّعت نفسي في جوار الرّحمن وطول الجنان والنّجاة من النّيران ومرافقة الأنبياء عليهم السلام، ولم أطمع نفسي في السّلامة من النّاس، إنّه لو سلم من النّاس أحد لسلم منهم خالقهم، فإذا لم يسلم منهم خالقهم فالمخلوق أجدر أن لا يسلم.
قوله تعالى: {فَكَرِهْتُمُوهُ؛} أي كما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسّوء غائبا. قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللهَ؛} أي اتّقوه في الغيبة، {إِنَّ اللهَ تَوّابٌ؛} على من تاب، {رَحِيمٌ} (12).
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى؛} نزلت في نفر من قريش قالوا حين سمعوا أذان بلال: أما وجد محمّد مؤذّنا غير هذا الغراب؟ والمعنى:
يا أيّها النّاس إنا خلقناكم من آدم وحوّاء، فكلّكم متساوون في النّسب، لأنّ كلّكم يرجع إلى أب واحد وأمّ واحدة. ومعنى الآية: الزّجر عن التفاخر بالأنساب، قال صلى الله عليه وسلم:
[إنّما أنتم من رجل واحد وامرأة واحدة، ليس لأحد على أحد فضل إلاّ بالتّقوى]
(1)
.
(1)
في الجامع لأحكام القرآن: ج 16 ص 339 - 340؛ قال القرطبي: (وقد أخرج الطبري في كتاب (آداب النفوس) وذكره بمعناه. وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أخرجه الطبري بمعناه أيضا في الحديث (24604).
ثم ذكر أنه إنما فرّق أنساب الناس ليتعارفوا لا ليتفاخروا فقال تعالى:
{وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا؛} الشّعوب جمع شعب بفتح الشّين؛ وهو الحيّ العظيم مثل ربيعة ومضر، والقبائل دونها وهو كبكر من ربيعة، وتميم من مضر، هذا قول جماعة من المفسّرين.
وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (يريد بالشّعوب الموالي، وبالقبائل العرب)
(1)
وإلى هذا ذهب قوم فقالوا: الشّعوب من العجم من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والتّرك، والقبائل من العرب. وقيل: معناه: وجعلكم متشعّبين مفرّقين نحو العرب وفارس والرّوم والهند وقبائل العرب وبيوتات العجم. والشّعب بكسر الشين: الطريق في الجبل، وجمعه شعاب.
والحاصل أنّ الشعوب رءوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، والقبائل دون الشّعوب وهم كبكر من ربيعة وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر؛ واحدتها عمارة بفتح العين، وهم كشيبان من بكر ودارم من تميم، ودون العمائر البطون؛ واحدها بطن وهو كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاد؛ واحدها فخذ وهم بني هاشم وبني أمية من لؤي، ثم الفصائل واحدها فصيلة وعشيرة.
قوله تعالى: {(لِتَعارَفُوا)} أي ليعرف بعضكم بعضا في النّسب لا لتفاخروا فيما بينكم، كما أنّ الله تعالى خالف بين خلقكم وصوركم لتعرفوا بعضكم بعضا، وقرأ الأعمش «(لتعارفوا)» وقرأ ابن عبّاس «(لتعرفوا)» بغير ألف.
وقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ،} {(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ)} بفتح الألف، {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13)؛معناه: إنّ أكرمكم في الآخرة اتقاكم لله في الدّنيا، وقال صلى الله عليه وسلم:[إنّ الله قد أذهب نخوة الجاهليّة وتعظيمها بالآباء، النّاس من آدم؛ وآدم من التّراب؛ أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعربيّ على عجميّ إلاّ بالتّقوى]
(2)
.
(1)
ذكره عنه أيضا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ج 16 ص 344.
(2)
في الدر المنثور: ج 7 ص 579؛ قال السيوطي: (أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر) وذكره-
وقال صلى الله عليه وسلم: [من سرّه أن يكون أكرم النّاس فليتّق الله]
(1)
وقال: [كرم الرّجل دينه وتقواه، وفضله عقله، وحسبه خلقه]
(2)
.
وقال صلى الله عليه وسلم: [إنّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وإنّما أنتم بني آدم؛ أكرمكم عند الله أتقاكم]
(3)
.
وقال ابن عبّاس: (كرم الدّنيا الغنى، وكرم الآخرة التّقوى)،وقال الشاعر:
ما يصنع العبد بعزّ الغنى
…
والعزّ كلّ العزّ للمتّقي
من عرف الله فلم تغنه
…
معرفة الله فذاك الشّقي
قوله تعالى: {*قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا؛} نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلاّ الله، ولم يكونوا مؤمنين في السّرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها، وكانوا يزعمون أنّهم مخلصون في إيمانهم، ولم يكونوا كذلك، وكانوا يقولون للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: يأتيك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها وأتيناك بالأثقال والعيال والذراري، يمنّون على رسول الله، ولم نقاتلك كما تقاتلك بنو فلان وبنو فلان، ويريدون بذلك الصّدقة ويقولون: أعطنا. فأنزل الله هذه الآية
(4)
.
(2)
-بمعناه. ورواه الإمام أحمد في المسند: ج 2 ص 361.وأبو داود في السنن: كتاب الأدب: الحديث (5116).والترمذي في الجامع: كتاب التفسير: باب ومن سورة الحجرات: الحديث (3270)،وقال: هذا حديث غريب.
(1)
رواه الحاكم ف ي المستدرك: كتاب الأدب: باب لا تتكلموا ب الحكمة عند الجاهل: الحديث (7779).
(2)
أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب العلم: باب كرم المؤمن: الحديث (433 - 434).وابن حبان في الإحسان: كتاب البر والإحسان: الحديث (483).وفي مجمع الزوائد: ج 10 ص 251؛قال الهيثمي: (رواه الطبراني في الأوسط) وسكت عنه. وأخرجه الطبراني في الأوسط: الحديث (6682).
(3)
أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب البر والصلة: باب تحريم ظلم المسلم وخذله: الحديث (2564/ 34 033).
(4)
أخرجه الطبري في جامع البيان: ج 13 ص 183:الأثر (24612).وفي الدر المنثور: ج 7 ص 583،ونسبه إلى عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.
والمعنى: أنّهم قالوا صدّقنا باللسان والقلوب، قل لهم يا محمّد: لم تؤمنوا؛ أي لم تصدّقوا بقلوبكم كما صدّقتم بألسنتكم (ولكن قولوا) استسلمنا وانقدنا مخافة السّبي والقتل، {وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ؛} في السّر كما أطعتم في العلانية، فتتوبوا من الكفر والنفاق، {لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً؛} أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا، {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ؛} لمن تاب، {رَحِيمٌ} (14)؛بمن مات على التوبة.
ومن قرأ «(لا يألتكم)» بالهمزة فهو من ألت يألت ألتا إذا نقص، ويقال: لات يليت ليتا بهذا المعنى، وكلا القراءتين بمعنى واحد.
قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛} أي هم الذين أقرّوا وصدّقوا بوحدانيّة الله ونبوّة رسوله، {ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا؛} أي لم يشكّوا في دينهم بعد الإيمان، {وَجاهَدُوا؛} العدوّ، {بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ؛} طاعة، {أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ} (15)؛في الإيمان.
فلمّا نزلت هذه الآية جاء القوم يحلفون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنّهم يؤمنون في السرّ والعلانية، وقد علم الله منهم غير ذلك، فأنزل الله:
قوله تعالى: {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (16)؛معناه: كيف يعلّمون الله بالدّين الذي أنتم عليه، وهو عالم بكلّ شيء من كلّ وجه، وكيف يجوز أن يعلّم من كان بهذه الصّفة.
وقوله {(يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا)} وذلك أنّ هؤلاء المنافقين كانوا يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم: قاتلتك العرب بأسيافهم ونحن جئناك بالأهل والذراري والأثقال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان،
فقال الله تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ؛} يا محمّد؛ {أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ؛} فإنّ إجابتكم إلى الإسلام لم تكن إلاّ لاجابتكم على أنفسكم لا إنّكم أنعمتم على من دعاكم إلى ذلك.
ومن المعلوم أنّ حقّ الداعي إلى الهداية أعظم من حقّ المطيع بالإجابة، فليس للمطالب أن يطالب بالحقّ الذي له وينسى الحقّ الأعظم الذي عليه، ولذلك قال الله:
{بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ؛} وأخرجكم من الضّلال، {إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} (17)؛في مقالتكم.
قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ} (18)؛فيه بيان أنه لا ينفع المنافق عند الله كتمان الكفر؛ لأنه تعالى عالم به.
فإن قيل: كيف تجوز المنّة من الله تعالى، والمنّة مما يكدّر الصنيعة؟ قيل: إنّ المنّة عمّن يستغنى عنه تكدّر الصنيعة، وأمّا الله تعالى ليس من أحد إلاّ وهو محتاج إليه، فليس في منّته تكدير للنعمة لاستحالة أن يستغنى بغيره عنه. وقد يقال: إذا كفرت النعمة حسنت المنّة، وبالله التوفيق.
آخر تفسير سورة (الحجرات) والحمد لله رب العالمين