المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[شروط ما تبنى منه صيغتا التعجب، وكيفية بنائهما من غير المستوفي للشروط] - تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - جـ ٦

[ناظر الجيش]

فهرس الكتاب

- ‌الباب الرابع والثلاثون باب التّعجّب

- ‌[تعريفه وصيغه - حكم المتعجب منه]

- ‌[همزة (أفعل) و (أفعل) وأحكام هاتين الصيغتين]

- ‌[جرّ ما يتعلّق بصيغتي التعجّب]

- ‌[شروط ما تبنى منه صيغتا التعجب، وكيفية بنائهما من غير المستوفي للشروط]

- ‌الباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيل

- ‌[تعريفه وصياغته وشروط صياغته]

- ‌[أحكام أفعل التفضيل المجرد من «أل» والإضافة، وأحوال المفضول منه]

- ‌[أفعل المقترن بـ «أل»، أو المضاف إلى معرفة، وما يتعلق بهما]

- ‌[«أفعل» المضاف إلى نكرة وأحكامه]

- ‌[حكم كلمة «أول» صفة لأفعل التفضيل أو مجردة عن الوصفية]

- ‌[متى يرفع «أفعل» التفضيل الظاهر، وعلة ذلك، وأحكامه

- ‌الباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعل

- ‌[تعريفه - وزنه من الثلاثي المجرد - الاستغناء ببعض الأوزان عن بعض]

- ‌[عمل اسم الفاعل غير المصغر والموصوف عمل فعله قد يحول «فاعل» للمبالغة إلى الأمثلة الخمسة]

- ‌[إضافة اسم الفاعل المجرّد من «أل» إلى المفعول أو ما يشبه المفعول - إضافة المقرون بالألف واللام - حكم المعطوف على مجرور ذي الألف واللام]

- ‌[اسم المفعول: عمله عمل فعله الذي لم يسم فاعله وشروط عمله وبناؤه]

- ‌الباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعل

- ‌[تعريفها وشرح التعريف]

- ‌[موازنتها للمضارع من الثلاثي وغيره]

- ‌[أحوال الصفة المشبهة وأحكامها]

- ‌[أقسام معمول الصفة المشبهة وإعرابه]

- ‌[عمل الصفة المشبهة في الضمير]

- ‌[عمل الصفة المشبهة في الموصول والموصوف]

- ‌[بقية أحكام الصفة المشبهة]

- ‌[أحوال الصفة المشبهة بالنسبة إلى الموصوف بها]

- ‌[ردّ الصّفة المشبّهة إلى اسم الفاعل]

- ‌الباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدر

- ‌[علة إعمال المصدر - أحوال إعماله]

- ‌[المصدر العامل نوعان: مقدر بالفعل بالفعل والحرف - مقدر بالفعل وحده]

- ‌[أحكام المصدر العامل وأحكام معموله]

- ‌[أقسام المصدر العامل وأكثر الأقسام إعمالا من الآخر]

- ‌[إتباع مجرور المصدر لفظا أو محلّا ما لم يمنع مانع]

- ‌[عمل اسم المصدر وأحكامه]

- ‌[المصدر الكائن بدلا من الفعل موافقته متعديا والاختلاف في قياسه]

- ‌[المصدر الكائن بدلا من الفعل وأحكام أخرى له]

- ‌الباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]

- ‌[تعريفها - سبب عملها - تقسيمها]

- ‌[من الجارة: معانيها، وأحكامها]

- ‌[إلى الجارة…معانيها، وأحكامها]

- ‌[اللام الجارة: معانيها، وأحكامها]

- ‌[كي الجارة - مساواتها للام]

- ‌[الباء معانيها، وأحكامها]

- ‌[في: معانيها، وما يعرض لها]

- ‌[عن: معانيها، وأحكامها]

- ‌[على: معانيها، وحكم زيادتها]

- ‌[حتى الجارة…معانيها، وأحكامها]

- ‌[الكاف الجارة: معانيها…وأحكامها]

- ‌[مذ، منذ، رب: لغاتها، ومعانيها، وأحكامها]

- ‌[لولا .. حكم الجر بها]

- ‌[لعلّ، ومتى .. هل يجر بهما]

- ‌[مواضع الجر بحرف محذوف، أحكامه، حكم الفصل بين الجار والمجرور]

- ‌الباب الأربعون باب القسم

- ‌[القسم: تعريفه، أقسامه، أساليبه]

- ‌[إضمار الفعل وأحكام لفظ الجلالة في القسم]

- ‌[من أحكام الجملة الاسمية في القسم]

- ‌[الحروف التي يتلقى بها القسم، وأحكامها]

- ‌[تلقي جواب القسم الماضي]

- ‌[توالي القسم والشرط غير الامتناعي]

- ‌[من أحكام أسلوب القسم]

الفصل: ‌[شروط ما تبنى منه صيغتا التعجب، وكيفية بنائهما من غير المستوفي للشروط]

[شروط ما تبنى منه صيغتا التعجب، وكيفية بنائهما من غير المستوفي للشروط]

قال ابن مالك: (فصل: بناء هذين الفعلين من فعل ثلاثيّ مجرّد تامّ مثبت متصرّف قابل معناه للكثرة غير مبنيّ للمفعول، ولا معبّر عن فاعله بـ «أفعل فعلاء»، وقد يبنيان من المفعول: إن أمن اللّبس، ومن فعل «أفعل» مفهم عسر أو جهل، ومن مزيد فيه، فإن كان «أفعل» قيس عليه، وفاقا لسيبويه، وربّما بنيا من غير فعل، أو فعل غير متصرّف وقد يغني في التّعجّب فعل عن فعل مستوف للشّروط كما يغني في غيره، ويتوصّل إلى التّعجّب بفعل مثبت متصرّف، مصوغ للفاعل، ذي مصدر مشهور إن لم يستوف الشّروط بإعطاء المصدر ما للمتعجّب منه مضافا إليه، بعد ما أشدّ أو أشدد ونحوهما، وإن لم يعدم الفعل إلّا الصّوغ للفاعل جيء به صلة لما المصدريّة آخذة ما للمتعجّب منه بعد «ما أشدّ» أو «أشدد» ونحوهما).

ــ

التعجّب به؛ لأنّ المقاصد مختلفة، فقد يكون التعجب من كثرة ظنّ زيد، أو قوته، أو نحو ذلك من غير نظر إلى متعلّق، وحينئذ يقتصر على الفاعل فيقال: ما أظنّ زيدا ولا يحتاج مع هذا إلى شئ آخر، وقد يكون التعجّب من كثرة ظنّ زيد، بالنسبة إلى متعلّق الظنّ، وحينئذ يجب ذكر المتعلّق؛ إذ لو لم يذكر لم يحصل المعنى المقصود من

الكلام.

وعلى هذا نقول: ما أظنّ زيدا لبشر صديقا، فلم تدخل اللام إلا على أحد المفعولين، وأما المفعول الآخر فلم تنصبه بفعل التعجّب، إنّما نصبناه بفعل مقدّر، وإذا كان كذلك فما المانع له؟ ويصير قولنا: ما أظنّ زيدا لبشر صديقا؛ بمنزلة قولنا: ما أعطى زيدا لعمرو الدراهم، وهو قد أجاز الثانية؛ فيلزمه [3/ 118] إجازة الأولى، وإلا فما الفرق؟ وقد تبين مما ذكرته أن الطريق الذي ذكره المصنف هو الذي ينبغي التعويل عليه، والعمل به.

قال ناظر الجيش: قال المصنف (1): قيّد ما يبنى منه التعجّب بكونه فعلا تنبيها -

(1) شرح التسهيل لابن مالك (2/ 44).

ص: 2638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

على خطأ من يقول من «الكلب» : ما أكلبه، ومن «الحمار»: ما أحمره، ومن «الجلف» (1): ما أجلفه، وربما يكون من «الجلد»: ما أجلده. وقيد بكونه ثلاثيّا ليعلم امتناع بنائه من ذي أصول أربعة، مجردا كان كـ:«دحرج» ، أو غير مجرّد كـ:«ابرنشق» . وقيد كون الثلاثي مجردا، تنبيها على أنّ حقه ألّا يبنى من ثلاثيّ مزيد فيه كـ:«علّم» و «تعلّم» ، و «قارب» ، و «اقترب». وقيّد بكونه فعلا تامّا تنبيها على أنّه لا يبنى من فعل ناقص كـ:«كان» ، و «ظلّ» و «كرب» ، و «كاد» (2). وقيّد بكونه مثبتا تنبيها على أنّه لا يبنى من فعل مقصود نفيه لزوما، كـ:«لم يعج» ، وجوازا، كـ:«لم يعج» (3). وقيد بالتصرف تنبيها على امتناع بنائه من «يذر» و «يدع» ونحوهما. وقيد بقبول معناه للكثرة تنبيها على امتناع بنائه من «حدث» ، «وفني» ونحوهما (4). وقيد بكونه غير مبنيّ للمفعول تنبيها على أنّ حقّه أن يبنى من فعل الفاعل لا من فعل المفعول، كـ:«علم» (5). وقيد -

(1) في المصباح المنير: الجلف: العربي الجافي، وقيل: الدنّ الفارغ، وقيل غير ذلك، والحمار: هو الحيوان المعروف، وما أحمره: بمعنى: ما أبلده، وما أجلفه: ما أجفاه.

(2)

في التذييل والتكميل: (4/ 671): (وأما كون الفعل المصوغ منه «أفعل» و «أفعل» ثلاثيّا فاحتراز من أن يكون رباعيّا أصلا، أو مزيدا نحو: دحرج وتدحرج، فإنه لا يمكن منه بناء «أفعل» و «أفعل» لهدم بنيته، ولزوم حذف بعض أصوله، وأما كونه مجردا فاحتراز من أن يكون غير مجرد، وأما كونه تامّا فاحتراز من أن يكون ثلاثيّا مجردا غير تام، نحو «كان» الناقصة، و «ظلّ، وكرب، وكاد»، ونحوهن من أخوات «كان»، وهذا الشرط ذهب إليه الجمهور، وأجاز بناءه من «كان» الناقصة بعضهم، قال أبو بكر بن الأنباري: وتقول: كان عبد الله قائما، فإذا تعجبت منه قلت: ما أكون عبد الله قائما) اهـ.

وينظر: شرح فصول ابن معط (ص 136) رسالة.

(3)

في التذييل والتكميل (4/ 673): (وأما كونه مثبتا فاحتراز من أن يكون منفيّا)؛ لأنه لا يتعجب منه؛ لأن فعل التعجب مثبت فمحال أن يبنى من المنفي) اهـ.

في المرجع السابق (4/ 674): (وأما كونه متصرفا فاحتراز مما لا يتصرف، نحو: يذر، ويدع، ونحوهما، فإنه لا يجوز أن يصاغ منه؛ لأنها إذا بني منه كان تصرفا فيه، والغرض أنه غير متصرف) اهـ.

(4)

وفي التذييل والتكميل (4/ 674): (وأما كون معناه قابلا للكثرة فاشترطه الفراء وهو صحيح، واحتراز من الأفعال التي لا تقبل الزيادة، نحو: مات وفني وحدث، فلا تقول: ما أموت، ولا: أموت به، وقد شذّ من الألفاظ الثابتة التي لا يقبل معناها الزيادة قولهم: ما أحسنه، وما أقبحه، وما أكثره، وما أطوله، وما أهوجه، وما أشنعه، وما أجمعه) اهـ.

(5)

في التذييل والتكميل (4/ 676): (وأما كونه غير مبني للمفعول فلأنه لا يجوز: ما أضرب -

ص: 2639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

بكونه لا يعبّر عن فاعله بـ «أفعل فعلاء» احترازا من «شنب (1)، ودعج (2) ولمي (3)» ونحوها من الأفعال التي بناء الوصف منها للمذكر «أفعل» ، وللمؤنث «فعلاء» ، ولا فرق في النوع بين ما هو من العيوب، كـ:«برص، وبرش (4)، وحول، وعور» وبين ما هو من المحاسن كـ: «شهل (5)، وكحل، وطهي، ولمي» وإنّما لم يبن من هذا النوع فعل تعجّب، لأنّ مبناه من الفعل حقه أن يكون ثلاثيّا محضا (6)، وأصل الفعل في هذا النوع أن يكون على «أفعل» ولذلك صحت منه العين إذا كان ثلاثيّ اللفظ، كـ:«هيف، وحيد، وعور، وحول» ولم تقلب ألفا، كما فعل بـ «هاب ونال، وخاف، ونام» مع أنّ العين من جميعها حرف لين متحرك مفتوح ما قبله.

وهذا الذي فعل بـ «فعل» من الصحيح حملا على: «فعل» ، مقدرا أو موجودا، شبيه بما فعل بـ «اجتوروا» حملا على «تجاوروا» و «مخيط» حملا على «مخياط» ولولا ذلك لقيل في «اجتوروا»:«تجاوروا» كما قيل: «اجتازوا» و «اقتادوا» ولقيل في «مخيط» : «مخاط» كما قيل: «مثال» و «معاش» ، فكان تصحيح «هيف» وأخواته، مع استحقاقه ما استحقه «هاب» وأخواته؛ دليلا على أنّ أصله «أفعل» و «أفعل» لا يبنى منه فعل تعجّب، فجرى مجراه ما هو بمعناه، وواقع موقعه، وهذا التعليل هو المشهور عند النحوييّن.

وعندي تعليل آخر، أسهل منه، وهو أن يقال: لما كان بناء الوصف من هذا النوع على «أفعل» (7) لم يبن منه أفعل تفضيل؛ لئلّا يلتبس أحدهما بالآخر، فلمّا -

- زيدا، وأنت تتعجب من الضرب الذي حل بزيد، وعلة المنع كونه يلتبس بفعل الفاعل، هكذا علله بعضهم، فيظهر من صاحب هذا التعليل أنه يجيز التعجب من فعل المفعول إذا عدم اللبس) اهـ.

(1)

الشنب - محركة -: ماء، ورقة، وبرد، وعذوبة في الأسنان، وفعله «شنب» ، كفرح. القاموس.

(2)

في المصباح المنير: دعجت العين دعجا، من باب تعب، وهو سعة مع سواد، وقيل: شدة سوادها، في شدة بياضها.

(3)

في مختار الصحاح: (اللمى: سمرة في الشفة تستحسن، ورجل ألمى، وجارية لمياء، بينة اللمى) اهـ.

(4)

في المصباح المنير: (برش، يبرش، برشا، فهو أبرش، والأنثى برشاء، مثل برص، وزنا ومعنى) اهـ.

(5)

شهل يشهل شهلا: كانت في عينه شهلة، والشهلة في العين: أن يشوب سوادها زرقة.

(6)

في التذييل والتكميل (4/ 678): (وعلة منع ذلك أن حق الفعل الذي يبنى للتعجب أن يكون قبل التعجب ثلاثيّا، محضا، وأصل الفعل في هذا أن يكون على وزن «أفعل» ولذلك صحت عينه في الثلاثي اللفظ

) اهـ.

(7)

يعني نحو: أعور، وأهيف.

ص: 2640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

امتنع صوغ أفعل التفضيل، امتنع، صوغ فعل التعجّب، لتساويهما وزنا ومعنى، وجريانهما مجرى واحدا، في أمور كثيرة، وهذا الاعتبار هيّن بيّن، ورجحانه متعين.

وقد يبنى فعل التعجّب من فعل المفعول، إن أمن الالتباس بفعل الفاعل نحو:

ما أجنه وما أنجبه، وما أشغفه، وهذا الاستعمال في أفعل التفضيل أكثر منه في التعجّب، كـ: أزهى من ديك (1)، وأشغل من ذات النحيين (2)، وأشهر من غيره، وأعذر، وألوم، وأعرف، وأنكر، وأخوف، وأرجى، من: شهر، وعذر، وليم وعرف، ونكر، وخيف، ورجي. وعندي أنّ صوغ فعل التعجّب، وأفعل التفضيل من فعل المفعول الثلاثيّ الذي لا يلتبس بفعل الفاعل، لا يقتصر فيه على المسموع، بل يحكم باطراده، لعدم الضائر، وكثرة النظائر، وقد يبنى فعل التعجب من فعل «أفعل» مفهم جهل، أو عسر، والإشارة بذلك إلى: حمق، ورعن، وهوج، ونوك (3)، وألد، إذا كان عسر الخصومة، وبناء الوصف من هذه الأفعال على أفعل في التذكير، وفعلاء في التأنيث، لكنها ناسبت - في المعنى - «جهل وعسر» فجرت في التفضيل والتعجّب مجراهما، فقيل: ما أحمقه، وأرعنه، وأهوجه، وأنوكه، وألدّه! وهو أحمق منه، وأرعن، وأهوج، وأنوك، وألدّ (4).

وقد يبنى فعل التعجّب من ثلاثيّ مزيد فيه، كقولهم من «اشتد»: ما أشدّه، -

(1) مجمع الأمثال للميداني (1/ 327).

(2)

هذا مثل، قيل في امرأة، من بني تيم الله بن ثعلبة، كانت تبيع السمن في الجاهلية، ساومها خوات ابن جبير الأنصاري، ليبتاع منها السمن، وشغل يديها، وقضى ما أراد وانصرف، ثم أسلم وتاب.

النحي: الزق، وقيل: هو ما كان للسمن خاصة.

والشاهد فيه: «أشغل من» : حيث صاغ «أفعل» من فعل المفعول أي: شغلت، وحق فعل المفعول بالزوائد، وهو «افتعل» فلا يجيء أفعل منه إلا قليلا.

ينظر المثل في: جمهرة الأمثال للعسكري (ص 564)، ومجمع الأمثال (1/ 376)، وهو في اللسان «نحي» والمثل في كتاب «أفعل» لأبي علي القالي (ص 64).

(3)

النوك: الحمق، وقد نوك، أي: حمق، وهو أنوك، ينظر: اللسان «نوك» .

(4)

ينظر: شرح التسهيل لابن مالك (3/ 46).

ص: 2641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ومن «اشتاق» : ما أشوقه، ومن «اختال»: ما أخوله، ومن:«اختصر الشيء» :

ما أخصره وفي هذا شذوذ من وجهين: أحدهما: أنه من مزيد فيه، والآخر: أنّه من فعل المفعول، وأكثر النحويين يجعلون من شاذّ التعجّب: ما أفقره! وما أشهاه! وما أحياه! وما أمقته! لاعتقادهم أنّ ثلاثي: «افتقر، واشتهى، واستحيى» مهمل، وأنّ فعل الفاعل من «مقت» غير مستعمل، وليس الأمر كما اعتقدوه، بل استعملت العرب «فقر» بمعنى «افتقر» ، و «شهي الشيء» بمعنى «اشتهاه» ، و «حيي» بمعنى «استحيى» ، وكذلك استعملت: مقت الرجل مقاتة، إذا صار مقيتا، أي: بغيضا [3/ 119] فليس قولهم: ما أفقره من افتقر؛ بل من فقر، أو فقر، ولا: ما أشهاه من اشتهى؛ بل من شهي، ولا ما أحياه، من استحيى، بل من حيي، ولا: ما أمقته من مقت؛ بل من مقت، وممّن خفي عليه استعمال «فقر، وفقر، ومقت» سيبويه (1)، ولا حجّة في قول من خفي عليه ما ظهر لغيره، بل الزيادة من الثّقة مقبولة.

وقد ذكر استعمال ما ادعيت استعماله جماعة من أئمة اللّغة وإن كان المزيد فيه على وزن «أفعل» لم يقتصر في صوغ فعلي التعجّب منه على المسموع، بل يحكم فيه بالاطراد، وقياس ما لم يسمع منه على ما سمع، ما لم يمنع مانع آخر، هذا هو مذهب سيبويه والمحقّقين من النّحاة (2)، ولا فرق بين ما همزته للتعدية، كـ:«أعطى» ، وبين ما همزته لغير التعدية، كـ:«أغفى» ، ويشهد بأنّ هذا مذهب سيبويه قوله في الباب المترجم بهذا باب ما يعمل عمل الفعل، ولم يجر مجرى الفعل، ولم يتمكن تمكنه: وبناؤه أبدا من فعل، وفعل، وفعل، وأفعل. هذا نصّه؛ فسوّى بين «أفعل» ، والثّلاثة الثلاثيّة، في صحة بناء فعل التعجب منها، وأطلق القول بـ «أفعل» فعلم أنّه لا يفرق بين ما همزته

للتعدية، وما همزته لغير التعدية (3) -

(1) في التذييل والتكميل (4/ 687): (وهذا الذي تبجح - أي ابن مالك - بالاطلاع عليه، لا يقدح فيما قاله سيبويه؛ لأن سيبويه إنما ينقل فصيح اللغة ومستعملها، لا شاذها، فالذين قالوا: ما أفقره؛ تكون لغتهم «افتقر» لا «فقر» ولا «فقر» وإن شيئا غابت معرفته عن سيبويه لجدير بأن يطرح) اهـ.

(2)

التذييل والتكميل (4/ 689).

(3)

ينظر: منهج السالك (ص 374) وابن عصفور هو الذي نسب هذا التفصيل إلى سيبويه، وينظر:

شرح التسهيل للمرادي (192 / أ)، والمساعد لابن عقيل (2/ 163)، وفي التذييل والتكميل (4/ 690):(فظاهر كلام سيبويه هنا أنه يجوز التعجب من «أفعل») اهـ.

ص: 2642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

كما فعل ابن عصفور (1)؛ إذ أجاز القياس على: ما أغفى زيدا؛ لأنّ همزته غير معدّية، ولم يقس على:«ما أعطاه» ؛ لأنّ همزته معدية، وهو تحكم بلا دليل.

هذا مع أنّ سيبويه قال - بعد قوله: وبناؤه أبدا من فعل وفعل وفعل وأفعل فشبه هذا بما ليس من الفعل، نحو:«لات» -: وإن كان من: حسن وكرم وأعطى (2)؛ فلم يفرق بين «أعطى» ، و «كرم» ، مع العلم بأنّ همزة «أعطى» معدّية، لأنّه يقال: عطوت الشيء، بمعنى: تناولته، وأعطيته فلانا؛ فيصير «عطوت» بالهمزة متعديا إلى اثنين، بعد أن كان دونها متعديا إلى واحد، ومن تصريح سيبويه باطراد:

ما أعطاه، وشبهه قوله - في الربع الأخير من كتابه -: هذا باب ما يستغنى فيه عن «ما أفعله» بـ «ما أفعل فعله» ، ثم قال (3): كما استغني بـ «تركت» عن «ودعت» وكما استغني بـ «نسوة» عن أن يجمعوا المرأة على لفظها، وكذلك في الجواب، ألا ترى أنك لا تقول: ما أجوبه!، إنّما تقول: ما أجود جوابه!».

ثمّ قال: وكذلك لا تقول: أجوب به، وإنما تقول: أجود بجوابه، ولا يقولون في قال يقيل:«ما أقيله!» استغنوا بـ «ما أكثر قائلته» ، و «ما أنومه في ساعة كذا» ، كما قالوا:«تركت» ، ولم يقولوا:«ودعت» هذا نصّه؛ فجعل استغناءهم عن: «ما أجوبه!» بـ «ما أجود جوابه!» مساويا لاستغنائهم عن «ودعت» ماضي «يدع» بـ «تركت» ، وعن «ما أقيله» بـ «ما أكثر قائلته» ، مع العلم بأنّ عدولهم عن «ودع» إلى «ترك» ، وعن «ما أقيله» إلى ما أكثر قائلته!» على خلاف القياس وأنّ «ودع» ، و «ما أقيله!» موافقان للقياس، فيلزم أن يكون ما أجوبه موافقا للقياس، وهذا بيّن، والاعتراف بصحته

متعين، وإنما استحق «أفعل» مساواة الثلاثيّ المحض، في هذا الاستعمال، دون غيره، من أمثلة المزيد فيه؛ لشبهه به لفظا، ولكثرة موافقته له معنى (4). -

(1) ينظر: المقرب لابن عصفور (1/ 73).

(2)

ينظر الكتاب (1/ 73)، والتذييل والتكميل (4/ 691).

(3)

ينظر: الكتاب (4/ 99).

(4)

ينظر: شرح المصنف (3/ 48)، والتذييل والتكميل (4/ 692)، وفي نقل الشيخ أبي حيان، والعلامة ناظر الجيش عن شرح المصنف بعض تصرف.

ص: 2643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فأما الموافقة لفظا: فمن قبل أنّ مضارعه، واسم فاعله، واسم زمانه، واسم مكانه [لمضارع الثلاثي، واسم فاعله، وزمانه ومكانه] في عدّة الحروف، والحركات، وسكون الثاني، بخلاف غيره من المزيد فيه، وأما الموافقة في المعنى:

فكثيرة؛ فمن موافقته لـ «فعل» : سرى وأسرى، وطلع على القوم وأطلع، أي:

أشرف، وطفلت الشمس وأطفلت، أي: دنت للغروب، وعتم الليل وأعتم، أي:

أظلم، وعكل الأمر وأعكل، أي: أشكل، ومن موافقته لـ «فعل»: غطش الليل وأغطش، أي: أظلم، وعوز الشيء وأعوز، أي: تعذّر، وكذلك الرجل إذا افتقر، وعدم الشيء وأعدمه، أي: فقره، وعيست الإبل وأعيست، أي: دنّست أدبارها ومن موافقته لـ «فعل» : خلق الثوب وأخلق، أي: بلي، وبطؤ وأبطأ معلوم، وبؤس وأبأس، أي: ساءت حالته، ونظائر ذلك كثيرة، فلكون «أفعل» مختصّا من بين الأفعال المغايرة للثلاثيّ بمشابهته لفظا، وموافقته معنى، أجراه سيبويه مجراه في اطراد بناء فعلي التعجّب منه.

وقد يبنيان من غير فعل، كقولهم: ما أذرع فلانة! بمعنى: ما أخفّها في الغزل، وهو من قولهم: امرأة ذراع، وهي الخفيفة اليد في الغزل، ولم يسمع منه فعل، مثله، في البناء من وصف لا فعل له، وأقمن به أي: أحقق، اشتقوه من قولهم:

هو قمن بكذا، أي: حقيق به، وهذان وما أشبههما شواذ، لبنائهما من غير فعل (1)، ومثلهما في الشذوذ: ما أعساه! وأعسى به! بمعنى: ما أحقه، وأحقق به، فبنوا فعلي التعجب من «عسى» ، وهو فعل غير متصرف، وإلى هذا أشرت بقولي:(أو فعل غير متصرف) ومن الأفعال ما لم يصغ منه فعل تعجب، مع كونه ثلاثيّا، مجردا، تامّا، مثبتا،

متصرفا، قابلا للكثرة، مصوغا للفاعل، غير معبر عن فاعله عن بـ «أفعل فعلاء» ، فمن ذلك: سكر، وقعد، وجلس ضد «أقام» ، وقال، من القائلة، استغنت العرب فيهن بـ: ما أشد سكره، وما أكثر قعوده، -

(1) ينظر: شرح المصنف (3/ 48).

وفي التذييل والتكميل (4/ 670): (فأما دعواه أن ما أذرع فلانة! بمعنى: ما أخفها في الغزل، ولم يسمع منه فعل، فليست بصحيحة، قال ابن القطاع: ذرعت المرأة: خفت يداها في العمل؛ فهي ذراع، فعلى هذا لا يكون قوله: ما أذرع فلانة، شاذّا؛ إذ هو مصوغ من فعل) اهـ.

ص: 2644

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وجلوسه، وقائلته! عن: ما أسكره، وأقعده، وأجلسه، وأقيله!.

وإليها أشرت بقولي: (وقد يغني في التعجب فعل عن فعل، مستوف للشروط، كما يغني في غيره) ثم قلت: (ويتوصل إلى التعجب بفعل مثبت متصرف، مصوغ للفاعل، ذي مصدر مشهور، إن لم يستوف الشروط بإعطاء المصدر ما للمتعجب منه، مضافا إليه، بعد «ما أشد»، أو «أشدد»، ونحوهما) ففهم من هذا أنه يقال - في دحرج، وانطلق -: ما أشد دحرجته، وانطلاقته، وفي كان زيد صديقك: ما أشد كون زيد صديقك، وفي مات زيد: ما أقطع موت زيد، وفي هيفت المرأة: ما أحسن هيفها، وكذا يقال: أشدد بدحرجته وانطلاقه، وبكونه صديقك [3/ 120] وأفظع بموته، وأحسن بهيفها، ثم قلت:(فإن لم يعدم الفعل إلا الصوغ للفاعل جيء به صلة لـ «ما» المصدرية، آخذة ما للمتعجب منه، بعد «ما أشد»، أو «أشدد»، أو نحوهما) ففهم من هذا أنه يقال: ما أشد ما ضرب زيد، وأشدد بما ضرب زيد، ولم يغن ذكر المصدر؛ لأن كون المتعجب منه مفعولا، لا يعلم بذلك، وإنما يعلم بذكر «ما» موصولة بفعل مصوغ للمفعول (1). هذا آخر كلام المصنّف رحمه الله تعالى.

وملخص ما ذكره: أنّ شروط ما يبنى منه فعل التعجّب تسعة: وهى كونه فعلا، ثلاثيّا مجرّدا، تامّا، مثبتا، متصرفا، قابلا معناه للكثرة، غير مبني للمفعول، ولا معبرا عن فاعله بأفعل فعلاء (2)، وأنّ الفعلين المذكورين قد يبنيان شذوذا، من غير فعل مزيد فيه، ومن فعل مزيد فيه أي: غير مجرّد من الزيادة، ومن فعل غير متصرف، ومن فعل مبني للمفعول، ومن فعل معبّر عن فاعله بأفعل فعلاء، وباقتصاره على ما ذكره، وسكوته عن الباقي علم أنهما لا يبنيان ولو شذوذا من فعل رباعيّ، ولا من فعل ناقص، ولا من فعل منفيّ، ولا من فعل غير قابل معناه للكثرة، أما الفعل الرباعيّ؛ فلكون بناء هذين الفعلين منه غير ممكن، وأما الفعل -

(1) انظر شرح التسهيل لابن مالك (3/ 49).

(2)

في التذييل والتكميل (4/ 669): (وزاد غيره - أي على الشروط التسعة - أن يكون على وزن «فعل» أصلا، أو تحويلا، وألا يكون قد استغنى عن الباء، في هذا الباب وغيره، وزاد آخرون أن يكون واقعا، وآخرون أن يكون دائما) اهـ.

ص: 2645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الناقص؛ فإنّ المصنف لم يصرح بالعلة المقتضية لعدم جواز بناء فعل التعجب منه، لكنّ العلة في ذلك تعرف من قوله: إنّ همزة أفعل في التعجب لتعدية ما عدم التعدي في الأصل أو الحال، والحاصل: أنّه لا بدّ أن يتصور اللزوم في الفعل الذي يبنى منه هذان الفعلان - أعني فعلي التعجّب - قبل أن يبنيا، وإذا كان كذلك امتنع التعجب من نحو:«كان» ؛ لأنّك إذا قلت: ما أكون زيدا، أو افتقرت، لزم حذف الخبر، وإبقاء المخبر عنه في المعنى دون خبر غير جائز، وذكر الخبر ممتنع؛ لأنك إن ذكرته منصوبا لم يكن له ناصب؛ لأنّ «أفعل» ، الذي هو «أكون» لا يتعدّى إلا إلى واحد، وقد استوفاه، وإن ذكرته مجرورا باللّام أدّى ذلك إلى إدخال اللام الجارة على ما هو خبر في الأصل، قال ابن عصفور: ولا نظير لذلك في كلامهم (1)، وأما ما ذكره الشيخ في شرحه، أنّ بعضهم أجاز التعجّب من «كان» فيقول: ما أكون عبد الله قائما (2)، فيكون «قائما» منصوبا على أنّه خبر «كان» ، فلا معوّل عليه، وقد قال هو: إن الذي ذكره المصنف، من عدم الجواز في «كان» ، وأخواتها؛ هو مذهب الجمهور (3)، وكفى بذلك، وأما الفعل المنفيّ، فلعدم إمكان البناء منه، مع مراعاة معنى النّفي، وأما الفعل غير القابل معناه للكثرة، فلمنافاة المعنى المقصود بالتعجّب، ثمّ إنّ الذي يتعذر التعجب منه من الأفعال لمانع من الموانع التي ذكرت؛ فإن كان المانع مصاحبة ناف الفعل، أو عدم تصرّف الفعل؛ فلا سبيل إلى التعجّب من الفعلين، وإن كان المانع غير هذين الأمرين أمكن التعجب، لكن بطريق، وهو أن يؤتى بمصدر ذلك الفعل، ويعطى ما للمتعجّب منه مضافا إليه (4)، بعد «أشدّ» ، أو «أشدد» ، ونحوهما، بـ «ما» المصدرية، متلوة بالفعل الذي هو مصوغ للمفعول، فتقول: ما أشدّ ما ضرب زيد، وأشدد بما ضرب زيد، كما تقول فيما ذكر قبل: ما أشدّ انطلاق زيد، وأشدد بانطلاقه؛ فالإتيان بالمصدر لا بدّ منه إلا أنّه قد يؤتى به مؤولا، إنما وجب الإتيان به مؤولا، لأنّه لو أتي -

(1) ينظر ابن عصفور في الشرح الكبير (1/ 581): (فأما ما كان من باب «كان» فلم يجز التعجب منه، لأنه إذا بني على «فعل» لم يحتج إلى أكثر من فاعل، فتدخل عليه همزة النقل، فيصير الفاعل مفعولا فتقول: ما أكون زيدا؛ فيؤدي إلى إلغاء المبتدأ دون خبره، ولا يجوز: ما أكون زيدا القائم؛ لأن اللام لا تدخل على خبر المبتدأ) اهـ.

(2)

،

(3)

ينظر: التذييل والتكميل (4/ 671).

(4)

ينظر: المرجع السابق (4/ 695).

ص: 2646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

به صريحا لما علم هل هو مصدر فعل فاعل، أو مصدر فعل مفعول كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في كلام المصنف (1)، واعلم أنه إذا لم يكن للفعل مصدر مشهور، وتعذّر التعجب من ذلك الفعل، فالطريق في التوصل إلى التعجّب منه أن يجعل الفعل صلة لـ «ما» كما كان ذلك في الفعل المبني للمفعول، فيقال:

ما أكثر ما يذر زيد الشرّ، وأكثر بما يذر زيد الشرّ.

وإذ قد عرف ذلك فلنشر إلى أمور:

منها: أنّ الشيخ نقل (2) عن ابن القطاع (3) أنّهم يقولون: ذرعت المرأة، إذا خفت يداها في العمل، فهي ذراع (4)، قال (5): وعلى هذا لا يكون قولهم:

ما أذرع فلانة شاذّا؛ لأنّه مصوغ من فعل، ثمّ قال: وأما يعج فإنّه قد استعمل مثبتا (6)، وأنشد البيت الذي تقدم إنشاده له في باب «كان» وهو:

2086 -

ولم أر شيئا بعد ليلى ألذّه

ولا مشربا أروى به فأعيج (7)

-

(1) ينظر: شرح المصنف (3/ 44).

(2)

في التذييل والتكميل (4/ 670).

(3)

هو علي بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن محمد، المعروف بابن القطاع الصقلي السعدي، أبو القاسم، كان إمام وقته بمصر في علم العربية، وفنون الأدب، قرأ على أبي بكر الصقلي، وروى عنه الصحاح للجوهري، وصنف: كتاب الأفعال - أبنية الأسماء - حواشي الصحاح، وغير ذلك، توفي بمصر سنة (514 هـ). وقيل: سنة (515 هـ).

تنظر ترجمته في: بغية الوعاة (2/ 153)، وطبقات ابن قاضي شهبة (2/ 143).

(4)

ينظر: كتاب الأفعال، لابن القطاع (1/ 383) مادة «ذرع» الطبعة الأولى سنة (1360 هـ) بحيدرآباد، المطبعة العثمانية. وينظر: التذييل والتكميل (4/ 670)، ومنهج السالك (ص 375)، ومثله توضيح المقاصد والمسالك للمرادي (3/ 64).

(5)

أي: قال الشيخ أبو حيان في التذييل والتكميل (4/ 670).

(6)

في المرجع السابق (4/ 673): (وما ذهب إليه المصنف من أن «عاج» بمعنى «انتفع» استعملته العرب منفيّا لا مثبتا ليس بالصحيح

) ا

هـ.

(7)

البيت من الطويل، ولم ينسب لقائل معين، وهو في أمالي القالي (2/ 168): أنشده أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي، قال القالي: أعيج: أنتفع، يقال: شربت دواء، فما عجت به، أي: ما انتفعت به.

والشاهد فيه قوله: «فأعيج» ؛ حيث استعمله مثبتا، بمعنى: أنتفع، كما قال أبو علي، واستشهد به أبو حيان على الإثبات ردّا على المصنف ابن مالك في أنه للنفي فقط.

وينظر الشاهد في: اللسان «عيج» ، ومنهج السالك (ص 375)، والتذييل والتكميل (4/ 673).

ص: 2647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

والأمر في ذلك أقرب (1)؛ لأنّ قولهم: ذرعت المرأة - إن ثبت - كان في غاية النّدور، فلا اعتداد به وكذا استعمال «يعيج» مثبتا لا عبرة به لندوره على أنّ لقائل أن يدّعي أنّ «أعيج» - في البيت - منفيّ؛ لأنّ الشاعر نفى الشرب الذي يحصل به الريّ، والانتفاع، فكأنّه قد نفى الريّ والانتفاع؛ إذ مراده أنه لا ريّ، ولا انتفاع، لانتفاء المشروب الذي من شأنه أن يحصل بسببه هذان الأمران.

ومنها: أنّ المصنف مثل لما لا يكون من الأفعال قابلا معناه للكثرة، نحو: مات، وفني، وحدث، كما تقدّم، وتبعه الشيخ في التمثيل بذلك، وأدرج معه في التمثيل قولهم: ما أحسنه! وما أقبحه! وما أطوله، وما أهوجه! وما أحمقه! وما أنوكه! (2) وما أشنعه! (3) فعدّ نحو هذه الأمثلة من الشاذّ، وتبع في ذلك ابن عصفور، فإنّه قال: العجب لا يكون إلا مما يزيد وينقص (4).

وأمّا [3/ 121] الخلق الثابتة فلا يجوز أن تتعجب منها ثم قال: وكذلك الألوان وإنّما تتعجب من أوصافها ولا يتعجب منها إلا أن يشذّ من ذلك شيء فلا يقاس عليه، والذي شذّ من ذلك: ما أحسنه

، وسرد الأمثلة المتقدمة إلى آخرها، ولم يظهر لي كون الحسن، وما ذكر معه لا يزيد ولا ينقص؛ إذ المحسوس خلاف ذلك، ثم لم يظهر لي أيضا قول ابن عصفور، والظاهر أنه أراد بذلك الزيادة والنقص، لقوله: كالشدّة والضّعف، وإذا كان مراده ذلك فما المانع من التعجب؟، ويقوي ذلك قوله: ويتعجّب من أوصافها، والذي يظهر أنّ المصنف لا يرى شذوذ نحو:

ما أحسنه! وما أقبحه! لأنّه إنما اشترط في الفعل الذي يبنى منه صيغتا التعجّب أن يكون قابلا معناه للكثرة.

ولا شكّ أنّ «حسن» و «قبح» قابل معناه لها، وبعد أن كتبت هذا الذي -

(1) في هذا الكلام يرد ناظر الجيش اعتراض الشيخ أبي حيان، على ابن مالك.

(2)

في اللسان «نوك» : (النّوك - بالضم -: الحمق، وقد نوك - بكسر الواو - نوكا ونوكا - بفتح النون، وضمها - ونواكة: حمق، ثم قال: وقالوا: ما أنوكه! ولم يقولوا: أنوك به! وهو قياس عن السراج) اهـ.

(3)

ينظر: التذييل والتكميل (4/ 674) وفي المصباح المنير «شنع» شنع الشّيء شناعة - بالضم - قبح.

(4)

ينظر: الشرح الكبير لابن عصفور (1/ 576).

ص: 2648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ذكرته، وقفت على كلام الشيخ فوجدته قد نحا إلى ما نحوت إليه، حتّى قال:

ولست أعلم أنّ أحدا من النحاة عدّد في الشواذّ ما عدّده ابن عصفور، ولم يسلم له مثال مما ذكر أنّه شاذ، فحصل لي اعتضاد بما ذكره رحمه الله تعالى، ومنها أنّ ابن عصفور ذكر ألفاظا، بنيت من الفعل المزيد فيه، مقصودا بها التعجّب (1)، غير ما ذكره المصنف، وهي: ما أتقاه! من «اتّقى» ، وما أقومه! من «استقام» ، وما أمكنه عند الأمير! من «تمكّن» ، وما أملأ القربة! من «امتلأ» ، وما آبل الرجل! أي: ما أكثر إبله، وإنّما يقال: يأبل إبلا، إذا اتخذها، وذكر غيره:

ما أرفقه! وما أحوجه! وقد قيل: إنّ لكلّ من هذه الصيغ فعلا ثلاثيّا، والحقّ أنّ ذلك غير ثابت.

ومنها: أنك قد عرفت ما ذكره المصنف، من الخلاف في بناء هذين الفعلين، من «أفعل» ، والذي تلخّص أنّ في ذلك مذاهب ثلاثة، يفرق في الثالث بين ما همزته للنقل، وما همزته لغير النّقل، فلا يبنى من الأول، ويبنى من الثّاني (2).

وقد عرفت ما ذكره المصنف من أنه لا فرق بينهما، وأنّه يجوز بناء فعلي التعجّب من كلّ من الفعلين - أعني: ما همزته للتعدية، وما همزته لغيرها - وقد قال المصنف: إنّه مذهب سيبويه والمحققين (3)، ووافق المصنف على تصحيح هذا المذهب ابن هشام الخضراويّ، ومن المسموع مما الهمزة فيه للتعدية قولهم: ما آتاه للمعروف! وما أعطاه للدراهم! وما أولاه بالمعروف! وما أضيعه لكذا! ومن المسموع مما الهمزة فيه لغير التعدية قولهم: ما أنتنه! في لغة من قال: أنتن، وما أخطأه! وما أصوبه! وما أيسره! وما أعدمه! وما أسنّه! وما أوحش المكان الفلانيّ! وما أمتعه! وما أشرفه! وما أفرط جهله! وما أظلمه! وما أضوأه! (4). -

(1) قال ابن عصفور في الشرح الكبير (1/ 576): (فلا يجوز التعجب إلا ما شذ، وهو: ما أحسنه! وما أقبحه! وما أطوله! وما أقصره! وما أهوجه! وما أنوكه! وما أحمقه!) اهـ.

(2)

ينظر: التذييل والتكميل (4/ 688).

(3)

ينظر: المقتضب للمبرد (4/ 178)، والمرجع الذي قبله (4/ 688، 689)، ومنهج السالك (ص 374)، وشرح التسهيل للمرادي (192 / أ)،

والمساعد (144 / أ، ب) وتوضيح المقاصد والمسالك (3/ 95).

(4)

ينظر: التذييل والتكميل (4/ 690).

ص: 2649

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ومنها: أنّ صفات الله تعالى لا يتعجّب منها، فإنها لا تقبل الزيادة، إذ هي في أكمل الصفات، ولا يتصور فيها خلاف ذلك.

وأما قول العرب: ما أعظم الله! وما أجلّ الله! (1)، وقول الآخر:

2087 -

ما أقدر الله أن يدني على شحط

من داره الحزن ممّن داره صول (2)

فقالت الأئمة فيه: إنّ التعجب منهم غير مقصود، ولكنّ هذا كلام يجري مجرى الذكر والتعظيم لله تعالى (3). -

(1) ينظر: منهج السالك (ص 375).

وفي حاشية الشيخ يس على شرح التصريح (2/ 86): (توقف بعضهم في صحة قولنا - مثلا -:

ما أعظم الله وما أجلّه! لأنه يقتضي بظاهره أن المعنى شيء عظيم، أعظم الله أي: جعله عظيما، وهذا إن لم يكن كفرا فهو قريب منه، وقدر بعضهم مضافا قبل «الله» فيكون التقدير: شيء عظيم قدر الله، وهذا الشيء هو «الله» وفيه إطلاق ما على الله تعالى) اهـ وأقول: صرح ابن الأنباري بصحة: ما أعظم الله، وبسط شيخ الإسلام السبكي الكلام على المسألة، وذكرنا ما يتعلق به في حاشية الألفية اهـ.

(2)

هذا البيت من البسيط، وهو لحندج بن حندج المري، كما نسبه القالي، وأبو تمام والعيني.

اللغة: ما أقدر الله: مثل ما أعظم الله! وهو صيغة تعجب، وعلى: بمعنى مع، شحط: بعد، والحزن:

- بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة ونون - موضع ببلاد العرب، وصول: - بضم الصاد المهملة - قال التبريزي: من بلاد الترك، والمعنى: ما أقدر الله على إدناء من هو مقيم بالحزن، ممن هو بصول.

والشاهد فيه قوله: «ما أقدر الله» ؛ حيث استشهد به على شذوذ قوله: «ما أقدر الله!» لعدم قبول صفات الله الكثرة.

ينظر الشاهد في: الإنصاف (1/ 82، 95)، ومنهج السالك (ص 375)، والتذييل والتكميل (4/ 675)، والأشموني (1/ 101)، والهمع (2/ 167)، والدرر (2/ 224).

(3)

وفي الهمع (2/ 167): (ترجيح التعجب من صفات الله حيث قال ما ملخصه: قال أبو حيان:

وشذ أيضا قولهم: ما أعظم الله، وما أقدره في قوله:

ما أقدر الله أن يدني على شحط

...

لعدم قبول صفات الكثرة، والمختار - وفاقا للسبكي وجماعة، كابن السراج، وابن الأنباري، والصيمري جوازه، والمعنى - في: ما أعظم الله! - أنه في غاية العظمة، ومعنى التعجب فيه أنه لا ينكر؛ لأنه مما تحار فيه العقول، وإعظامه تعالى وتعظيمه الثناء عليه بالعظمة، واعتقادها، وكلاهما حاصل والموجب لهما أمر عظيم، والدليل على جواز إطلاقه صيغة التعجب والتفضيل في صفاته تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ أي ما أسمعه وأبصره) اهـ.

ينظر: الإنصاف مسألة رقم (15)(ص 82). وفي الأشباه والنظائر (4/ 106، 109): ذكر قول النحاة وتأولهم قول العرب: ما أعظم الله!.

ص: 2650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ومنها: أنّ المصنف جعل بناء هذين الفعلين من الفعل المبنيّ للمفعول؛ غير مقصور على السّماع، لكن قال الشيخ: قصر ذلك على السماع هو قول الجمهور.

ومنها: أنّه تقدم أنّ العرب تركت التعجّب من أفعال مستوفية للشروط، واستغنت عنها بغيرها، وذكر أنّ من جملتها: قام، وقعد، وجلس (1).

قال الشيخ: ومن عدّ «نام» فيها فليس قوله بصحيح؛ لأنّ سيبويه حكى:

ما أنومه (2)! وقالت العرب: هو أنوم من فهد (3).

وحكى الأخفش عن بعض العرب: ما أغضبه! (4).

ومنها: أنّ الشيخ قال في قول المصنف: ويتوصّل إلى التعجّب إلى آخره: إنّ هذا الحكم لا يختض بما فقد فيه شرط من الشروط، بل يجوز هذا الحكم فيما استوفى الشروط، فتقول: ما أكثر ضرب زيد لعمرو، وأكثر بضرب زيد لعمرو، وما أكثر ما ضرب زيد عمرا، وأكثر بما ضرب زيد عمرا (5) انتهى، وفيما ذكره نظر، فإنّ التعجب فيما مثّل به ليس من الضّرب، إنّما هو من كثرة الضّرب، و «أكثر» ليس نائبا عن شيء، إنما هو صيغة «أفعل» التفضيل، والفعل الذي بنى منه هو كثر، كما أنّ «أحسن» - مثلا - صيغة تفضيل، وهو من «حسن» .

والحاصل: أنّ الفرق معقول بين قولنا: ما أضرب زيدا لعمرو، وقولنا: ما أكثر ضرب زيد لعمرو، ففي المثال الأول: التعجّب من الضرب، وفي المثال الثاني:

التعجّب من كثرته، لا منه.

ومنها: أنّ المانع من التعجّب، إن كان كون الفعل منفيّا، جعلت الفعل في صلة أن، نحو: ما أقبح أن لا يأمر بالمعروف، وأقبح بأن لا تأمر بالمعروف، قالوا: فلو كان الفعل من باب «كان» ممّا لزمه النّفي لكونه وضع له وهو «ليس» ، أو لكونه -

(1) ينظر: التذييل والتكميل (4/ 693)، وشرح المصنف (3/ 47).

(2)

ينظر: الكتاب (4/ 69) ونصه: «وما أنومه في ساعة كذا وكذا» .

(3)

ينظر: التذييل والتكميل (4/ 694) وقد ذكر هذا القول في كتاب «أفعل» لأبي علي القالي (ص 82) تحقيق: الفاضل بن عاشور ط. تونس سنة (1972 م).

(4)

لمراجعة ما حكاه الأخفش ينظر: منهج السالك (ص 377)، والتذييل والتكميل (4/ 693).

(5)

ينظر: التذييل والتكميل (4/ 696).

ص: 2651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

لا يستعمل إلّا مقرونا بحرف أو بحرف النهي أو الدّعاء، نحو: ما زال؛ ففيه خلاف، أجاز البغداديون: ما أحسن ما ليس يذكرك زيد، وما أحسن ما لا يزال يذكرك زيد، وتابعهم ابن السرّاج، يقول ابن السراج (1): كما جاز لك ذلك في «كان» ولكن يجوز: ما أحسن ما ليس يذكرك زيد: وما أحسن ما لا يزال يذكرنا زيد، وهذا مذهب البغداديين (2).

قال الشيخ: ويقوي ذلك في «ليس» أنها قد وقعت صلة لـ «ما» المصدريّة، قال:

2088 -

بما لستما أهل الخيانة والغدر (3)

ويقوّي ذلك في «لا يزال» أنّ صورته صورة النّفي، وهو موجب من حيث المعنى، فكأن «ما» المصدرية إنّما دخلت على موجب، لا على منفيّ، قال: فإن كان الفعل «نعم، وبئس» ، وغيرهما، ممّا لا يتصرف فلا يقع صلة «ما» ولا لـ «أن» (4).

ومنها: أنّ ما شذّوا فيه فقالوا: ما أفعله، نحو: ما أملأ هذه القربة! وما أمكنه عند الملك! لا يجوز أن يبنى منه «لفعل» مرادا به التعجب، فلا يقال: لملؤت القربة، ولا: لمكن زيد، وذلك أنّ «أفعل» في التعجّب، قليلة الاستعمال، فلم يجز استعمالها، إلا حيث يستعمل «ما أفعله» بقياس (5). -

(1) و (2) ينظر مذهب البغداديين في: التذييل والتكميل (4/ 696)، ومنهج السالك (ص 379)، وشرح التسهيل للمرادي (192 / ب)، والمساعد لابن عقيل (2/ 165).

وفي الأصول لابن السراج (1/ 65): (ولا يجوز: ما أحسن ما ليس زيدا، ولا: ما أحسن ما زال زيدا، كما جاز ذلك في «كان»، ولكن يجوز: ما أحسن ما ليس يذكر زيد، وما أحسن ما لا يزال يذكرنا زيد، وهذا مذهب البغداديين) اه.

(3)

هذا عجز بيت من الطويل، ولم يسم قائله، وهو بتمامه:

أليس أميري في الأمور بأنتما

بما لستما أهل الخيانة والغدر

اللغة والإعراب: قال السيوطي في شرح شواهد المغني (ص 717): والباء في «بأنتما» زائدة، وقوله:«بما لستما» ما: موصول حرفي، ووصلت بـ «ليس» ندورا، وقيل: إنها موصول اسمي، والعائد محذوف.

والشاهد في البيت: وقوع «ليس» صلة لـ «ما» في قوله: «بما لستما» .

ينظر الشاهد في منهج السالك (ص 379)، ومغني اللبيب، بحاشية الأمير (2/ 7).

(4)

تنظر أقوال الشيخ أبي حيان هذه في: التذييل والتكميل (4/ 696)، ومنهج السالك (ص 379)، وشرح التسهيل للمرادي (192 / ب).

(5)

هذا هو كلام الشيخ أبي حيان في التذييل والتكميل (4/ 699).

ص: 2652

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ومنها: أنّ نحو: ما أحسن [3/ 122] زيدا لا ما أشرفه! وما أحسن زيد لا أشرفه! منع من إجازتهما الكسائي، وقال النحاس: إنّهما جائزتان على مذهب البصريين؛ لأنّ حكم «لا» أن يكون بعد الإيجاب (1). انتهى.

وفي إجازة المسألة الأولى نظر، لأنّ «لا» إنّما يعطف بها المفرد، لا الجملة.

* * *

(1) يراجع ذلك في: منهج السالك (ص 385)، والمرجع السابق (4/ 700).

ص: 2653