الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[على: معانيها، وحكم زيادتها]
قال ابن مالك: (ومنها: «على» للاستعلاء حسّا، أو معنى، وللمصاحبة، وللمجاوزة، وللتّعليل، وللظّرفيّة، ولموافقة «من والباء»، وقد تزاد دون تعويض).
ــ
أي: لا أحد يتكل عليه؛ فيحتاج أن (يعتمل)(1) بنفسه لإصلاح حاله فعلى «من» قوله «على من» متعلقة بـ «يتكل» . (2)، وكذا [4/ 10] قال في البيت الآخر: يحتمل أن الكلام تم عند قوله: «فانظر» أي: فانظر لنفسك، ولما قرر أنه لا يؤاتيه إلا أخو ثقة استدرك على نفسه، فاستفهم على سبيل الإنكار على نفسه حيث قرر وجود أخي ثقة؛ فقال: بمن ثثق؟ أي لا أحد يوثق به؛ فالباء في «بمن» متعلقة بـ «تثق» (3). انتهى.
ولا يخفى أن المعنى ليس ما قاله؛ إنما المعنى على ما قاله المصنف والمتأمل لا يخفى عليه ذلك، ثم يقال: هب أن هذا التأويل يتم له في البيتين فما يفعل في قول الآخر:
2540 -
فهلّا الّتي عن بين جنبيك تدفع.
قال ناظر الجيش: قال المصنف (4): استعمال «على» للاستعلاء حسّا: (كقوله تعالى)(5): كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (6)، [و] وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (7)، واستعمالها للاستعلاء معنى: نحو: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ (8).
[و] وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (9)، ومن هذا النوع المقابلة اللام المفهمة ما يجب كقول الشاعر:
2541 -
فيوم علينا ويوم لنا
…
ويوم نسا [ء] ويوم نسرّ (10)
2542 -
عليك لا لك من يلحاك في كرم
…
نحو فاضرر الإملاق والعدم (11)
-
(1) كذا في الأصل.
(2)
التذييل (7/ 43 / ب).
(3)
المصدر السابق.
(4)
انظر: شرح التسهيل (3/ 163).
(5)
من شرح التسهيل لابن مالك (مخطوط بدار الكتب، 10 ش نحو) وبالأصل: نحو.
(6)
سورة الرحمن: 26.
(7)
سورة المؤمنون: 22.
(8)
سورة البقرة: 253.
(9)
سورة البقرة: 228.
(10)
من المتقارب للنمر بن تولب كما استشهد به على مجيء المبتدأ نكرة محضة في مقام التنويع، وعلى حذف رابط الجملة المخبر بها فالأصل: نساء فيه ونسر فيه. وانظر: الكتاب (1/ 44)، والهمع (1/ 10)، (2/ 28).
(11)
من البسيط، وفي الأصل: الآفات مكان الإملاق. وانظره في التذييل (4/ 25).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثله:
2543 -
لك لا عليك من استعنت فلم يعن
…
إلّا على ما ليس فيه ملام (1)
ومن هذا النوع وقوع «على» بعد «وجب» وشبهه؛ لأن «وجب عليك» .
مقابل لـ «وجب لك» وكذا وقوعها بعد «كذب» وشبهه. ومن الاستعلاء المعنوي وقوعها بعد «كبر، وضعف، وعز، وعظم» مما فيه معنى «ثقل» وكذلك ما دلّ على معنى تمكن نحو: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ * (2)[و]«وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت» (3).
واستعمالها للمصاحبة: نحو: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى (4)[و] وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ (5)، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ (6)، وفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ (7)، وأَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ (8)، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم حين استأذن عمر رضي الله عنه:«ائذن له وبشّره بالجنّة على بلوى تصيبه» (9) أي: مع بلوى تصيبه.
واستعمالها للمجاوزة: كوقوعها بعد «بعد، وخفي، وتعذر، واستحال، وحرم، وغضب» ، وأشباهها. ولمشاركتها «عن» في المجاوزة [تعاقبتا] في بعض المواضع نحو: رضي عنه وعليه، وأبطأ عنه وعليه، وأحال بوجهه عنه وعليه إذا عدل عنه، وولى بوده عنه، وعليه قال الشاعر:
2544 -
إذا امرؤ ولّى عليّ بؤدّه
…
وأدبر لم يصدر بإدباره ودّي (10)
-
(1) من الكامل وراجع المصدر السابق.
(2)
سورة البقرة: 5، وسورة لقمان:5.
(3)
جزء حديث، وهو في سنن الترمذي وصحيح البخاري عن شداد بن أوس وفي سنن أبي داود عن ابن بريدة عن أبيه مع اختلاف فيما قبله - وراجع: سنن الترمذي: أبواب الدعوات (15) وسنن أبي داود: كتاب الأدب (2/ 613)، وصحيح البخاري (8/ 83) والهمع (2/ 28).
(4)
سورة البقرة: 177.
(5)
سورة الرعد: 6.
(6)
سورة إبراهيم: 39.
(7)
سورة القصص: 25.
(8)
سورة الأعراف: 63.
(9)
أخرجه عن أبي موسى الأشعري: البخاري: فضائل الصحابة (5 - 7)، أدب (19) ومسلم:
فضائل الصحابة (29) وفيه «مع» بدل «على» .
(10)
من الطويل لدوسر بن غسان. وراجع الخصائص (2/ 311)، وشرح الجواليقي على أدب الكاتب (ص 355).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واستعمالها للتعليل: كقوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (1). ومنه قول الشاعر:
2545 -
على مورثات المجد تحمد فاقتها
…
ودع ما عليه ذمّ من كان قد ذما (2)
ومنه قول الآخر:
2546 -
علام تقول الرّمح يثقل عاتقي
…
إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت (3)
أي: لأي سبب؟
واستعمالها للظرفية: كقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ (4) وكقوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها (5)، ومنه قول الشاعر:
2547 -
يمرّون بالدّهنا خفافا عيابهم
…
ويخرجن من دارين بجر الحقائب
على حين [ألهى] النّاس جلّ أمورهم
…
فندلا زريق المال ندل الثّعالب (6)
واستعمالها موافقة لـ «من» : كقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ * (7)، وكقوله تعالى: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (8) المعنى من أزواجهم، ومن الناس.
واستعمالها موافقة للباء: كقوله تعالى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ (9) أي: بأن لا أقول، وقرأ أبيّ بن كعب (10) رضي الله عنه: «حقيق بأن -
(1) سورة البقرة: 185، وانظر سورة الحج:37.
(2)
البيت من الطويل وهو من شواهد التذييل (4/ 26).
(3)
من الطويل وانظره في الأشموني (2/ 222) والمغني (ص 125).
(4)
سورة البقرة: 102.
(5)
سورة القصص: 15.
(6)
من الطويل للأحوص أو أعشى همدان، والدهنا: رملة من بلاد تميم تمد وتقصر، دارين: موضع في البحرين ينسب إليه المسك، بجر: جمع بجراء: ممتلئة، العيبة: ما يجعل فيه الثياب، والحقيبة - هنا -: وعاء الزاد، وندل: خطف، وزريق: علم رجل. يصف تجارا وقيل: لصوصا. وانظر ملحقات ديوانه (ص 289) والتصريح (2/ 116، 258)، والخصائص (1/ 120)، والكتاب (1/ 59)، واللسان «ندل» .
(7)
سورة المؤمنون: 5، 6 وسورة المعارج 29، 30.
(8)
سورة المطففين: 2.
(9)
سورة الأعراف: 105.
(10)
ابن قيس من بني النجار أبو المنذر صحابي أنصاري سيد القراء كافة، أول من كتب للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان ربعة أبيض اللحية نحيفا قصيرا. (ت 22 أو 30 هـ). وراجع: الإصابة (1/ 16)، والأعلام (1/ 78)، وغاية النهاية (1/ 31).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا أقول» (1) فكانت قراءته مفسرة لقراءة الجماعة. وقد جاءت «على» زائدة دون تعويض في قول حميد بن ثور:
2548 -
أبى الله إلّا أنّ سرحة مالك
…
على كلّ أفنان العضاه تروق (2)
فزاد «على» ؛ لأن راق متعد بنفسه مثل «أعجب» ؛ لأنهما بمعنى واحد يقال: راقني حسن الجارية، وأعجبني عقلها، وفي الحديث:«من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفّر عن يمينه وليفعل الّذي هو خير» (3)، والأصل: من حلف يمينا، كما قال النابغة:
2549 -
حلفت يمينا غير ذي مثنويّة
…
[ولا علم إلّا حسن ظنّ بصاحب](4)
فـ «علي» زائدة، وقيل: هي بمعنى الباء. ويلزم من كونها بمعنى الباء أن تكون زائدة؛ لأن الباء زائدة في قولك: حلفت بيمين؛ لأن «حلف» يتعدى إلى اليمين كتعدية «آلى» ؛ لأنه بمعناه. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (5).
والمعاني التي ذكرها لهذا الحرف سبعة. أما الاستعلاء فمجمع عليه وهو معناه الأصلى، وعليه عوّل المغاربة فلم يتعرضوا إلى ذكر غيره إلا منسوبا إلى غير مذهب البصريين. قال ابن أبي الربيع: و «على» معناها الاستعلاء (6) وذكر القتبي أنها وضعت موضع حروف.
قال: وهذا مذهب الكوفيين الذين يرون وضع الحروف بعضها مكان [بعض].
وأما البصريون فيذهبون إلى التضمين؛ قال ابن عصفور (7): معنى «على» اسما كانت أو حرفا: الاستعلاء؛ حقيقة نحو: زيد على الفرس، أو مجازا نحو: عليه مال -
(1) وهي - كذلك - قراءة ابن مسعود. راجع البحر المحيط (4/ 355) وما بعدها وحجة ابن زنجلة (ص 289)، ومعاني الفراء (1/ 386).
(2)
من الطويل، سرحة مالك: امرأته، العضاه من شجر الشوك. وفيه للأشموني نظر وأوضحه الصبان بأن «تروق» هنا بمعنى: تزيد وتفضل. وانظر: ديوانه (ص 41) والأشموني (2/ 222)، والتصريح (2/ 15)، والدرر (2/ 23)، والمغني (ص 144)، والهمع (2/ 29).
(3)
يروى عن أبي هريرة وعن غيره. وانظر: البخاري (8/ 182)، والترمذي: أبواب النذور (6)، وابن ماجه (1/ 68)، ومسلم أيمان (19)، وموطأ مالك: النذور والأيمان (11) والنسائي: أيمان (15، 16).
(4)
بيت من الطويل وذكرنا عجزه، وغير ذي مثنوية: لم يستثن فيها ثقة بصاحبه وهو في ديوانه (ص 10).
(5)
انظر: شرح التسهيل لابن مالك (3/ 165).
(6)
التذييل (4/ 26) بغير نسبة له، وانظر: الهمع (2/ 28).
(7)
في شرحه على الإيضاح كما سيأتي آخر هذا النص.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لزيد؛ يريد: أن المال ثبت عليه كما يثبت الشيء على المكان، وقد يعرض فيها إشكال في بعض المواضع التي تتصرف فيها، فيظن أنها قد فارقت معنى الاستعلاء وليس كذلك. فمن تلك المواضع قولهم: زرت زيدا على مرضي، وأعطيته على أنه شتمني؛ والوجه في ذلك أن المرض من شأنه أن يمنع المريض أن يزور، والشتم من شأنه أن يمنع المشتوم من أن يعطي شاتمه شيئا، فلما لم يمنعه المرض من الزيارة ولا الشتم من الإعطاء صارا
ممنوعين مما عهد فيهما [4/ 11] والممنوع من الشيء مقهور، والقهر علو في المعنى بدليل قولك: فلان يحب قهر فلان، فساغ دخول «على» عليهما على جهة المجاز والتشبيه للشيء المعقول بالشيء (المحس) (1). ومن هذا القبيل قول قيس الرقيات (2):
2550 -
ألا طرقت من آل بثنة طارقه
…
على أنّها معشوقة الدّلّ عاشقه (3)
فـ «عاشقة» منوي بها التقديم؛ لأنه صفة لـ «طارقة» والتقدير: ألا طرقت من آل بثنة طارقة عاشقة على أنها معشوقة الدل. ووجه الشبه بين هذا والذي قبله أن المعشوق من شأنه أن يعرض عن عاشقه ويهجره كما أن المرض من شأنه أن يمنع المريض من أن يزور. ومنها أيضا قولهم: فلان على البصرة؛ لأنه إذا أمّر عليها فقد صارت تحت حكمه وقهره. ومن هذا القبيل قولهم: تعذّر عليه كذا، وصعب عليه، وشقّ عليه؛ لأن جميع ذلك راجع إلى معنى امتنع، والمنع قهر، والقهر علو.
ومنه أيضا قولهم: خفي عليه كذا، وأشكل عليه، وكل ما كان راجعا إلى معنى «خفي» ؛ لأنه إذا خفي عليه، الشيء فقد منعه من أن يدركه. ومنها قولهم:
تقوّل عليه ما لم يقل؛ لأنه إذا نسب إليه ما لم يقل فقد حمّله إياه، والمحمول أبدا في الأمور (المحسّة) (4) من شأنه أن يكون غالبا على حامله. فأدخلت «على» عليه تشبيها للمعقول (بالمحسّ) (5). ومنها قولهم: اتصل بي هذا على لسان فلان؛ لأن اللسان حامل للكلام؛ قال الله تعالى: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ (6) أي: على لسان رجل منكم. ومنها قولهم: كان -
(1) في الأصل: المحسوس، والصواب ما أثبتناه.
(2)
عبيد الله بن قيس من بني عامر، شاعر قريش في العصر الأموي (ت: 85 هـ) راجع: الأعلام (4/ 352)، والخزانة (3/ 267)، والسمط (1/ 294)، والشعر والشعراء (1/ 539).
(3)
من الطويل، والدل. جرأة المرأة في التكسّر والتثنّي والتغنّج. والبيت في التذييل (4/ 25).
(4)
في الأصل: المحسوس.
(5)
في الأصل: بالمحسوس.
(6)
سورة الأعراف: 63.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذلك على عهد كسرى، لأنه إذا كان في عهده كان العهد متحملا له، ومن هذا القبيل: جازاه على كذا، وعاقبه على كذا، وأساء إليه على كذا، وكل ما هو راجع إلى معنى المجازاة؛ لأن السبب الذي لأجله وقعت المجازاة هو الذي أوصل المجازاة وحملها إليه. ومنها قولهم: كرّ عليه، وعطف عليه ورجع عليه.
وجنى عليه، وكل ما هو راجع إلى معنى عطف؛ لأن من عطف على شيء فهو فوقه في الأشياء (المحسة) (1) فشبة في ذلك المعقول (بالمحس) (2). هذا كلامه في شرح الإيضاح ثم أتبع ذلك بأن قال:
وزعم الكوفيون أن لها ستة معان خلاف ما ذكرناه: وهي معنى «عن» ، ومعنى «اللام» ، ومعنى «الباء» ومعنى «مع» ، ومعنى «في» ، ومعنى «من» .
وأقول: هذه الستة هي التي ذكرها المصنف إلا أنه عبر عن معنى «عن» بالمجازاة وعن معنى «اللام» بالتعليل، وعن معنى «مع» بالمصاحبة وعن معنى «في» بالظرفية، وذكر «الباء ومن» بلفظهما. وأنا أشير إلى ما ذكره على الترتيب.
أما المصاحبة: فقد استدل المصنف عليها كما عرفت بقوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ (3)[و] وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ (4)، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ (5)، وفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ (6)، وأَ [وَ] عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ [لِيُنْذِرَكُمْ](7)، وبالحديث الشريف:«وبشّره بالجنّة على بلوى تصيبه» ولك أن تدعي أن «على» في هذه الآيات الشريفة والحديث الشريف للاستعلاء وتقرير ذلك أن المستعلي على الشيء حائز لذلك الشيء متمكّن منه متصرف فيه كما يتصرف المالك في ملكه.
وعلى هذا فالآية الأولى: قصد فيها الإخبار بأن مؤتي المال يؤتيه مع أنه مستول على حب المال قد تمكن منه باستعلائه عليه، وهو مع ذلك لا يمنعه الاشتمال على حب المال من الإيتاء، وهذا منه تعالى ثناء عظيم، ومدح شريف. وأما الآية الثانية:
فالقصد فيها الإعلام بأن الله تعالى يغفر الذنوب مع اشتمال العباد على ظلم أنفسهم، -
(1) في الأصل: المحسوسة.
(2)
في الأصل: بالمحسوس.
(3)
سورة البقرة: 177.
(4)
سورة الرعد: 6.
(5)
سورة إبراهيم: 39.
(6)
سورة القصص: 25.
(7)
سورة الأعراف: 63.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتمكنهم منه باستعلائهم عليه. وأما الآية الثالثة: فالقصد فيها الاعتراف بنعمة الله تعالى حيث وهب له الولد بعد أن صار مشتملا على الكبر حيث هو مستعل عليه؛ المعنى: أن الولد منه كان في غاية البعد، فتصدق الله تعالى عليه، ووهب له ما وهب. وأما الآية الرابعة: فالأمر فيها ظاهر؛ لأن المرأة إذا اشتملت على الاستحياء واستعلت عليه كان حياؤها في الغاية. وأما الآية الخامسة: فقد تقدم من كلام ابن عصفور ما فيه الجواب عنها، وأما الحديث الشريف فيحتاج الجواب عنه إلى تأمل.
وأما المجاوزة: فقد استدل المصنف عليها بوقوعها بعد: «بعد، وخفي، وتعذّر، واستحال، وحرم، وغضب» وأشباهها. وقد تقدم من كلام ابن عصفور أيضا ما فيه الجواب عن ذلك، وقد استدل المصنف أيضا بقولهم: رضيت عليه. والمغاربة لما ذكروا قول الشاعر:
2551 -
إذا رضيت عليّ بنو قشير
…
قالوا: إن «رضي» ضمّن معنى «عطف» وهو جواب حسن (1). وذكروا جوابا آخر، وهو أن «رضي» أجريّ مجرى ضدّه وهو «سخط» فعدي تعديته.
واستدل المصنف أيضا بقول الشاعر:
2552 -
إذا امرؤ ولّى عليّ بودّه
والجواب عنه بأن التعدي يلزم منه الإعراض ومن أعرض عن شخص فقد منعه وده، والمنع قهر والقهر علو كما قال ابن عصفور.
ومما استدل به قول الشاعر:
2553 -
أرمي عليها وهي فرع أجمع
أي: عنها، ولا دليل في ذلك؛ لأنه إذا رمى بالقوس جعل سهمه عليها؛ فكأنه قال: أرمي السهم عليها أي: كائنا عليها، وأما «رميت عن القوس» فمعناه:
أزلت السهم بالرمي عنها، ومن قال: رميت بالقوس؛ فقد جعل القوس آلة للرمي.
وأما التعليل فقد استدل عليه المصنف كما عرفت بقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (2) وأنه جعل من ذلك قول الشاعر:
2554 -
علام تقول الرّمح يثقل عاتقي
…
-
(1) شرح الجمل لابن عصفور (1/ 363).
(2)
سورة البقرة: 185.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولم يظهر لي الجواب عن ذلك. ولم يذكر [4/ 12] المغاربة شاهدا على ذلك سوى بيت واحد وهو قول الشاعر:
2555 -
رعته أشهرا وخلا عليها
…
فطار النيء منها واستعارا (1)
أي: خلا لها، ثم أجابوا عنه؛ فقال ابن عصفور: إن خلا ضمن معنى وقف قال:
لأنه إذا خلا لها فقد وقف عليها. وقال ابن أبي الربيع بعد إنشاده البيت: هذا على التضمين؛ لأن المكان إذا خلا لها فرعته وحدها فقد صار النبات عليها لكثرته، وليس هناك ما يرعاه غيرها. قال: وهذا الشاعر يصف إبلا سمنت بسرعة. والنيء: الشحم، واستعار: يريد استعر من السعير، وهو افتعل منه أشبع الفتحة فتولد منها ألف (2).
وأما الظرفية: فقد استدل المصنف عليها بما تقدم من قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ (3)، ومن قوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها (4)، وأنشد قول الشاعر:
2556 -
على حين ألهى النّاس جلّ أمورهم
ولم يذكر المغاربة شاهدا على ذلك سوى الآية الشريفة الأولى، وأجابوا عن ذلك بأن (تتلوا) ضمن معنى «تتقول»؛ قالوا: لأن معنى الآية: أنهم تقولوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه فعديت (تتلوا) تعدية ما ضمن معناه، وهو «تتقول». وأما الآية الشريفة الثانية؛ فقال الشيخ: إن (على) فيها للاستعلاء المجازي، وذلك أنه لما تمكن من الدخول والخروج في ذلك الوقت صار مستعليا عليه في المعنى (5) ولم يتعرض إلى الجواب عن (الثالثة)(6).
ويمكن أن يقال فيه ما أشار إليه من التخريج في الآية الشريفة.
وأما موافقة «من» : فقد عرفت استشهاد المصنف عليه بقوله تعالى: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ (7)، وبقوله تعالى: إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (8). وقد أجيب عن الآية الشريفة الأولى بأن (حفظون)(9) ضمن معنى «قاصرون» ؛ المعنى: -
(1) البيت في: التذييل (4/ 26)، وخزانة الأدب (10/ 142)، والنيء: الشحم، يصف ناقة بالهزال.
(2)
راجع التذييل (4/ 26).
(3)
سورة البقرة: 102.
(4)
سورة القصص: 15.
(5)
التذييل (7/ 49 / أ).
(6)
في الأصل: الثلث، وهو تحريف.
(7)
سورة المؤمنون: 6.
(8)
سورة المطففين: 2.
(9)
سورة المؤمنون: 5.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والذين هم قاصرون فروجهم إلا على أزواجهم، يقال: قصر فلان أمره على فلان.
وأما الآية الشريفة الثانية فذكر ابن عصفور (1) عن الفراء (2) أن «من، وعلى» إنما اعتقبا على هذا الموضع؛ لأنه حق عليه، فإذا قيل: اكتلت عليه؛ فكأنه قيل:
أخذت مما عليه، وإذا قيل: اكتلت منه، فكأنه قيل: استوفيت منه.
وقال الخضراوي: دخول «على» هنا أكثر من «من» ، ودخول «من» على أنه استخراج واحد ودخول «على» لأنه استطلاع بحق واستشراف عليه، قال: وكلاهما على التجوز (3). وكلام الخضراوي هو معنى كلام الفراء، وقال ابن أبي الربيع: المعنى: وإذا حكموا على الناس في الكيل استوفوا؛ لأن ذلك لا يكون حتى يلوا الكيل بأنفسهم (4).
وأما موافقة الباء: فقد عرفت استدلال المصنف عليها بقوله تعالى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ (5). وذكر المغاربة من الأدلة على ذلك قول العرب: اركب على اسم الله؛ المعنى: باسم الله، وبقول الشاعر:
2557 -
شدّوا المطيّ على دليل دائب
…
من أهل كاظمة بسيف الأبحر (6)
أي: بدليل دائب. وبقول الآخر:
2558 -
وكأنّهنّ ربابة وكأنّه
…
يسر يفيض على القداح ويصدع (7)
أي: بالقداح وقد خرّج ذلك كله على التضمين (8) فأما الآية الشريفة فـ «حقيق» فيها ضمن معنى «حريص» وأما «اركب على اسم الله» ، و «على دليل» ، ويفيض على القداح» فخرجه ابن عصفور على تعليق «على» بمحذوف في موضع الحال؛ التقدير: اركب معتمدا على اسم الله، وشدوا المطي معتمدين على دليل، ويفيض -
(1) شرح الجمل (1/ 363) وما بعدها.
(2)
معاني القرآن له (3/ 246).
(3)
في التذييل (4/ 27) بغير نسبة له.
(4)
في التذييل (4/ 26)«وقال بعض شيوخنا» ثم ذكر رأي ابن أبي الربيع هذا.
(5)
سورة الأعراف: 105.
(6)
من الكامل هو لعوف بن عطية، وانظر: الاقتضاب (ص 449)، والخصائص (2/ 312)، واللسان «دلل» .
(7)
من الكامل لأبي ذؤيب الهذلي، والربابة: خرقة تغطى بها القداح كما تطلق على القداح. وانظر: ديوان الهذليين (1/ 6)، واللسان «ربب» .
(8)
راجع: شرح الجمل لابن عصفور (1/ 510).